الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
فصل
/النوع الثاني: (1)(الجهل بمقاصد الشرع، اعلم)(2) إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ الشَّرِيعَةَ عَلَى رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْخَلْقُ فِي تَكَالِيفِهِمُ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا/ وَتَعَبُّدَاتِهِمُ الَّتِي طَوَّقُوهَا فِي أَعْنَاقِهِمْ، وَلَمْ يَمُتْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم حَتَّى كَمُلَ/ الدِّينُ بِشَهَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى بِذَلِكَ حَيْثُ قَالَ تَعَالَى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيناً} (3) فَكُلُّ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ بَقِيَ (فِي)(4) الدِّينِ شَيْءٌ لَمْ يَكْمُلْ فَقَدْ كَذَبَ بِقَوْلِهِ: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} .
ولا يُقَالُ: قَدْ وَجَدْنَا مِنَ النَّوَازِلِ وَالْوَقَائِعِ الْمُتَجَدِّدَةِ ما لم يكن في الكتاب و (لا فِي)(5) السُّنَّةِ نَصٌّ عَلَيْهِ، وَلَا عُمُومٌ يَنْتَظِمُهُ، (كمسائل)(6) الْجَدِّ فِي الْفَرَائِضِ، وَالْحَرَامِ فِي الطَّلَاقِ، وَمَسْأَلَةَ السَّاقِطِ عَلَى جَرِيحٍ مَحْفُوفٍ بِجَرْحَى، وَسَائِرَ الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيَّةِ الَّتِي لَا نَصَّ فِيهَا مِنْ كِتَابٍ ولا سنة: فأين (الكمال)(7) فيها؟
(لأنا نقول)(8) / فِي الْجَوَابِ: أَوَّلًا إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} إِنِ اعْتُبِرَتْ (فِيهَا)(9) الْجُزْئِيَّاتُ مِنَ الْمَسَائِلِ وَالنَّوَازِلِ فهو كما
(1) النوع الثاني من أسباب الإحداث في الشريعة.
(2)
ما بين القوسين زيادة من (ت).
(3)
سورة المائدة: الآية (3).
(4)
في (غ) و (ر): "من".
(5)
ساقط من (غ) و (ر).
(6)
في (ط) و (م) و (خ) و (غ) و (ر): "وأن مسائل" والتصحيح من هامش (ت).
(7)
في (ط): "الكلام".
(8)
في (ط) و (م) و (خ) و (غ) و (ر): "فيقال".
(9)
في (غ) و (ر): "فيه".
أَوْرَدْتُمْ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ كُلِّيَّاتُهَا، فَلَمْ يَبْقَ لِلدِّينِ قَاعِدَةٌ يُحْتَاجُ إِلَيْهَا فِي الضَّرُورِيَّاتِ وَالْحَاجِيَّاتِ أَوِ التَّكْمِيلِيَّاتِ إِلَّا وَقَدْ بُيِّنَتْ غَايَةَ الْبَيَانِ، نَعَمْ يَبْقَى تَنْزِيلُ الْجُزْئِيَّاتِ عَلَى تِلْكَ الْكُلِّيَّاتِ مَوْكُولًا إِلَى نَظَرِ الْمُجْتَهِدِ، فَإِنَّ قَاعِدَةَ الِاجْتِهَادِ (أَيْضًا ثابتة)(1) في الكتاب والسنة، فلا بد من إعمالها. ولا يسع تركها، وإذا (ثبتت)(2) فِي الشَّرِيعَةِ أَشْعَرَتْ بِأَنَّ ثَمَّ مَجَالًا لِلِاجْتِهَادِ، وَلَا يُوجَدُ ذَلِكَ إِلَّا فِيمَا لَا نَصَّ فِيهِ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ الْكَمَالَ بِحَسَبِ تَحْصِيلِ الْجُزْئِيَّاتِ بِالْفِعْلِ، فَالْجُزْئِيَّاتُ لَا نِهَايَةَ لَهَا، فَلَا تَنْحَصِرُ بِمَرْسُومٍ، وَقَدْ نَصَّ الْعُلَمَاءُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى، فَإِنَّمَا الْمُرَادُ الْكَمَالُ بِحَسَبِ مَا يحتاج إليه من القواعد الكلية الَّتِي يَجْرِي عَلَيْهَا مَا لَا نِهَايَةَ (لَهُ)(3) مِنَ النَّوَازِلِ.
ثُمَّ نَقُولُ ثَانِيًا: إِنَّ النَّظَرَ فِي كَمَالِهَا بِحَسَبِ خُصُوصِ الْجُزْئِيَّاتِ يُؤَدِّي إِلَى// الْإِشْكَالِ وَالِالْتِبَاسِ/ وَإِلَّا فَهُوَ الَّذِي أَدَّى إِلَى إِيرَادِ هَذَا السُّؤَالِ، إِذْ لَوْ نَظَرَ السَّائِلُ إِلَى (الْحَالَةِ)(4) الَّتِي وُضِعَتْ عَلَيْهَا الشَّرِيعَةُ، وَهِيَ حَالَةُ الْكُلِّيَّةِ، لَمْ يُورِدْ سُؤَالَهُ، لِأَنَّهَا مَوْضُوعَةٌ عَلَى الْأَبَدِيَّةِ، وَإِنْ وُضِعَتِ الدُّنْيَا عَلَى الزَّوَالِ وَالنِّهَايَةِ.
وَأَمَّا الْجُزْئِيَّةُ فَمَوْضُوعَةٌ عَلَى النِّهَايَةِ الْمُؤَدِّيَةِ إِلَى/ الْحَصْرِ فِي التَّفْصِيلِ، وَإِذْ ذَاكَ قَدْ يُتَوَهَّمُ أَنَّهَا لَمْ تَكْمُلْ فَيَكُونُ خِلَافًا لِقَوْلِهِ تعالى:{الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ} ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ} (5) الْآيَةَ، وَلَا شَكَّ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ هُوَ الصَّادِقُ، وَمَا خَالَفَهُ فَهُوَ الْمُخَالِفُ، فَظَاهِرٌ إِذْ ذاك أن الآية على عمومها وإطلاقها (صحيحة)(6)، وَأَنَّ النَّوَازِلَ الَّتِي لَا عَهْدَ بِهَا لَا تُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ هَذَا الْكَمَالِ، (لِأَنَّهَا)(7) إِمَّا مُحْتَاجٌ إِلَيْهَا وَإِمَّا غَيْرُ مُحْتَاجٍ (إِلَيْهَا)(8) فَإِنْ كانت محتاجاً إليها
(1) في (ت): "ثابتة أيضاً".
(2)
في (م): "ثبت".
(3)
ساقط من (غ) و (ر).
(4)
في (غ) و (ر): "الحاجة".
(5)
سورة النحل: الآية (89).
(6)
زيادة من (م) و (غ) و (ر).
(7)
في (ت): "وهي" وساقطة من (خ) و (م) و (ط).
(8)
في (غ) و (ر): "إليه".
فَهِيَ مَسَائِلُ الِاجْتِهَادِ الْجَارِيَةُ عَلَى الْأُصُولِ الشَّرْعِيَّةِ فأحكامها قد تقدمت، ولم يبق إلا نظر المجتهد إلى أي دليل (تستند)(1) خاصة، وإما غَيْرَ (مُحْتَاجٍ)(2) إِلَيْهَا، فَهِيَ الْبِدَعُ الْمُحْدَثَاتُ، إِذْ لَوْ كَانَتْ مُحْتَاجًا إِلَيْهَا لَمَا سَكَتَ عَنْهَا فِي الشَّرْعِ، لَكِنَّهَا مَسْكُوتٌ عَنْهَا بِالْفَرْضِ وَلَا دَلِيلَ/ عَلَيْهَا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَلَيْسَتْ بِمُحْتَاجٍ إِلَيْهَا، فَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ (قَدْ كَمُلَ الدِّينُ)(3) وَالْحَمْدُ لِلَّهِ.
وَمِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم، أَنَّهُمْ لَمْ يُسْمَعْ عَنْهُمْ قَطُّ إِيرَادُ ذَلِكَ السُّؤَالِ، وَلَا قَالَ أَحَدٌ مِنْهُمْ: لِمَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى حُكْمِ الْجَدِّ مَعَ الْإِخْوَةِ؟ وَعَلَى حُكْمِ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ: أَنْتِ عليَّ حَرَامٌ؟ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ مِمَّا لَمْ يَجِدُوا فِيهِ عَنِ الشَّارِعِ نَصًّا، بَلْ قَالُوا فِيهَا وَحَكَمُوا بالاجتهاد/ واعتبروا (فيها)(4) بِمَعَانٍ شَرْعِيَّةٍ تَرْجِعُ فِي التَّحْصِيلِ إِلَى الْكِتَابِ/ والسنة، وإن لم يكن (ذلك)(5) بِالنَّصِّ فَإِنَّهُ بِالْمَعْنَى، فَقَدْ ظَهَرَ إِذًا/ وَجْهُ كمال الدين على أتم الوجوه.
(ثم ننتقل)(6) مِنْهُ إِلَى مَعْنًى آخَرَ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ سبحانه وتعالى أنزل القرآن مبرءاً عَنِ الِاخْتِلَافِ وَالتَّضَادِّ، لِيَحْصُلَ فِيهِ كَمَالُ التَّدَبُّرِ وَالِاعْتِبَارِ، فَقَالَ سبحانه وتعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا *} (7)، فَدَلَّ مَعْنَى الْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ، فَهُوَ يُصَدِّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا، وَيُعَضِّدُ بَعْضُهُ بَعْضًا، مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى.
فأما جهة اللفظ فإن الفصاحة فيه (متوازرة)(8) / مُطَّرِدَةٌ، بِخِلَافِ كَلَامِ الْمَخْلُوقِ، فَإِنَّكَ تَرَاهُ إِلَى الِاخْتِلَافِ مَا هُوَ، فَيَأْتِي بِالْفَصْلِ مِنَ الْكَلَامِ الجزل
(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): يستند.
(2)
في (م): "مستند".
(3)
في (غ) و (ر): "كررة الجملة".
(4)
زيادة من (غ) و (ر).
(5)
ساقط من (غ) و (ر).
(6)
في (م): "ننتقل". وفي (ط) و (خ) و (ت): "وننتقل".
(7)
سورة النساء: الآية (82).
(8)
في (ط): "متواترة".
الْفَصِيحِ فَلَا يَكَادُ يَخْتِمُهُ إِلَّا وَقَدْ عَرَضَ له في أثنائه ما (يغض عليه)(1) مِنْ مَنْصِبِ فَصَاحَتِهِ، وَهَكَذَا تَجِدُ الْقَصِيدَةَ الْوَاحِدَةَ مِنْهَا مَا يَكُونُ عَلَى نَسَقِ الْفَصَاحَةِ اللَّائِقَةِ، وَمِنْهَا مَا لَا يَكُونُ كَذَلِكَ.
وَأَمَّا/ جِهَةُ الْمَعْنَى، فَإِنَّ مَعَانِيَ الْقُرْآنِ عَلَى كَثْرَتِهَا أَوْ على تكرارها بحسب مقتضيات الأحوال على (نمط)(2) وبلوغ غاية في (اتصالها)(3) إِلَى غَايَتِهَا، مِنْ غَيْرِ إِخْلَالٍ بِشَيْءٍ مِنْهَا، وَلَا تَضَادٍّ وَلَا تَعَارُضٍ، عَلَى وَجْهٍ لَا سَبِيلَ إِلَى الْبَشَرِ أَنْ يُدَانُوهُ، وَلِذَلِكَ لَمَّا سَمِعَتْهُ أَهْلُ الْبَلَاغَةِ الْأُولَى وَالْفَصَاحَةِ (الْأَصْلِيَّةِ)(4) ـ وَهُمُ الْعَرَبُ ـ لَمْ يُعَارِضُوهُ، وَلَمْ يُغَيِّرُوا فِي وَجْهِ إِعْجَازِهِ بِشَيْءٍ مِمَّا نَفَى اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، (وَهُمْ)(5) أَحْرَصُ مَا كَانُوا عَلَى الِاعْتِرَاضِ فِيهِ وَالْغَضِّ مِنْ جَانِبِهِ، ثُمَّ لَمَّا أَسْلَمُوا (وَعَايَنُوا)(6) مَعَانِيَهُ وَتَفَكَّرُوا فِي غَرَائِبِهِ، لَمْ يَزِدْهُمُ الْبَحْثُ إِلَّا بَصِيرَةً فِي أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ وَلَا تَعَارُضَ، وَالَّذِي نُقِلَ مِنْ ذَلِكَ يَسِيرٌ تَوَقَّفُوا فِيهِ تَوَقُّفَ الْمُسْتَرْشِدِ حَتَّى يُرْشَدُوا إِلَى وَجْهِ الصَّوَابِ، أَوْ تَوَقُّفَ الْمُتَثَبِّتِ فِي الطَّرِيقِ.
/وَقَدْ صَحَّ أَنَّ سَهْلَ/ بْنِ حُنَيْفٍ (7) قَالَ يَوْمَ صفِّين وَحُكْمِ (الْحَكَمَيْنِ)(8): يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّهِمُوا رَأْيَكُمْ، فَلَقَدْ رَأَيْتُنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ أَبِي جَنْدَلٍ (9) وَلَوْ نَسْتَطِيعُ أَنْ نَرُدَّ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَمْرَهُ لَرَدَدْنَاهُ، وَايْمُ اللَّهِ مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا مِنْ (عَلَى)(10) عَوَاتِقِنَا منذ أسلمنا لأمر يفظعنا إلا
(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): نقص.
(2)
في سائر النسخ وهامش (ت): "حفظ".
(3)
في سائر النسخ وهامش (ت): "إيصالها".
(4)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "الأصلية".
(5)
ساقط من (غ) و (ر).
(6)
في (غ) و (ر): "وعانوا".
(7)
هو سهل بن حنيف الأنصاري البدري، كان من أمراء علي رضي الله عنه في صفِّين، توفي بالكوفة سنة 38هـ، انظر: طبقات ابن سعد (3 471)، والسير (2 325).
(8)
في (غ) و (ر): "الحكمان".
(9)
هو العاص بن سهيل بن عمرو العامري القرشي، أسلم في مكة فقيده أبوه، ثم هرب بعد صلح الحديبية، وتوفي شهيداً في الشام سنة 18هـ، انظر: السير (1 192).
(10)
ما بين القوسين ساقط من (م) وفي (غ) و (ر): عن، بدون حرف من السابق.
(أسهلن)(1) بنا إلى أَمْرٌ نَعْرِفُهُ ـ الْحَدِيثَ (2).
فَوَجْهُ الشَّاهِدِ مِنْهُ أَمْرَانِ: قَوْلُهُ: (اتَّهِمُوا الرَّأْيَ) فَإِنَّ مُعَارَضَةُ (الظَّوَاهِرِ)(3) فِي غَالِبِ الْأَمْرِ رَأْيٌ غَيْرُ مَبْنِيٍّ عَلَى (أَصْلٍ)(4) يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ النُّكْتَةُ فِي الْبَابِ: وَاللَّهِ مَا وَضَعْنَا سُيُوفَنَا إِلَى آخِرِهِ، فَإِنَّ مَعْنَاهُ: أَنَّ كُلَّ مَا وَرَدَ عَلَيْهِمْ فِي شَرْعِ اللَّهِ مِمَّا يُصَادِمُ الرَّأْيَ فَإِنَّهُ حَقٌّ يَتَبَيَّنُ عَلَى التَّدْرِيجِ حَتَّى يَظْهَرَ فَسَادُ ذَلِكَ الرَّأْيِ، وَأَنَّهُ كَانَ شُبْهَةً عَرَضَتْ وَإِشْكَالًا يَنْبَغِي أَنْ لَا يُلْتَفَتَ إِلَيْهِ، بَلْ يُتَّهَمُ أَوَّلًا وَيُعْتَمَدُ عَلَى مَا جَاءَ فِي الشَّرْعِ، فَإِنَّهُ إِنْ لَمْ يَتَبَيَّنِ الْيَوْمَ تَبَيَّنَ غَدًا/، وَلَوْ فُرِضَ أَنَّهُ لَا يَتَبَيَّنُ أَبَدًا فَلَا حَرَجَ، فَإِنَّهُ مُتَمَسِّكٌ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَى.
وَفِي الصحيح عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ/ (هِشَامَ)(5) بْنَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَاسْتَمَعْتُ لِقِرَاءَتِهِ، فَإِذَا هُوَ يَقْرَأُ عَلَى حُرُوفٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يُقْرِئْنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَكِدْتُ/ أَسَاوِرُهُ فِي الصَّلَاةِ، فَصَبَرْتُ حَتَّى سَلَّمَ، (فَلَبَّبَتْهُ)(6) بِرِدَائِهِ، فَقُلْتُ: مَنْ أَقْرَأَكَ هَذِهِ السُّورَةَ الَّتِي سَمِعْتُكَ تَقْرَأُ. فَقَالَ: أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. فَقُلْتُ: كَذَبْتَ، فَإِنَّ/ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَقْرَأَنِيهَا عَلَى غَيْرِ مَا قَرَأْتَ فَانْطَلَقْتُ بِهِ أَقُودُهُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقُلْتُ: إِنِّي سَمِعْتُ هَذَا/ يَقْرَأُ سُورَةَ الْفُرْقَانِ
(1) في (ت): انتهى.
(2)
أخرجه بنصه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2 38)، وأصل الحديث أخرجه البخاري (7308 و3182، و4189 و4844 و3181)، وسعيد بن منصور في سننه ـ تحقيق الأعظمي ـ (2969)، ومسلم (1785)، والحميدي في مسنده (404) وابن أبي شيبة في المصنف (19717)، وأحمد في المسند، (3 485)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1911 و1912) والطبراني في المعجم الصغير (775)، وفي الكبير (5598 ـ5605)، والبيهقي في السنن الكبرى (18593).
(3)
في (غ) و (ر): "الظاهر".
(4)
في (غ) و (ر): "شيء أصل".
(5)
في (ت): همام، والصواب هشام، هو هشام بن حكيم بن حزام بن خويلد بن أسد القرشي، له صحبة ورواية في مسلم وأبي داود والنسائي، توفي في آخر خلافة معاوية رضي الله عنه، انظر: الجرح والتعديل (9 53)، والسير (3 51).
(6)
في (م): "فلتفته".
عَلَى حُرُوفٍ لَمْ تُقْرِئْنِيهَا. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "أَرْسِلْهُ (1) اقْرَأْ يَا (هِشَامُ) (2). فَقَرَأَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ الَّتِي سَمِعْتُهُ يَقْرَأُ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، (ثُمَّ قَالَ) (3): اقْرَأْ يَا عُمَرُ ـ فقرأت القراءة التي أقرأني ـ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (4): كَذَلِكَ أُنْزِلَتْ، إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ أُنْزِلَ عَلَى سبعة أحرف، فاقرأوا (مَا) (5) تَيَسَّرَ مِنْهُ"(6).
وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ إِنَّمَا هِيَ إشكال وقع لبعض الصحابة رضي الله عنهم فِي نَقْلِ الشَّرْعِ، بيَّن لَهُمْ جَوَابَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ فِيهِ اخْتِلَافًا، فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ بَيْنَ الْمُكَلَّفِينَ فِي بَعْضِ مَعَانِيهِ أَوْ مَسَائِلِهِ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَفْسُهُ اخْتِلَافٌ، فَقَدِ اخْتَلَفَتِ الْأُمَمُ فِي النُّبُوَّاتِ وَلَمْ يَكُنْ (ذَلِكَ)(7) دَلِيلًا عَلَى وُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِي نَفْسِ النُّبُوَّاتِ، وَاخْتَلَفَتْ فِي مَسَائِلَ كَثِيرَةٍ مِنْ عُلُومِ التَّوْحِيدِ وَلَمْ يَكُنِ اخْتِلَافُهُمْ دَلِيلًا عَلَى وُقُوعِ الِاخْتِلَافِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَكَذَلِكَ مَا نَحْنُ فِيهِ.
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا صَحَّ مِنْهُ أَنَّ الْقُرْآنَ فِي نَفْسِهِ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ.
ثُمَّ نَبْنِي عَلَى هَذَا مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ: أَنَّهُ لَمَّا تَبَيَّنَ تَنَزُّهُهُ عَنِ الِاخْتِلَافِ، صَحَّ أَنْ يَكُونَ حَكَمًا بَيْنَ جَمِيعِ الْمُخْتَلِفِينَ، لِأَنَّهُ إِنَّمَا يُقَرِّرُ مَعْنًى هُوَ الْحَقُّ، وَالْحَقُّ لَا يَخْتَلِفُ فِي نَفْسِهِ، فَكُلُّ اخْتِلَافٍ صَدَرَ مِنْ مُكَلَّفٍ فَالْقُرْآنُ هُوَ الْمُهَيْمِنُ عَلَيْهِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (:{وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتَابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ} (8) وأعم من هذا قوله تعالى: {كَانَ
(1) ساقط من (غ) و (ر).
(2)
في (ت): "همام". وفي (غ) و (ر): "هاشم".
(3)
في (غ) و (ر): "فقال".
(4)
زيادة من (غ) و (ر).
(5)
في (غ) و (ر): "بما" والصواب: "ما" وهو الموافق لرواية البخاري.
(6)
أخرجه البخاري (4992)، ومسلم (818)، ومالك في الموطأ (473)، وأحمد (1 24 و40 و42 و43 و263)، وأبو داود (1475)، والترمذي (2943)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (598)، والنسائي في المجتبى (936 ـ 938) وفي الكبرى (1008 ـ 1010 و7985 و11366)، وابن حبان (741)، والبيهقي في السنن الكبرى (3799).
(7)
ساقط من (غ) و (ر).
(8)
سورة المائدة: الآية (48).
النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ} (1)، ثم قال:{فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} ، وَقَالَ تَعَالَى) (2):{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَومِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً} (3)./ فهذه الآي وَمَا أَشْبَهَهَا صَرِيحَةٌ فِي الرَّدِّ إِلَى كِتَابِ الله تعالى وإلى سنة نبيه صلى الله عليه وسلم/ لِأَنَّ السُّنَّةَ بَيَانُ الْكِتَابِ، وَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَقَّ فِيهِ وَاضِحٌ، وَأَنَّ الْبَيَانَ فِيهِ شَافٍ، لَا شَيْءَ بَعْدَهُ يَقُومُ مَقَامَهُ، وَهَكَذَا فَعَلَ/ الصَّحَابَةُ رضي الله عنهم لِأَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا اخْتَلَفُوا فِي مَسْأَلَةٍ ردُّوها إِلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَقَضَايَاهُمْ/ شَاهِدَةٌ بِهَذَا الْمَعْنَى، لَا يَجْهَلُهَا مَنْ زَاوَلَ الْفِقْهَ، فَلَا فَائِدَةَ فِي جَلْبِهَا إِلَى هَذَا الْمَوْضِعِ لِشُهْرَتِهَا، فَهُوَ إِذًا مِمَّا كان عليه الصحابة رضي الله عنهم.
فَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَعَلَى النَّاظِرِ فِي الشَّرِيعَةِ بِحَسَبِ هَذِهِ الْمُقَدِّمَةِ أَمْرَانِ:
أَحَدُهُمَا: أَنْ يَنْظُرَ إِلَيْهَا بِعَيْنِ الْكَمَالِ لَا بِعَيْنِ النُّقْصَانِ، وَيَعْتَبِرَهَا اعْتِبَارًا كُلِّيًّا فِي الْعِبَادَاتِ وَالْعَادَاتِ، وَلَا يَخْرُجَ عَنْهَا الْبَتَّةَ، لِأَنَّ الْخُرُوجَ/ عَنْهَا تِيهٌ وَضَلَالٌ وَرَمْيٌ فِي عَمَايَةٍ، كَيْفَ وَقَدْ ثَبَتَ كَمَالُهَا وَتَمَامُهَا؟ فَالزَّائِدُ (وَالنَّاقِصُ)(4) فِي جِهَتِهَا هُوَ الْمُبْتَدِعُ بِإِطْلَاقٍ، وَالْمُنْحَرِفُ عَنِ الْجَادَّةِ إِلَى بُنَيَّاتِ الطُّرُقِ.
وَالثَّانِي: أَنْ يُوقِنَ أَنَّهُ لَا تَضَادَّ بَيْنَ آيَاتِ الْقُرْآنِ وَلَا بَيْنَ الْأَخْبَارِ النَّبَوِيَّةِ وَلَا بَيْنَ أَحَدِهِمَا مَعَ الْآخَرِ، بَلِ الْجَمِيعُ جَارٍ عَلَى مهْيَع وَاحِدٍ، وَمُنْتَظِمٍ إِلَى مَعْنًى وَاحِدٍ، فَإِذَا أَدَّاهُ بَادِئَ الرَّأْيِ إِلَى ظَاهِرِ اخْتِلَافٍ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يَعْتَقِدَ انْتِفَاءَ الِاخْتِلَافِ، لِأَنَّ الله تعالى قَدْ شَهِدَ لَهُ أَنْ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ، فَلْيَقِفْ وُقُوفَ الْمُضْطَرِّ السَّائِلِ عَنْ وَجْهِ الْجَمْعِ، أو المسلم من غير اعتراض، (إن)(5) كان الموضع مما (لا)(6) يتعلق به حكم عملي، (فإن تعلق به حكم
(1) سورة البقرة: الآية (213).
(2)
من بين () زيادة من (غ) و (ر).
(3)
سورة النساء: الآية (59).
(4)
في (ط) و (خ) و (ت): "والمنقص".
(5)
في (ط) و (خ): فإن.
(6)
زيادة من (غ) و (ر).
عملي) (1)(التمس)(2) الْمَخْرَجَ/ حَتَّى يَقِفَ عَلَى الْحَقِّ الْيَقِينِ، أَوْ يبقى بَاحِثًا إِلَى الْمَوْتِ (وَلَا)(3) عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ، فَإِذَا اتَّضَحَ لَهُ الْمَغْزَى وَتَبَيَّنَتْ لَهُ الْوَاضِحَةُ، فلا بد (لَهُ)(4) مِنْ أَنْ يَجْعَلَهَا حَاكِمَةً فِي كُلِّ مَا يَعْرِضُ لَهُ (مِنَ)(5) النَّظَرِ فِيهَا. وَيَضَعَهَا نُصْبَ عَيْنَيْهِ فِي كُلِّ مَطْلَبٍ دِينِيٍّ، كَمَا فعل من تقدمنا ممن أثنى الله (ورسوله)(6) عَلَيْهِمْ.
/فَأَمَّا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ: فَهُوَ الَّذِي أَغْفَلَهُ الْمُبْتَدِعُونَ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ ذَلِكَ الِاسْتِدْرَاكُ عَلَى الشَّرْعِ، وَإِلَيْهِ مَالَ (كُلُّ)(7) مَنْ كَانَ يَكْذِبُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَيُقَالُ له (في)(8) ذَلِكَ وَيَحْذَرُ مَا فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ مِنَ الْوَعِيدِ، فَيَقُولُ لَمْ أَكْذِبْ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا كَذَبْتُ لَهُ.
وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْمَعْرُوفِ بالأردُنِّي (9) أَنَّهُ قَالَ: إِذَا كَانَ/ الْكَلَامُ حَسَنًا لَمْ أَرَ بَأْسًا أَنْ أَجْعَلَ لَهُ إِسْنَادًا (10). فَلِذَلِكَ/ كَانَ يُحَدِّثُ بِالْمَوْضُوعَاتِ، وَقَدْ قُتِلَ فِي الزَّنْدَقَةِ وَصُلِبَ، (وَقَدْ تَقَدَّمَ لِهَذَا الْقِسْمِ أَمْثِلَةٌ كَثِيرَةٌ)(11).
وَأَمَّا الْأَمْرُ الثَّانِي: فَإِنَّ قَوْمًا أَغْفَلُوهُ أيضاً ولم (يُنعموا)(12) النَّظَرَ حَتَّى اخْتَلَفَ عَلَيْهِمُ الْفَهْمُ فِي الْقُرْآنِ والسنة، فأحالوا بالاختلاف (عليهما)(13)
(1) ما بين القوسين ساقط من (ط) و (ت).
(2)
في (ط): "فليلتمس".
(3)
في (م) و (غ) و (ر): "فلا".
(4)
زيادة من (ط) و (غ) و (ر).
(5)
في (غ) و (ر): "في".
(6)
زيادة من (غ) و (ر).
(7)
ساقط من (غ) و (ر).
(8)
زيادة من (غ) و (ر).
(9)
هو محمد بن سعيد بن حسان الأسدي الأردني المصلوب، قال عنه الإمام أحمد: قتله أبو جعفر المنصور في الزندقة، حديثه حديث موضوع، وقد غيَّر اسمه على عدة أسماء تدليساً له، فينسب مرة إلى جده ومرة إلى بلده
…
إلخ، أجمع علماء الجرح على ترك حديثه، والتحذير منه، انظر: تهذيب التهذيب (9 184 ـ 186)، وميزان الاعتدال (3 561 ـ 563).
(10)
انظر: تهذيب التهذيب (9 185).
(11)
ما بين () ساقط من (غ) و (ر).
(12)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "بمعنوا".
(13)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "عليها".
تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِالنَّظَرِ الْأَوَّلِ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي عَابَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم من حال الخوارج حيث قال:"يقرأون الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ"(1)، فَوَصَفَهُمْ بِعَدَمِ الْفَهْمِ لِلْقُرْآنِ/، وَعِنْدَ ذَلِكَ خَرَجُوا عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ، إِذْ قَالُوا: لَا حُكْمَ إِلَّا لِلَّهِ، وَقَدْ حَكَّمَ الرِّجَالَ فِي دِينِ اللَّهِ، حَتَّى بيَّن لهم حبر (الإسلام) (2) عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنِ الْحُكْمُ إِلَاّ لِلَّهِ} (3) عَلَى وَجْهٍ أَذْعَنَ بِسَبَبِهِ مِنْهُمْ أَلْفَانِ، أَوْ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ إِلَى الْحَقِّ، وَتَمَادَى الْبَاقُونَ على ما كانوا عليه، اعتماداً ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ: لَا تُنَاظِرُوهُ وَلَا تُخَاصِمُوهُ فَإِنَّهُ مِنَ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ فِيهِمْ: {بَلْ هُمْ قَوْمٌ} / {خَصِمُونَ} (4).
فَتَأَمَّلُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ كَيْفَ كَانَ فَهْمُهُمْ فِي الْقُرْآنِ. ثُمَّ لَمْ يَزَلْ هَذَا الْإِشْكَالُ يَعْتَرِي أَقْوَامًا حَتَّى اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمُ الْآيَاتُ وَالْأَحَادِيثُ، وَتَدَافَعَتْ على أفهامهم (فحجوا)(5) به قبل (إنعام)(6) النظر.
/وَلْنَذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ عَشَرَةَ أَمْثِلَةٍ:
أَحَدُهَا: قَوْلُ مَنْ قَالَ: إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ *} (7) يَتَنَاقَضُ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ *} (8).
وَالثَّانِي: قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {فَيَوْمَئِذٍ لَا يُسْأَلُ عَنْ ذَنْبِهِ إِنْسٌ وَلَا جَآنٌّ *} (9) مُضَادٌّ لِقَوْلِهِ: {وَلَيُسْأَلُنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَمَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ} (10)، وقوله تعالى:{وَلَتُسْأَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} (11).
(1) تقدم تخريجه (3/ 114).
(2)
في (ت) و (غ) و (ر): "القرآن".
(3)
سورة يوسف: الآية: (40).
(4)
سورة الزخرف: الآية (58).
(5)
في (ط): "فجعجعوا". وفي (خ): "فعججوا". وفي (غ) و (ر): "فتبجحوا".
(6)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "إمعان".
(7)
سورة الصافات: الآية (27).
(8)
سورة المؤمنون: الآية (101).
(9)
سورة الرحمن: الآية (39).
(10)
سورة العنكبوت: الآية (13).
(11)
سورة النحل: الآية (93).
وَالثَّالِثُ: قَوْلُ مَنْ قَالَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ *} / إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ *فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ} (1): إِنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْأَرْضَ مَخْلُوقَةٌ قَبْلَ السَّمَاءِ، وَفِي الْآيَةِ الْأُخْرَى:{أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا *رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا *وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا *وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا *} (2)، فَصَرَّحَ/ بِأَنَّ الْأَرْضَ مَخْلُوقَةٌ بَعْدَ السَّمَاءِ.
وَمِنْ هَذِهِ الْأَسْئِلَةِ مَا أَوْرَدَهُ نَافِعُ بْنُ الْأَزْرَقِ ـ أَوْ غَيْرُهُ ـ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، فَخَرَّجَ الْبُخَارِيُّ (3) فِي الْمُعَلَّقَاتِ (4) عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ: قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ: إِنِّي أَجِدُ فِي الْقُرْآنِ أَشْيَاءَ تَخْتَلِفُ عَلَيَّ، وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى:{فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} (5)، {وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ *} (6)،/ {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} (7)، {وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} (8)، فَقَدْ كَتَمُوا فِي هَذِهِ الْآيَةِ، {أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا *} إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا *} (9)، فَذَكَرَ خَلْقَ السَّمَاءِ قَبْلَ الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ:{أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} ـ إِلَى قَوْلِهِ ـ {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ} ـ إلى قوله ـ {طَائِعِينَ} (10)، فَذَكَرَ فِي هَذِهِ خَلْقَ الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَاءِ، وَقَالَ:{وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} ، {عَزِيزًا حَكِيمًا}
(1) سورة فصلت: الآيات (9 ـ 12).
(2)
سورة النازعات: الآيات (27 ـ 30).
(3)
أخرجه البخاري في كتاب التفسير، في تفسير سورة السجدة، انظر: فتح الباري (8 417 ـ 418). وبين ما ذكره الشاطبي وما في صحيح البخاري اختلاف في ألفاظ كثيرة، ولكني لم أثبتها، لاحتمال أن يكون الشاطبي اعتمد على نسخة للبخاري غير النسخة المطبوعة لدينا، خاصة وأن لصحيح البخاري نسخاً كثيرة، والله تعالى أعلم.
(4)
ذكره البخاري في البداية معلقاً بقوله: قال المنهال عن سعيد، ثم وصله في نهاية الأثر، حيث قال: حدثنيه يوسف بن عدي حدثنا عبيد الله بن عمرو عن زيد بن أبي أنيسة عن المنهال بهذا.
(5)
سورة المؤمنون: الآية (101).
(6)
سورة الصافات: الآية (27).
(7)
سورة النساء: الآية (42).
(8)
سورة الأنعام: الآية (23).
(9)
سورة النازعات: الآيات (27 ـ 30).
(10)
سورة فصلت: الآيات (9 ـ 12).
{سَمِيعًا بَصِيرًا} فَكَأَنَّهُ كَانَ ثُمَّ مَضَى فَقَالَ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ: {فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ} في النفخة الأولى (يوم ينفخ)(1) في الصور فصعق من في السموات وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ، فَلَا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ/ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ، ثُمَّ فِي النَّفْخَةِ الْأُخْرَى أَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: {مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ} {وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا} فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل يَغْفِرُ لِأَهْلِ الْإِخْلَاصِ ذُنُوبَهُمْ، وَقَالَ الْمُشْرِكُونَ تَعَالَوْا نَقُولُ: لَمْ نَكُنْ مشركين. (فيختم)(2) عَلَى أَفْوَاهِهِمْ فَتَنْطِقُ أَيْدِيَهُمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ/ عَرَفُوا أَنَّ اللَّهَ لَا يُكْتَمُ حَدِيثًا، وَعِنْدَهُ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأرض.
/وَقَوْلُهُ عز وجل: {خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} ، {ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ} فِي يَوْمَيْنِ آخَرَيْنِ ثُمَّ دَحَا الْأَرْضَ، (وَدَحْوُهَا)(3) أَنْ أَخْرَجَ مِنْهَا الْمَاءَ وَالْمَرْعَى، وَخَلَقَ الْجِبَالَ وَالْآكَامَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي يَوْمَيْنِ (آخَرَيْنِ)(4)، فَذَلِكَ قَوْلُهُ:(دَحَاهَا) وَقَوْلُهُ تَعَالَى: {خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ} فَخُلِقَتِ الْأَرْضُ وَمَا فِيهَا مِنْ شَيْءٍ فِي أربعة أيام، وخلقت السموات في يومين.
(وقوله)(5): {وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا} سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ، وَذَلِكَ (قَوْلُهُ)(6)؛ أَيْ لَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ، فَإِنَّ اللَّهَ عز وجل لَمْ يُرِدْ شَيْئًا إِلَّا أَصَابَ بِهِ الَّذِي أَرَادَ، فَلَا يَخْتَلِفُ عَلَيْكَ الْقُرْآنُ فَإِنَّ كُلًّا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ.
وَالرَّابِعُ: قَوْلُ مَنْ قَالَ:/ إِنَّ قول النبي صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وأشهدهم على أنفسهم:
(1) في (ط): ونفخ. وفي (خ) و (م) و (غ) و (ر): ينفخ.
(2)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "فختم".
(3)
في (م) و (غ) و (ر): "ودحيها".
(4)
زيادة من (غ) و (ر).
(5)
ما بين القوسين زيادة من (ت).
(6)
زيادة من (غ) و (ر).
ألست بربكم؟ قالوا بلى
…
" (1)، الحديث (وَقَعَ) (2) مُخَالِفٌ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى:{وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى} (3) فالحديث يخبر أَنَّهُ أَخَذَهُمْ مِنْ ظَهْرِ آدَمَ وَالْكِتَابُ يُخْبِرُ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ ظُهُورِ (بَنِي)(4) آدَمَ، وَهَذَا إذا تؤمل لا (اختلاف)(5) فِيهِ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا، بِأَنْ يَخْرُجُوا مِنْ صُلْبِ آدَمَ عليه الصلاة والسلام دَفْعَةً وَاحِدَةً عَلَى وَجْهٍ لَوْ خَرَجُوا عَلَى التَّرْتِيبِ (لخرجوا)(6)، كَمَا أُخْرِجُوا إِلَى الدُّنْيَا، وَلَا مُحَالَ فِي هذا بأن (ينفطر)(7) فِي تِلْكَ الْآخِذَةِ الْأَبْنَاءُ عَنِ الْأَبْنَاءِ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبِ زَمَانٍ وَتَكُونُ النِّسْبَتَانِ مَعًا صَحِيحَتَيْنِ (على)(8) الْحَقِيقَةِ لَا عَلَى الْمَجَازِ.
/وَالْخَامِسُ: قَوْلُ مَنْ قَالَ ـ فِيمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ـ أَنْ رَجُلًا قَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ نَشَدْتُكَ اللَّهَ إِلَّا مَا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ، (فَقَالَ خَصْمُهُ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ صَدَقَ: اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللَّهِ) (9)، وَائْذَنْ لِي فِي أَنْ أَتَكَلَّمَ، ثُمَّ أَتَى بِالْحَدِيثِ، فَقَالَ/ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم:"وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ، أَمَّا الْوَلِيدَةُ (وَالْغَنَمُ) (10) فَرَدٌّ عَلَيْكَ، وَعَلَى ابْنِكَ هَذَا جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ، وَعَلَى امْرَأَةِ هَذَا/ الرَّجْمُ" إِلَى آخَرِ الْحَدِيثِ (11)، هو مخالف
(1) هذا حديث صحيح مشهور مروي مرفوعاً وموقوفاً، وأخرجه جمع كبير من أهل العلم منهم: مالك (1593)، وأحمد (1 272 و5 135)، وأبو داود (4703 و4704)، والترمذي (3075)، والنسائي في السنن الكبرى (11190 و11191)، وابن جرير في التفسير (15338)، والحاكم (74 و75 و3255 و3256 و4000 و4001)، وغيرهم.
(2)
في (ط) و (م) و (خ) و (غ) و (ر): كما وقع.
(3)
سورة الأعراف: الآية (172).
(4)
ما بين القوسين ساقط من (ط).
(5)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "خلاف".
(6)
زيادة من (غ) و (ر).
(7)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "يتفطر".
(8)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "في".
(9)
ساقط من (غ) و (ر).
(10)
في (ت): "الغرم".
(11)
أخرجه البخاري (2314 و2315 و2649 و2696 و2725، و6634 و6828 و6831 و6836 و6843 و6860 و7194 و7259 و7279 و2695 و2724 و6633 و6827=
لِكِتَابِ اللَّهِ، لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ:"لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ" حَسْبَمَا سَأَلَهُ السَّائِلُ، ثُمَّ قَضَى بِالرَّجْمِ وَالتَّغْرِيبِ، وَلَيْسَ لَهُمَا ذِكْرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
الْجَوَابُ: إِنَّ الَّذِي أَوْجَبَ الْإِشْكَالَ فِي المسألة اللفظ المشترك (فإن كتاب الله، كما)(1) يُطْلَقُ عَلَى الْقُرْآنِ يُطْلَقُ عَلَى مَا كَتَبَ اللَّهُ تَعَالَى عِنْدَهُ مِمَّا هُوَ حُكْمُهُ وَفَرْضُهُ على العباد، كان/ مسطوراً في القرآن أو لا، كما قال تعالى:{كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ} (2) أي (حكم الله)(3) وفرضه، وَكُلُّ مَا جَاءَ فِي الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ:({كتبَ عليكم})(4) فمعناه فرض وَحَكَمَ بِهِ، وَلَا يَلْزَمُ أَنَّ يُوجَدَ هَذَا الْحُكْمُ فِي الْقُرْآنِ.
وَالسَّادِسُ: قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى فِي الْإِمَاءِ: {فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ} (5) / لَا يُعْقَلُ مَعَ مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم رَجَمَ وَرَجَمَتِ (الْأَئِمَّةُ)(6) بَعْدَهُ، لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الرَّجْمَ يَنْتَصِفُ وَهَذَا غَيْرُ مَعْقُولٍ، فَكَيْفَ يَكُونُ نِصْفُهُ عَلَى الْإِمَاءِ؟ ذَهَابًا مِنْهُمْ/ إِلَى أَنَّ الْمُحْصَنَاتِ (هنا)(7) ذَوَاتُ الْأَزْوَاجِ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ، بَلِ الْمُحْصَنَاتُ هُنَا الْمُرَادُ بِهِنَّ الْحَرَائِرُ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ أَوَّلَ الْآيَةِ:{وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً/ أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ} (8)
=و6833 و6835 و6842 و6859 و7193 و7258 و7260 و7278)، ومسلم (1697)، ومالك (1502)، والطيالسي (953 و1333 و2514)، والحميدي (811)، وأبو داود (4445)، وابن ماجه (2549)، والترمذي (1433)، وابن أبي عاصم في الآحاد والمثاني (1213)، والنسائي في المجتبى (5410 و5411)، وفي السنن الكبرى (5970 ـ5973 و7193 و11356)، وابن الجارود في المنتقى (811)، وابن حبان (4437)، والطبراني في الكبير (5188 و5190 ـ5200)، والبيهقي في السنن الكبرى (16694 و16701 و16736 و16746 و16765)، وغيرهم.
(1)
في (ط) و (خ) و (ت): "في كتاب الله فكما".
(2)
سورة النساء: الآية (24).
(3)
في (غ) و (ر): "حكمه".
(4)
في سائر النسخ ما عدا (غ): "كتاب الله عليكم".
(5)
سورة النساء: الآية (25).
(6)
في (غ) و (ر): "الأمة".
(7)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "هنّ".
(8)
سورة النساء: الآية (25).
وَلَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا إِلَّا الْحَرَائِرَ، لِأَنَّ ذَوَاتِ الْأَزْوَاجِ لَا تُنْكَحُ.
وَالسَّابِعُ: قَوْلُهُمْ: إِنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ بِأَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تُنْكَحُ عَلَى عَمَّتِهَا وَلَا عَلَى خَالَتِهَا (1) وَأَنَّهُ يَحْرُمُ مِنَ الرَّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنَ النَّسَبِ (2)، وَاللَّهُ تَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ الْمُحَرَّمَاتِ لَمْ يَذْكُرْ مِنَ الرِّضَاعِ إِلَّا الْأُمَّ وَالْأُخْتَ، وَمِنَ الْجَمْعِ إِلَّا الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ، وَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ/:{وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ} (3)(فَاقْتَضَى)(4) أَنَّ الْمَرْأَةَ تُنْكَحُ عَلَى عَمَّتِهَا وَعَلَى خالتها، (وكل رضاعة)(5) سوى الأم والأخت (حلال)(6).
وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ لَا تَعَارُضَ فِيهِ عَلَى حَالٍ.
وَالثَّامِنُ: قَوْلُ مَنْ قال: إن قوله صلى الله عليه وسلم: "غُسْلُ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ عَلَى كُلِّ مُحْتَلِمٍ"(7) مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ: "مَنْ تَوَضَّأَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ومن اغتسل
(1) أخرجه البخاري (5108 ـ5110)، ومسلم (1408)، ومالك (1108)، وابن الجعد (1607)، وأحمد (2 401 و423 و452 و462 و465 و516 و518 و529 و532)، والدارمي (2179)، وابن ماجه (1929 ـ 1931)، وأبو داود (2066)، والترمذي (1125 ـ 1126)، والنسائي في المجتبى (3288 ـ 3291)، وفي الكبرى:(5420 ـ5427)، وابن حبان (4113 ـ 4115)، والطبراني في الكبير (5420 ـ 5427)، والبيهقي في السنن الكبرى (13719 ـ 13723).
(2)
أخرجه البخاري (2645 و2646 و3105 و5099 و5100)، ومسلم (1444)، ومالك (1254)، وإسحاق بن راهويه (1010)، وأحمد (6 178 و214)، والدارمي (2247)، وأبو داود (2055)، والترمذي (1146 ـ 1147)، والنسائي في المجتبى (3313)، وفي الكبرى (5470).
(3)
سورة النساء: الآية (24).
(4)
في (غ) و (ر): "فاقتضى علي".
(5)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "وإن كان رضاع".
(6)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "حلالاً".
(7)
أخرجه البخاري (858 و879 و 895 و2665)، ومسلم (846)، ومالك (228 ـ 230)، والطيالسي (216 و2570)، والحميدي (736)، وأحمد (3 6 و30 و60 و65 و69 و304) و (4 34)، والدارمي (1537)، وأبو داود (341 و344)، وابن ماجه (1089)، والنسائي في المجتبى (1375 ـ1377 و1383)، وفي الكبرى (1667 و1668 و1688)، وابن الجارود في المنتقى (284 و287)، وأبو يعلى (978 و1100 و1127 و1868)، وابن خزيمة (1721 و1742 ـ 1746)، وابن حبان (1220=
فَالْغُسْلُ أَفْضَلُ" (1).
وَالْمُرَادُ بِالْوُجُوبِ هُنَا التَّأْكِيدُ خَاصَّةً، بحيث لا يكون تركه تَرْكًا (لِلْفَرْضِ)(2)، وَبِهِ يَتَّفِقُ مَعْنَى الْحَدِيثَيْنِ فَلَا اخْتِلَافَ (3).
وَالتَّاسِعُ: / قَوْلُهُمْ: جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: (صِلَةُ الرحم تزيد (في)(4) العمر) (5)، والله تعالى يقول:{فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ} (6) فَكَيْفَ تَزِيدُ صِلَةُ الرَّحِمِ فِي أَجْلٍ لَا يُؤَخَّرُ وَلَا يُقَدَّمُ أَلْبَتَّةَ.
وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ منها أن يكون في علم الله تعالى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ إِنْ وَصَلَ رَحِمَهُ عَاشَ مِائَةَ سَنَةٍ، وَإِلَّا عَاشَ ثَمَانِينَ سَنَةً، مَعَ أَنَّ فِي عِلْمِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُ بِلَا بُدٍّ، (أَوْ)(7) أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ أَصْلًا.
/وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ إِذَا جَاءَ أَجَلُهُ لَا يَسْتَأْخِرُ (سَاعَةً)(8) ولا يستقدم.
=و1227 ـ 1233)، والطبراني في الصغير (1155)، وفي الأوسط (309 و621)، وفي الكبير (23 195 برقم 334)، والبيهقي في السنن الكبرى (1304 و5367 و5443 و5452 و5747 و5748).
(1)
أخرجه الطيالسي (1350 و2110)، وعبد بن حميد (1077)، وابن الجعد (986 و1750)، وأحمد (5 8 و11 و15 و16 و22)، والدارمي (1540)، وابن ماجه (1091)، وأبو داود (354)، والترمذي (497)، والنسائي في المجتبى (1380)، وفي الكبرى (1684)، وأبو يعلى (4086)، وابن الجارود (285)، وابن خزيمة (1757)، والطبراني في الكبير (6817 ـ 6820 و6926)، والبيهقي في الكبرى (1310 ـ 1316 و5459) وغيرهم، وحسنه الألباني في صحيح الجامع برقم (6180).
(2)
في (ت): لفرض.
(3)
انظر: تفصيل الخلاف في هذه المسألة فتح الباري (2 420 ـ 432)، وتأويل مشكل الحديث (ص134).
(4)
ما بين القوسين زيادة من (م) و (غ) و (ر).
(5)
أخرجه الحارث بن أبي أسامة في مسنده ـ بغية الباحث ـ (302)، والطبراني في الأوسط (947)، وفي الكبير (8014)، والقضاعي في مسنده (100 و102)، وبنحوه في مسند أبي يعلى (3609 و6620)، وابن حبان (438).
(6)
سورة الأعراف: الآية (34).
(7)
في (م): "و".
(8)
ساقط من (غ) و (ر).
قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ (1) وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْقِرَافِيُّ (2).
وَالْعَاشِرُ: قالوا في الحديث: أنه صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَنَامَ وَهُوَ جُنُبٌ توضأ وضوءه للصلاة (3)، ثم فيه: كان صلى الله عليه وسلم يَنَامُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ مَاءً (4)، وَهَذَا تَدَافُعٌ. وَالْحَدِيثَانِ مَعًا لِعَائِشَةَ رَضِيَ/ اللَّهُ عَنْهَا.
وَالْجَوَابُ سَهْلٌ: فَالْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَيْنِ مُوَسَّعٌ فِيهِمَا، لِأَنَّهُ إِذَا فَعَلَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ وَأَكْثَرَ مِنْهُ، وَفَعَلَ الْآخَرَ أَيْضًا وَأَكْثَرَ مِنْهُ عَلَى مَا تَقْتَضِيهِ: كَانَ يَفْعَلُ، حَصَلَ مِنْهُمَا/ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ وَيَتْرُكُ، وَهَذَا شَأْنُ الْمُسْتَحَبِّ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا (5).
فَهَذِهِ عَشَرَةُ أمثلة تبين لك مواقع الإشكال، (وأين رَتَّبْتُهَا)(6) مَعَ ثَلْجِ الْيَقِينِ، فَإِنَّ الَّذِي عَلَيْهِ/ كُلُّ (مُوقِنٍ)(7) بِالشَّرِيعَةِ أَنَّهُ لَا تَنَاقُضَ فِيهَا ولا اختلاف، فمن توهم ذلك فيها فلم (ينعم)(8) النَّظَرَ وَلَا أَعْطَى وَحْيَ اللَّهِ حَقَّهُ، وَلِذَلِكَ قال الله تعالى:{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ} (9) فَحَضَّهُمْ عَلَى التَّدَبُّرِ أَوَّلًا، ثُمَّ أَعْقَبَهُ:{وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} ، فبين أنه لا اختلاف فيه، والتدبر يعين على تصديق ما أخبر به.
(1) الشاطبي نقله عن ابن قتيبة بالمعنى، انظر: تأويل مشكل الحديث (ص136 ـ 137).
(2)
أحمد بن إدريس بن عبد الرحمن الصنهاجي القرافي، أحد تلاميذ العز بن عبد السلام من أشهر علماء المالكية توفي سنة 684هـ، انظر: الأعلام للزركلي (1 94).
(3)
أخرجه البخاري (286، 288)، ومسلم (305)، وأحمد في المسند (6/ 36، 91، 102)، وأبو داود (222)، والنسائي (255، 256)، وابن ماجه (584) وغيرهم.
(4)
أخرجه أحمد في المسند (6/ 43، 102، 106)، وأبو داود (228)، والترمذي (118)، والنسائي في الكبرى (9052)، وابن ماجه (581)، وصححه الألباني في آداب الزفاف (ص39)، وتكلم على المسألة ابن عبد البر في التمهيد (17/ 39)، وابن القيم في حاشيته على سنن أبي داود (1/ 261)، وابن حجر في الفتح (1/ 394) و (3/ 32).
(5)
انظر تفصيل الخلاف في هذه المسألة في: فتح الباري لابن حجر (1 467 ـ 470).
(6)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "وإني رتبتها".
(7)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "موفق".
(8)
في (ت): "يمعن".
(9)
سورة النساء: الآية (82).