المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌فصل النوع الرابع (1): (اتباع الهوى، اعلم) (2) إِنَّ الشَّرِيعَةَ مَوْضُوعَةٌ - الاعتصام للشاطبي ت الشقير والحميد والصيني - جـ ٣

[الشاطبي الأصولي النحوي]

فهرس الكتاب

- ‌الْبَابُ الثَّامِنُفِي الْفَرْقِ بَيْنَ الْبِدَعِ وَالْمَصَالِحِ المرسلة والاستحسان

- ‌فَصْلٌ

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌ الْبَابُ التَّاسِعُفِي السَّبَبِ الَّذِي لِأَجْلِهِ افْتَرَقَتْ فرق المبتدعةعن (جماعة المسلمين)

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌المسألة الأولى

- ‌الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ:

- ‌المسألة الثالثة:

- ‌الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ:

- ‌الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ:

- ‌الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ:

- ‌الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ:

- ‌الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ:

- ‌الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ:

- ‌المسألة العاشرة:

- ‌الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ (عَشْرَةَ)

- ‌المسألة الثانية عشرة

- ‌المسألة/ الثالثة/ عشرة

- ‌الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ

- ‌المسألة الخامسة عشرة

- ‌الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ

- ‌الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ

- ‌الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ

- ‌الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ

- ‌المسألة العشرون:

- ‌الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ:

- ‌المسألة الثانية والعشرون:

- ‌الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ:

- ‌الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ:

- ‌الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ:

- ‌المسألة السادسة والعشرون:

- ‌الباب العاشرفِي بَيَانِ مَعْنَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي انْحَرَفَتْ عنه سبل أَهْلِ الِابْتِدَاعِ فضلَّت عَنِ الْهُدَى بَعْدَ الْبَيَانِ

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌فصل

- ‌الملاحقتعريف الفرق الواردة في الباب التاسع في المسألة السابعة

الفصل: ‌ ‌فصل النوع الرابع (1): (اتباع الهوى، اعلم) (2) إِنَّ الشَّرِيعَةَ مَوْضُوعَةٌ

‌فصل

النوع الرابع (1): (اتباع الهوى، اعلم)(2) إِنَّ الشَّرِيعَةَ مَوْضُوعَةٌ لِإِخْرَاجِ الْمُكَلَّفِ عَنْ دَاعِيَةِ هَوَاهُ/ حَتَّى يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ (3)، وَهَذَا/ أَصْلٌ قَدْ تَقَرَّرَ فِي قِسْمِ الْمَقَاصِدِ مِنْ كِتَابِ الْمُوَافَقَاتِ (4)، لَكِنْ عَلَى وَجْهٍ كلِّي يَلِيقُ بِالْأُصُولِ، فَمَنْ أَرَادَ الْإِطْلَاعَ عَلَيْهِ فَلْيُطَالِعْهُ مِنْ هُنَالِكَ.

ولما كانت طرق (الهوى)(5)(مُتَشَعِّبَةً)(6) لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يُؤْتَى عَلَيْهَا بِالِاسْتِيفَاءِ، فَلْنَذْكُرْ مِنْهَا شُعْبَةً وَاحِدَةً تَكُونُ كَالطَّرِيقِ لِمَعْرِفَةِ مَا سِوَاهَا.

/فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ حُجَّةً عَلَى الْخَلْقِ كَبِيرِهِمْ وَصَغِيرِهِمْ مطيعهم وعاصيهم، برهم وفاجرهم، لم (يختص)(7) الحجة بِهَا أَحَدًا دُونَ أَحَدٍ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الشَّرَائِعِ إِنَّمَا وُضِعَتْ لِتَكُونَ حُجَّةً عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ الَّتِي تَنْزِلُ فِيهِمْ تِلْكَ الشَّرِيعَةُ، حَتَّى إِنَّ (الْمُرْسَلِينَ)(8)(بِهَا)(9) صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ دَاخِلُونَ تَحْتَ أَحْكَامِهَا.

فَأَنْتَ تَرَى أَنَّ/ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صلى الله عليه وسلم مُخَاطَبٌ بِهَا فِي جَمِيعِ/ أحواله

(1) النوع الرابع من الإحداث في الشريعة.

(2)

ما بين القوسين زيادة من (ت).

(3)

في الموافقات (2 114): (حتى يكون عبداً لله اختياراً، كما هو عبد لله اضطراراً). وهي أتم في المعنى.

(4)

انظر: الموافقات (2 114).

(5)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "الحق".

(6)

ما بين القوسين ساقط من (ت).

(7)

في (غ) و (ر): "تختص".

(8)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "الشريعة المرسلين".

(9)

ساقط من (ت).

ص: 308

وَتَقَلُّبَاتِهِ، مِمَّا اخْتُصَّ بِهِ دُونَ أُمَّتِهِ، أَوْ كان عاماً له ولأمته، كقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَاّتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ} (إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى)(1) خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ} (2)، ثم قال تَعَالَى:{لَا يَحِلُّ لَكَ النِّسَاءُ مِنْ بَعْدُ وَلَا أَنْ تَبَدَّلَ بِهِنَّ مِنْ أَزْوَاجٍ} (3)، وقوله تَعَالَى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ تَبْتَغِي مَرْضَاةَ أَزْوَاجِكَ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ *} (4)، وقوله تعالى:{يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ} (5)، إِلَى سَائِرِ التَّكَالِيفِ الَّتِي وَرَدَتْ عَلَى كُلِّ مكلف، والنبي صلى الله عليه وسلم فِيهِمْ، فَالشَّرِيعَةُ هِيَ الْحَاكِمَةُ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمِيعِ الْمُكَلَّفِينَ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الْمُوصِلُ وَالْهَادِي الْأَعْظَمُ.

أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحًا مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} (6)، فهو صلى الله عليه وسلم أَوَّلُ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ بِالْكِتَابِ وَالْإِيمَانِ، ثُمَّ مَنِ اتَّبَعَهُ فِيهِ وَالْكِتَابُ هُوَ الْهَادِي، وَالْوَحْيُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ مُرْشِدٌ وَمُبَيِّنٌ لِذَلِكَ الْهَدْيِ وَالْخَلْقُ مهتدون بالجميع، ولما استنار قلبه وجوارحه صلى الله عليه وسلم وَبَاطِنُهُ/ وَظَاهِرُهُ بِنُورِ الْحَقِّ عِلْمًا وَعَمَلًا، صَارَ هُوَ الْهَادِيَ الْأَوَّلَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَالْمُرْشِدَ (الْأَعْظَمَ)(7)، حَيْثُ (خصَّه)(8) اللَّهُ دُونَ الْخَلْقِ بِإِنْزَالِ ذَلِكَ النُّورِ عَلَيْهِ، وَاصْطَفَاهُ مِنْ جُمْلَةِ مَنْ كَانَ مثله في الخلقة البشرية اصطفاءً (أزلياً)(9)، لَا مِنْ جِهَةِ كَوْنِهِ بَشَرًا عَاقِلًا ـ مَثَلًا ـ لِاشْتِرَاكِهِ مَعَ غَيْرِهِ فِي هَذِهِ// الْأَوْصَافِ، وَلَا لِكَوْنِهِ مِنْ قُرَيْشٍ ـ مَثَلًا ـ دُونَ غَيْرِهِمْ، وَإِلَّا لَزِمَ ذَلِكَ فِي كُلِّ قُرَشِيٍّ، وَلَا لِكَوْنِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ/ وَلَا لِكَوْنِهِ عَرَبِيًّا، وَلَا لِغَيْرِ ذَلِكَ، بَلْ مِنْ جِهَةِ اخْتِصَاصِهِ بِالْوَحْيِ الَّذِي اسْتَنَارَ بِهِ قَلْبُهُ وَجَوَارِحُهُ فَصَارَ خُلَقه القرآن، حتى قيل فيه:

(1) ما بين القوسين ساقط من (م).

(2)

سورة الأحزاب: الآية (50).

(3)

سورة الأحزاب: الآية (52).

(4)

سورة التحريم: الآية (1).

(5)

سورة الطلاق: الآية (1).

(6)

سورة الشورى: الآية (52).

(7)

في (غ) و (ر): "الأول".

(8)

في (غ) و (ر): "اختصه".

(9)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): أولياً. وفي (ر): "اصطفاه أزلياً".

ص: 309

{وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ *} (1)، وإنما ذلك لِأَنَّهُ حَكَّم الْوَحْيَ (عَلَى نَفْسِهِ، حَتَّى صَارَ فِي عِلْمِهِ وَعَمَلِهِ عَلَى وَفْقِهِ، فَكَانَ الْوَحْيُ حاكماً (وافق)(2) قابلاً مُذْعِنًا) (3) مُلَبِّيًا نِدَاءَهُ، وَاقِفًا عِنْدَ حُكْمِهِ، وَهَذِهِ الْخَاصِّيَّةُ كَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدِلَّةِ عَلَى صِدْقِهِ فِيمَا جَاءَ بِهِ، إِذْ قَدْ جَاءَ بِالْأَمْرِ وَهُوَ مُؤْتَمَرٌ، وَبِالنَّهْيِ وَهُوَ مُنْتَهٍ، وَبِالْوَعْظِ وَهُوَ مُتَّعِظٌ، وَبِالتَّخْوِيفِ وَهُوَ أَوَّلُ الْخَائِفِينَ، وَبِالتَّرْجِيَةِ وَهُوَ (سَائِقٌ دَابَّةَ الرَّاجِينَ)(4).

وَحَقِيقَةُ ذَلِكَ (كُلِّهِ)(5) جَعْلُهُ الشَّرِيعَةَ الْمُنَزَّلَةَ عَلَيْهِ حُجَّةً (حَاكِمَةً)(6) عَلَيْهِ، وَدَلَالَةً لَهُ/ عَلَى الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ الَّذِي سَارَ عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم، وبذلك صار عبداً لله حَقًّا، وَهُوَ أَشْرَفُ اسْمٍ تَسَمَّى بِهِ الْعِبَادُ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ/ لَيْلاً} (7)، {تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ} (8)، {وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا} (9)، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ/ الْآيَاتِ الَّتِي وَقَعَ مدحه فيها (بصفة)(10) العبودية.

وإذا كان (ذلك)(11) كَذَلِكَ فَسَائِرُ الْخَلْقِ حَرِيُّونَ بِأَنْ تَكُونَ الشَّرِيعَةُ حُجَّةً حَاكِمَةً عَلَيْهِمْ وَمَنَارًا يَهْتَدُونَ بِهَا إِلَى الْحَقِّ، وَشَرَفُهُمْ إِنَّمَا يَثْبُتُ بِحَسَبِ مَا اتَّصَفُوا بِهِ مِنَ الدُّخُولِ تَحْتَ أَحْكَامِهَا وَالْعَمَلِ بِهَا قَوْلًا وَاعْتِقَادًا وَعَمَلًا، لَا بِحَسَبِ عُقُولِهِمْ فَقَطْ، وَلَا بِحَسَبِ شَرَفِهِمْ (فِي قَوْمِهِمْ)(12) فَقَطْ، لِأَنَّ الله تعالى إنما أثبت الشرف بالتقوى لا غيرها لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} (13)، فَمَنْ كَانَ أَشَدَّ مُحَافَظَةً عَلَى اتِّبَاعِ الشَّرِيعَةِ فهو أولى

(1) سورة القلم: الآية (4).

(2)

في (ط) و (خ): "وافقا".

(3)

ما بين () ساقط من (غ) و (ر).

(4)

في (غ) و (ر): "سابق حلبة الراجلين".

(5)

ساقط من (غ) و (ر).

(6)

ساقط من (غ) و (ر).

(7)

سورة الإسراء: الآية (1).

(8)

سورة الفرقان: الآية (1).

(9)

سورة البقرة: الآية (23).

(10)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "بصحة".

(11)

زيادة من (غ) و (ر).

(12)

ساقط من (غ) و (ر).

(13)

سورة الحجرات: الآية (13).

ص: 310

بِالشَّرَفِ وَالْكَرَمِ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَبْلُغَ فِي الشَّرَفِ مَبْلَغَ الْأَعْلَى فِي اتِّبَاعِهَا، فَالشَّرَفُ إِذًا إِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ المبالغة في تحكيم الشريعة.

/ثُمَّ نَقُولُ بَعْدَ هَذَا: إِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ شَرَّفَ أَهْلَ الْعِلْمِ وَرَفَعَ أَقْدَارَهُمْ، وَعَظَّمَ مِقْدَارَهُمْ، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ، بَلْ قَدِ اتَّفَقَ الْعُقَلَاءُ عَلَى فَضِيلَةِ الْعِلْمِ وَأَهْلِهِ، وأنهم المستحقون (لأشرف)(1) الْمَنَازِلِ، وَهُوَ مِمَّا لَا يُنَازِعُ فِيهِ عَاقِلٌ.

وَاتَّفَقَ أَهْلُ الشَّرَائِعِ عَلَى أَنَّ عُلُومَ الشَّرِيعَةِ أَفْضَلُ الْعُلُومِ وَأَعْظَمُهَا أَجْرًا عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَلَا عَلَيْنَا/ أَسَامَحَنَا بَعْضُ الْفِرَقِ فِي تعيين/ العلوم (الشرعية)(2) ـ أَعْنِي الْعُلُومَ الَّتِي نَبَّهَ الشَّارِعُ عَلَى مَزِيَّتِهَا وفضيلتها ـ أم لم نسامحهم، بعد الاتفاق من الجميع على الأفضلية، وإثبات (المزية)(3).

وَأَيْضًا فَإِنَّ عُلُومَ الشَّرِيعَةِ مِنْهَا مَا يَجْرِي مَجْرَى الْوَسَائِلِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّعَادَةِ الْأُخْرَوِيَّةِ، وَمِنْهَا مَا يَجْرِي مَجْرَى الْمَقَاصِدِ، وَالَّذِي يَجْرِي (مِنْهَا)(4) مَجْرَى الْمَقَاصِدِ أَعْلَى/ مِمَّا لَيْسَ كَذَلِكَ ـ بِلَا نزاع بين العقلاء (في ذلك)(5) ـ كَعِلْمِ الْعَرَبِيَّةِ بِالنِّسْبَةِ إِلَى عِلْمِ الْفِقْهِ، فَإِنَّهُ كَالْوَسِيلَةِ، فَعِلْمُ الْفِقْهِ (أَعْلَى)(6).

وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فأهل العلم أشرف الناس (وأعظمهم)(7) منزلة بلا إشكال (فلا)(8) نِزَاعٍ وَإِنَّمَا وَقَعَ الثَّنَاءُ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ حَيْثُ اتِّصَافِهِمْ بِالْعِلْمِ لَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ وُقُوعُ الثناء عليهم مقيداً

(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "لشرف".

(2)

زيادة من (غ) و (ر).

(3)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "الحرية".

(4)

زيادة من (غ) و (ر).

(5)

في سائر النسخ ما عدا (ت): "أيضاً".

(6)

في (غ) و (ر): "أولى".

(7)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "وأعظم".

(8)

في (غ) و (ر): "ولا".

ص: 311

بِالِاتِّصَافِ بِهِ، فَهُوَ إِذًا الْعِلَّةُ فِي الثَّنَاءِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ الِاتِّصَافُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَزِيَّةٌ على غيرهم، ومن (ثَمَّ)(1) صار العلماء حكاماً على الخلائق أجمعين قضاءاً أَوْ فُتْيَا أَوْ إِرْشَادًا؛ لِأَنَّهُمُ اتَّصَفُوا بِالْعِلْمِ الشَّرْعِيِّ الَّذِي هُوَ حَاكِمٌ بِإِطْلَاقٍ فَلَيْسُوا بِحُكَّامٍ مِنْ جِهَةِ مَا اتَّصَفُوا بِوَصْفٍ يَشْتَرِكُونَ فِيهِ مَعَ غَيْرِهِمْ كَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْعَقْلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، إِذْ لَا مَزِيَّةَ فِي ذَلِكَ مِنْ حَيْثُ الْقَدْرِ الْمُشْتَرَكِ، لِاشْتِرَاكِ الْجَمِيعِ فِيهَا، وَإِنَّمَا صَارُوا حكاماً (من جهة ما اتصفوا بالوصف الحاكم وهو العلم، وهذا التقرير غير محتاج إلى برهانٍ لوضوحه، ثم نقول بعد هذا لما صار أهل العلم حكاماً)(2) على الخلق (ومرجوعاً)(3) إليهم بسبب/ حملهم/ للعلم الحاكم، (لزم)(4) مِنْ ذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يَكُونُونَ (حُكَّامًا)(5) عَلَى الخلق إلا من ذلك الوجه، كَمَا أَنَّهُمْ مَمْدُوحُونَ مِنْ ذَلِكَ الْوَجْهِ أَيْضًا، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّصِفُوا بِوَصْفِ الْحُكْمِ مَعَ فرض خروجهم عن صوب الْعِلْمِ الْحَاكِمِ، إِذْ لَيْسُوا حُجَّةً إِلَّا مِنْ جِهَتِهِ، فَإِذَا خَرَجُوا عَنْ جِهَتِهِ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونُوا حُكَّامًا؟ هَذَا مُحَالٌ.

وَكَمَا أَنَّهُ لَا يُقَالُ فِي الْعَالِمِ بِالْعَرَبِيَّةِ مُهَنْدِسٌ، وَلَا فِي الْعَالِمِ بِالْهَنْدَسَةِ عَرَبِيٌّ، فَكَذَلِكَ لَا يُقَالُ في الزائغ عن الحكم (بأحكام/ الشرع)(6) حَاكِمٌ بِالشَّرْعِ، بَلْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ حَاكِمٌ بِعَقْلِهِ أَوْ بِرَأْيِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ، (فَلَا)(7) يَصِحُّ أَنْ يُجْعَلَ حُجَّةً فِي الْعِلْمِ الْحَاكِمِ/ لِأَنَّ الْعِلْمَ (الْحَاكِمَ)(8) يُكَذِّبُهُ وَيَرُدُّ عَلَيْهِ، وَهَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا فِي الْجُمْلَةِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَا يُخَالِفُ فِيهِ أَحَدٌ مِنَ الْعُقَلَاءِ.

ثُمَّ نَصِيرُ مِنْ هَذَا إِلَى (مَعْنًى)(9) آخَرَ مُرتب عَلَيْهِ، وَهُوَ أَنَّ الْعَالِمَ بِالشَّرِيعَةِ إِذَا اتُّبِعَ فِي قَوْلِهِ، وَانْقَادَ إِلَيْهِ النَّاسُ فِي حُكْمِهِ، فَإِنَّمَا اتُّبِعَ من حيث

(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "ذلك".

(2)

ما بين () زيادة من (غ) و (ر).

(3)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "مرجوعاً".

(4)

في (ط) و (خ) و (ت): "فلزم".

(5)

ما بين القوسين ساقط من (ط).

(6)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "الشرعي".

(7)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "فهنا".

(8)

زيادة من (غ) و (ر).

(9)

في (غ) و (ر): "نوع".

ص: 312

هو (عالم بِهَا)(1) وَحَاكِمٌ/ بِمُقْتَضَاهَا، لَا مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى، فَهُوَ/ فِي الْحَقِيقَةِ مُبَلِّغٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، الْمُبَلِّغِ عَنِ اللَّهِ عز وجل، فَيَتَلَقَّى مِنْهُ مَا بَلَّغَ عَلَى الْعِلْمِ بِأَنَّهُ بَلَّغَ، أَوْ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ بأنه بلغ لا من جهة (أنه)(2) مُنْتَصِبٌ لِلْحُكْمِ مُطْلَقًا، إِذْ لَا يَثْبُتُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ ثَابِتٌ لِلشَّرِيعَةِ الْمُنَزَّلَةِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وثبت ذلك له صلى الله عليه وسلم وَحْدَهُ دُونَ الْخَلْقِ مِنْ جِهَةِ دَلِيلِ الْعِصْمَةِ وَالْبُرْهَانُ أَنَّ جَمِيعَ مَا يَقُولُهُ أَوْ يَفْعَلُهُ حَقٌّ. فَإِنَّ الرِّسَالَةَ الْمُقْتَرِنَةَ بِالْمُعْجِزَةِ عَلَى ذَلِكَ دلت، فغيره لم (تثبت)(3) لَهُ عِصْمَةٌ (بِالْمُعْجِزَةِ)(4)(بِحَيْثُ)(5)(يَحْكُمُ بِمُقْتَضَاهَا)(6) حَتَّى يساوي النبي فِي الِانْتِصَابِ لِلْحُكْمِ بِإِطْلَاقٍ بَلْ إِنَّمَا يَكُونُ مَنْتَصِبًا عَلَى شَرْطِ الْحُكْمِ/ (بِمُقْتَضَى الشَّرِيعَةِ)(7)، بِحَيْثُ إِذَا وُجِدَ الْحُكْمُ فِي الشَّرْعِ بِخِلَافِ مَا حَكَمَ لَمْ يَكُنْ حَاكِمًا، (إِذَ)(8) كَانَ ـ بِالْفَرْضِ ـ خَارِجًا عَنْ مُقْتَضَى الشَّرِيعَةِ الْحَاكِمَةِ، وَهُوَ أَمْرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، وَلِذَلِكَ إِذَا وَقَعَ النِّزَاعُ فِي مَسْأَلَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَجَبَ رَدُّهَا إِلَى الشريعة (حتى) (9) يَثْبُتُ الْحَقُّ فِيهَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ} (10) الْآيَةَ.

فَإِذًا الْمُكَلَّفُ بِأَحْكَامِهَا لَا يَخْلُو مِنْ أَحَدِ أُمُورٍ ثَلَاثَةٍ:

أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ مُجْتَهِدًا فِيهَا، فَحُكْمُهُ مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فِيهَا، لِأَنَّ اجْتِهَادَهُ فِي الْأُمُورِ الَّتِي (لَيْسَتْ دَلَالَتُهَا)(11) واضحة إنما يقع موقعه على

(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "عالم وحاكم بها".

(2)

في (ط): "كونه".

(3)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "يثبت".

(4)

في (م): "بالمعجزة بمقتضاها".

(5)

ساقط من (غ) و (ر).

(6)

ما بين القوسين ساقط من (م) و (غ) و (ر).

(7)

في (م) و (غ) و (ر): "بمقتضاها".

(8)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "إذا".

(9)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "حيث".

(10)

سورة النساء: الآية (59).

(11)

في (م): "ليس دلالة". وفي (غ) و (ر): "ليس فيها دلالة".

ص: 313

فَرْضِ أَنْ يَكُونَ مَا ظَهَرَ لَهُ هُوَ الْأَقْرَبُ إِلَى قَصْدِ الشَّارِعِ وَالْأَوْلَى بِأَدِلَّةِ الشَّرِيعَةِ، دُونَ مَا ظَهَرَ لِغَيْرِهِ/ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ، فَيَجِبُ عَلَيْهِ اتِّبَاعُ مَا هُوَ الْأَقْرَبُ، بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَا يَسَعُهُ فِيمَا اتَّضَحَ فِيهِ الدَّلِيلُ (إِلَّا اتِّبَاعُ الدَّلِيلِ)(1)، دُونَ مَا أَدَّاهُ إِلَيْهِ اجْتِهَادُهُ، وَيُعَدُّ مَا ظَهَرَ لَهُ لَغْوًا كَالْعَدَمِ، لِأَنَّهُ عَلَى غَيْرِ صَوْبِ الشَّرِيعَةِ الْحَاكِمَةِ، فَإِذًا (لَيْسَ قَوْلُهُ)(2) بِشَيْءٍ يُعْتَدُّ بِهِ فِي الْحُكْمِ.

وَالثَّانِي: أَنْ يَكُونَ/ مُقَلِّدًا صِرْفًا، خَلِيًّا مِنَ الْعِلْمِ الحاكم جملة، فلا بد لَهُ مِنْ قَائِدٍ يَقُودُهُ، وَحَاكِمٍ يَحْكُمُ عَلَيْهِ، وَعَالِمٍ يَقْتَدِي بِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِهِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ هُوَ عَالِمٌ بِالْعِلْمِ الْحَاكِمِ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَوْ غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْعِلْمِ لَمْ يَحِلَّ لَهُ اتِّبَاعُهُ وَلَا الِانْقِيَادُ (لِحُكْمِهِ)(3)، بَلْ لَا يَصِحُّ أَنْ يَخْطُرَ بِخَاطِرِ الْعَامِّيِّ وَلَا غَيْرِهِ تَقْلِيدُ الْغَيْرِ فِي أَمْرٍ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْأَمْرِ، كَمَا أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُسَلِّمَ الْمَرِيضُ نَفْسَهُ إِلَى أَحَدٍ يَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِطَبِيبٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ/ فَاقِدَ الْعَقْلِ، وَإِذَا/ كَانَ كَذَلِكَ/ فَإِنَّمَا يَنْقَادُ إِلَى الْمُفْتِي مِنْ جِهَةِ مَا هُوَ عَالِمٌ بِالْعِلْمِ الَّذِي يَجِبُ الِانْقِيَادُ إِلَيْهِ، لَا مِنْ جِهَةِ كونه فلاناً (أو فلاناً)(4)، (وَهَذِهِ)(5) الْجُمْلَةُ أَيْضًا لَا يَسْعُ الْخِلَافُ فِيهَا عَقْلًا وَلَا شَرْعًا.

وَالثَّالِثُ: أَنْ يَكُونَ غَيْرَ بَالِغٍ مَبْلَغَ الْمُجْتَهِدِينَ، لَكِنَّهُ يَفْهَمُ الدَّلِيلَ وَمَوْقِعَهُ، وَيَصْلُحُ فَهْمُهُ لِلتَّرْجِيحِ بِالْمُرَجِّحَاتِ الْمُعْتَبَرَةِ (فِي)(6) تَحْقِيقِ المناط ونحوه، فلا يخلو (أن)(7) يعتبر ترجيحه ونظره، أَوْ لَا؟ فَإِنِ اعْتَبَرْنَاهُ صَارَ مِثْلَ الْمُجْتَهِدِ فِي ذَلِكَ الْوَجْهِ، وَالْمُجْتَهِدُ إِنَّمَا هُوَ تَابِعٌ لِلْعِلْمِ الْحَاكِمِ نَاظِرٌ نَحْوَهُ، مُتَوَجِّهٌ شَطْرَهُ: فَالَّذِي يشبهه كذلك، وإن لم نعتبره فلا بد من

(1) ما بين القوسين زيادة من (ت) و (غ) و (ر).

(2)

في (ت): "قوله ليس".

(3)

في (ت): "إلى حكمه".

(4)

ما بين القوسين ساقط من (ط).

(5)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "أيضاً وهذه".

(6)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "فيه".

(7)

في (ت) و (ط) و (خ): "إما أن".

ص: 314

(رُجُوعِهِ)(1) إِلَى دَرَجَةِ الْعَامِّيِّ، وَالْعَامِّيُّ إِنَّمَا اتَّبَعَ الْمُجْتَهِدَ مِنْ جِهَةِ تَوَجُّهِهِ/ إِلَى صَوْبِ الْعِلْمِ الْحَاكِمِ، فَكَذَلِكَ مَنْ نَزَلَ مَنْزِلَتَهُ.

ثُمَّ نَقُولُ: إن هذا مذهب الصحابة رضي الله عنهم، أَمَّا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَاتِّبَاعُهُ لِلْوَحْيِ أَشْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ، وَأَمَّا أَصْحَابُهُ فَاتِّبَاعُهُمْ لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِمُؤَالِفٍ أَوْ مُخَالِفٍ شَهِيرٍ عَنْهُمْ، فَلَا (نُطِيلُ الِاسْتِدْلَالَ)(2) عَلَيْهِ.

/فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ لَا يَتَّبِعُ أَحَدٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ إِلَّا مِنْ حَيْثُ هُوَ مُتَوَجِّهٌ نَحْوَ الشَّرِيعَةِ قَائِمٌ بِحُجَّتِهَا، حَاكِمٌ بِأَحْكَامِهَا جملة وتفصيلاً، وإنه (متى)(3) وُجِدَ مُتَوَجِّهًا غَيْرَ تِلْكَ الْوُجْهَةِ فِي جُزْئِيَّةٍ مِنَ الْجُزْئِيَّاتِ أَوْ فَرْعٍ مِنَ الْفُرُوعِ لَمْ يَكُنْ حَاكِمًا وَلَا اسْتَقَامَ أَنْ يَكُونَ مُقْتَدًى بِهِ فِيمَا حَادَ فِيهِ عَنْ صَوْبِ الشَّرِيعَةِ أَلْبَتَّةَ.

فَيَجِبُ إِذًا عَلَى النَّاظِرِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ أَمْرَانِ إِذَا كَانَ غَيْرَ مُجْتَهِدٍ:

أَحَدُهُمَا: أَنْ لَا يَتَّبِعَ الْعَالِمَ إِلَّا مِنْ جِهَةِ ما هو عالم بالعلم المحتاج إليه (من)(4) حَيْثُ هُوَ طَرِيقٌ إِلَى اسْتِفَادَةِ ذَلِكَ الْعِلْمِ، إِذْ لَيْسَ لِصَاحِبِهِ مِنْهُ إِلَّا كَوْنُهُ مُودَعًا لَهُ، وَمَأْخُوذًا/ (بِأَدَاءِ)(5) تِلْكَ الْأَمَانَةِ، حَتَّى إِذَا علم أو غلب على ظنه أَنَّهُ مُخْطِئٌ فِيمَا يُلْقِي، أَوْ تَارِكٌ لِإِلْقَاءِ تِلْكَ الْوَدِيعَةِ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، أَوْ مُنْحَرِفٌ عَنْ صَوْبِهَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ الِانْحِرَافِ، تَوَقَّفَ وَلَمْ يُصِرَّ عَلَى الِاتِّبَاعِ إِلَّا بَعْدَ التَّبْيِينِ، إِذْ لَيْسَ كُلُّ مَا يُلْقِيهِ الْعَالِمُ يَكُونُ حَقًّا عَلَى الْإِطْلَاقِ، لِإِمْكَانِ الزَّلَلِ وَالْخَطَإِ وغلبة (الهوى)(6) فِي بَعْضِ الْأُمُورِ، وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ. أَمَّا إذا كان هذا المتبع (ماهراً)(7) فِي الْعِلْمِ وَمُتَبَصِّرًا فِيمَا يُلْقِي إِلَيْهِ كَأَهْلِ الْعِلْمِ فِي زَمَانِنَا، فَإِنَّ تَوَصُّلَهُ/ إِلَى/ الْحَقِّ سَهْلٌ، لِأَنَّ الْمَنْقُولَاتِ فِي الْكُتُبِ إِمَّا تَحْتَ حِفْظِهِ، وَإِمَّا مُعَدَّةٌ لِأَنْ يُحَقِّقَهَا بِالْمُطَالَعَةِ أَوِ المذاكرة.

(1) في (ر): "رجوعها".

(2)

في (غ) و (ر): "نطول بالاستدلال".

(3)

في (ط) و (خ): "من".

(4)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "ومن".

(5)

في (م) و (خ) و (ن): "به". وفي (غ) و (ر): "به في".

(6)

في (ط) و (خ) و (ت): الظن.

(7)

في سائر النسخ: "ناظراً" والتصحيح من هامش (ت).

ص: 315

وَأَمَّا إِنْ كَانَ عَامِّيًّا صِرْفًا، فَيَظْهَرُ لَهُ الْإِشْكَالُ عِنْدَمَا يَرَى الِاخْتِلَافَ/ بَيْنَ النَّاقِلِينَ لِلشَّرِيعَةِ، فلا بد له ها هنا مِنَ الرُّجُوعِ آخِرًا إِلَى تَقْلِيدِ بَعْضِهِمْ، إِذْ لَا يُمْكِنُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْوَاحِدَةِ تَقْلِيدُ مُخْتَلِفِينَ فِي زَمَانٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّهُ مُحَالٌ (وَخَرْقٌ)(1) لِلْإِجْمَاعِ ألا ترى أن القولين إذا وردا على المقلد (2) فَلَا يَخْلُو أَنْ يُمْكِنَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فِي الْعَمَلِ أَوْ لَا يُمْكِنُهُ، فَإِنْ لَمْ (يُمْكِنْهُ)(3) كَانَ عَمَلُهُ بِهِمَا (مَعًا)(4) مُحَالًا، وَإِنْ أَمْكَنَهُ صَارَ عَمَلُهُ لَيْسَ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ مِنْهُمَا، بَلْ هُوَ قَوْلٌ ثَالِثٌ لَا قَائِلَ بِهِ، وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا نَجِدُ صُورَةَ ذَلِكَ الْعَمَلِ مَعُمُولًا بِهَا فِي الْمُتَقَدِّمِينَ مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْإِجْمَاعِ.

/وَإِذَا ثَبَتَ أَنَّهُ لَا يُقَلِّدُ إِلَّا وَاحِدًا، فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَدَّعِي أَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ مِنْ صَاحِبِهِ، وَلِذَلِكَ خَالَفَهُ، وَإِلَّا لَمْ يُخَالِفْهُ، وَالْعَامِّيُّ جَاهِلٌ بمواقع الاجتهاد، فلا بد لَهُ مِمَّنْ يُرْشِدُهُ إِلَى مَنْ هُوَ أَقْرَبُ إلى الحق منهما، وذلك إنما يثبت للعامي بطريق جملي، وَهُوَ تَرْجِيحُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بِالْأَعْلَمِيَّةِ وَالْأَفْضَلِيَّةِ، ويظهر ذلك من جمهور العلماء والطالبين الذين لَا يَخْفَى عَلَيْهِمْ مِثْلُ ذَلِكَ. لِأَنَّ الْأَعْلَمِيَّةَ تَغْلِبُ عَلَى ظَنِّ الْعَامِّيِّ أَنَّ صَاحِبَهَا أَقْرَبُ إلى صوب (الصواب في)(5) الْعِلْمِ الْحَاكِمِ لَا مِنْ/ جِهَةٍ أُخْرَى، فَإِذًا لَا يُقَلِّدُ إِلَّا بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ حَاكِمًا بِالْعِلْمِ الْحَاكِمِ.

وَالْأَمْرُ الثَّانِي: أَنْ لَا يُصَمِّمَ عَلَى تَقْلِيدِ مَنْ تَبَيَّنَ لَهُ فِي تَقْلِيدِهِ الْخَطَأُ شَرْعًا وَذَلِكَ أَنَّ الْعَامِّيَّ وَمَنْ جَرَى مَجْرَاهُ قَدْ يَكُونُ مُتَّبِعًا لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ ـ إِمَّا لِكَوْنِهِ أرجح من غيره (عنده)(6)، أَوْ عِنْدَ أَهْلِ قُطْرِهِ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَهْلُ قُطْرِهِ فِي التَّفَقُّهِ فِي مَذْهَبِهِ دُونَ مَذْهَبِ غَيْرِهِ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فإذا تبين له في بعض مسائل (متبوعه)(7) الْخَطَأُ وَالْخُرُوجُ عَنْ صَوْبِ الْعِلْمِ الْحَاكِمِ فَلَا يَتَعَصَّبُ لِمَتْبُوعِهِ بِالتَّمَادِي عَلَى اتِّبَاعِهِ فِيمَا ظَهَرَ فيه خطؤه، لأن

(1) في سائر النسخ ما عدا (ط): "أو خرق".

(2)

ما بين () زيادة من (غ) و (ر).

(3)

في (ط): "يمكنه بهما".

(4)

زيادة من (خ) و (ت) و (غ) و (ر).

(5)

ما بين القوسين زيادة من (ت).

(6)

ما بين القوسين زيادة من (ت).

(7)

في (ط): متنوعة.

ص: 316

تَعَصُّبَهُ يُؤَدِّي إِلَى مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ أَوَّلًا، ثُمَّ إِلَى مُخَالَفَةِ مَتْبُوعِهِ، أَمَّا خِلَافُهُ لِلشَّرْعِ فَبِالْعَرْضِ، وَأَمَّا خِلَافُهُ لِمَتْبُوعِهِ فَلِخُرُوجِهِ عَنْ شَرْطِ الِاتِّبَاعِ، لِأَنَّ كُلَّ عَالِمٍ يُصَرِّحُ أَوْ يُعَرِّضُ بِأَنَّ اتِّبَاعَهُ إِنَّمَا يَكُونُ عَلَى شَرْطِ أَنَّهُ حَاكِمٌ بِالشَّرِيعَةِ لَا/ بِغَيْرِهَا، فَإِذَا ظَهَرَ أَنَّهُ حَاكِمٌ بخلاف الشريعة خرج عن شرط متبوعه (فلم يكن تابعاً له، فتأملوا كيف يخرج عن تقليد مَتْبُوعِهِ)(1) بِالتَّصْمِيمِ عَلَى تَقْلِيدِهِ.

//وَمِنْ مَعْنَى كَلَامِ مالك بن أنس رحمه الله: مَا كَانَ مِنْ كَلَامِي مُوَافِقًا للكتاب والسنة فخذوا به، وما لم (يوافقه)(2) فَاتْرُكُوهُ (3). هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ دُونَ لَفْظِهِ.

وَمِنْ كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رحمه الله: الْحَدِيثُ مَذْهَبِي فَمَا خَالَفَهُ فَاضْرِبُوا بِهِ الْحَائِطَ (4)، أَوْ كَمَا قَالَ.

قَالَ الْعُلَمَاءُ: وَهَذَا لِسَانُ/ حَالِ الْجَمِيعِ.

وَمَعْنَاهُ/ أن كل ما يتكلمون به (فإنما يقولون به)(5) على (تحري)(6) أنه مطابق للشريعة الْحَاكِمَةَ، فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ فَبِهَا وَنِعْمَتْ، وَمَا لَا فَلَيْسَ بِمَنْسُوبٍ إِلَى الشَّرِيعَةِ، وَلَا هُمْ أَيْضًا مِمَّنْ يُرْضَى أَنْ تُنْسَبَ إِلَيْهِمْ مُخَالَفَتُهَا.

لَكِنْ يُتَصَوَّرُ فِي هَذَا الْمَقَامِ وَجْهَانِ: أَنْ يَكُونَ الْمَتْبُوعُ مُجْتَهِدًا، فَالرُّجُوعُ فِي التَّخْطِئَةِ وَالتَّصْوِيبِ إِلَى مَا اجْتَهَدَ فِيهِ، وَهُوَ الشَّرِيعَةُ وَأَنْ يَكُونَ مُقَلِّدًا لِبَعْضِ الْعُلَمَاءِ، كَالْمُتَأَخِّرِينَ الَّذِينَ مِنْ شَأْنِهِمْ تَقْلِيدُ الْمُتَقَدِّمِينَ بِالنَّقْلِ مِنْ كُتُبِهِمْ وَالتَّفَقُّهِ فِي مَذَاهِبِهِمْ، فَالرُّجُوعُ فِي التَّخْطِئَةِ/ وَالتَّصْوِيبُ إِلَى صِحَّةِ النَّقْلِ عَمَّنْ نَقَلُوا عَنْهُ وَمُوَافَقَتُهُمْ لِمَنْ قَلَّدُوا، أَوْ خِلَافَ ذَلِكَ، لِأَنَّ هَذَا الْقِسْمَ

(1) ما بين () زيادة من (غ) و (ر).

(2)

في (ت) و (م) و (غ) و (ر): "يوافق".

(3)

أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم برقم (1435، 1436).

(4)

انظر: مختصر المؤمل (57 ـ 61)، وتعليق المحقق (ص61 ت219).

(5)

زيادة من (غ) و (ر).

(6)

في (ط) و (خ) و (ت): "ما تحرى".

ص: 317

مقلدون (بالفرض)(1)، فَلَا يَسَعُهُمُ الِاجْتِهَادُ فِي اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ، إِذْ لَمْ يَبْلُغُوا دَرَجَتَهُ، فَلَا يَصِحُّ تَعَرُّضُهُمْ لِلِاجْتِهَادِ فِي الشَّرِيعَةِ مَعَ قُصُورِهِمْ عَنْ دَرَجَتِهِ، فَإِنْ فُرِضَ انْتِصَابُهُ لِلِاجْتِهَادِ، فَهُوَ مُخْطِئٌ آثِمٌ أَصَابَ أَمْ لَمْ يُصِبْ، لِأَنَّهُ أَتَى الْأَمْرَ مِنْ (غَيْرِ بَابِهِ)(2)، وَانْتَهَكَ حُرْمَةَ (الدَّرَجَةِ)(3) وقَفا مَا لَيْسَ لَهُ بِهِ عِلْمٌ، فَإِصَابَتُهُ ـ إِنْ أَصَابَ ـ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي، وَخَطَؤُهُ هُوَ الْمُعْتَادُ، فَلَا يَصِحُّ اتِّبَاعُهُ كَسَائِرِ الْعَوَامِّ إِذَا رَامُوا الاجتهاد في أحكام الله، ولا خلاف (أَنَّ)(4) مِثْلَ هَذَا الِاجْتِهَادِ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ، وَأَنَّ مُخَالَفَةَ الْعَامِّيِّ كَالْعَدَمِ/ وَأَنَّهُ فِي مُخَالَفَتِهِ لِأَهْلِ الْعِلْمِ آثِمٌ مُخْطِئٌ، فَكَيْفَ يَصِحُّ ـ مَعَ هَذَا التقرير ـ تقليد غير مجتهد في مسألة (أفتى)(5) فِيهَا بِاجْتِهَادِهِ؟

وَلَقَدْ زلَّ بِسَبَبِ الْإِعْرَاضِ عَنِ (أصل)(6) الدَّلِيلِ وَالِاعْتِمَادِ عَلَى الرِّجَالِ أَقْوَامٌ خَرَجُوا بِسَبَبِ ذلك عن جادة الصحابة والتابعين رضي الله عنهم أجمعين، وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ فضلُّوا عَنْ سَوَاءِ السبيل.

ولنذكر لذلك عَشَرَةَ أَمْثِلَةً:

أَحَدُهَا: وَهُوَ (أَشَدُّهَا)(7)، قَوْلُ مَنْ جَعَلَ اتِّبَاعَ الْآبَاءِ فِي أَصْلِ الدِّينِ هُوَ الْمَرْجُوعُ (إِلَيْهِ)(8) دُونَ غَيْرِهِ، حَتَّى رَدُّوا بِذَلِكَ بَرَاهِينَ الرِّسَالَةِ، وَحُجَّةَ الْقُرْآنِ وَدَلِيلَ الْعَقْلِ فَقَالُوا:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ} (9) الآية، فَحِينَ نُبِّهُوا عَلَى وَجْهِ الْحُجَّةِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ} (10)، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ جَوَابٌ إِلَّا الْإِنْكَارُ، اعْتِمَادًا عَلَى اتِّبَاعِ الْآبَاءِ وَاطِّرَاحًا لِمَا سِوَاهُ، وَلَمْ يَزَلْ مِثْلُ هَذَا مَذْمُومًا فِي الشَّرَائِعِ، كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْ قَوْمِ نُوحٍ عليه السلام بقوله تعالى: {وَلَوْ شَاءَ

(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "بالعرض".

(2)

في (ط) و (م) و (خ): "غيره".

(3)

ساقط من (غ) و (ر).

(4)

في (غ) و (ر): "في أن".

(5)

في (ط) و (خ) و (م): "أتى".

(6)

زيادة من (غ) و (ر).

(7)

في هامش (ت): "أشرها أو أفسدها".

(8)

ساقط من (غ) و (ر).

(9)

سورة الزخرف: الآية (22).

(10)

سورة الزخرف: الآية (24).

ص: 318

اللَّهُ لأَنْزَلَ مَلَائِكَةً مَا سَمِعْنَا بِهَذَا فِي آبَائِنَا الأَوَّلِينَ} (1)، وَعَنْ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ/ عليه الصلاة والسلام بِقَوْلِهِ تعالى:{قَالَ هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ *} / أؤ إ ئء ف (ص)!! {أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ *قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ *} (2)، إلى (غير)(3) ذَلِكَ مِمَّا فِي مَعْنَاهُ، فَكَانَ الْجَمِيعُ مَذْمُومِينَ حين اعتبروا (الرجال)(4) وَاعْتَقَدُوا أَنَّ الْحَقَّ تَابِعٌ لَهُمْ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلى أن الحق هو المقدم (على الرجال)(5).

وَالثَّانِي: رَأْيُ الْإِمَامِيَّةِ (6) فِي اتِّبَاعِ الْإِمَامِ الْمَعْصُومِ ـ فِي زَعْمِهِمْ ـ وَإِنْ خَالَفَ مَا جَاءَ بِهِ النَّبِيُّ الْمَعْصُومُ حَقًّا، وَهُوَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم/ فَحَكَّمُوا الرِّجَالَ عَلَى الشَّرِيعَةِ وَلَمْ يُحَكِّمُوا الشَّرِيعَةَ عَلَى الرِّجَالِ، وَإِنَّمَا أُنْزِلَ الْكِتَابُ لِيَكُونَ حَكَمًا عَلَى الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَالْعُمُومِ.

/وَالثَّالِثُ: لَاحِقٌ بِالثَّانِي، وَهُوَ مَذْهَبُ الْفِرْقَةِ الْمَهْدَوِيَّةِ (7) الَّتِي جَعَلَتْ أَفْعَالَ مَهْدِيِّهِمْ حُجَّةً، وَافَقَتْ حُكْمَ الشَّرِيعَةِ أَوْ خَالَفَتْ، بَلْ جَعَلُوا أَكْثَرَ ذَلِكَ أَنْفِحَةً فِي عَقْدِ إِيمَانِهِمْ، مَنْ خَالَفَهَا كَفَّرُوهُ وَجَعَلُوا حُكْمَهُ حُكْمَ الْكَافِرِ الْأَصْلِيِّ،/ وَقَدْ تَقَدَّمَ من ذلك أمثلة.

والرابع: رأي بعض الْمُقَلِّدَةِ لِمَذْهَبِ إِمَامٍ يَزْعُمُونَ أَنَّ إِمَامَهُمْ هُوَ الشَّرِيعَةُ، بِحَيْثُ يَأْنَفُونَ أَنْ تُنْسَبَ إِلَى أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ فَضِيلَةٌ دُونَ إِمَامِهِمْ، حَتَّى إِذَا جاءهم (أحد ممن)(8) بلغ درجة الاجتهاد وتكلم في المسائل

(1) سورة المؤمنون: الآية (24).

(2)

سورة الشعراء: الآيات (72 ـ 74).

(3)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "آخر".

(4)

زيادة من (غ) و (ر).

(5)

زيادة من (غ) و (ر).

(6)

انظر الملحق رقم (1).

(7)

الظاهر أنه يقصد بذلك الموحدين أتباع المهدي ـ المزعوم ـ محمد بن تومرت، والذي ظهر سنة بضع وخمسمائة، وتوفي سنة 524هـ، وكان ينتسب إلى الحسن رضي الله عنه، وقد ادعى المهدية غيره كثير منهم عبيد الله بن ميمون القداح الباطني. انظر ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في منهاج السنة (4 98 ـ 102).

(8)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "من".

ص: 319

(باجتهاده)(1) وَلَمْ يَرْتَبِطْ إِلَى إِمَامِهِمْ رَمَوْهُ بِالنَّكِيرِ، وَفَوَّقُوا إِلَيْهِ سِهَامَ النَّقْدِ، وَعَدُّوهُ مِنَ الْخَارِجِينَ عَنِ الْجَادَّةِ، وَالْمُفَارِقِينَ لِلْجَمَاعَةِ، مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ مِنْهُمْ بِدَلِيلٍ، بَلْ (بِمُجَرَّدِ)(2) الِاعْتِيَادِ الْعَامِّيِّ.

وَلَقَدْ لَقِيَ الْإِمَامُ بَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ حِينَ دَخَلَ الْأَنْدَلُسَ آتِيًا مِنَ الْمَشْرِقِ مِنْ هَذَا الصِّنْفِ الأمرَّيْن، حَتَّى أَصَارُوهُ مَهْجُورَ الْفَنَاءِ، مُهْتَضَمَ الْجَانِبِ، لِأَنَّهُ (جاءهم)(3) مِنِ الْعِلْمِ بِمَا لَا (يَدَيْ)(4) لَهُمْ بِهِ، إِذْ لَقِيَ بِالْمَشْرِقِ الْإِمَامَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَأَخَذَ عَنْهُ مُصَنَّفَهُ وَتَفَقَّهَ عَلَيْهِ، وَلَقِيَ أَيْضًا غَيْرُهُ، حَتَّى صَنَّفَ الْمُسْنَدَ الْمُصَنَّفَ الَّذِي لَمْ يُصَنَّفْ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلُهُ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ الْمُقَلِّدَةُ قَدْ صَمَّمُوا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ، بِحَيْثُ أَنْكَرُوا/ ما عداه/ وهذا (هو)(5) تَحْكِيمُ الرِّجَالِ عَلَى الْحَقِّ، وَالْغُلُوُّ فِي مَحَبَّةِ الْمَذْهَبِ، وَعَيْنُ الْإِنْصَافِ (تَرَى)(6) أَنَّ الْجَمِيعَ أَئِمَّةٌ فُضَلَاءُ، فَمَنْ كَانَ مُتَّبِعًا لِمَذْهَبِ مُجْتَهِدٍ لِكَوْنِهِ لَمْ يَبْلُغْ دَرَجَةَ الِاجْتِهَادِ فَلَا (يَضُرُّهُ مُخَالَفَةُ غَيْرِ إِمَامِهِ لِإِمَامِهِ)(7)، لِأَنَّ الْجَمِيعَ سَالِكٌ عَلَى الطَّرِيقِ الْمُكَلَّفِ بِهِ، فَقَدْ يُؤَدِّي التَّغَالِي فِي التقليد إلى إنكار (ما)(8) أَجْمَعَ النَّاسُ عَلَى تَرْكِ إِنْكَارِهِ.

وَالْخَامِسُ: رَأْيُ (نابغة)(9) مُتَأَخِّرَةِ الزَّمَانِ مِمَّنْ يَدَّعِي التَّخَلُّقَ بِخُلُقِ أَهْلِ التَّصَوُّفِ الْمُتَقَدِّمِينَ، أَوْ يَرُومُ الدُّخُولَ فِيهِمْ، يَعْمِدُونَ إِلَى مَا نُقِلَ عَنْهُمْ فِي الْكُتُبِ/ مِنَ/ الْأَحْوَالِ الْجَارِيَةِ عَلَيْهِمْ أَوِ الْأَقْوَالِ الصَّادِرَةِ عَنْهُمْ، فَيَتَّخِذُونَهَا دِينًا وَشَرِيعَةً لِأَهْلِ الطَّرِيقَةِ، وَإِنْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلنُّصُوصِ الشَّرْعِيَّةِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، أَوْ مُخَالِفَةً لِمَا جَاءَ عَنِ السَّلَفِ الصَّالِحِ، لَا يلتفتون معها إلى فتيا

(1) زيادة من (غ) و (ر).

(2)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "مجرد".

(3)

ما بين القوسين زيادة من "ت" و (غ) و (ر).

(4)

في (ت): "علم".

(5)

زيادة من (غ) و (ر).

(6)

ما بين القوسين ساقط من (م) و (غ) و (ر).

(7)

في (غ) و (ر): "يضيره مخالفة إمامه".

(8)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "لما".

(9)

في (ط): "نابتة".

ص: 320

(فقيه)(1) وَلَا نَظَرِ عَالِمٍ، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّ صَاحِبَ هَذَا الْكَلَامِ ثَبَتَتْ وِلَايَتُهُ، فَكُلُّ مَا يَفْعَلُهُ أو يقوله حق، وإن كان مخالفاً (للفقه)(2) فَهُوَ أَيْضًا مِمَّنْ يُقْتَدَى بِهِ، وَالْفِقْهُ لِلْعُمُومِ. وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْخُصُوصِ.

فَتَرَاهُمْ يُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِتِلْكَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ وَلَا يُحْسِنُونَ الظَّنَّ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ عَيْنُ اتِّبَاعِ الرِّجَالِ وَتَرْكِ الْحَقِّ، مَعَ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُتَصَوِّفَةَ الَّذِينَ يُنْقَلُ عَنْهُمْ، لَمْ يَثْبُتْ أَنَّ مَا نُقِلَ عَنْهُمْ كَانَ فِي النِّهَايَةِ دُونَ الْبِدَايَةِ، وَلَا عُلِمَ أَنَّهُمْ كَانُوا/ مُقِرِّينَ بِصِحَّةِ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ أَمْ لَا، وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ (مِنْ أَئِمَّةِ التَّصَوُّفِ وَغَيْرِهِمْ)(3) مَنْ (زَلَّ)(4) زَلَّةً يَجِبُ سَتْرُهَا عَلَيْهِ، فَيَنْقُلُهَا عَنْهُ مَنْ لَا يَعْلَمُ حَالَهُ مِمَّنْ لَمْ يَتَأَدَّبْ بِطَرِيقِ الْقَوْمِ كُلَّ التَّأَدُّبِ.

وَقَدْ حَذَّرَ السَّلَفُ الصَّالِحُ مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ، وَجَعَلُوهَا مِنَ الْأُمُورِ الَّتِي تَهْدِمُ الدِّينَ، فَإِنَّهُ رُبَّمَا ظَهَرَتْ فَتَطِيرُ فِي النَّاسِ كُلَّ مَطَارٍ، فَيَعُدُّونَهَا دِينًا، وَهِيَ ضِدُّ الدِّينِ، فَتَكُونُ الزَّلَّةُ حُجَّةً فِي الدِّينِ.

فَكَذَلِكَ أَهْلُ/ التصوف لا بد (من وقوع الزلل فيهم في الجملة إذ ليسوا بمعصومين وقد أقر القوم بوقوع المعاصي منهم وليس من محققيهم من ينفيها فإذاً لا بد)(5) فِي الِاقْتِدَاءِ بِالصُّوفِيِّ مِنْ عَرْضِ أَقْوَالِهِ (وَأَفْعَالِهِ)(6) عَلَى حَاكِمٍ يَحْكُمُ عَلَيْهَا: هَلْ هِيَ مِنْ جُمْلَةِ مَا يُتَّخَذُ دِينًا أَمْ لَا؟ وَالْحَاكِمُ (الحق)(7) هو الشرع (كما نعرض)(8) أقوال العالم (عَلَى)(9) الشَّرْعِ أَيْضًا، وَأَقَلُّ ذَلِكَ فِي الصُّوفِيِّ أَنْ نَسْأَلَهُ عَنْ تِلْكَ الْأَعْمَالِ إِنْ كَانَ عَالِمًا بِالْفِقْهِ، كَالْجُنَيْدِ وَغَيْرِهِ رحمهم الله.

وَلَكِنَّ هؤلاء (النابغة)(10) لا يفعلون ذلك، فصاروا متبعين للرجال من

(1) في (ط): "مفت". وفي (م) و (خ) و (ت): "مفتي".

(2)

زيادة من (غ) و (ر).

(3)

في (ت) بياض بمقدار نصف سطر.

(4)

في (غ) و (ر): "يزل".

(5)

ما بين () زيادة من (غ) و (ر).

(6)

ساقط من (غ) و (ر).

(7)

زيادة من (غ) و (ر).

(8)

زيادة من (غ) و (ر).

(9)

في (ط): "تعرض على".

(10)

في (م) و (خ) و (ت): "التابعة". وفي (ط): "النابتة".

ص: 321

حَيْثُ هُمْ رِجَالٌ لَا مِنْ حَيْثُ هُمْ (حاكمون)(1) بِالْحَاكِمِ الْحَقِّ، وَهُوَ خِلَافُ مَا عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ وَمَا عَلَيْهِ الْمُتَصَوِّفَةُ أَيْضًا، (إِذْ) (2) قَالَ إِمَامُهُمْ سَهْلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ التُّسْتَرِيُّ: مَذْهَبُنَا (مَبْنِيٌّ عَلَى)(3) ثَلَاثَةِ (أُصُولٍ)(4): الِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْأَخْلَاقِ/ وَالْأَفْعَالِ،/ وَالْأَكْلِ مِنَ الْحَلَالِ، وَإِخْلَاصِ النِّيَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ (5). وَلَمْ يَثْبُتْ فِي طَرِيقِهِمُ اتِّبَاعُ الرِّجَالِ عَلَى (انْحِرَافٍ)(6)، وَحَاشَاهُمْ مِنْ ذَلِكَ، بَلِ اتِّبَاعُ الرِّجَالِ، شأن أهل الضلال.

والسادس: رأي (نابغة)(7) فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ أَعْرَضُوا عَنِ النَّظَرِ فِي العلم الذي (أَرَادُوا)(8) الْكَلَامَ فِيهِ وَالْعَمَلَ بِحَسْبِهِ، ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى تَقْلِيدِ بَعْضِ الشُّيُوخِ (الَّذِينَ)(9)(أَخَذُوا)(10) عَنْهُمْ فِي زَمَانِ الصِّبَا الَّذِي هُوَ/ مَظِنَّةٌ لِعَدَمِ التَّثَبُّتِ مِنَ الْآخِذِ، أَوِ التَّغَافُلِ مِنَ الْمَأْخُوذِ (عنهم)(11)، ثُمَّ جَعَلُوا أُولَئِكَ الشُّيُوخَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الكمال، ونسبوا إليهم ما (أنِسوا)(12) به من الخطأ، أو (ما)(13) فَهِمُوا عَنْهُمْ عَلَى غَيْرِ تَثَبُّتٍ وَلَا سُؤَالٍ عَنْ تَحْقِيقِ الْمَسْأَلَةِ الْمَرْوِيَّةِ، وردُّوا جَمِيعَ مَا نُقِلَ عَنِ الْأَوَّلِينَ مِمَّا هُوَ الْحَقُّ وَالصَّوَابُ، كَمَسْأَلَةِ الْبَاءِ الْوَاقِعَةِ فِي هَذِهِ الْأَزْمِنَةِ، فَإِنَّ طَائِفَةً مِمَّنْ تَظَاهَرَ بِالِانْتِصَابِ لِلْإِقْرَاءِ زَعَمَ أَنَّهَا (الباء)(14) الرَّخْوَةُ (15) الَّتِي اتَّفَقَ الْقُرَّاءُ ـ وَهُمْ أَهْلُ صِنَاعَةِ الأداء، والنحويون أيضاً ـ وهم الناقلون (حقيقة النطق بها)(16) عن العرب ـ

(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "راجحون".

(2)

ساقط من (غ) و (ر).

(3)

ساقط من (غ) و (ر).

(4)

في (غ) و (ر): "أوصاف".

(5)

بنحوه في الحلية (10 190)، والطبقات الكبرى للشعراني (1 78).

(6)

في (غ) و (ر): "الجزاف".

(7)

في (خ): "تابعة". وفي (ط): "نابتة".

(8)

في (م): "هو أرادوا". وفي (ط) و (خ) و (ت): "هم أرادوا".

(9)

ساقط من (غ) و (ر).

(10)

في (م) و (غ) و (ر): "أخذاً".

(11)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "عنه".

(12)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "نسبوا".

(13)

زيادة من (غ) و (ر).

(14)

زيادة من (غ) و (ر).

(15)

الباء من صفاتها الشدة والجهر، وليست من الحروف الرخوة، كما قرأها هذا المقرئ المشار إليه. انظر: هداية القاري (ص99).

(16)

ما بين القوسين ساقط من (خ) و (ط).

ص: 322

عَلَى أَنَّهَا لَمْ تَأْتِ إِلَّا فِي لُغَةٍ مَرْذُولَةٍ لَا يُؤْخَذُ بِهَا وَلَا يُقْرَأُ بِهَا الْقُرْآنُ، وَلَا نُقِلَتِ الْقِرَاءَةُ بِهَا/ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ بِذَلِكَ الشَّأْنِ، وَإِنَّمَا الْبَاءُ الَّتِي يَقْرَأُ بِهَا ـ وَهِيَ الْمَوْجُودَةُ فِي كُلِّ لُغَةٍ فَصِيحَةٍ ـ الْبَاءُ الشَّدِيدَةُ، فَأَبَى هَؤُلَاءِ مِنِ الْقِرَاءَةِ والإقراء بها، بناء على أن (التي)(1) قرأوا (بِهَا)(2) عَلَى الشُّيُوخِ الَّذِينَ لَقُوهُمْ هِيَ تِلْكَ لَا هَذِهِ، مُحْتَجِّينَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا/ عُلَمَاءَ وَفُضَلَاءَ، فَلَوْ كَانَتْ خَطَأً (لَرَدُّوهَا)(3) عَلَيْنَا، وَأَسْقَطُوا النَّظَرَ وَالْبَحْثَ عَنْ أَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمِينَ فِيهَا رَأْسًا تَحْسِينَ ظَنٍّ بِالرِّجَالِ، وَتُهَمَةً لِلْعِلْمِ، فَصَارَتْ بِدْعَةً جَارِيَةً (في الناس)(4) ـ أَعْنِي الْقِرَاءَةَ بِالْبَاءِ الرَّخْوَةِ ـ مُصَرَّحًا بِأَنَّهَا الْحَقُّ الصَّرِيحُ، فَنُعَوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْمُخَالَفَةِ.

وَلَقَدْ لَجَّ بَعْضُهُمْ حِينَ وُجِّهُوا بِالنَّصِيحَةِ فَلَمْ يَرْجِعُوا، فَكَانَ القرشي (المغربي)(5) أَقْرَبَ مَرَامًا مِنْهُمْ.

حُكِيَ/ عَنْ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغِيثٍ (6) أَنَّهُ قَالَ: أَدْرَكْتُ/ بِقُرْطُبَةَ (7) مُقْرِئًا يُعْرَفُ بِالْقُرَشِيِّ، وَكَانَ لَا يُحْسِنُ النَّحْوَ فَقَرَأَ عَلَيْهِ قَارِئٌ يَوْمًا:{وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ *} (8) فردَّ عَلَيْهِ الْقُرَشِيُّ: تحيدٌ بِالتَّنْوِينِ، فَرَاجَعَهُ الْقَارِئُ ـ وَكَانَ يُحْسِنُ النَّحْوَ ـ (فلجَّ)(9) عَلَيْهِ الْمُقْرِئُ وَثَبَتَ عَلَى التَّنْوِينِ، فَانْتَشَرَ الْخَبَرُ إِلَى أَنْ بَلَغَ يَحْيَى بْنَ مُجَاهِدٍ الْأَلْبِيرِيَّ الزَّاهِدَ (10) وَكَانَ صَدِيقًا لهذا المقري، فَنَهَضَ إِلَيْهِ، فَلَمَّا سلَّم عَلَيْهِ وَسَأَلَهُ عَنْ

(1) في (م) و (خ) و (غ) و (ر): "الذي".

(2)

في (غ) و (ر): "به".

(3)

في (غ) و (ر): "يردونا".

(4)

زيادة من (غ) و (ر).

(5)

في (غ) و (ر): "المقري".

(6)

لم أجد له ترجمة فيما اطلعت عليه من مصادر، وفي تراجم الأندلسيين من اسمه: يونس بن عبد الله بن محمد بن مغيث أبو الوليد ويعرف بابن القصار القرطبي (ت429هـ) له ترجمة في الديباج المذهب (2 374)، لكن ليس هو المقصود، لأن القصة حدثت مع يحيى بن مجاهد ـ تقدمت ترجمته ـ وتوفي يحيى بن مجاهد (336هـ).

(7)

هي عاصمة بني أمية في الأندلس، وهي تقع ـ تقريباً ـ في وسط الأندلس. انظر: معجم البلدان (4 324).

(8)

سورة ق: الآية (19).

(9)

في (ت) و (م) و (غ) و (ر): "فلح".

(10)

تقدمت ترجمته (2 441).

ص: 323

حَالِهِ قَالَ لَهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ: أَنَّهُ بعُد عَهْدِي بِقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ عَلَى مُقْرِئٍ فَأَرَدْتُ تَجْدِيدَ ذَلِكَ عَلَيْكَ فَأَجَابَهُ إِلَيْهِ، فَقَالَ: أُرِيدُ (أَنْ)(1) أَبْتَدِئَ بِالْمُفَصَّلِ فَهُوَ الَّذِي يَتَرَدَّدُ فِي الصَّلَوَاتِ، فقال (له) (2) الْمُقْرِئُ: مَا شِئْتَ. فَقَرَأَ عَلَيْهِ مِنْ أَوَّلِ الْمُفَصَّلِ، فَلَمَّا بَلَغَ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ رَدَّهَا عَلَيْهِ الْمُقْرِئُ بِالتَّنْوِينِ، فَقَالَ لَهُ ابْنُ مُجَاهِدٍ: لَا تَفْعَلْ، مَا هِيَ إِلَّا غَيْرُ مُنَوَّنَةٍ بِلَا شَكٍّ، (فلجَّ)(3) الْمُقْرِئُ، فَلَمَّا رَأَى ابْنُ مُجَاهِدٍ تَصْمِيمَهُ/ قَالَ لَهُ: يَا أَخِي إِنِّي لَمْ يَحْمِلْنِي عَلَى الْقِرَاءَةِ عَلَيْكَ إِلَّا لِتُرَاجِعَ الْحَقَّ فِي لُطْفٍ، وَهَذِهِ عَظِيمَةٌ أَوْقَعَكَ فِيهَا قِلَّةُ عِلْمِكَ بِالنَّحْوِ، فَإِنَّ الْأَفْعَالَ لَا يَدْخُلُهَا التَّنْوِينُ، فَتَحَيَّرَ الْمُقْرِئُ، إِلَّا أَنَّهُ/ لَمْ يَقْنَعْ بِهَذَا، فقال له ابن مجاهد: بيني وبينك المصاحف، فأحضر منها جُمْلَةً فَوَجَدُوهَا مَشْكُولَةً بِغَيْرِ تَنْوِينٍ، فَرَجَعَ الْمُقْرِئُ إِلَى الْحَقِّ. انْتَهَتِ الْحِكَايَةُ.

وَيَا لَيْتَ مَسْأَلَتَنَا مِثْلُ هَذِهِ، وَلَكِنَّهُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ أَبَوُا الانقياد إلى الصواب.

والسابع: رأي (نابغة)(4) أَيْضًا يَرَوْنَ أَنَّ عَمَلَ الْجُمْهُورِ الْيَوْمَ، مِنِ الْتِزَامِ الدُّعَاءِ بِهَيْئَةِ الْاجْتِمَاعِ بِإِثْرِ الصَّلَوَاتِ، وَالْتِزَامِ المؤذنين التثويب (المكروه)(5)(بَعْدَ)(6) الْآذَانِ، صَحِيحٌ بِإِطْلَاقٍ، مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِمُخَالَفَةِ الشَّرِيعَةِ أَوْ مُوَافَقَتِهَا، وَأَنَّ مَنْ خَالَفَهُمْ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ اجْتِهَادِيٍّ أَوْ تَقْلِيدِيٍّ خَارِجٌ عَنْ سُنَّةِ الْمُسْلِمِينَ، بِنَاءً مِنْهُمْ عَلَى أُمُورٍ تَخَبَّطُوا فِيهَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ مُعْتَبَرٍ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَمِيلُ إِلَى أَنَّ هَذَا الْعَمَلَ الْمَعْمُولَ بِهِ/ في الجمهور ثابت

(1) ما بين القوسين زيادة من (ط) و (غ) و (ر).

(2)

زيادة من (غ) و (ر).

(3)

في (م) و (ت): "فلح".

(4)

في (ط): "نابتة".

(5)

ما بين القوسين زيادة من (غ) و (ر) والتثويب بالأذان ذكره الشاطبي في الاعتصام (2 70) قال: وَقَدْ فَسَّرَ التَّثْوِيبَ الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ مَالِكٌ بأن المؤذن كان إذا أبطأ النَّاسُ قَالَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ: قَدْ قَامَتِ الصَّلَاةُ، حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ حَيَّ عَلَى الْفَلَّاحِ، وَهَذَا نَظِيرُ قَوْلِهِمْ عِنْدَنَا: الصَّلَاةُ رَحِمَكُمُ اللَّهُ. وقول الإمام مالك عن التثويب أنه بدعة، أخرجه ابن وضاح في البدع والنهي عنها (ص39).

(6)

في (م) و (غ) و (ر): "عند".

ص: 324

عَنْ فُضَلَاءَ وَصَالِحِينَ عُلَمَاءَ، فَلَوْ كَانَ خَطَأً لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ.

/وَهَذَا مِمَّا نَحْنُ فِيهِ (الْيَوْمَ، تُتَّهَمُ)(1) الْأَدِلَّةُ وَأَقْوَالُ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ، وَيُحْسَنُ الظَّنُّ بِمَنْ تَأَخَّرَ، وَرُبَّمَا نُوزِعَ بِأَقْوَالِ مَنْ تقدم، فيرميها بِالظُّنُونِ وَاحْتِمَالِ الْخَطَإِ، وَلَا يَرْمِي بِذَلِكَ الْمُتَأَخِّرِينَ، الَّذِينَ هُمْ أَوْلَى بِهِ/ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ، وَإِذَا سُئِلَ عَنْ أَصْلِ هَذَا الْعَمَلِ الْمُتَأَخِّرِ:(هَلْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ)(2) مِنَ/ الشَّرِيعَةِ؟ لَمْ يأتِ بِشَيْءٍ، أو يأتي بأدلة (مجملة)(3) لا علم له (بتفاصيلها)(4)، كَقَوْلِهِ هَذَا خَيْرٌ أَوْ حَسَنٌ، وَقَدْ قَالَ تعالى:{الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (5)، أَوْ يَقُولُ: هَذَا (بَرٌّ)(6)، وَقَالَ تَعَالَى:{وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِّرِّ وَالتَّقْوَى} (7)، فَإِذَا سُئِلَ عَنْ أَصْلِ كَوْنِهِ خَيْرًا أَوْ بِرًّا وَقَفَ، (وَمَيْلُهُ)(8) إِلَى أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ بِعَقْلِهِ أَنَّهُ خَيْرٌ وَبِرٌّ، فَجَعَلَ التَّحْسِينَ عَقْلِيًّا، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الزَّيْغِ، (وَثَابِتٌ)(9) عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ (أَنَّهُ)(10) مِنِ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ (11).

وَمِنْهُمْ مَنْ طَالَعَ كَلَامَ الْقَرَافِيِّ (12) وَابْنِ عَبْدِ السَّلَامِ (13) فِي أن البدع خمسة أقسام.

فيقول: هَذَا مِنَ (الْمُحْدَثِ)(14) الْمُسْتَحْسَنِ، وَرُبَّمَا رُشِّحَ ذَلِكَ بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ:(مَا رَآهُ الْمُسْلِمُونَ حَسَنًا/ فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ)(15)(وَقَدْ مَرَّ مَا فِيهِ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ فَإِنَّمَا مَعْنَاهُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ عُلَمَاءَ الْإِسْلَامِ إِذَا نَظَرُوا فِي مسألة مجتهد فيها/ فما رأوه حَسَنًا فَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنٌ)(16) لِأَنَّهُ جَارٍ على

(1) في (غ) و (ر): "فإنه يتهم".

(2)

ساقط من (غ) و (ر).

(3)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "محتملة".

(4)

في (ط) و (خ) و (ت): "بتفصيلها".

(5)

سورة الزمر: الآية (18).

(6)

في (م): "أبر".

(7)

سورة المائدة: الآية (2).

(8)

في (ت) بياض بمقدار كلمة.

(9)

في (م): "ثابتاً" و (غ) و (ر).

(10)

ساقط من (غ) و (ر).

(11)

تقدم الكلام عن التحسين والتقبيح العقليين (3/ 8).

(12)

انظر كلامه عن تقسيم البدع في الفروق (4 205).

(13)

انظر: قواعد الأحكام (2 172).

(14)

ساقط من (غ) و (ر).

(15)

تقدم تخريجه (ص45).

(16)

ما بين القوسين ساقط من (ت).

ص: 325

أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ الِاتِّفَاقُ عَلَى أَنَّ الْعَوَامَّ لَوْ نَظَرُوا فَأَدَّاهُمُ اجْتِهَادُهُمْ إِلَى اسْتِحْسَانِ/ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ لَمْ يَكُنْ عِنْدَ اللَّهِ حَسَنًا حَتَّى يُوَافِقَ الشَّرِيعَةَ، وَالَّذِينَ نَتَكَلَّمُ مَعَهُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لَيْسُوا مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ بِاتِّفَاقٍ منا ومنهم، فلا اعتبار بالاحتجاج (بهذا الحديث)(1) على استحسان شيء أو استقباحه (بِغَيْرِ)(2) دَلِيلٍ شَرْعِيٍّ.

وَمِنْهُمْ مَنْ تَرَقَّى فِي الدَّعْوَى حَتَّى يَدَّعِيَ فِيهَا الْإِجْمَاعَ مِنْ أَهْلِ الْأَقْطَارِ، وَهُوَ لَمْ يَبْرَحْ مِنْ قُطْرِهِ، وَلَا بَحَثَ عَنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْأَقْطَارِ، وَلَا عَنْ (فتياهم)(3) فِيمَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَلَا عَرَفَ (مِنْ)(4) أَخْبَارِ الْأَقْطَارِ خَبَرًا، فَهُوَ مِمَّنْ يُسْأَلُ عَنْ ذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ.

وَهَذَا الِاضْطِرَابُ كُلُّهُ مَنْشَؤُهُ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِأَعْمَالِ الْمُتَأَخِّرِينَ ـ وَإِنْ جَاءَتِ الشَّرِيعَةُ (بِخِلَافِ)(5)(ذَلِكَ)(6) ـ وَالْوُقُوفِ مَعَ الرِّجَالِ دُونَ التَّحَرِّي لِلْحَقِّ.

(وَالثَّامِنُ)(7): رَأْيُ قَوْمٍ مِمَّنْ تَقَدَّمَ زَمَانَنَا هَذَا ـ فَضْلًا عَنْ زَمَانِنَا ـ اتَّخَذُوا الرِّجَالَ ذَرِيعَةً لِأَهْوَائِهِمْ وأهواء من داناهم، أو من رَغِبَ إِلَيْهِمْ (فِي ذَلِكَ)(8)، فَإِذَا عَرَفُوا غَرَضَ بَعْضِ هَؤُلَاءِ فِي حُكْمِ حَاكِمٍ أَوْ فُتْيَا (تعبداً وَغَيْرِ)(9) ذَلِكَ، بَحَثُوا عَنْ أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَسْؤُولِ عَنْهَا حَتَّى يَجِدُوا الْقَوْلَ الْمُوَافِقَ للسائل فأفتوا به، زاعمين أن الحجة (لهم في ذلك) (10) قَوْلُ مَنْ قَالَ: اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ، ثُمَّ ما زال/ هذا الشر

(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "بالحديث".

(2)

في (غ) و (ر): "لغير".

(3)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "تبيانهم".

(4)

ساقط من (غ) و (ر).

(5)

في (غ) و (ر): "بخلافه".

(6)

ما بين القوسين ساقط من (م) و (غ) و (ر).

(7)

في (م): "والثامنة".

(8)

ساقط من (غ) و (ر).

(9)

في (م) و (ت): "تعبدوا غير".

(10)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "في ذلك لهم".

ص: 326

يَسْتَطِيرُ (فِي الْأَتْبَاعِ)(1) وَأَتْبَاعِهِمْ، حَتَّى لَقَدْ حَكَى الْخَطَابِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يَقُولُ:/ كُلُّ مَسْأَلَةٍ ثَبَتَ لِأَحَدٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ (فِيهَا)(2) الْقَوْلُ بِالْجَوَازِ ـ شذَّ عَنِ الْجَمَاعَةِ أَوْ لَا ـ فَالْمَسْأَلَةُ جَائِزَةٌ.

وَقَدْ تَقَرَّرَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ عَلَى وَجْهِهَا فِي كِتَابِ الْمُوَافَقَاتِ (3)، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.

وَالتَّاسِعُ: مَا حَكَى الله تعالى عن الأحبار والرهبان (في)(4) قوله تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا/ مِنْ دُونِ اللَّهِ} (5)، فخرَّج أبو عيسى الترمذي عن عَدي بن/ حاتم رضي الله عنه قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَفِي عُنُقِي صَلِيبٌ مِنْ ذَهَبٍ، فَقَالَ:(يَا عَدِيُّ، اطْرَحْ عَنْكَ (هَذَا)(6) الْوَثَنَ. وَسَمِعْتُهُ يَقْرَأُ (في سورة براءة)(7): {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، قال: أما إنهم لم يكونوا يعبدونهم، (ولكنهم كانوا)(8) إِذَا أَحَلُّوا لَهُمْ شَيْئًا اسْتَحَلُّوهُ، وَإِذَا حرَّموا عَلَيْهِمْ شَيْئًا حَرَّمُوهُ) (9)، حَدِيثٌ غَرِيبٌ.

وَفِي تَفْسِيرِ سعيد بن منصور قيل لحذيفة رضي الله عنه: أَرَأَيْتَ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى: {اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ} ، قَالَ حُذَيْفَةُ: أَمَا إِنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا لَهُمْ/ وَلَكِنَّهُمْ كَانُوا مَا أحلُّوا لَهُمْ مِنْ حَرَامٍ استحلُّوه، وما

(1) ساقط من (غ) و (ر).

(2)

ساقط من (غ) و (ر).

(3)

انظر: الموافقات (4 78).

(4)

زيادة من (غ) و (ر).

(5)

سورة التوبة: الآية (31).

(6)

زيادة من (غ) و (ر).

(7)

ساقط من (غ) و (ر).

(8)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "ولكن".

(9)

أخرجه الترمذي (3095) وقال عقبه: (هذا حديث غريب، لا نعرفه إلا من حديث عبد السلام بن حرب، وغطيف بن أعين ليس بمعروف في الحديث). وأخرجه البخاري في التاريخ الكبير (7 160)، وابن جرير في تفسيره (16631 ـ 16633)، وابن أبي حاتم في التفسير (10057)، والطبراني في المعجم الكبير (17 92 برقم 218)، والجرجاني في تاريخه (1 541)، والبيهقي في السنن الكبرى (20137)، والمزي في تهذيب الكمال (23 117) في ترجمة غطيف بن أعين، كلهم من طريق عبد السلام بن حرب عن غطيف بن أعين، فمدار الحديث على غطيف، وهو ضعيف، كما في التقريب (5364)، والحديث حسنه الألباني في صحيح سنن الترمذي!

ص: 327

حَرَّمُوا عَلَيْهِمْ مِنْ حَلَالٍ حَرَّمُوهُ، فَتِلْكَ رُبُوبِيَّتُهُمْ (1).

وحكى (نحوه)(2) الطَّبَرِيُّ عَنْ عَدِيٍّ مَرْفُوعًا إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (3)، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَأَبِي الْعَالِيَةِ (4).

فَتَأَمَّلُوا/ يَا أُولِي/ الْأَلْبَابِ، كيف حال (الاعتماد)(5) فِي الْفَتْوَى عَلَى الرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ تحرٍّ للدليل الشرعي، بل (لمجرد)(6)(نيل)(7)(الْعَرَضِ)(8) الْعَاجِلِ، عَافَانَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ.

وَالْعَاشِرُ: رَأْيُ أَهْلِ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ الْعَقْلِيِّينَ (9)، فَإِنَّ مَحْصُولَ مَذْهَبِهِمْ تَحْكِيمُ (عُقُولِ)(10) الرِّجَالِ دُونَ الشَّرْعِ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنَ الْأُصُولِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا أَهِلُ الِابْتِدَاعِ فِي الدِّينِ، بِحَيْثُ إِنَّ (الشَّرْعَ)(11) إن وافق آراءهم قبلوه، وإلا ردوه.

(1) أخرجه عبد الرزاق في تفسيره (1 القسم الثاني ص242)، والطبري في تفسيره (16634 ـ 16636 و16638 و16643)، وابن أبي حاتم في التفسير (10058)، والبيهقي في السنن الكبرى (20138) كلهم من طريق أبي البختري سعيد بن فيروز عن حذيفة، وأبو البختري روايته عن حذيفة مرسلة، كما في جامع التحصيل (ص242).

(2)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "عند".

(3)

أخرجه ابن جرير في تفسيره (14 209 ـ 211)، والبيهقي في السنن الكبرى (10 116) وهو من طريق غطيف بن أعين كما تقدم ذكره.

(4)

أخرجه الطبري في التفسير عن ابن عباس برقم (16640) بسندٍ ضعيف جداً من رواية عطية العوفي عن ابن عباس، وأخرجه برقم (16641) بسند فيه أسباط بن نصر الهمداني، وهو صدوق كثير الخطأ يغرب كما في التقريب (396) ويروى تضعيفه عن أحمد وأبي نعيم والنسائي وأبي زرعة وابن معين. وقال عنه البخاري: صدوق، كما في تهذيب التهذيب (1/ 185) وقال الذهبي في الكاشف (268):"توقف فيه أحمد". وعن أبي العالية برقم (16642) من طريق سفيان بن وكيع بن الجراح الكوفي، كان صدوقاً إلا أنه ابتلي بوراقه، فأدخل عليه ما ليس من حديثه، فنصح فلم يقبل، فسقط حديثه، من العاشرة. التقريب (2456).

(5)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "الاعتقاد".

(6)

في (غ) و (ر): "بمجرد".

(7)

زيادة من (غ) و (ر).

(8)

في (غ) و (ر): "الغرض".

(9)

انظر ما تقدم (3/ 8).

(10)

ساقط من (غ) و (ر).

(11)

في (غ) و (ر): "الشارع".

ص: 328

فَالْحَاصِلُ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ تَحْكِيمَ الرِّجَالِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى كَوْنِهِمْ وَسَائِلَ لِلْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ المطلوب شرعاً ضلال، (ولا توفيق)(1) إِلَّا بِاللَّهِ، وَإِنَّ الْحُجَّةَ الْقَاطِعَةَ وَالْحَاكِمَ الْأَعْلَى هو الشرع لا غيره.

ثم نقول: إن هذا (هو)(2) مَذْهَبُ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ رَأَى سَيْرَهُمْ وَالنَّقْلَ عَنْهُمْ وَطَالَعَ أَحْوَالَهُمْ عَلِمَ ذَلِكَ عِلْمًا يَقِينًا، أَلَا تَرَى أَصْحَابَ السَّقِيفَةِ لَمَّا تَنَازَعُوا فِي الْإِمَارَةِ، حَتَّى قَالَ بَعْضُ الْأَنْصَارِ (3):(مِنَّا/ أَمِيرٌ وَمِنْكُمْ أَمِيرٌ)(4) فَأَتَى الْخَبَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّ الْأَئِمَّةَ مِنْ قُرَيْشٍ (5)، أَذْعَنُوا لطاعة الله ورسوله ولم يعبأوا بِرَأْيِ مَنْ رَأَى/ غَيْرَ ذَلِكَ، لِعِلْمِهِمْ بِأَنَّ الْحَقَّ هُوَ الْمُقَدَّمُ عَلَى آرَاءِ الرِّجَالِ.

/وَلَمَّا أَرَادَ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه قِتَالَ مَانِعِي الزَّكَاةِ احْتَجُّوا عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ، فَرَدَّ عليهم ما استدلوا به (بعين) (6) مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ:(إِلَّا بِحَقِّهَا) فَقَالَ: الزَّكَاةُ حَقُّ الْمَالِ ـ ثُمَّ قَالَ: (وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا أَوْ عَناقاً كَانُوا يُؤَدُّونَهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَقَاتَلْتُهُمْ عَلَيْهِ)(7).

فَتَأَمَّلُوا هَذَا الْمَعْنَى فَإِنَّ فِيهِ نُكْتَتَيْنِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ:

إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ سَبِيلًا إِلَى جَرَيَانِ الْأَمْرِ فِي زمانه على

(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "وما توفيقي".

(2)

زيادة من (غ) و (ر).

(3)

هو الحباب بن المنذر.

(4)

حادثة السقيفة أخرجها البخاري، كما في الفتح (12 144)، ومسند الإمام أحمد (1 55)، وطبقات ابن سعد (2 268)، وتاريخ الطبري (3 218) وغيرهم وهي قصة مشهورة.

(5)

انظر ما تقدم (3/ 32).

(6)

في سائر النسخ ما عدا (غ): "بغير".

(7)

هذا حديث مشهور مخرج في أكثر كتب السنة، وممن أخرجه البخاري (1400 و1456 و6925 و7285)، ومسلم (20 ـ 34 و35)، وأحمد (1 11 و19 و35 و47) و (2 314 و345 و377 و324 و439 و475 و482 و502 و527 و528) و (3 295 و300 و332 و339 و394)، وأبو داود (1556 و2640)، وابن ماجه (71 و72 و3927 و3928)، والترمذي (2606 و2607 و3341)، والنسائي (2443 و3090 ـ 3095 و3969 ـ 3982)، وابن خزيمة (2248)، وابن حبان (175 و216 ـ 220)، والحاكم (1428) وغيرهم.

ص: 329

غَيْرِ مَا كَانَ يَجْرِي فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَإِنْ كَانَ بِتَأْوِيلٍ، لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَرْتَدَّ مِنَ الْمَانِعِينَ إِنَّمَا مَنَعَ تَأْوِيلًا، وَفِي هَذَا الْقِسْمِ وَقَعَ النِّزَاعُ بَيْنَ الصَّحَابَةِ لَا فِيمَنِ/ ارْتَدَّ رَأْسًا، وَلَكِنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يَعْذُرْ بِالتَّأْوِيلِ وَالْجَهْلِ، وَنَظَرَ إِلَى حَقِيقَةِ مَا كَانَ الْأَمْرُ عَلَيْهِ فَطَلَبَهُ إِلَى أَقْصَاهُ حَتَّى قَالَ: وَاللَّهِ لَوْ مَنَعُونِي عِقَالًا

إِلَى آخِرِهِ، مَعَ أَنَّ الَّذِينَ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِتَرْكِ قِتَالِهِمْ إِنَّمَا أَشَارُوا عَلَيْهِ بِأَمْرٍ مَصْلَحِيٍّ ظَاهِرٍ تُعَضِّدُهُ مَسَائِلُ شَرْعِيَّةٌ، وَقَوَاعِدُ أُصُولِيَّةٌ، لَكِنَّ الدَّلِيلَ الشَّرْعِيَّ الصَّرِيحَ كَانَ عِنْدَهُ ظَاهِرًا، فَلَمْ تَقْوَ عِنْدَهُ آرَاءُ الرِّجَالِ أَنْ تُعَارِضَ الدَّلِيلَ الظَّاهِرَ، فَالْتَزَمَهُ، ثُمَّ رَجَعَ الْمُشِيرُونَ عَلَيْهِ بِالتَّرْكِ إِلَى صِحَّةِ دَلِيلِهِ تَقْدِيمًا لِلْحَاكِمِ/ الْحَقِّ، وَهُوَ الشَّرْعُ.

وَالثَّانِيَةُ: أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه لَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى مَا يلقى هو والمسلمون في طريق طلب (ما)(1) طلب إِذْ لَمَّا امْتَنَعُوا صَارَ مَظِنَّةً لِلْقِتَالِ وَهَلَاكَ من شاء الله مِنِ (الْفِرْقَتَيْنِ)(2)، وَدُخُولَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَلَكِنَّهُ رضي الله عنه لَمْ يَعْتَبِرْ إِلَّا إِقَامَةَ الْمِلَّةِ عَلَى حَسَبِ مَا كَانَتْ قَبْلُ، فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي أنه/ لا تُعتبر الْعَوَارِضُ الطَّارِئَةُ فِي إِقَامَةِ الدِّينِ وَشَعَائِرِ الْإِسْلَامِ، نَظِيرَ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى/:{إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ إِنْ شَاءَ} (3) الآية فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَعْذُرْهُمْ فِي تَرْكِ مَنْعِ الْمُشْرِكِينَ خَوْفَ الْعَيْلَةِ فَكَذَلِكَ لَمْ (يَعُدَّ)(4) أَبُو بَكْرٍ مَا يَلْقَى الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمَشَقَّةِ عُذْرًا يَتْرُكُ بِهِ الْمُطَالَبَةَ بِإِقَامَةِ شَعَائِرِ الدِّينِ حَسْبَمَا كَانَتْ فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَجَاءَ فِي الْقِصَّةِ أَنَّ الصَّحَابَةَ أَشَارُوا عَلَيْهِ بِرَدِّ الْبَعْثِ الَّذِي بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَعَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ـ وَلَمْ يَكُونُوا بَعْدُ مَضَوْا/ لِوُجْهَتِهِمْ ـ لِيَكُونُوا مَعَهُ (عَوْنًا)(5) عَلَى قِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ، فَأَبَى من ذلك، وقال: ما كنت

(1) زيادة من (غ) و (ر).

(2)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "الفريقين".

(3)

سورة التوبة: الآية (28).

(4)

في (م) و (ت): "يعذر".

(5)

ساقط من (غ) و (ر).

ص: 330

لِأَرُدَّ بَعْثًا أَنْفَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (1)، فَوَقَفَ مَعَ شَرْعِ اللَّهِ/ وَلَمْ يحكِّم غَيْرَهُ.

وَعَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: (إِنِّي (أَخَافُ)(2) عَلَى أُمَّتِي (من)(3) بعدي (أَعْمَالٍ)(4) ثَلَاثَةٍ، قَالُوا: وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: أَخَافُ (عَلَيْكُمْ)(5) مِنْ زَلَّةِ الْعَالِمِ، وَمِنْ حُكْمٍ جَائِرٍ، وَمِنْ هَوًى متَّبَع) (6) وَإِنَّمَا (زَلَّةُ)(7) الْعَالِمِ بِأَنْ يَخْرُجَ عَنْ طَرِيقِ الشَّرْعِ، فَإِذَا كَانَ (مِمَّنْ)(8) يَخْرُجُ عَنْهُ فَكَيْفَ يُجْعَلُ حُجَّةً عَلَى الشَّرْعِ؟ هَذَا مُضَادٌّ لِذَلِكَ.

وَلَقَدْ كان كافياً من ذلك خطاب الله تعالى لِنَبِيِّهِ وَأَصْحَابِهِ: {فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (9) الْآيَةَ، مَعَ أَنَّهُ قَالَ تَعَالَى:{أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الأَمْرِ مِنْكُمْ} (10)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ} (11) الآية.

وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه: (ثلاث يهدِمن الدين: زلة (عالم)(12)، وجدال منافق بالقرآن، وأئمة مضلون) (13).

(1) انظر: تاريخ خليفة بن خياط (ص100)، وطبقات ابن سعد (4 67)، وتاريخ الطبري (3 227).

(2)

في (م) و (خ) و (ت) و (غ) و (ر): "لأخاف"، والذي في (ط):"يوافق الحديث".

(3)

ساقط من (غ) و (ر).

(4)

هكذا في جميع النسخ وفي (غ) و (ر) قبلها كلمة: "من".

(5)

في (غ) و (ر): "عليهم".

(6)

الحديث أخرجه البزار، كما في كشف الأستار (1 103) برقم (182) وقال الهيثمي في المجمع (1 187): رواه البزار، وفيه كثير بن عبد الله بن عوف، وهو متروك، وقد حسن له الترمذي. وأخرجه الطبراني في المعجم الكبير (17 17 برقم 14)، والشهاب القضاعي في مسنده (1127)، وابن عدي في الكامل (6 57) وبنحوه في المعجم الصغير للطبراني (1001)، وفي المعجم الكبير (20 138 برقم 282)، وفي تاريخ بغداد (2 128)، وفي السنن الكبرى للبيهقي (20706).

(7)

في (غ) و (ر): "يزل".

(8)

في (غ) و (ر): "مما".

(9)

سورة النساء: الآية (59).

(10)

سورة النساء: الآية (59).

(11)

سورة الأحزاب: الآية (36).

(12)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "العالم".

(13)

تقدم تخريجه.

ص: 331

(وسائر ما جاء في زيغة الحكيم فإنه/ واضح في أن الرجال إنما يعتبرون من حيث الحق لا من حيث هم رجال)(1).

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ: اغْدُ عَالِمًا أَوْ مُتَعَلِّمًا، وَلَا تغدُ إمَّعة فِيمَا بَيْنَ ذَلِكَ. قَالَ ابْنُ وهب:/ فسألت سفيان عن الإمَّعة (فحدثني عن (الزعراء)(2) عن أبي الأحوص عن ابن مسعود قال: كنا ندعو) (3) / الإمعة (في)(4) الجاهلية الذي يُدعى إلى طعام فَيَذْهَبُ مَعَهُ بِغَيْرِهِ، وَهُوَ فِيكُمُ الْيَوْمَ الْمُحْقِبُ دِينَهُ الرِّجَالَ (5).

وَعَنْ كُمَيْلِ بْنِ زِيَادٍ (6) أَنَّ علياً رضي الله عنه قال (له)(7): يَا كُمَيْلُ، إِنَّ هَذِهِ الْقُلُوبَ/ أَوْعِيَةٌ فَخَيْرُهَا أَوْعَاهَا لِلْخَيْرِ، وَالنَّاسُ ثَلَاثَةٌ: فَعَالِمٌ رَبَّانِيٌّ، وَمُتَعَلِّمٌ عَلَى سَبِيلِ نَجَاةٍ، وَهَمَجٌ رَعَاعٌ، أَتْبَاعُ كُلِّ ناعق، لم يستضيئوا بنور العلم، ولم يلجأوا إِلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ ـ الْحَدِيثَ إِلَى أَنْ قَالَ فِيهِ ـ أفٍ لِحَامِلِ حَقٍّ لَا بَصِيرَةَ لَهُ، يَنْقَدِحُ الشَّكُّ فِي قَلْبِهِ بِأَوَّلِ عَارِضٍ مِنْ شُبْهَةٍ لَا يَدْرِي أَيْنَ الْحَقُّ، إِنْ قَالَ أَخْطَأَ، وَإِنْ أَخْطَأَ لَمْ يَدْرِ، مَشْغُوفٌ بِمَا لَا يَدْرِي حَقِيقَتَهُ، فَهُوَ فِتْنَةٌ لِمَنْ فُتِنَ به، (وإن من الخير كله، (من عرَّفه)(8) اللَّهُ دِينَهُ، وَكَفَى (بِالْمَرْءِ جَهْلًا)(9)) (10) أَنْ لَا يعرف دينه (11).

(1) زيادة من (غ) و (ر).

(2)

هكذا في (غ) والصواب: أبي الزعراء، اسمه: عبد الله بن هانئ.

(3)

ما بين () زيادة من (غ) و (ر).

(4)

ما بين القوسين ساقط من (ط)، وفي (ت) و (خ) و (م):"فقال الإمعة في".

(5)

أخرجه الدارمي (248 و337 و339)، وابن أبي خيثمة في كتاب العلم (1 و116)، وابن أبي شيبة في المصنف (8 541) برقم (6171)، والفسوي في تاريخ (3 339)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (139 و145 و146 و147 و1874 و1875)، والطبراني في الكبير (9 163) برقم (8752).

(6)

هو كميل بن زياد بن نهيك المذحجي، وثقه ابن معين والعجلي، وقتله الحجاج سنة 82هـ. طبقات ابن سعد (6 179)، وتهذيب التهذيب (8 447).

(7)

زيادة من (غ) و (ر).

(8)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "فاعرف".

(9)

ما بين القوسين () زيادة من (م) و (غ) و (ر).

(10)

ما بين القوسين () بياض بمقدار سطر في (ت).

(11)

أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1878)، وأبو نعيم في الحلية (1/ 79)،=

ص: 332

وعن علي رضي الله عنه (أنه)(1) قَالَ: إِيَّاكُمْ وَالِاسْتِنَانَ بِالرِّجَالِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَنْقَلِبُ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَمُوتُ وَهُوَ من/ أهل النار، وإن الرجل ليعمل بعمل أَهْلِ النَّارِ فَيَنْقَلِبُ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ/ الْجَنَّةِ، فَيَمُوتُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَبِالْأَمْوَاتِ لا بالأحياء، وأشار (بالأموات)(2) إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وأصحابه الكرام (3). وهو جار فِي كُلِّ زَمَانٍ يُعْدَمُ فِيهِ الْمُجْتَهِدُونَ.

وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: أَلَا لَا يقلدنَّ أَحَدُكُمْ دِينَهُ رَجُلًا، إِنْ آمَنَ آمَنَ، وَإِنْ كَفَرَ كَفَرَ، فَإِنَّهُ لَا أُسْوَةَ فِي الشر (4).

وهذا الكلام من ابن مسعود رضي الله عنه (يبيّن)(5) مُرَادَ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ مِنْ كَلَامِ السَّلَفِ، وهو النهي عن اتباع (الرجال)(6) مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ.

وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ (7) قَالَ: جَلَسْتُ إِلَى شَيْبَةَ (8) فِي هَذَا الْمَسْجِدِ قَالَ: جَلَسَ إِلَيَّ عُمَرُ فِي مَجْلِسِكَ هَذَا قَالَ: هَمَمْتُ أَنْ لَا أَدَعَ فِيهَا صَفْرَاءَ وَلَا بَيْضَاءَ إِلَّا قَسَمْتُهَا بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، قُلْتُ: مَا أَنْتَ/ بِفَاعِلٍ، قَالَ: لِمَ؟ قُلْتُ: لَمْ يَفْعَلْهُ صَاحِبَاكَ، قَالَ: هما المرءان (أقتدي)(9) بهما، يعني

=والرافعي في التدوين في أخبار قزوين (3/ 209)، والخطيب في تاريخه (6/ 379)، وفي الفقيه والمتفقه (1/ 49)، وابن عساكر في تاريخ دمشق (14/ 17 ـ 18) و (50/ 251 ـ 255)، والمزي في تهذيب الكمال (24/ 220)، والذهبي في تذكرة الحفاظ (1/ 11).

(1)

زيادة من (غ) و (ر).

(2)

زيادة من (غ) و (ر).

(3)

تقدم تخريجه (3/ 109).

(4)

أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (9 166) برقم (8764 ـ 8767)، وقال الهيثمي في المجمع (1 180): رجاله رجال الصحيح، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (20136)، وذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1882)، وبنحوه في السنن الكبرى للبيهقي (2070)، واللالكائي (130).

(5)

في سائر النسخ ما عدا (ر): "بيّن".

(6)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "السلف".

(7)

هو شقيق بن سلمة الأسدي الكوفي، تقدمت ترجمته (1 81).

(8)

هو شيبة بن عثمان بن عبد الله العبدري الحجبي، رضي الله عنه، أسلم في حنين، وتوفي سنة 59هـ. انظر: سير أعلام النبلاء (3 12).

(9)

في (ط): "أهتدي".

ص: 333

النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَأَبَا بَكْرٍ رضي الله عنه (1).

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فِي حَدِيثِ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ حين استأذن لَهُ عَلَى عُمَرَ، قَالَ فِيهِ: فَلَمَّا دَخَلَ قال: يا ابن الْخَطَّابِ، وَاللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ، وَمَا تَحْكُمُ بَيْنَنَا بِالْعَدْلِ. فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ بِأَنْ يقع (به)(2)، فَقَالَ الْحُرُّ بْنُ قَيْسٍ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، إن الله قال لنبيه صلى الله عليه وسلم:{خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ *} (3)(وإن هذا/ من الجاهلين)(4) فوالله ما (جاوزها)(5) عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ (6).

وَحَدِيثُ فِتْنَةِ الْقُبُورِ حَيْثُ قَالَ صلى الله عليه وسلم (7):/ "فَأَمَّا الْمُؤْمِنُ ـ أَوِ الْمُسْلِمُ ـ/ فَيَقُولُ: مُحَمَّدٌ جَاءَنَا بِالْبَيِّنَاتِ فَأَجَبْنَاهُ وَآمَنَّا، فَيُقَالُ نَمْ صَالِحًا قَدْ عَلِمْنَا أَنَّكَ مُوقِنٌ. وَأَمَّا الْمُنَافِقُ أَوِ الْمُرْتَابُ فَيَقُولُ: لَا أَدْرِي/ سَمِعْتُ النَّاسَ يَقُولُونَ شَيْئًا فقلته"(8).

/وحديث مخاصمة علي والعباس (عند)(9) عمر في ميراث

(1) أخرجه البخاري (1594 و7275)، وأحمد في المسند (3 410)، وفي فضائل الصحابة (638)، وابن ماجه (3116)، وأبو داود (2031)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (614)، والطبراني في الكبير (7195)، والبيهقي في السنن الكبرى (9511).

(2)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "فيه".

(3)

سورة الأعراف: الآية (199).

(4)

زيادة من (غ) و (ر).

(5)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "جاوز".

(6)

أخرجه البخاري في كتاب التفسير برقم (4642 و7286)، وأحمد في الفضائل (506).

(7)

في (غ) و (ر) وقع خلط عجيب، حيث كُتب بعد قوله:(قال صلى الله عليه وسلم نص طويل مكانه أول الكتاب وهو يبدأ من منتصف السطر الثاني من صفحة 455غ إلى آخر سطر من صفحة 457غ ففي آخر السطر كتب: (وإن أجبته بتأويل فأما المؤمن أو المسلم).

فقول: (وإن أجبت بتأويل) تابع للنص الطويل الذي مكانه أول الكتاب وقوله: (فأما المؤمن أو المسلم) فهو تكملة النص الذي في هذه الصفحة.

(8)

أخرجه البخاري (86 و184 و922 و1053 و1054 و1061 و1235 و1373 و2519 و2520 و7287)، ومسلم (905)، ومالك (447)، وأحمد (6 345 و354)، وابن حبان (3114)، والطبراني في الكبير (24 115 برقم 313 ـ 316)، والبيهقي في السنن الكبرى (3232 و6153).

(9)

زيادة من (غ) و (ر).

ص: 334

رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وقوله للرهط الْحَاضِرِينَ: هَلْ تَعْلَمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا نُورَثُ مَا (تَرَكْنَاهُ) (1) صَدَقَةٌ"، فَأَقَرُّوا بِذَلِكَ ـ إِلَى (أَنْ) (2) قَالَ لِعَلِيٍّ وَالْعَبَّاسِ: أَفَتَلْتَمِسَانِ مِنِّي قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ؟ (فَوَاللَّهِ الَّذِي)(3) بِإِذْنِهِ تَقُومُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ لَا أَقْضِي فِيهَا قَضَاءً غَيْرَ ذَلِكَ حَتَّى تَقُومَ السَّاعَةُ، إِلَى آخِرِ الْحَدِيثِ (4).

وَتَرْجَمَ الْبُخَارِيُّ (5) فِي هَذَا الْمَعْنَى تَرْجَمَةً تَقْتَضِي أَنَّ حُكْمَ الشَّارِعِ إِذَا وَقَعَ وَظَهَرَ فَلَا خِيَرَةَ لِلرِّجَالِ وَلَا اعْتِبَارَ بِهِمْ، وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ إِنَّمَا تَكُونُ قَبْلَ التَّبْيِينِ، فَقَالَ:(بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} (6)، {وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ} ، وَأَنَّ الْمُشَاوَرَةَ قَبْلَ الْعَزْمِ وَالتَّبْيِينِ/ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} (7)، فَإِذَا عَزَمَ الرَّسُولُ لَمْ يَكُنْ لِبَشَرٍ التَّقَدُّمُ عَلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَشَاوَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فِي الْمُقَامِ وَالْخُرُوجِ، فَرَأَوْا لَهُ الْخُرُوجَ، فَلَمَّا لَبِسَ لَأْمَته (وعزم) (8) قَالُوا: أَقِمْ، فَلَمْ يَمِلْ إِلَيْهِمْ/ بَعْدَ الْعَزْمِ، وَقَالَ:"لَا يَنْبَغِي لِنَبِيٍّ يَلْبَسُ لَأْمَتَهُ فَيَضَعُهَا حتى يحكم الله"(9)، وشاور علياً وأسامة

(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "تركناه".

(2)

ساقط من (غ) و (ر). ووقع هنا في نسخة (ر)(ص306) تخليط حيث انتقل الكلام إلى ما جاء في بداية الكتاب من قوله: (سماني أشعرياً

) (1/ 29) طبعة رشيد رضا وتنتهي بقوله: (قررت أحكامها الشريعة

) (1/ 31) ثم الصفحة (307) تبدأ بما في (1/ 27): (بظاهره إلى اتباع المتشابهات

) إلى (1/ 29) وإن أجبت بتأويل

) وهو تخليط سببه والله أعلم وضع هذه اللوحة في الأصل المستنسخ منه في غير مكانها.

(3)

في (غ) و (ر): "فوالذي".

(4)

أخرجه البخاري (3094 و2904 و4033 و4885 و5357 و6728 و7305)، ومسلم (1757)، وأبو داود (2963 ـ 2965)، والترمذي (1610)، والنسائي في المجتبى (4148)، وفي الكبرى (6310)، والبيهقي في السنن الكبرى (12508 ـ 12510 و13147).

(5)

انظر: البخاري ـ فتح الباري (13 351) ـ كتاب الاعتصام، بَابُ (28) قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} .

(6)

سورة الشورى: الآية (38).

(7)

سورة آل عمران: الآية (159).

(8)

زيادة من (غ) و (ر).

(9)

أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (2 37)، وأحمد في المسند (3 351)،=

ص: 335

فِيمَا رَمَى بِهِ أَهْلُ الْإِفْكِ عَائِشَةَ رَضِيَ/ اللَّهُ عَنْهَا، (فَسَمِعَ مِنْهُمَا)(1) حَتَّى نَزَلَ الْقُرْآنُ فَجَلَدَ الرَّامِينَ وَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَى تَنَازُعِهِمْ، وَلَكِنْ حكم بما أمره الله (به)(2).

وَكَانَتِ الْأَئِمَّةُ بَعْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَسْتَشِيرُونَ الْأُمَنَاءَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي الأمور المباحة ليأخذوا (بأسلمها)(3)، فَإِذَا (وَقَعَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ)(4)، لَمْ يَتَعَدَّوْهُ إِلَى غَيْرِهِ، اقْتِدَاءً بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَرَأَى أَبُو بَكْرٍ قِتَالَ مَنْ مَنَعَ الزَّكَاةَ فَقَالَ عُمَرُ: كَيْفَ تُقَاتِلُ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، فَإِذَا قَالُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ، عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلَّا بِحَقِّهَا وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ؟ "(فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: وَاللَّهِ لأقتلن مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (5)، ثم تابعه (عمر بعد)(6)، فَلَمْ يَلْتَفِتْ أَبُو بَكْرٍ إِلَى مَشُورَةٍ، إِذْ كَانَ عِنْدَهُ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَابِتًا فِي الَّذِينَ فَرَّقُوا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ وَأَرَادُوا تَبْدِيلَ الدِّينِ وَأَحْكَامِهِ وَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:"مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ"(7)، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَشُورَةِ عُمَرَ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ.

هَذَا جُمْلَةُ مَا قَالَ فِي (تِلْكَ)(8) التَّرْجَمَةِ مِمَّا يَلِيقُ بِهَذَا الْمَوْضِعِ، مِمَّا يدل على أن الصحابة رضي الله عنهم لَمْ يَأْخُذُوا أَقْوَالَ الرِّجَالِ/ فِي طَرِيقِ الْحَقِّ إِلَّا مِنْ حَيْثُ هُمْ وَسَائِلُ لِلتَّوَصُّلِ إِلَى شرع/ الله، لا من حيث هم

=والدارمي (2 129 ـ 130)، والنسائي في السنن الكبرى (7647)، والحاكم (2 128 ـ 129)، وصححه ووافقه الذهبي، وأخرجه البيهقي في السنن الكبرى (13060 و13061)، وحسَّن ابن حجر سندي الحاكم والبيهقي في التلخيص الحبير (3 129).

(1)

ما بين القوسين ساقط من (ت). وفي (م): "منهما".

(2)

ما بين القوسين زيادة من (ت).

(3)

في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "بأسهلها".

(4)

في (غ) و (ر): "أوضح الكتاب أو السنة".

(5)

ما بين القوسين زيادة من (م) و (غ) و (ر).

(6)

في (ط) و (م) و (خ) و (غ) و (ر): "بعد عمر"، والحديث تقدم تخريجه (3/ 329) تعليق (7).

(7)

تقدم تخريجه (3/ 116).

(8)

في (ت): "جملة تلك".

ص: 336

أصحاب رتب، أَوْ كَذَا أَوْ كَذَا، وَهُوَ مَا تَقَدَّمَ.

/وَذَكَرَ ابْنُ مُزَيَّنٍ (1) عَنْ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ (2) عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ (3) عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ: لَيْسَ كُلُّ مَا قَالَ رَجُلٌ قَوْلًا ـ وَإِنْ كَانَ لَهُ فَضْلٌ ـ يُتَّبَعُ عَلَيْهِ لِقَوْلِ اللَّهِ عز وجل: {الَّذِينَ يَسْتَمِعُونَ الْقَوْلَ فَيَتَّبِعُونَ أَحْسَنَهُ} (4)(5).

(1) في (ت): "أبو مرين" وصححت في الهامش بـ"ابن مرين"، وهو يحيى بن إبراهيم بن إبراهيم بن مزين أبو زكريا، روى عن أنس بن مالك الموطأ، توفي سنة 259هـ. انظر: تاريخ علماء الأندلس (2 901) وجذوة المقتبس (2 595)، وبغية الملتمس (2 669).

(2)

هو عيسى بن دينار الغافقي، من تلاميذ ابن القاسم، كان بارعاً في الفقه، توفي سنة 212هـ. انظر: ترتيب المدارك (3 16)، والسير (10 439).

(3)

تقدمت ترجمته (3/ 27).

(4)

سورة الزمر: الآية (18).

(5)

أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1897).

ص: 337