الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
/
فصل
وَأَمَّا الِاسْتِحْسَانُ (1)، فَلِأَنَّ لِأَهْلِ الْبِدَعِ أَيْضًا تَعَلُّقًا بِهِ؛ فَإِنَّ الِاسْتِحْسَانَ لَا يَكُونُ إِلَّا (بمستحسِن)(2)، وَهُوَ إِمَّا الْعَقْلُ أَوِ الشَّرْعُ.
أَمَّا الشَّرْعُ فَاسْتِحْسَانُهُ وَاسْتِقْبَاحُهُ قَدْ فَرَغَ مِنْهُمَا، لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ اقْتَضَتْ ذَلِكَ، فَلَا فَائِدَةَ لِتَسْمِيَتِهِ اسْتِحْسَانًا، وَلَا لِوَضْعِ تَرْجَمَةٍ لَهُ زَائِدَةٍ عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ/ والإجماع، وما ينشأ (عنهما)(3) مِنَ الْقِيَاسِ وَالِاسْتِدْلَالِ؛ فَلَمْ يَبْقَ إِلَّا الْعَقْلُ هُوَ المستحسِن، فَإِنْ كَانَ بِدَلِيلٍ فَلَا فَائِدَةَ لِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ، لِرُجُوعِهِ إِلَى الْأَدِلَّةِ لَا إِلَى غَيْرِهَا، وَإِنْ/ كَانَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ/ فَذَلِكَ هُوَ البدعة التي تُستحسن.
(ويشبهه)(4) قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي الِاسْتِحْسَانِ: أَنَّهُ (مَا يستحسنه)(5) المجتهد بعقله، ويميل إليه برأيه (6).
(1) ذكر ابن قدامة ثلاث تعريفات للاستحسان، فقال: له ثلاثة معان: أحدها: أن المراد به العدول بحكم المسألة عن نظائرها لدليل خاص من كتاب أو سنة. الثاني: أنه ما يستحسنه المجتهد بعقله. الثالث: قولهم: الْمُرَادَ بِهِ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ، لا يقدر على التعبير عنه. انظر: روضة الناظر (ص147) وهناك تعريفات أخرى، انظر: التعريفات للجرجاني (ص18 ـ 19)، والإحكام للآمدي (4 156 ـ 160)، والموافقات (4 205 ـ 206)، والاستصلاح لمصطفى الزرقا (ص23).
(2)
في (م): "مستحسن". وفي (غ) و (ر): "من مستحسن".
(3)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "عنها".
(4)
في (ط) و (م) و (خ): "ويشهد"، وفي (ت):"يشهد لذلك".
(5)
في (م) و (ط): "يستحسنه".
(6)
هذا القول هو قول أبي حنيفة، ذكره عنه السبكي في الإبهاج (3 190)، وابن قدامة في روضة الناظر (ص147).
قَالُوا: وَهُوَ عِنْدُ هَؤُلَاءِ مِنْ جِنْسِ مَا يُسْتَحْسَنُ فِي الْعَوَائِدِ، وَتَمِيلُ إِلَيْهِ الطِّبَاعُ؛ فَيَجُوزُ الْحُكْمُ بِمُقْتَضَاهُ إِذَا لَمْ يُوجَدُ فِي الشَّرْعِ (ما ينافيه، ففي هَذَا)(1) الْكَلَامُ مَا بيَّن أَنَّ ثَمَّ مِنَ التَّعَبُّدَاتِ مَا لَا يَكُونُ عَلَيْهِ دَلِيلٌ، وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى بِالْبِدْعَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَنْقَسِمَ إِلَى حَسَنٍ وَقَبِيحٍ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ اسْتِحْسَانٍ (باطلاً، كما أنه لَيْسَ كُلُّ اسْتِحْسَانٍ)(2) حَقًّا.
وَأَيْضًا فَقَدْ يَجْرِي عَلَى التَّأْوِيلِ الثَّانِي لِلْأُصُولِيِّينَ فِي الِاسْتِحْسَانِ، وَهُوَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ: دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ لَا تُسَاعِدُهُ الْعِبَارَةُ عَنْهُ، وَلَا يَقْدِرُ على إظهاره (3)، وهذا التأويل (للاستحسان يساعد البدعة)(4) لِأَنَّهُ يَبْعُدُ فِي مَجَارِي الْعَادَاتِ أَنْ يَبْتَدِعَ أحد بدعة من غير شبهة دليل (تنقدح)(5) لَهُ، بَلْ عَامَّةُ الْبِدَعِ لَا بُدَّ لِصَاحِبِهَا مِنْ مُتَعَلِّقِ دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ، لَكِنْ قَدْ يُمْكِنُهُ إِظْهَارُهُ وَقَدْ لَا يُمْكِنُهُ ـ وَهُوَ الْأَغْلَبُ ـ فَهَذَا مِمَّا يَحْتَجُّونَ بِهِ.
وَرُبَّمَا/ يَنْقَدِحُ لِهَذَا الْمَعْنَى وَجْهٌ بِالْأَدِلَّةِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا أَهْلُ التَّأْوِيلِ الْأَوَّلُونَ، وَقَدْ أَتَوْا بِثَلَاثَةِ أَدِلَّةٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ: {وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ/ مِنْ رَبِّكُمْ} (6)، وقوله تعالى:{اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ} (7)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{فَبَشِّرْ عِبَادِ *الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (8)، (فأحسنه)(9) هو ما تستحسنه عقولهم.
والثاني: (قَوْلُهُ)(10) عليه الصلاة والسلام: "مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حسناً فهو
(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "ما ينافي هذا".
(2)
زيادة من (غ) و (ر).
(3)
انظر: روضة الناظر (ص148)، والإحكام للآمدي (4 157).
(4)
في (ط) و (غ) و (م): "فالاستحسان يساعده لبعده"، وفي (ت):"للاستحسان لا يساعده لبعده".
(5)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "ينقدح".
(6)
سورة الزمر: الآية (55).
(7)
سورة الزمر: الآية (23).
(8)
سورة الزمر: الآية (17، 18).
(9)
زيادة من (غ) و (ر).
(10)
في (م): "في قوله".
عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ" (1).
وَإِنَّمَا (يَعْنِي)(2) بِذَلِكَ مَا رأوه بعقولهم، وإلا (فلو)(3) كَانَ حُسْنُهُ بِالدَّلِيلِ الشَّرْعِيِّ، لَمْ يَكُنْ مِنْ حُسْنِ مَا يَرَوْنَ، إِذْ لَا مَجَالَ لِلْعُقُولِ فِي التَّشْرِيعِ عَلَى مَا زَعَمْتُمْ، فَلَمْ يَكُنْ لِلْحَدِيثِ فَائِدَةٌ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مَا (رأوه)(4) برأيهم.
والثالث: أَنَّ الْأُمَّةَ قَدِ اسْتَحْسَنَتْ دُخُولَ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ/ أُجْرَةٍ، وَلَا تَقْدِيرِ مُدَّةِ اللَّبْثِ وَلَا تَقْدِيرِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَلَا سَبَبَ لِذَلِكَ إِلَّا أَنَّ الْمُشَاحَّةَ فِي مِثْلِهِ (قَبِيحَةٌ)(5) فِي الْعَادَةِ، فَاسْتَحْسَنَ النَّاسُ/ تَرْكَهُ، مَعَ أَنَّا نَقْطَعُ (بأن)(6) الْإِجَارَةَ الْمَجْهُولَةَ، أَوْ مُدَّةَ الِاسْتِئْجَارِ أَوْ مِقْدَارَ الْمُشْتَرَى إِذَا جُهِلَ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ، وَقَدِ اسْتُحْسِنْتَ إِجَارَتُهُ مَعَ مُخَالَفَةِ الدَّلِيلِ، فَأَوْلَى أَنْ يُجَوَّزَ إذا لم يخالف دليلاً.
(1) قال الألباني في السلسلة الضعيفة (2 16)، برقم (532): موضوع، رواه الخطيب (4 165)
…
وقال: تفرد به النخعي قلت (الألباني): وهو كذاب
…
ولهذا قال الحافظ ابن عبد الهادي: إسناده ساقط، والأصح وقفه على ابن مسعود، نقله في الكشف (2 188)، انتهى كلام الألباني. والحديث ثبت موقوفاً على ابن مسعود رضي الله عنه، أخرجه الإمام أحمد في المسند (5 211)، برقم (3600)، وقال أحمد شاكر: إسناده صحيح، وهو في مجمع الزوائد (1 177 ـ 178) وقال الهيثمي: رواه أحمد والبزار والطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. انتهى كلام أحمد شاكر، وقال الألباني في السلسلة الضعيفة برقم (533) عن حديث ابن مسعود: لا أصل له مرفوعاً، وإنما ورد عن ابن مسعود
…
أخرجه أحمد (رقمه 3600)، والطيالسي في مسنده (23)، وأبو سعيد الأعرابي في معجمه (84 2)، من طريق عاصم عن زر بن حبيش عنه، وهذا إسناد حسن، وروى الحاكم
…
وقال: صحيح الإسناد، ووافقه الذهبي، وقال الحافظ السخاوي: هو موقوف حسن. قلت (الألباني): وكذا رواه الخطيب في الفقيه والمتفقه (100 2)، من طريق المسعودي عن عصام به، إلا أنه قال: أبي وائل بدل زر بن حبيش
…
إلخ. ثم علق الألباني على الحديث تعليقاً مهما فانظره في السلسلة الضعيفة (2 17 ـ 19).
(2)
في (م): "ينبغي".
(3)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "لو".
(4)
في (خ): "رواه".
(5)
في (م) و (غ) و (ر): "قبيح".
(6)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "أن".
فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ هَذَا الْمَوْضِعَ مَزَلَّةُ قَدَمٍ أَيْضًا لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يَبْتَدِعَ فَلَهُ أَنْ يَقُولَ: إِنِ اسْتَحْسَنْتُ كَذَا وَكَذَا فَغَيْرِي مِنَ الْعُلَمَاءِ قَدِ اسْتَحْسَنَ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا (بُدَّ)(1) مِنْ فَضْلِ اعْتِنَاءٍ بِهَذَا الْفَصْلِ، حَتَّى لَا يَغْتَرَّ بِهِ جَاهِلٌ أَوْ زَاعِمٌ أَنَّهُ عَالَمٌ، وَبِاللَّهِ التَّوْفِيقُ، فَنَقُولُ:
إِنَّ الِاسْتِحْسَانَ يَرَاهُ مُعْتَبَرًا فِي الْأَحْكَامِ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ، بِخِلَافِ الشَّافِعِيِّ (2) فَإِنَّهُ مُنْكِرٌ لَهُ جِدًّا حَتَّى قَالَ: من استحسن فقد شرَّع (3). والذي يُستقرى مِنْ/ مَذْهَبِهِمَا أَنَّهُ يَرْجِعُ إِلَى الْعَمَلِ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ، (هَكَذَا)(4) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ، قَالَ: فَالْعُمُومُ إِذَا اسْتَمَرَّ، وَالْقِيَاسُ إِذَا اطَّرَدَ، فَإِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ يَرَيَانِ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِأَيِّ دَلِيلٍ كَانَ مِنْ ظَاهِرٍ أَوْ مَعْنَى ـ قَالَ ـ وَيَسْتَحْسِنُ مَالِكٌ أَنْ يَخُصَّ بِالْمَصْلِحَةِ، وَيَسْتَحْسِنُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يَخُصَّ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ مِنَ الصَّحَابَةِ الْوَارِدِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ ـ قَالَ ـ: وَيَرَيَانِ مَعًا تَخْصِيصَ الْقِيَاسِ ونقض الْعِلَّةِ، وَلَا يَرَى الشَّافِعِيُّ لِعِلَّةِ الشَّرْعِ/ ـ إِذَا ثَبَتَ ـ تَخْصِيصًا.
هَذَا مَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ. ويشعر بذلك تفسير الكرخي (5): أَنَّهُ الْعُدُولُ عَنِ الْحُكْمِ فِي الْمَسْأَلَةِ بِحُكْمِ نَظَائِرِهَا إِلَى خِلَافِهِ لِوَجْهٍ أَقْوَى (6).
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ: أَنَّهُ الْقِيَاسُ الَّذِي يَجِبُ الْعَمَلُ بِهِ؛ لأن العلة (لمَّا)(7) كَانَتْ عِلَّةً بِأَثَرِهَا، سَمَّوْا الضَّعِيفَ الْأَثَرِ قِيَاسًا، والقوي الأثر
(1) زيادة من (ط) و (ت) و (غ) و (ر).
(2)
انظر: روضة الناظر ص147 ـ 148، علم أصول الفقه لخلاف ص79 ـ 83، ومصادر التشريع لخلاف ص70، وأدلة التشريع المختلف في الاحتجاج بها للربيعة ص175 ـ 168، والاستصلاح للزرقا ص23 ـ 33.
(3)
لم أجد هذا النص في كتب الشافعي، ولكن ذكره عن الشافعي جمع من العلماء منهم الآمدي في الإحكام (4 209) والإبهاج شرح المنهاج (3 188).
(4)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "وهكذا".
(5)
هو أبو الحسن عبيد الله بن الحسين بن دلال البغدادي الكرخي، انتهت إليه رئاسة المذهب، توفي سنة 340هـ. انظر: تاريخ بغداد (10 353)، والجواهر المضية (1 306)، السير (15 426)، وغير ذلك.
(6)
انظر: الإحكام للآمدي (4 158).
(7)
زيادة من (غ) و (ر). وفي هامش (ت): "إن".
اسْتِحْسَانًا، أَيْ قِيَاسًا مُسْتَحْسَنًا، وَكَأَنَّهُ/ نَوْعٌ مِنَ الْعَمَلِ بِأَقْوَى الْقِيَاسَيْنِ، وَهُوَ يَظْهَرُ مِنِ اسْتِقْرَاءِ مَسَائِلِهِمْ فِي الِاسْتِحْسَانِ بِحَسَبِ النَّوَازِلِ الْفِقْهِيَّةِ.
بَلْ قَدْ جَاءَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ/ الِاسْتِحْسَانَ تِسْعَةُ أعشار العلم (1). ورواه أَصْبُغُ (2) عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ.
قَالَ أَصْبُغُ فِي الِاسْتِحْسَانِ: قَدْ يَكُونُ أَغْلَبَ مِنَ القياس (3).
وجاء عن مالك: إن المغرق فِي/ الْقِيَاسِ يَكَادُ يُفَارِقُ السُّنَّةَ (4).
وَهَذَا الْكَلَامُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَقَدَّمَ قَبْلُ، وَأَنَّهُ مَا يَسْتَحْسِنُهُ الْمُجْتَهِدُ بِعَقْلِهِ/ أَوْ أَنَّهُ دَلِيلٌ يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ تَعَسُرُ عِبَارَتُهُ عَنْهُ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا لَا يَكُونُ تِسْعَةَ أَعْشَارِ الْعِلْمِ، وَلَا أَغْلَبَ مِنَ الْقِيَاسِ الَّذِي هُوَ أَحَدُ الْأَدِلَّةِ.
/وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ: الِاسْتِحْسَانُ إِيثَارُ تَرْكِ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِثْنَاءِ وَالتَّرَخُّصِ، (لِمُعَارَضَةِ)(5) مَا يُعَارَضُ بِهِ فِي بَعْضِ مُقْتَضَيَاتِهِ، وقسَّمه أَقْسَامًا عدَّ مِنْهَا أَرْبَعَةَ أَقْسَامِ، وَهِيَ: تَرْكُ الدَّلِيلِ للعرف، وتركه للمصلحة، (وتركه للإجماع)(6)، وتركه (في اليسير)(7) لِرَفْعِ الْمَشَقَّةِ (وَإِيثَارِ التَّوْسِعَةِ)(8).
وحدَّه غَيْرُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ أَهْلِ الْمَذْهَبِ بِأَنَّهُ عِنْدَ مَالِكٍ: اسْتِعْمَالُ مَصْلَحَةٍ جُزْئِيَّةٍ فِي مُقَابَلَةِ قِيَاسٍ كُلِّيٍّ. قَالَ: فَهُوَ تَقْدِيمُ الِاسْتِدْلَالِ الْمُرْسَلِ عَلَى الْقِيَاسِ.
وَعَرَّفَهُ ابْنُ رُشْدٍ فَقَالَ: الِاسْتِحْسَانُ الَّذِي يَكْثُرُ استعماله حتى يكون
(1) أخرجه ابن حزم في الإحكام بسند متصل (6 16).
(2)
هو أصبغ بن الفرج بن نافع المصري المالكي، تقدمت ترجمته (1/ 26).
(3)
انظر: الإحكام لابن حزم (6 16).
(4)
لم أجده عن مالك، وقد جعله المصنف من قول أصبغ لا مالكاً كما في الموافقات (4 210).
(5)
في هامش (ت) كتبت: "لمعاوضة".
(6)
زيادة من (غ) و (ر).
(7)
في (ط) و (خ) و (ت): "لليسير".
(8)
في (ت): "وإيثاراً للتوسعة".
أعم من القياس هو: أن يكون (طرد القياس)(1) يُؤَدِّي إِلَى غُلُوٍّ فِي الْحُكْمِ وَمُبَالَغَةٍ فِيهِ، فَيُعْدَلَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ لِمَعْنًى يُؤَثِّرُ فِي الْحُكْمِ يَخْتَصُّ بِهِ ذَلِكَ الْمَوْضِعُ.
وَهَذِهِ تَعْرِيفَاتٌ قَرِيبٌ بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ.
وَإِذَا كَانَ هذا معناه (عند)(2) مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ فَلَيْسَ بِخَارِجٍ عَنِ الْأَدِلَّةِ الْبَتَّةَ؛ لِأَنَّ الْأَدِلَّةَ يُقَيِّدُ بَعْضُهَا وَيُخَصِّصُ بَعْضُهَا بَعْضًا كَمَا فِي الْأَدِلَّةِ/ السُّنِّيَّةِ/ مَعَ الْقُرْآنِيَّةِ، وَلَا يَرُدُّ الشَّافِعِيُّ مِثْلَ هَذَا أَصْلًا، فَلَا حُجَّةَ فِي تَسْمِيَتِهِ اسْتِحْسَانًا لِمُبْتَدَعٍ عَلَى حَالٍ.
وَلَا بُدَّ مِنَ الْإِتْيَانِ بِأَمْثِلَةٍ تُبَيِّنُ الْمَقْصُودَ بِحَوْلِ اللَّهِ، وَنَقْتَصِرُ عَلَى عَشَرَةِ أَمْثِلَةٍ:
أَحَدُهَا: أَنْ يُعْدَلَ بِالْمَسْأَلَةِ عَنْ نَظَائِرِهَا بِدَلِيلِ الْكِتَابِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى:{خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا} (3) فَظَاهِرُ اللَّفْظِ الْعُمُومُ فِي جَمِيعِ/ مَا (يُتَمَوَّلُ)(4) بِهِ، وَهُوَ مَخْصُوصٌ فِي الشَّرْعِ بِالْأَمْوَالِ الزَّكَوِيَّةِ خاصة، فلو قال قائل: مالي صَدَقَةٌ. فَظَاهِرُ لَفْظِهِ يَعُمُّ كُلَّ مَالٍ، وَلَكِنَّا نَحْمِلُهُ عَلَى مَالِ الزَّكَاةِ، لِكَوْنِهِ ثَبَتَ الْحَمْلُ عَلَيْهِ فِي الْكِتَابِ.
قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَكَأَنَّ هَذَا يَرْجِعُ إِلَى تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِعَادَةِ فَهْمِ خِطَابِ الْقُرْآنِ. وَهَذَا الْمِثَالُ أَوْرَدَهُ الْكَرْخِيُّ تَمْثِيلًا لِمَا قاله في/ الاستحسان.
والثاني: أَنْ يَقُولَ الْحَنَفِيُّ: سُؤْرُ سِبَاعِ الطَّيْرِ نَجِسٌ، قِيَاسًا عَلَى سِبَاعِ الْبَهَائِمِ. وَهَذَا ظَاهِرُ الْأَثَرِ، وَلَكِنَّهُ ظَاهِرٌ اسْتِحْسَانًا، لِأَنَّ السَّبْعَ لَيْسَ بِنَجِسِ الْعَيْنِ، وَلَكِنْ لِضَرُورَةِ تَحْرِيمِ لَحْمِهِ، فَثَبَتَتْ نَجَاسَتُهُ (لمجاورة)(5) رُطُوبَاتِ لُعَابِهِ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَارَقَهُ الطَّيْرُ، لِأَنَّهُ يَشْرَبُ بِمِنْقَارِهِ وَهُوَ طَاهِرٌ بِنَفْسِهِ، فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِطَهَارَةِ سُؤْرِهِ، لِأَنَّ هَذَا أَثَرٌ قَوِيٌّ وإن خفي، فترجح على
(1) في (ط): "طرحا لقياس".
(2)
في (ط): "عن".
(3)
سورة التوبة: الآية (103).
(4)
في (م): "يتعول".
(5)
في (ط): "بمجاورة".
الْأَوَّلِ، وَإِنْ كَانَ أَمْرُهُ جَلِيًّا، وَالْأَخْذُ بِأَقْوَى القياسين متفق عليه.
والثالث: أَنْ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ: إِذَا/ شَهِدَ أَرْبَعَةٌ عَلَى رَجُلٍ بِالزِّنَا، وَلَكِنْ عيَّن كُلُّ وَاحِدٍ (جهة)(1) غير الجهة التي عيَّنها (غيره)(2)، فَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يُحَدَّ، وَلَكِنِ اسْتُحْسِنَ حَدُّهُ، وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يُحَدُّ إِلَّا مَنْ شَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَةٌ، فَإِذَا عيَّن كُلُّ وَاحِدٍ ((منهم)(3) دَارًا، فَلَمْ يَأْتِ عَلَى كُلِّ مَرْتَبَةٍ بِأَرْبَعَةٍ؛ لِامْتِنَاعِ/ اجْتِمَاعِهِمْ عَلَى رُتْبَةٍ وَاحِدَةٍ، فَإِذَا عيَّن كُلُّ وَاحِدٍ) (4) زَاوِيَةً فَالظَّاهِرُ تَعَدُّدُ الْفِعْلِ، وَيُمْكِنُ التزاحف.
فإذا قيل: الْقِيَاسُ أَنْ لَا يُحد، فَمَعْنَاهُ أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يَجْتَمِعِ الْأَرْبَعَةُ عَلَى زِنًا وَاحِدٍ، ولكنه (يقول)(5) فِي الْمَصِيرِ إِلَى الْأَمْرِ الظَّاهِرِ تَفْسِيقُ (الْعُدُولِ)(6)؛ فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَكُنْ مَحْدُودًا صَارَ الشُّهُودُ فَسَقَةً، وَلَا سَبِيلَ إِلَى (ذَلِكَ)(7) مَا وَجَدْنَا إِلَى/ الْعُدُولِ عَنْهُ سَبِيلًا، فَيَكُونُ حَمْلُ الشُّهُودِ عَلَى مُقْتَضَى الْعَدَالَةِ عِنْدَ/ الْإِمْكَانِ يَجُرُّ ذَلِكَ الْإِمْكَانَ الْبَعِيدَ، فَلَيْسَ هَذَا حُكْمًا بِالْقِيَاسِ، وَإِنَّمَا/ تَمَسُّكٌ بِاحْتِمَالِ تَلَقِّي الْحُكْمِ مِنَ (الْقُرْآنِ)(8)، وَهَذَا يرجع في الحقيقة إلى تحقيق (مناطه)(9).
والرابع: أَنَّ مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنْ يَتْرُكَ الدَّلِيلَ (لِلْعُرْفِ)(10)، فَإِنَّهُ رَدَّ الْأَيْمَانَ (إِلَى الْعُرْفِ)(11)، مَعَ أَنَّ اللُّغَةَ تَقْتَضِي فِي أَلْفَاظِهَا غير ما
(1) زيادة من (غ).
(2)
في (ط) و (غ): "الآخر"، وساقطة من (خ) و (م).
(3)
زيادة من (ت).
(4)
ساقط من (غ).
(5)
كذا في جميع النسخ، وقال رشيد رضا: لعل أصله (يؤول) فإن الزنا إذا لم يثبت بشهادة من شهدوا به، يؤول الأمر إلى قذفهم للمشهود عليه وهو فسق، والله أعلم.
(6)
في (غ): "الأمور".
(7)
زيادة من (م) و (غ) و (ر).
(8)
في (ت): "القرائن" ولعلها أصوب، وكتب في هامشها:"القرآن".
(9)
في (م) و (خ) و (ت): "مناط".
(10)
ما بين القوسين ساقط من (ت). وانظر: الجواهر الثمينة في بيان أدلة عالم المدينة للمشاط (ص269 ـ 272)، وكتاب أصول الفقه وابن تيمية للمنصور (2 509 ـ 530).
(11)
في (ت): "للعرف".
يَقْتَضِيهِ الْعُرْفُ، كَقَوْلِهِ: وَاللَّهِ لَا دَخَلْتُ مَعَ فلان بيتاً. فلا يحنث (بدخوله)(1)(معه المسجد وما أشبه ذلك ووجهه أن اللفظ يقتضي الحنث بِدُخُولِ)(2) كُلِّ مَوْضِعٍ يُسَمَّى بَيْتًا (فِي اللُّغَةِ)(3) وَالْمَسْجِدِ يُسَمَّى بَيْتًا فَيَحْنَثُ عَلَى ذَلِكَ، إِلَّا أَنَّ عُرْفَ النَّاسِ أَنْ لَا يُطْلِقُوا هَذَا اللَّفْظَ عَلَيْهِ، فَخَرَجَ بِالْعُرْفِ (عَنْ)(4) مُقْتَضَى اللَّفْظِ، فلا يحنث.
/والخامس: ترك الدليل للمصلحة، كَمَا فِي تَضْمِينِ الْأَجِيرِ الْمُشْتَرِكِ (5)، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَانِعًا، فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ، كَتَضْمِينِ صَاحِبِ الحمَّام الثِّيَابَ، وَتَضْمِينِ صَاحِبِ السَّفِينَةِ، وَتَضْمِينِ السَّمَاسِرَةِ الْمُشْتَرِكِينَ، وَكَذَلِكَ حمَّال الطَّعَامِ ـ عَلَى رَأْيِ مَالِكٍ ـ فَإِنَّهُ ضَامِنٌ، ولاحق عنده بالصنَّاع، والسبب في ذلك (عين)(6) السَّبَبِ فِي تَضْمِينِ الصُّنَّاعِ.
فَإِنْ قِيلَ: فَهَذَا مِنْ بَابِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ لَا مِنْ بَابِ الِاسْتِحْسَانِ.
قُلْنَا: نَعَمْ، إِلَّا أَنَّهُمْ (صَوَّرُوا الِاسْتِحْسَانَ تصور الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْقَوَاعِدِ)(7) بِخِلَافِ الْمَصَالِحِ الْمُرْسَلَةِ، وَمِثْلُ ذَلِكَ يُتَصَوَّرُ فِي مَسْأَلَةِ التَّضْمِينِ، فَإِنَّ/ الْأُجَرَاءَ مُؤْتَمَنُونَ بِالدَّلِيلِ/ لَا بِالْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيَّةِ، فَصَارَ تَضْمِينُهُمْ فِي حَيِّزِ (الْمُسْتَثْنَى)(8) مِنْ ذَلِكَ الدَّلِيلِ، فَدَخَلَتْ تحت معنى
(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "بدخول".
(2)
زيادة من (غ).
(3)
زيادة من (غ) و (ر).
(4)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "على".
(5)
الأجير المشترك: هو الذي يقع العقد معه على عمل معين، كخياطة ثوب، وبناء حائط، وحمل شيء إلى مكان معين، أو على عمل في مدة لا يستحق جميع نفعه فيها، كالكحَّال والطبيب، سمي مشتركاً لأنه يقبل أعمالاً لاثنين وثلاثة وأكثر في وقت واحد، ويعمل لهم، فيشتركون في منفعته واستحقاقها، فسمي مشتركاً لاشتراكهم في منفعته. انظر: المغني لابن قدامة (6 105 ـ 106).
(6)
في (ط) و (خ) و (م): "بعد". وفي (غ) و (ر): "هو".
(7)
في (غ): "تصوير الاستحسان من العوايد". وفي (ت): "صورا الاستحسان بصور
…
". وفي هامشها: "تصورا الاستحسان تصور
…
إلخ".
(8)
في (ت): "الاستثناء" وكتبت في هامشها: "المستثنى".
الاستحسان (بذلك)(1)(النظر)(2).
والسادس: أنهم يحكون الإجماع عَلَى إِيجَابِ الْغَرْمِ عَلَى مَنْ (قَطَعَ)(3) ذَنَبَ بَغْلَةِ الْقَاضِي، يُرِيدُونَ غَرْمَ قِيمَةِ الدَّابَّةِ لَا قِيمَةَ النَّقْصِ الْحَاصِلِ فِيهَا، وَوَجْهُ ذَلِكَ ظَاهِرٌ، فإن (مثل)(4) بَغْلَةَ الْقَاضِي لَا يُحْتَاجُ إِلَيْهَا إِلَّا لِلرُّكُوبِ، وَقَدِ امْتَنَعَ رُكُوبُهُ لَهَا بِسَبَبِ فُحْشِ ذَلِكَ العيب، حتى صارت بالنسبة إلى (ركوبه أو)(5) رُكُوبِ مِثْلِهِ فِي حُكْمِ الْعَدَمِ، فَأَلْزَمُوا الْفَاعِلَ غَرْمَ قِيمَةِ الْجَمِيعِ، وَهُوَ/ مُتَّجِهٌ بِحَسَبِ الْغَرَضِ الْخَاصِّ، وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ لَا يَغْرَمَ إِلَّا قِيمَةَ مَا نَقَّصَهَا الْقَطْعُ خَاصَّةً، لَكِنِ اسْتَحْسَنُوا/ مَا تَقَدَّمَ.
وَهَذَا الْإِجْمَاعُ مِمَّا يُنْظَرُ فِيهِ، فَإِنَّ الْمَسْأَلَةَ ذَاتُ قَوْلَيْنِ فِي الْمَذْهَبِ وَغَيْرِهِ، وَلَكِنَّ الْأَشْهَرَ فِي الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيِّ مَا تَقَدَّمَ حسبما نص عليه القاضي عبد الوهاب (6).
والسابع: تَرْكُ مُقْتَضَى الدَّلِيلِ فِي الْيَسِيرِ لِتَفَاهَتِهِ وَنَزَارَتِهِ لِرَفْعِ الْمَشَقَّةِ، وَإِيثَارِ التَّوْسِعَةِ عَلَى الْخَلْقِ، فَقَدْ أَجَازُوا التَّفَاضُلَ الْيَسِيرَ فِي الْمُرَاطِلَةِ (7) الْكَثِيرَةِ، وَأَجَازُوا البيع (والصرف)(8) إِذَا كَانَ أَحَدُهُمَا تَابِعًا لِلْآخَرِ، وَأَجَازُوا بَدَلَ الدِّرْهَمِ النَّاقِصِ بِالْوَازِنِ (9) لِنَزَارَةِ مَا بَيْنَهُمَا، وَالْأَصْلُ الْمَنْعُ فِي الْجَمِيعِ، لِمَا فِي الْحَدِيثِ مِنْ أَنَّ/ الْفِضَّةَ بِالْفِضَّةِ، وَالذَّهَبَ بِالذَّهَبِ مِثْلًا بِمِثْلٍ سواء بسواء، وأن مَنْ زَادَ أَوِ ازْدَادَ فَقَدْ أَرْبَى (10)، وَوَجْهُ ذلك أن التافه في حكم
(1) في (غ) و (ر): "بهذا".
(2)
ما بين القوسين ساقط من (ت).
(3)
في (م): "قط".
(4)
زيادة من (غ) و (ر).
(5)
زيادة من (غ) و (ر).
(6)
هو القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر التغلبي المالكي صاحب كتاب التلقين، وهو مختصر في الفقه المالكي، يقول عنه الذهبي: وهو من أجود المختصرات، توفي سنة 422هـ. انظر: السير (17 429)، وتاريخ بغداد (11 31)، وترتيب المدارك (4 691).
(7)
يعني الوزن بالرطل، انظر: لسان العرب مادة رطل.
(8)
في سائر النسخ ما عدا (غ): "بالصرف".
(9)
يعني: درهم تام الوزن، المصدر السابق مادة وزن.
(10)
أخرجه البخاري في كتاب البيوع، باب بيع الشعير بالشعير برقم (2174 ـ 2177)،=
الْعَدَمِ، وَلِذَلِكَ لَا تَنْصَرِفُ إِلَيْهِ الْأَغْرَاضُ فِي الْغَالِبِ، وَأَنَّ الْمَشَاحَّةَ فِي الْيَسِيرِ قَدْ تُؤَدِّي إِلَى الْحَرَجِ وَالْمَشَقَّةِ، وَهُمَا مَرْفُوعَانِ عَنِ الْمُكَلَّفِ.
والثامن: أَنَّ فِي الْعُتْبِيَّةِ (1) مِنْ سَمَاعِ أَصْبُغَ (2) فِي الشَّرِيكَيْنِ يَطَآنِ الْأَمَةَ فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ، فَتَأْتِي بِوَلَدٍ فَيُنْكِرُ أَحَدُهُمَا الْوَلَدَ دُونَ الْآخَرِ: أَنَّهُ/ يَكْشِفُ مُنْكِرَ الْوَلَدِ عَنْ/ وَطْئِهِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ، (فَإِنْ كَانَ فِي صِفَتِهِ مَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْإِنْزَالُ لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى إِنْكَارِهِ، وَكَانَ كَمَا لَوِ اشْتَرَكَا فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَدَّعِي الْعَزْلَ مِنَ الْوَطْءِ الَّذِي أَقَرَّ بِهِ)(3) فَقَالَ أصبغ: إني أستحسن ها هنا أَنْ أُلْحِقَهُ بِالْآخَرِ، وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَا سَوَاءً، فَلَعَلَّهُ غَلَبَ وَلَا يَدْرِي.
وَقَدْ قَالَ عَمْرُو بن العاص رضي الله عنه فِي (نَحْوِ)(4) هَذَا: إِنَّ الْوِكَاءَ قَدْ يَنْقَلِبُ ـ قال ـ: (والاستحسان فِي الْعِلْمِ)(5)، قَدْ يَكُونُ أَغْلَبَ مِنَ الْقِيَاسِ،/ ثُمَّ حَكَى عَنْ مَالِكٍ مَا تَقَدَّمَ (ووجَّهَ) (6) ذلك ابن رشد بأن الأصل:(أن)(7) مَنْ وَطِئَ أَمَتَهُ فَعَزَلَ عَنْهَا وَأَتَتْ بِوَلَدٍ لحق به وإن كان له منكراً، ووجب على قياس ذلك إذا كانت (أمة)(8) بين رجلين (فوطئاها)(9) جميعاً
=ومسلم برقم (1584)، والترمذي برقم (1243، 1240)، وأبو داود (48 ـ 49)، والنسائي (7 273 ـ 275)، وابن ماجه (2259، 2160).
(1)
(2) العتبية، وتسمى (المستخرجة من السماعات مما ليس في المدونة) وشرحها ابن رشد ـ الجد ـ في كتابه: البيان والتحصيل والشرح والتوجيه والتعليل في مسائل المستخرجة. والعتبية هي من تأليف محمد بن أحمد العتبي القرطبي ـ المالكي (ت355هـ) له ترجمة في تاريخ علماء الأندلس (2/ 634) والسير (12/ 335)، وأصبغ هو: أصبغ بن الفرج الذي مرت ترجمته (1/ 26)، وهو الذي يرد في العتبية ويروي غالباً عن ابن القاسم تلميذ الإمام مالك. انظر: دراسات في مصادر الفقه المالكي (ص110 ـ 139).
(3)
ساقط من (غ) و (ر).
(4)
في (ت): "مثل".
(5)
في (ط) و (م) و (خ): [والاستحسان ها هنا أَنْ أُلْحِقَهُ بِالْآخَرِ وَالْقِيَاسُ أَنْ يَكُونَا فِي العلم]. وهو خطأ وجملة "ها هنا
…
ـ إلى قوله ـ أن يكونا" يظهر أنها انتقال نظر من الناسخ، فهي موجودة بعينها قبل سطر. وفي نسخة ت: والاستحسان ها هنا أن ألحقه بالآخر (ثم بياض بمقدار نصف سطر) ثم تكملة النص من قول: ثم حكى عن مالك
…
إلخ.
(6)
في (م) و (غ) و (ر): "وجه".
(7)
زيادة من (ت) و (غ) و (ر).
(8)
زيادة من (غ) و (ر).
(9)
في (م): "فوطئها".
فِي طُهْرٍ وَاحِدٍ وَعَزَلَ أَحَدُهُمَا (عَنْهَا)(1)(فَأَنْكَرَ)(2) الْوَلَدَ وَادَّعَاهُ الْآخَرُ الَّذِي لَمْ يَعْزِلْ عَنْهَا، أَنْ يَكُونَ الْحُكْمُ فِي ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا إِذَا كَانَا جَمِيعًا يَعْزِلَانِ أَوْ يُنْزِلَانِ، وَالِاسْتِحْسَانُ ـ كَمَا قَالَ ـ أَنْ (يَلْحَقَ)(3) الْوَلَدُ بِالَّذِي ادَّعَاهُ وأقر أنه كان ينزل، (ويبرأ)(4) مِنْهُ الَّذِي أَنْكَرَهُ وَادَّعَى أَنَّهُ كَانَ يَعْزِلُ، لِأَنَّ الْوَلَدَ يَكُونُ/ مَعَ الْإِنْزَالِ غَالِبًا، وَلَا يَكُونُ مَعَ الْعَزْلِ إِلَّا نَادِرًا، فَيَغْلِبُ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْوَلَدَ إِنَّمَا هُوَ لِلَّذِي ادَّعَاهُ وَكَانَ يُنْزِلُ، لَا الَّذِي أَنْكَرَهُ وَهُوَ يَعْزِلُ، وَالْحُكْمُ (بِغَلَبَةِ)(5) الظَّنِّ أَصْلٌ فِي الْأَحْكَامِ، وَلَهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ (تَأْثِيرٌ)(6)، فَوَجَبَ أَنْ يُصَارَ إليه استحساناً كما قال أصبغ. (انتهى)(7)، وهو ظاهر فيما نحن فيه.
والتاسع: ما تقدم أولاً من أن الأمة اسْتَحْسَنَتْ دُخُولَ الْحَمَّامِ مِنْ غَيْرِ تَقْدِيرِ أُجْرَةٍ، وَلَا تَقْدِيرِ مُدَّةِ/ اللَّبْثِ، وَلَا تَقْدِيرِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا الْمَنْعُ إِلَّا أَنَّهُمْ (أجازوه)(8) لا (لما)(9) قَالَ الْمُحْتَجُّونَ عَلَى الْبِدَعِ، بَلْ لِأَمْرٍ آخَرَ هُوَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ/ الَّذِي لَيْسَ بِخَارِجٍ عَنِ الْأَدِلَّةِ، فَأَمَّا تَقْدِيرُ الْعِوَضِ فَالْعُرْفُ هُوَ الَّذِي قَدَّرَهُ فَلَا/ حَاجَةَ إِلَى التَّقْدِيرِ، وَأَمَّا مُدَّةُ اللَّبْثِ وَقَدْرُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُقَدَّرًا بِالْعُرْفِ أَيْضًا، فَإِنَّهُ يَسْقُطُ لِلضَّرُورَةِ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ لِقَاعِدَةٍ فِقْهِيَّةٍ، وَهِيَ: أَنَّ نَفْيَ/ جَمِيعِ الْغَرَرِ فِي الْعُقُودِ لَا يُقَدَرُ عليه، وهو يضيق أبواب المعاملات (ويحسم)(10) أبواب (المعاوضات)(11).
ونفي (الغرر)(12) إِنَّمَا يَطْلُبُ تَكْمِيلًا وَرَفْعًا لِمَا عَسَى أَنْ يقع من نزاع،
(1) ساقط من (غ) و (ر).
(2)
في (ت): "وأنكر".
(3)
في (م): "تلحق".
(4)
في (م): "سرى". وفي (ط) و (خ): "وتبرأ".
(5)
في (غ) و (ر): "لغلبة".
(6)
في (م): "تأثر".
(7)
زيادة من (م).
(8)
في (ط) و (خ): "أجازوا".
(9)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "كما".
(10)
في (ط): "وهو تحسيم". وفي (م) و (خ) و (ت): "وهو يحسم".
(11)
في (م): "العارضات". وفي (غ) و (ر): "المعارضات" والتصحيح من (ت) حيث كتبت في الهامش مصححة "المعاوضات" وفي (ط) و (خ): "المفاوضات".
(12)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "الضرر".
فَهُوَ مِنَ الْأُمُورِ الْمُكَمِّلَةِ، وَالتَّكْمِيلَاتِ إِذَا أَفْضَى اعْتِبَارُهَا إِلَى إِبْطَالِ الْمُكَمِّلَاتِ سَقَطَتْ جُمْلَةً؛ تَحْصِيلًا لِلْمُهِمِّ ـ حَسْبَمَا تَبَيَّنَ فِي الْأُصُولِ ـ فَوَجَبَ أَنْ يُسَامِحَ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِ الْغَرَرِ الَّتِي (لَا)(1) يَنْفَكُّ عَنْهَا، إِذْ يَشُقُّ طَلَبُ الِانْفِكَاكِ عَنْهَا، فَسُومِحَ الْمُكَلَّفُ بِيَسِيرِ الْغَرَرِ، لِضِيقِ الِاحْتِرَازِ مَعَ تَفَاهَةِ مَا يَحْصُلُ مِنَ (الْغَرَرِ)(2)، وَلَمْ يُسَامَحْ فِي كَثِيرِهِ إِذْ لَيْسَ فِي مَحَلِّ الضَّرُورَةِ، وَلِعَظِيمِ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنَ الْخَطَرِ، لَكِنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ، غَيْرُ مَنْصُوصٍ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، وَإِنَّمَا نُهِيَ عَنْ بَعْضِ (أَنْوَاعِهِ)(3) مِمَّا يَعْظُمُ فِيهِ الْغَرَرُ، فَجُعِلَتْ أُصُولًا يقاس عليها (غيرها)(4)(فصار)(5) الْقَلِيلِ أَصْلًا فِي عَدَمِ الِاعْتِبَارِ وَفِي الْجَوَازِ، (وصار)(6) الكثير (أصلاً)(7) في المنع، ودار في الأصلين فروع تجاذب الْعُلَمَاءُ النَّظَرَ فِيهَا، فَإِذَا (قلَّ الْغَرَرُ)(8) وَسَهُلَ الْأَمْرُ، وَقَلَّ النِّزَاعُ، وَمَسَّتِ الْحَاجَةُ إِلَى الْمُسَامَحَةِ فَلَا بُدَّ مِنَ الْقَوْلِ بِهَا، وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَسْأَلَةُ التَّقْدِيرِ فِي مَاءِ الْحَمَّامِ، وَمُدَّةِ اللبث.
قال العلماء: ولقد/ بالغ مالك رحمه الله في هذا الباب وأمعن فيه، فجوَّز أَنْ يَسْتَأْجِرَ الْأَجِيرَ بِطَعَامِهِ، وَإِنْ كَانَ لَا يَنْضَبِطُ مِقْدَارُ أَكْلِهِ، لِيَسَارِ أَمْرِهِ وَخِفَّةِ خَطْبِهِ، وَعَدَمِ الْمُشَاحَّةِ، وَفَرْقٌ/ (بَيْنَ تَطَرُّقٍ)(9) يَسِيرِ الْغَرَرِ إِلَى الْأَجَلِ فَأَجَازَهُ، وَبَيْنَ تَطَرُّقِهِ/ لِلثَّمَنِ فَمَنَعَهُ، فَقَالَ: يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ سِلْعَةً إِلَى الْحَصَادِ أَوْ (إِلَى)(10) الْجَذَاذِ، وَإِنْ كَانَ الْيَوْمَ بِعَيْنِهِ لَا يَنْضَبِطُ، وَلَوْ بَاعَ سِلْعَةً بِدِرْهَمٍ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ لَمْ يَجُزْ، وَالسَّبَبُ فِي التفرقة (أن)(11) الْمُضَايَقَةُ فِي تَعْيِينِ الْأَثْمَانِ وَتَقْدِيرِهَا لَيْسَتْ فِي العرف (كالمضايقة)(12) فِي الْأَجَلِ، إِذْ قَدْ يُسَامِحُ الْبَائِعُ فِي التَّقَاضِي الْأَيَّامَ، وَلَا يُسَامِحُ فِي مِقْدَارِ الثَّمَنِ على حال.
(1) زيادة من (غ) و (ر).
(2)
في سائر النسخ ما عدا (ت): "الغرض".
(3)
في (م) و (خ): "أعوانه".
(4)
في (ط) و (خ) و (ت): "غير".
(5)
زيادة من (غ) و (ر).
(6)
في (ر): "صار".
(7)
زيادة من (غ) و (ر).
(8)
في (م): "قال الخطر". وفي (غ) و (ر): "قلَّ الخطر".
(9)
في (غ) و (ر): "بين يسير تطرق".
(10)
ما بين القوسين ساقط من (م).
(11)
زيادة من (غ) و (ت) و (ر).
(12)
في (م): "والمضايقة".
/وَيُعَضِّدُهُ مَا رَوَى عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ (1) رضي الله عنه أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَمَرَ بِشِرَاءِ الْإِبِلِ إِلَى خُرُوجِ الْمُصَدِّقِ (2) وَذَلِكَ لا (ينضبط)(3) يومه ولا (تُعين)(4) / سَاعَتَهُ، وَلَكِنَّهُ عَلَى التَّقْرِيبِ وَالتَّسْهِيلِ.
فَتَأَمَّلُوا كَيْفَ وَجْهُ الِاسْتِثْنَاءِ مِنَ الْأُصُولِ الثَّابِتَةِ (بِالْحَرَجِ)(5) وَالْمَشَقَّةِ، وَأَيْنَ هَذَا مِنْ زَعْمِ الزَّاعِمِ (أَنَّهُ)(6) اسْتِحْسَانُ العقل بحسب العوائد فقط، (يتبين لكم)(7)(بَوْنُ)(8) مَا بَيْنَ الْمَنْزِلَتَيْنِ.
الْعَاشِرُ: أَنَّهُمْ قَالُوا: إِنَّ مِنْ جُمْلَةِ أَنْوَاعِ الِاسْتِحْسَانِ مُرَاعَاةَ خِلَافِ الْعُلَمَاءِ (9) وَهُوَ أَصْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ، يَنْبَنِي عَلَيْهِ مَسَائِلُ كَثِيرَةٌ.
مِنْهَا: أَنَّ الْمَاءَ الْيَسِيرَ إِذَا حَلَّتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ الْيَسِيرَةُ وَلَمْ تُغَيِّرْ أَحَدَ/ أَوْصَافِهِ أَنَّهُ لَا يُتَوَضَّأُ بِهِ بَلْ يَتَيَمَّمُ وَيَتْرُكُهُ، فَإِنْ تَوَضَّأَ (بِهِ)(10) وَصَلَّى، أَعَادَ مَا دَامَ فِي الْوَقْتِ، وَلَمْ يُعِدْ بَعْدَ الْوَقْتِ، وَإِنَّمَا قَالَ: يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ، مُرَاعَاةً لقول من يقول: إنه طاهر مطهر (ويرى)(11) جَوَازُ الْوُضُوءِ بِهِ ابْتِدَاءً، وَكَانَ قِيَاسُ هَذَا الْقَوْلِ أَنْ يُعِيدَ أَبَدًا إِذْ لَمْ (يَتَوَضَّأْ)(12) إِلَّا بِمَاءٍ يَصِحُّ لَهُ تَرْكُهُ، وَالِانْتِقَالُ عَنْهُ إلى التيمم.
(1) هكذا في جميع النسخ والصواب: عبد الله بن عمرو بن العاص.
(2)
أخرجه أحمد في المسند ـ طبعة الأرناؤوط ـ (11/ 164) برقم (6593) وبرقم (7025) واستفاض المحقق في دراسة إسناده وذكر شواهده. وأخرجه أبو داود (3357)، والطحاوي في شرح معاني الآثار (4 60)، والدارقطني في السنن (261 ـ 264) والحاكم في المستدرك (2340)، والبيهقي في السنن الكبرى (10308 ـ 10309)، وضعفه الألباني في ضعيف سنن أبي داود (3357)، وقال ابن حجر في فتح الباري (4 420):"إسناده قوي"، وضعفه ابن القطان، وأعلّه باضطراب السند، كما في نصب الراية (4 47).
(3)
في سائر النسخ ما عدا (ت): يضبط.
(4)
في (ط) و (خ) و (م): يعين.
(5)
في (غ): "للحرج".
(6)
في (غ) و (ر): "أنها".
(7)
في (ط) و (خ) و (م): فتبين لك.
(8)
في ت: بالوزن.
(9)
مسألة مراعاة خلاف العلماء، انظر ما ذكره ابن عرفة في المعيار المعرب (6 377 ـ 379) والموافقات (4 8 ـ 86).
(10)
ساقط من (غ) و (ر).
(11)
في (ط) و (خ): "ويروى".
(12)
في م: يتضوا.
وَمِنْهَا: قَوْلُهُمْ فِي النِّكَاحِ الْفَاسِدِ الَّذِي يَجِبُ فَسْخُهُ: إِنْ لَمْ يُتَّفَقْ/ /عَلَى فَسَادِهِ فَيُفْسَخُ بِطَلَاقٍ، وَيَكُونُ فِيهِ الْمِيرَاثُ، وَيَلْزَمُ فِيهِ الطَّلَاقُ عَلَى حَدِّهِ فِي النِّكَاحِ الصَّحِيحِ، فَإِنِ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى فَسَادِهِ، فُسِخَ بِغَيْرِ طَلَاقٍ، وَلَا يَكُونُ فِيهِ مِيرَاثٌ، وَلَا يَلْزَمُ فِيهِ طَلَاقٌ.
ومنها: (مِنْ)(1) نَسِيَ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وكبَّر لِلرُّكُوعِ، وَكَانَ مع الإمام (أنه) (2) يتمادى (مراعاة) (3) لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ، فَإِذَا سلَّم/ الْإِمَامُ/ أَعَادَ هَذَا الْمَأْمُومُ.
/وَهَذَا الْمَعْنَى كَثِيرٌ جِدًّا فِي الْمَذْهَبِ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ رَاعَى دَلِيلَ الْمُخَالِفِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ، لِأَنَّهُ تَرَجَّحَ عنده (فيها)(4)، وَلَمْ يَتَرَجَّحْ عِنْدَهُ فِي بَعْضِهَا فَلَمْ يُرَاعِهِ.
ولقد كتبت في مسألة مراعاة الخلاف (5)(سؤالاً)(6) إِلَى بِلَادِ الْمَغْرِبِ، وَإِلَى بِلَادِ أَفْرِيقِيَّةَ لِإِشْكَالٍ عَرَضَ فِيهَا مِنْ وَجْهَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: مِمَّا يَخُصُّ هَذَا الْمَوْضِعَ عَلَى فَرْضِ صِحَّتِهَا، وَهُوَ مَا أَصْلُهَا مِنَ الشَّرِيعَةِ (وعلامَ)(7) تُبْنَى مِنْ قَوَاعِدِ أُصُولِ الْفِقْهِ، فَإِنَّ الَّذِي يَظْهَرُ الْآنَ أَنَّ الدَّلِيلَ هُوَ الْمُتَّبَعُ فَحَيْثُمَا صَارَ صِيرَ إِلَيْهِ، ومتى (ما ترجح)(8) لِلْمُجْتَهِدِ أَحَدُ الدَّلِيلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ ـ وَلَوْ بِأَدْنَى وُجُوهِ التَّرْجِيحِ ـ وَجَبَ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ وَإِلْغَاءُ مَا سِوَاهُ، عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ، فإذن رُجُوعُهُ ـ أَعْنِي الْمُجْتَهِدَ ـ إِلَى قَوْلِ الْغَيْرِ إِعْمَالٌ لدليله المرجوح (عنده)(9)، وإهمال
(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "مسألة من". وحذفها يناسب أسلوب المصنف.
(2)
في (م) و (ط) و (خ): "أن".
(3)
زيادة من (غ) و (ر).
(4)
ما بين القوسين زيادة من (ت).
(5)
وهي موجودة في المعيار المعرب (6 387 ـ 396).
(6)
زيادة من (غ) و (ر).
(7)
في سائر النسخ ما عدا (ط): "على ما". والصواب هو المثبت؛ لأن "ما" الاستفهامية إذا دخلت عليها حروف الجرِّ تحذف ألفها.
(8)
في (ط) و (خ): "رجح".
(9)
في (م): "عند".
(لِلدَّلِيلِ)(1) الرَّاجِحِ عِنْدَهُ، الْوَاجِبِ عَلَيْهِ اتِّبَاعُهُ (وَذَلِكَ)(2) عَلَى خِلَافِ الْقَوَاعِدِ.
فَأَجَابَنِي (بَعْضُهُمْ)(3) بِأَجْوِبَةٍ، مِنْهَا الْأَقْرَبُ وَالْأَبْعَدُ، إِلَّا أَنِّي رَاجَعْتُ بَعْضَهُمْ بِالْبَحْثِ، وَهُوَ أَخِي وَمُفِيدِي أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ الْقِبَابِ (4) رحمة الله عليه، فكتب إلي بما (أردت أن أثبته ها هنا لأن فيه شرحاً لما نحن فيه، وذلك أنه كتب إلي ما)(5) نَصُّهُ: (وَتَضَمَّنَ الْكِتَابُ الْمَذْكُورُ عَوْدَةَ السُّؤَالِ فِي مَسْأَلَةِ مُرَاعَاةِ الْخِلَافِ، وَقُلْتُمْ: إِنَّ رُجْحَانَ إِحْدَى الأمارتين على الأخرى إن (اقتضى)(6) / تقديمها على الأخرى، اقتضى ذلك عدم (اعتبار)(7)(الْمَرْجُوحَةِ)(8) مُطْلَقًا، وَاسْتَشْنَعْتُمْ أَنْ (يَقُولَ الْمُفْتِي: هَذَا لَا يَجُوزُ ابْتِدَاءً) (9)، وَبَعْدَ الْوُقُوعِ يَقُولُ بِجَوَازِهِ، لِأَنَّهُ يَصِيرُ الْمَمْنُوعُ إِذَا فُعِلَ جَائِزًا. وَقُلْتُمْ: إنه إنما يتصور الجمع في (مثل)(10) هذا النحو في منع التنزيه لا (في)(11) مَنْعِ التَّحْرِيمِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا (أَوْرَدْتُمْ)(12) في المسألة.
وكلها إيرادات (سديدة)(13) صَادِرَةٌ عَنْ قَرِيحَةٍ قِيَاسِيَّةٍ مُنْكِرَةٍ/ لِطَرِيقَةِ الِاسْتِحْسَانِ،/ وَإِلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ مَيْلُ فَحَوْلٍ (مَنِ)(14) الْأَئِمَّةِ والنظار، حتى
(1) في (م): "الدليل".
(2)
في (م): "وكذلك".
(3)
في (غ) و (ر): "جماعة".
(4)
هو أحمد بن قاسم بن عبد الرحمن الجذامي، أبو العباس القباب، فقيه مالكي، ولي القضاء بجبل طارق، توفي سنة 778، وقيل 779هـ. انظر: الديباج المذهب (1 187)، وشجرة النور (1 235).
(5)
زيادة من (غ) و (ر).
(6)
زيادة من (غ) و (ر) والمعيار. وجميع الزيادات التي في المعيار أضعها بين قوسين هكذا ()، وهي في المعيار (6 387 ـ 396).
(7)
زيادة من (غ) و (ر).
(8)
في (ت): "المرجوحية".
(9)
في المعيار هكذا: يقول المفتي ابتداء: "هذا لا يجوز"، ونصّ المعيار أقرب إلى الصواب.
(10)
ما بين القوسين زيادة من (ت).
(11)
زيادة من المعيار.
(12)
في المعيار: أودعتموه.
(13)
في (ط) و (خ): "شديدة".
(14)
ساقط من (غ) و (ر).
قال الإمام أبو عبد الله الشافعي ـ رحمه الله ـ: مَنِ اسْتَحْسَنَ فَقَدْ شَرَّعَ.
وَلَقَدْ ضَاقَتِ الْعِبَارَةُ عن معنى أصل الاستحسان ـ/ كما في (كريم)(1) عِلْمِكُمْ ـ حَتَّى قَالُوا: أَصَحُّ عِبَارَةٍ فِيهِ أَنَّهُ مَعْنًى يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ الْمُجْتَهِدِ تَعْسُرُ الْعِبَارَةُ عَنْهُ. فَإِذَا كَانَ هَذَا أَصْلُهُ الَّذِي (تَرْجِعُ)(2) / فروعه إليه، فكيف (ما)(3) يبنى/ عليه؟ (لا بُدَّ)(4) أَنْ تَكُونَ الْعِبَارَةُ عَنْهَا أَضْيَقَ.
وَلَقَدْ كُنْتُ أَقُولُ: (بِمِثْلِ مَا قَالَ)(5) هَؤُلَاءِ الْأَعْلَامُ فِي طَرْحِ الِاسْتِحْسَانِ، وَمَا بُنِيَ عَلَيْهِ، لَوْلَا أنه اعتضد وتقوى (بوجدانه)(6) كثيراً في فتاوى الخلفاء وأعلام الصحابة (بمحضر جمهورهم)(7) مَعَ عَدَمِ النَّكِيرِ، فَتُقَوِّي ذَلِكَ عِنْدِي غَايَةً، وَسَكَنَتْ إِلَيْهِ النَّفْسُ، وَانْشَرَحَ إِلَيْهِ الصَّدْرُ، وَوَثِقَ بِهِ الْقَلْبُ، لِلْأَمْرِ بِاتِّبَاعِهِمْ، وَالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ، رضي الله عنهم.
فَمِنْ ذَلِكَ، الْمَرْأَةُ يَتَزَوَّجُهَا رَجُلَانِ ولا يعلم الآخر بتقدم نكاح غيره (عليه)(8) إِلَّا بَعْدَ الْبِنَاءِ، (فَأَبَانَهَا عَلَيْهِ)(9) بِذَلِكَ عُمَرُ (10) ومعاوية (11)
(1) زيادة من المعيار.
(2)
في (م) و (غ) و (ر): "مرجع"، وفي المعيار: ترجح، وفي (خ):"يرجع".
(3)
في (ت): "بما".
(4)
هكذا في (م) و (غ) و (ر): "وفي المعيار"، وفي (ط) و (خ): فلا بد.
(5)
في (ت): بما قال به. وفي (غ) و (ر): "مقال".
(6)
في (ط): "لوجدانه".
(7)
في جميع النسخ: وجمهورهم، والتصحيح من المعيار و (غ) و (ر).
(8)
زيادة من المعيار و (غ) و (ر).
(9)
في المعيار و (ت) و (غ) و (ر): "فأفاتها".
(10)
أثر عمر مذكور في المدونة (4/ 169) من طريق ابن وهب عن معاوية بن صالح عن يحيى بن سعيد أنه قال: (إن عمر بن الخطاب قضى في الوليين ينكحان المرأة ولا يعلم أحدهما بصاحبه إنها للذي دخل بها، فإن لم يكن دخل بها أحدهما فهي للأول). ويحيى بن سعيد لم يسمع من عمر.
(11)
أثر معاوية أخرجه عبد الرزاق في المصنف (6/ 233) برقم (10636) قال: أخبرنا ابن جريج قال: أخبرني ابن أبي مليكة أن موسى بن طلحة أنكح بالشام يزيد بن معاوية .... إلخ، فظاهر السند صحيح.
والحسن (1)(رضي الله تعالى عنهم جميعهم، ونسب مثله أيضاً لِعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ (2)) (3) رضي الله عنه، وَكُلُّ مَا (أَوْرَدْتُمْ)(4) فِي قَضِيَّةِ السُّؤَالِ وَارِدٌ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِذَا تَحَقَّقَ أَنَّ الَّذِي لَمْ يَبِنِ هُوَ الْأَوَّلُ، فَدُخُولُ الثَّانِي بِهَا دُخُولٌ بزوج غيره، وكيف يكون غلطه على زوج (غيره)(5) / مبيحاً (لوطئها)(6) عَلَى الدَّوَامِ، وَمُصَحِّحًا لِعَقْدِهِ الَّذِي لَمْ يُصَادِفْ مُحِلًّا، (وَمُبْطِلًا)(7) لِعَقْدِ نِكَاحٍ مُجْمَعٍ عَلَى صِحَّتِهِ (ولزومه)(8)، لِوُقُوعِهِ عَلَى وَفْقِ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا؟ وَإِنَّمَا (الْمُنَاسِبُ)(9) أَنَّ الْغَلَطَ يَرْفَعُ عَنِ الْغَالِطِ الْإِثْمَ وَالْعُقُوبَةَ، لَا إِبَاحَةَ زَوْجِ غَيْرِهِ دَائِمًا، وَمَنْعَ زَوْجِهَا مِنْهَا.
وَمِثْلُ (ذَلِكَ)(10) مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ فِي مَسْأَلَةِ امْرَأَةِ الْمَفْقُودِ: أَنَّهُ إِنْ قَدِمَ الْمَفْقُودُ قَبْلَ نِكَاحِهَا فَهُوَ أَحَقُّ بِهَا، وَإِنْ كَانَ بَعْدَ نِكَاحِهَا وَالدُّخُولِ بِهَا (بَانَتْ)(11)، وَإِنْ (كَانَ)(12) بَعْدَ الْعَقْدِ، وَقَبْلَ الْبِنَاءِ فَقَوْلَانِ؛ فَإِنَّهُ يُقَالُ: الْحُكْمُ لَهَا بِالْعِدَّةِ مِنَ الْأَوَّلِ إِنْ كَانَ/ قَطْعًا (لِعِصْمَتِهِ)(13) فَلَا حَقَّ لَهُ فيها
(1) إن كان الحسن هو ابن علي بن أبي طالب فهو مذكور في أثر معاوية السابق، وإن كان الحسن البصري، فلم أقف على قوله.
(2)
أثر علي أخرجه عبد الرزاق في المصنف (6/ 231) برقم (10626) عن ابن جريج قال: أخبرني عبد الكريم أن أبا موسى أخبره أن وليين كلاهما جائز نكاحه
…
إلخ وعبد الكريم لم يتبيّن لي من هو؟ فمحتمل أن يكون عبد الكريم بن أبي المخارق البصري، وهو ضعيف كما في التقريب (4156) ومحتمل أن يكون: عبد الكريم بن مالك الجزري وهو ثقة كما في التقريب (4154)، كما أن أبا موسى المذكور في الأثر، جاء في بقية الأثر أنه جار لعبيد الله بن الحر الجعفي أحد أفراد القصة اللذين نكحا امرأة واحدة، فيكون أبو موسى مجهولاً، والله أعلم.
وجاء بنحوه في السنن الكبرى للبيهقي (7/ 141) برقم (13587) من طريق خلاس بن عمرو الهجري عن علي، وفي روايته عن علي كلام، قيل أنه كتاب وقع له ولم يسمع من علي. انظر: جامع التحصيل (ص172).
(3)
زيادة من المعيار و (غ) و (ر).
(4)
في (غ) و (ر): "أورد".
(5)
في (م): "غير".
(6)
زيادة من (غ) و (ر).
(7)
في (م): "ولا مبطلاً".
(8)
زيادة من المعيار.
(9)
ساقط من (غ) و (ر).
(10)
ساقط من (غ) و (ر).
(11)
في (م) و (غ) و (ر): "فاتت".
(12)
في (ط) و (خ) و (ت): "كانت".
(13)
في المعيار: بعصمته.
وَلَوْ قَدِمَ قَبْلَ تَزَوُّجِهَا، أَوْ لَيْسَ بِقَاطِعٍ للعصمة، فكيف تباح لغيره وهي فِي عِصْمَةِ الْمَفْقُودِ؟.
وَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ (1) فِي ذَلِكَ أَغْرَبُ وَهُوَ أَنَّهُمَا قَالَا: إِذَا قَدِمَ الْمَفْقُودُ يخيَّر بَيْنَ امْرَأَتِهِ أَوْ صداقها، فإن (اختارها بقيت له، وإن)(2) اخْتَارَ صَدَاقَهَا بَقِيَتْ لِلثَّانِي، (فَأَيْنَ)(3) هَذَا مِنَ الْقِيَاسِ؟
وَقَدْ صَحَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا النَّقْلَ عَنِ الْخَلِيفَتَيْنِ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رضي الله عنهما، وَنَقَلَ/ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ بِمِثْلِ ذَلِكَ أَوْ أَمْضَى الْحُكْمَ بِهِ، وَإِنْ كَانَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ خِلَافُهُ، وَمِثْلُهُ في قضايا الصحابة كثير (من)(4) ذلك (رضي الله عن جميعهم)(5).
(قال ابن المعذل)(6): لَوْ أَنَّ رَجُلَيْنِ حَضَرَهُمَا وَقْتُ الصَّلَاةِ، فَقَامَ أَحَدُهُمَا فَأَوْقَعَ الصَّلَاةَ/ بِثَوْبٍ نَجِسٍ (مِجَاناً)(7)، وَقَعَدَ الآخر حتى خرج الوقت ((ثم صلاها)(8) بثوب طاهرٍ ما استوت (حالتهما)(9) عند مسلم، ولا تقاربت. يعني/ أن الذي صلى في الوقت بالنجاسة عامداً أجمع الناس أنه لا يساويه مؤخرها حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ) (10)(وَلَا يُقَارِبُهُ)(11) مَعَ نَقْلِ غير واحد
(1) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (7/ 85) برقم (12317) عن عمر وعثمان، وورد بنحوه عن عثمان وعلي في السنن الكبرى للبيهقي (7/ 247) برقم (15352) وبنحوه قصة الذي اختطفته الجن وتخيير عمر له. أخرجها ابن أبي شيبة (3/ 523)، وابن حزم في المحلى (10/ 134)، وذكرها ابن عبد البر في التمهيد (13/ 265 ـ 266)،
(2)
زيادة من المعيار و (غ) و (ر).
(3)
في (غ) و (ر): "فليس".
(4)
في (غ) و (ر): "ومن".
(5)
ما بين القوسين زيادة من (ت)
(6)
في (ط): "قال ابن المعدل"، وفي (غ) و (ر):"قال ابن معذل"، وفي المعيار: قول ابن المعدل، وهو أحمد بن المعذل بن غيلان العبدي، من كبار فقهاء المالكية، لم يذكروا سنة وفاته. انظر: الديباج المذهب (1 141)، والسير (11 519)، والتنكيل (1 202).
(7)
ما بين القوسين ساقط من (ت).
(8)
في المعيار: وصلاها.
(9)
في (غ) و (ر): "حالهما".
(10)
زيادة في المعيار و (غ) و (ر).
(11)
في (ط): "ولا يغار به". في (ت): "لم يستويا عند مسلم".
من الأشياخ الإجماع على وجوب (الإعادة على من صلى بالنجاسة عامداً ووجوب الطهارة من)(1) النَّجَاسَةِ (2) حَالَ الصَّلَاةِ، وَمِمَّنْ نَقَلَهُ اللَّخْمِيُّ، وَالْمَازِرِيُّ (3) وصحَّحه الْبَاجِيُّ (4)، وَعَلَيْهِ مَضَى عَبْدُ الْوَهَّابِ (5) فِي تَلْقِينِهِ.
وَعَلَى الطَّرِيقَةِ الَّتِي أَوْرَدْتُمْ، أَنَّ الْمَنْهِيَّ/ عنه ابتداء غير معتبر، أحرى (أن يكون)(6) أَمْرِ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ بِعَكْسِ مَا قَالَ (ابْنُ معذل)(7)؛ لِأَنَّ الَّذِي صلَّى بَعْدَ الْوَقْتِ قَضَى مَا فرط فيه؛ والآخر لم (يصل)(8) كَمَا أُمِرَ، وَلَا قَضَى شَيْئًا، وَلَيْسَ كُلُّ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ابْتِدَاءً غَيْرُ مُعْتَبَرٍ بَعْدَ وُقُوعِهِ.
وَقَدْ صَحَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ (9) حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (لَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ، وَلَا تُزَوِّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا، فَإِنَّ الزَّانِيَةَ هِيَ التي تزوج نفسها)(10).
(1) ما بين القوسين زيادة من (ت). وفي (غ) و (ر): "بدل الجملة بجانية".
(2)
بعد هذه الكلمة في (ط) و (خ) هكذا: عَامِدًا جَمْعَ النَّاسِ أَنَّهُ لَا يُسَاوِي مُؤَخِّرَهَا (حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ وَلَا يُقَارِبُهُ مَعَ نَقْلِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنَ الْأَشْيَاخِ الْإِجْمَاعَ) عَلَى وُجُوبِ النجاسة حال الصلاة.
وما بين القوسين زيادة من (م). والجملة هكذا لا تفهم أبداً، والتصحيح هو كما ورد في المعيار و (ت).
(3)
هو محمد بن عني بن عمر التميمي المازري المالكي، صاحب كتاب المعلم بفوائد شرح مسلم، كان من أئمة المالكية، توفي في سنة 536هـ. انظر: السير (20 104)، وشجرة النور (1 127)، وأزهار الرياض (3 165).
(4)
هو أبو الوليد سليمان بن خلف بن سعد الباجي، ولد سنة 403هـ. وله تصانيف كثيرة، وتوفي سنة 474هـ. انظر: السير (18 535)، نفح الطيب (2 67).
(5)
هو القاضي عبد الوهاب بن علي بن نصر المالكي، تقدمت ترجمته (3/ 52).
(6)
في سائر النسخ ما عدا (ت): "بكون".
(7)
في (ط) و (خ) و (ت): "ابن المعدل".
(8)
في (ط) و (خ) و (ت): "يعمل".
(9)
أورده الدارقطني في سننه (3 227) ولم يتكلم عليه بتصحيح أو تضعيف، ومسند أبي هريرة من العلل لم يطبع بعد، ويحتمل أن يكون تصحيحه فيه، والله تعالى أعلم.
(10)
أخرجه ابن ماجه (1882)، والدارقطني (3 227)، برقم (25 و26 و29)، والبيهقي في السنن الكبرى (13410 و13412 و13413)، وغيره، ويظهر أن الجملة الأخيرة، وهي قوله:(فإن الزانية هي التي تزوج نفسها) موقوفة على أبي هريرة رضي الله عنه.=
وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رضي الله عنها: (أيما امرأة نكحت بغير إذن (وليها)(1) فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ ـ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ـ فَإِنْ دَخَلَ بِهَا، فَالْمَهْرُ لَهَا بِمَا (أَصَابَ)(2) مِنْهَا) (3)، فَحَكَمَ أَوَّلًا بِبُطْلَانِ الْعَقْدِ، وَأَكَّدَهُ بِالتَّكْرَارِ ثَلَاثًا،/ وَسَمَّاهُ زِنًا، وَأَقَلُّ (مُقْتَضَيَاتِهِ)(4) عَدَمُ اعْتِبَارِ هَذَا الْعَقْدِ جُمْلَةً، لَكِنَّهُ صلى الله عليه وسلم عَقَّبَهُ بِمَا اقْتَضَى اعْتِبَارَهُ بَعْدَ الْوُقُوعِ بِقَوْلِهِ: وَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا. وَمَهْرُ الْبَغِيِّ حَرَامٌ (5).
وَقَدْ قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ} (6)، (فعلل)(7) النهي عن استحلالهم (8) بِابْتِغَائِهِمْ فَضْلَ اللَّهِ وَرِضْوَانَهُ مَعَ كُفْرِهِمْ بِاللَّهِ تعالى،
=أشار إلى ذلك البيهقي في السنن الكبرى عقب الحديث ونقله الزيلعي عن ابن معين كما في نصب الراية (3 188)، وقال الألباني في إرواء الغليل: صحيح دون الجملة الأخيرة ـ يقصد قوله: (فإن الزانية هي التي تزوج نفسها) ـ انظر: إرواء الغليل (6 248 ـ 249).
(1)
في (ط) و (خ) و (ت) و (غ): "مواليها"، وما أثبته هو ما يوجد في (م) ويوافق رواية الدارقطني.
(2)
في (م): "استحل".
(3)
الحديث أخرجه جمع كبير من العلماء منهم الدارقطني ـ وهي الرواية التي ذكرت في النص ـ انظر: سنن الدارقطني (3 221 و225 ـ 226)، وأبو داود برقم (2083)، والترمذي (3 407)، برقم (1102)، وابن ماجه (1 605)، برقم (1879)، والإمام أحمد في المسند (6 165، 47)، والدارمي (2 137)، وعبد الرزاق في المصنف (10472)، وابن أبي شيبة (4 128)، وابن حبان (9 384)، برقم (4074)، وقال الأرناؤوط: إسناده حسن. والحاكم (2 168)، والبيهقي (7 124، 113، 105 ـ 138، 125)، والبغوي في شرح السنة (9 38) برقم (2262)، وغيرهم من أصحاب كتب السنة، وقد تكلم العلماء في إسناد هذا الحديث كلاماً طويلاً، انظر ما ذكره ابن حبان في صحيحه (9 384 ـ 386)، والترمذي في السنن (1 405 ـ 411)، والبيهقي في السنن الكبرى (7 107 ـ 110)، وابن حجر في التلخيص الحبير (3 157)، والألباني في إرواء الغليل (6 243)، واستفدت هذا التخريج من التخريج الموسع لأبي إسحاق الحويني في جنة المرتاب (ص407 ـ 429).
(4)
في (م): "مقتضاته".
(5)
أخرجه البخاري (2237)، ومسلم (1568).
(6)
سورة المائدة: الآية (2).
(7)
في (غ) و (ر): "فلعل".
(8)
في المعيار: فصل النهي عن استحلالهم. وفي (ط) و (خ) و (م) و (ت): "استحلاله".
الَّذِي لَا يَصِحُّ مَعَهُ عِبَادَةٌ، وَلَا يُقْبَلُ عَمَلٌ، وَإِنْ كَانَ هَذَا الْحُكْمُ الْآنَ مَنْسُوخًا، فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ (الِاسْتِدْلَالَ بِهِ)(1) فِي هَذَا الْمَعْنَى.
وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه: وَسَتَجِدُ (أَقْوَامًا)(2)(زَعَمُوا أَنَّهُمْ)(3) حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ لِلَّهِ، فَذَرْهُمْ وَمَا زَعَمُوا أَنَّهُمْ حَبَسُوا أَنْفُسَهُمْ له (4).
ولهذا/ (لا)(5) يسبى الراهب (ويترك)(6) له ماله (أو)(7) ما قل منه، على خلاف فِي ذَلِكَ، وَغَيْرُهُ مِمَّنْ لَا يُقَاتِلُ يُسْبَى وَيُمْلَكُ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَا زَعَمَ أَنَّهُ حَبَسَ نَفْسَهُ لَهُ، وَهِيَ عِبَادَةُ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنْ كَانَتْ عِبَادَتُهُ أَبْطَلَ الْبَاطِلِ/ فَكَيْفَ يُسْتَبْعَدُ اعْتِبَارُ عبادة (المسلم)(8) عَلَى (وَفْقِ)(9) / دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ لَا يُقْطَعُ بِخَطَأٍ فِيهِ، وَإِنْ كَانَ يَظُنُّ ذَلِكَ ظَنًّا، وَتَتَبُّعُ (مِثْلِ هَذَا)(10) يَطُولُ.
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِيمَا تَحَقَّقَ فِيهِ نَهْيٌ مِنَ الشَّارِعِ: هَلْ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ؟ وَفِيهِ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ مَا لا يخفى عليكم، فكيف بهذا؟
(1) في المعيار: الاستبدال به.
(2)
في (غ) و (ر): "قوماً".
(3)
ما بين القوسين ساقط من (ت).
(4)
أخرجه عبد الرزاق في المصنف (9377)، من طريق الزهري عن أبي بكر، وبرقم (9378)، من طريق أبي عمران الجوني عن أبي بكر، وأخرجه مالك في الموطأ (965)، والبيهقي في السنن الكبرى (19727)، كلاهما من طريق يحيى بن سعيد عن أبي بكر، وأخرجه أبو بكر المروزي في مسند أبي بكر (21) من طريق كوثر بن حكيم، قال عنه الإمام أحمد:"متروك الحديث" وضعفه ابن معين وأبو حاتم وأبو زرعة كما في الجرح والتعديل (7 176).
وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (5 179)، من طريق ابن المسيب عن أبي بكر وذكر عقبه إنكار الإمام أحمد لهذه الرواية، وأخرجه أيضاً برقم (19728)، من طريق صالح بن كيسان عن أبي بكر، وبرقم (19728)، من طريق يزيد بن أبي مالك الشامي عن أبي بكر، فجميع الطرق منقطعة بين أبي بكر الصديق ومن روى عنه، ما عدا رواية المروزي وهي ضعيفة الإسناد.
(5)
ساقطة من المعيار.
(6)
في (ت) و (خ): وترك.
(7)
في (ت): و.
(8)
في (ت) و (غ) و (ر): مسلم.
(9)
في المعيار: وجه.
(10)
في (ت): ذلك.
وَإِذَا خَرَجَتِ الْمَسْأَلَةُ (الْمُخْتَلَفُ فِيهَا)(1) إِلَى أَصْلٍ مُخْتَلَفٍ فِيهِ، فَقَدْ خَرَجَتْ عَنْ حَيِّزِ الْإِشْكَالِ، ولم يبق إلا الترجيح لبعض تلك (المسائل)(2)، وَيُرَجِّحُ كُلُّ أَحَدٍ مَا ظَهَرَ لَهُ بِحَسَبِ مَا وُفِّقَ لَهُ، وَلْنَكْتَفِ بِهَذَا الْقَدْرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ.
/انْتَهَى مَا كَتَبَ لِي بِهِ، وَهُوَ بَسْطُ أَدِلَّةٍ شَاهِدَةٍ لِأَصْلِ الِاسْتِحْسَانِ، فَلَا/ يُمْكِنُ مَعَ هَذَا التَّقْرِيرِ كُلِّهِ أَنْ يَتَمَسَّكَ بِهِ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَسْتَحْسِنَ بِغَيْرِ دَلِيلٍ (شرعي)(3) أصلاً.
(1) ساقطة من المعيار.
(2)
في (م) و (غ) و (ر): "المذاهب".
(3)
زيادة من (غ) و (ر).