الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
/
الْبَابُ التَّاسِعُ
فِي السَّبَبِ الَّذِي لِأَجْلِهِ افْتَرَقَتْ فرق المبتدعةعن (جماعة المسلمين)
(1)
فَاعْلَمُوا رَحِمَكُمُ اللَّهُ أَنَّ الْآيَاتِ الدَّالَّةَ عَلَى ذَمِّ/ الْبِدْعَةِ، وَكَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ أَشْعَرَتْ بِوَصْفٍ لِأَهْلِ الْبِدْعَةِ، وَهُوَ الْفِرْقَةُ الْحَاصِلَةُ، حَتَّى يَكُونُوا بسببها شيعاً متفرقة، لا ينتظم شملهم (الإسلام)(2)، وَإِنْ كَانُوا مِنْ أَهْلِهِ، وَحَكَمَ (لَهُمْ)(3) بِحُكْمِهِ.
أَلَّا تَرَى أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ} (4)، وَقَوْلُهُ تَعَالَى:{وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ *مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا} (5)، وقوله تَعَالَى:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا/ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ} (6)، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى وصف التفرق.
وفي الحديث: "ستفترق أُمَّتِي عَلَى ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً"(7)، وَالتَّفَرُّقُ/ نَاشِئٌ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي الْمَذَاهِبِ وَالْآرَاءِ إِنْ جَعْلَنَا التَّفَرُّقَ مَعْنَاهُ بِالْأَبْدَانِ ـ وَهُوَ الْحَقِيقَةُ ـ وَإِنْ جَعْلَنَا مَعْنَى التَّفَرُّقِ فِي الْمَذَاهِبِ، فَهُوَ الِاخْتِلَافُ، كَقَوْلِهِ:{وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا} (8).
(1) في (غ) و (ر): "أهل السنة".
(2)
في (ط) و (خ) و (ت): "بالإسلام".
(3)
ساقط من (غ) و (ر).
(4)
سورة الأنعام: الآية (159).
(5)
سورة الروم: الآيتان (31، 32).
(6)
سورة الأنعام: الآية (153).
(7)
سيأتي تخريجه ـ إن شاء الله تعالى ـ (ص122).
(8)
سورة آل عمران: الآية (105).
فَلَا بُدَّ مِنَ النَّظَرِ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ مَا سَبَبُهُ؟ وَلَهُ سَبَبَانِ:
أَحَدُهُمَا: لَا كَسْبَ للعباد فِيهِ، وَهُوَ الرَّاجِعُ إِلَى سَابِقِ الْقَدَرِ.
وَالْآخَرُ: هُوَ الْكَسْبِيُّ؛ وَهُوَ الْمَقْصُودُ بِالْكَلَامِ/ عَلَيْهِ فِي هذا الباب، إلا (أنا)(1) نَجْعَلَ السَّبَبَ الْأَوَّلَ مُقَدِّمَةً، فَإِنَّ فِيهَا مَعْنًى أصيلاً يجب (التنبه)(2) لَهُ عَلَى مَنْ أَرَادَ التَّفَقُّهَ فِي الْبِدَعِ، فَنَقُولُ ـ وَاللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ ـ:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ *إِلَاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (3)، فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنَّهُمْ لَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ أَبَدًا، مَعَ أَنَّهُ (لَوْ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَهُمْ مُتَّفِقِينَ لكان (قادراً)(4) على ذلك، لَكِنْ سَبَقَ الْعِلْمُ الْقَدِيمُ أَنَّهُ) (5) إِنَّمَا خَلَقَهُمْ لِلِاخْتِلَافِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ فِي الآية وأن قوله:{وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} مَعْنَاهُ: وَلِلِاخْتِلَافِ خَلَقَهُمْ، وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ قَالَ: خَلَقَهُمْ لِيَكُونُوا فَرِيقًا فِي الْجَنَّةِ وَفَرِيقًا فِي السَّعِيرِ (6). وَنَحْوَهُ عَنِ الْحَسَنِ (7).
فَالضَّمِيرُ فِي خَلَقَهُمْ عَائِدٌ عَلَى النَّاسِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ مِنْهُمْ إِلَّا مَا سَبَقَ (في)(8) العلم، وليس المراد ها هنا الِاخْتِلَافُ فِي الصُّوَرِ، كالحَسَنِ (وَالْقَبِيحِ)(9)، وَالطَّوِيلِ وَالْقَصِيرِ، وَلَا فِي الْأَلْوَانِ كَالْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ، وَلَا فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ كَالتَّامِّ الْخَلْقِ (وَالنَّاقِصِ الْخَلْقِ)(10)، وَالْأَعْمَى والبصير، والأصم
(1) في (ط): "أن".
(2)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "التثبت".
(3)
سورة هود: الآيتان (118 ـ 119).
(4)
زيادة من (غ) و (ر).
(5)
ما بين القوسين ساقط من (ط) و (خ) و (ت).
(6)
أخرجه ابن جرير في تفسيره (18742)، واللالكائي برقم (968).
(7)
أخرجه أبو داود في سننه (4615)، وصححه الألباني، وبنحوه أخرجه عبد الله في السنة (2 430)، برقم (950)، والطبري في تفسيره (15 532، 536)، برقم (18706 و18729)، وابن أبي حاتم في تفسيره (6 2095)، برقم (11295 و11297 و11298)، والآجري في الشريعة (313 و314)، واللالكائي (968).
(8)
في (غ) و (ر): "به".
(9)
في (م) و (غ) و (ر): والقبح.
(10)
ما بين القوسين ساقط من (ط) و (خ) و (ت).
وَالسَّمِيعِ، وَلَا فِي/ الْخُلُقِ كَالشُّجَاعِ وَالْجَبَانِ، وَالْجَوَادِ وَالْبَخِيلِ، وَلَا فِيمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنَ الْأَوْصَافِ الَّتِي هُمْ مُخْتَلِفُونَ فِيهَا.
وَإِنَّمَا الْمُرَادُ اخْتِلَافٌ آخَرُ، وَهُوَ الِاخْتِلَافُ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ لِيَحْكُمُوا فِيهِ بَيْنَ الْمُخْتَلِفِينَ، كَمَا قَالَ تَعَالَى/:{كَانَ النَّاسُ أُمَّةً/ وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ} (1)، وَذَلِكَ الِاخْتِلَافُ فِي الْآرَاءِ وَالنِّحَلِ وَالْأَدْيَانِ وَالْمُعْتَقَدَاتِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِمَا يَسْعَدُ الْإِنْسَانُ بِهِ أَوْ يَشْقَى في الآخرة والدنيا.
هَذَا هُوَ/ الْمُرَادُ مِنَ الْآيَاتِ الَّتِي ذُكِرَ فيها الاختلاف الحاصل بين الخلق، (إلا) (2) أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ الْوَاقِعَ بَيْنَهُمْ عَلَى أَوْجُهٍ:
/أَحَدُهَا: الِاخْتِلَافُ فِي أَصْلِ النِّحْلَةِ، وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ، مِنْهُمْ عَطَاءٌ قَالَ:{وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ *إِلَاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} (قَالَ)(3): "الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسُ، وَالْحَنِيفِيَّةُ، وَهُمُ الَّذِينَ رَحِمَ رَبُّكَ (الْحَنِيفِيَّةُ) "(4). خرَّجه ابْنُ وَهْبٍ (5).
/وَهُوَ الَّذِي يَظْهَرُ لِبَادِيِ الرَّأْيِ فِي الْآيَةِ الْمَذْكُورَةِ.
وَأَصْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ هُوَ فِي التَّوْحِيدِ وَالتَّوَجُّهُ لِلْوَاحِدِ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ، فَإِنَّ النَّاسَ فِي عَامَّةِ الْأَمْرِ لَمْ يَخْتَلِفُوا (فِي)(6) أَنَّ لَهُمْ مدبَّراً يدبِّرهم، وَخَالِقًا أَوَجَدَهُمْ، إِلَّا أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِهِ عَلَى آرَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ، مِنْ قَائِلٍ بِالِاثْنَيْنِ أو
(1) سورة البقرة: الآية (213).
(2)
ما بين القوسين ساقط من (ط).
(3)
في (ط) و (خ): "قال ـ قال".
(4)
ما بين القوسين ساقط من (ت). والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في التفسير (11288)، وابن جرير في تفسيره (15 531 ـ 532)، برقم (18700 و18701)، ولم أجد الأثر في الجزء المطبوع من جامع ابن وهب ـ وهو في مجلدين ـ وتوجد منه قطعة مخطوطة، لكني لم أجد الأثر فيه، وباقي كتاب الجامع في حكم المفقود.
(5)
هو: عبد الله بن وهب بن مسلم المصري، ولد سنة 125هـ. ومات سنة 197هـ، وهو إمام ثقة، وله عدة كتب منها الجامع، وهو الذي يكثر الشاطبي من النقل عنه انظر: طبقات ابن سعد (7 518)، والتاريخ الكبير (5 218)، والسير (9 223).
(6)
في (م): "من".
بالخمسة، أو بالطبيعة أو بالدهر، أَوْ بِالْكَوَاكِبِ، إِلَى أَنْ قَالُوا بِالْآدَمِيِّينَ (وَالشَّجَرِ وَالْحِجَارَةِ)(1) وَمَا يَنْحِتُونَ بِأَيْدِيهِمْ (2).
وَمِنْهُمْ مَنْ أَقَرَّ بِوَاجِبِ الْوُجُودِ الْحَقِّ لَكِنْ عَلَى آرَاءٍ مُخْتَلِفَةٍ أَيْضًا، إِلَى أَنْ بَعْثَ اللَّهُ الْأَنْبِيَاءَ مُبَيِّنِينَ لِأُمَمِهِمْ حَقَّ مَا اخْتَلَفُوا (فِيهِ)(3) مِنْ بَاطِلِهِ، فَعَرَفُوا بِالْحَقِّ عَلَى مَا يَنْبَغِي، ونزَّهوا رَبَّ الْأَرْبَابِ عَمَّا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ مِنْ نِسْبَةِ الشُّرَكَاءِ وَالْأَنْدَادِ، وَإِضَافَةِ الصَّاحِبَةِ وَالْأَوْلَادِ، فَأَقَرَّ بِذَلِكَ مَنْ أَقَرَّ بِهِ، وَهُمُ الدَّاخِلُونَ تَحْتَ مُقْتَضَى قوله:{إِلَاّ مَنْ/ رَحِمَ رَبُّكَ} وَأَنْكَرَ مَنْ أَنْكَرَ، فَصَارَ إِلَى مُقْتَضَى قَوْلِهِ:{وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأََمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ} (4)، وَإِنَّمَا دَخَلَ الْأَوَّلُونَ تَحْتَ وَصْفِ الرَّحْمَةِ لِأَنَّهُمْ خَرَجُوا عَنْ وَصْفِ الِاخْتِلَافِ إِلَى وَصْفِ الْوِفَاقِ/ وَالْأُلْفَةِ، وَهُوَ قَوْلُهُ:{وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا} (5)، وهو منقول عن جماعة من المفسرين.
(1) في (خ) و (ت): "والشجر بالحجارة". وفي (ط): "وبالشجر والحجارة".
(2)
القائلون في الربوبية بالاثنين هم الثنوية، وهم القائلون بأن النور والظلمة أزليان قديمان. وهم فرق، وهي المانوية: أصحاب ماني بن فاتك الحكيم الذي ظهر في زمن سابور بن أردشير. والمزدكية: أصحاب مزدك، وهو الذي ظهر في أيام قباذ والد أنوشروان. والديصانية: أصحاب ديصان، أثبتوا أصلين، نوراً وظلاماً. والمرقيونية: أصحاب مرقيون، أثبتوا أصلين متضادين، النور والظلمة، وأثبتوا أصلاً ثالثاً، وهو المعدل الجامع، وهو سبب المزاج، فإن المتنافرين المتضادين لا يمتزجان إلا بجامع.
والذين قالوا بخمسة آلهة هم الكينوية: فزعموا بالأصلين، النور والظلمة، وزعموا أن هناك أصولاً ثلاثة: النار والأرض والماء، وأن هذه الموجودات حدثت من هذه الأصول، دون الأصلين اللذين أثبتهما الثنوية، وهما النور والظلمة. انظر: الملل والنحل للشهرستاني (1 244 ـ 255)، والفصل لابن حزم (1 86 ـ 92).
والقائلون بعبادة الكواكب: هم أصحاب الهياكل، التي هي السيارات السبع، وهم من فرق الصابئة. انظر: الملل للشهرستاني (2 49 ـ 51).
وأما عباد الآدميين فهم كثير، فاليهود عبدوا عُزيراً، والنصارى عبدوا عيسى بن مريم، والباطنية عبدوا أئمتهم، وغيرهم من أهل الشرك.
(3)
زيادة من (ط) و (غ) و (ر).
(4)
سورة هود: الآية (119).
(5)
سورة آل عمران: الآية (103).
/وخرَّج ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ: {وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ} : خَلَقَ أَهْلَ الرَّحْمَةِ أَنْ لَا يَخْتَلِفُوا (1).
وَهُوَ معنى ما نقل عن مالك وطاووس فِي جَامِعِهِ (2).
وَبَقِيَ الْآخَرُونَ عَلَى وَصْفِ الِاخْتِلَافِ، إِذْ خَالَفُوا الْحَقَّ الصَّرِيحَ، وَنَبَذُوا الدِّينَ الصَّحِيحَ.
وَعَنْ مَالِكٍ أَيْضًا قَالَ: الَّذِينَ رَحِمَهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا (3).
وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ} ، إِلَى قَوْلِهِ:{فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ/ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} (4)(معنى)(5): كان الناس أمة واحدة فاختلفوا، (أنه تعالى أخبر)(6) فِي الْآيَةِ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا وَلَمْ يَتَّفِقُوا، فَبَعَثَ النَّبِيِّينَ لِيَحْكُمُوا بَيْنَهُمْ فِيمَا (اخْتَلَفُوا)(7) فِيهِ مِنَ الْحَقِّ، وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا هَدَاهُمُ (اللَّهُ)(8) لِلْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ الِاخْتِلَافِ.
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: "نَحْنُ الْآخَرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مَنْ قَبِلْنَا، وَأُوتِينَاهُ مَنْ بَعْدِهِمْ، هَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ، فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ، فاليهود غداً والنصارى بعد غد"(9).
(1) أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (6/ 2095) برقم (11296)، وبنحوه أخرجه الفريابي في كتاب القدر (61).
(2)
أثر مالك تقدم تخريجه (3/ 86)، وأما أثر طاووس فقد أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (6/ 2095) برقم (11293) من طريق ابن وهب.
(3)
لم أجده عن الإمام مالك رحمه الله تعالى بهذا النص، ولكن ورد بنحوه كما تقدم في (3/ 88)، كما ورد بنحوه عن ابن المبارك، كما في تفسير ابن جرير (15 533)، برقم (18710).
(4)
سورة البقرة: الآية (213).
(5)
في (ط) و (م) و (خ): "ومعنى".
(6)
في (ط) و (م) و (خ) و (غ) و (ر): "فبعث الله النبيين فأخبر".
(7)
زيادة من (ط) و (غ) و (ر).
(8)
زيادة من (م) و (غ) و (ر).
(9)
أخرجه البخاري (7495، 7036، 6887، 6624، 3486، 6926، 896، 876، 238)، ومسلم برقم (855)، وفي صحيفة همام بن منبه (1)، وإسحاق بن راهويه في=
وخرَّج ابْنُ وَهْبٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ (1) فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً} ، فَهَذَا يَوْمُ أَخَذَ مِيثَاقَهُمْ لَمْ يَكُونُوا أُمَّةً وَاحِدَةً غَيْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ.
فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مبشِّرين/ ومنذرين، فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ من الحق بإذنه.
وَاخْتَلَفُوا فِي يَوْمِ الْجُمْعَةَ، فَاتَّخَذَ الْيَهُودُ يَوْمَ السَّبْتِ، وَاتَّخَذَ النَّصَارَى يَوْمَ الْأَحَدِ، فَهَدَى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لِيَوْمِ الْجُمْعَةِ.
وَاخْتَلَفُوا/ فِي الْقِبْلَةِ، فَاسْتَقْبَلَتِ النَّصَارَى الْمَشْرِقَ، وَاسْتَقْبَلَتِ الْيَهُودُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ، وَهَدَى اللَّهُ أَمَةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لِلْقِبْلَةِ.
/وَاخْتَلَفُوا فِي الصَّلَاةِ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَرْكَعُ وَلَا/ يَسْجُدُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْجُدُ وَلَا يَرْكَعُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يصلي (وهو)(2) يَتَكَلَّمُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُصَلِّي وَهُوَ يَمْشِي، وَهَدَى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك.
واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم (عن)(3) بعض الطعام، وهدى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم لِلْحَقِّ مِنْ ذَلِكَ.
وَاخْتَلَفُوا فِي إِبْرَاهِيمَ عليه السلام، فَقَالَتِ الْيَهُودُ: كَانَ يَهُودِيًّا، وَقَالَتِ النصارى:(كان)(4) نَصْرَانِيًّا، وَجَعَلَهُ اللَّهُ حَنِيفًا/ مُسْلِمًا، فَهَدَى اللَّهُ أُمَّةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم لِلْحَقِّ من ذلك.
=مسنده (291)، وأحمد في مسنده (2 249 و274 و312 و341 و473، 502 و504)، والنسائي في المجتبى (1367)، وفي السنن الكبرى (1654)، وأبو يعلى في مسنده (6269)، والطبراني في مسند الشاميين (136)، والدارقطني في سننه (2 3)، والخطيب في تاريخ بغداد (2 160 و257)، والبيهقي في السنن الكبرى (1320 و5354 و5453)، وأخرجه بلفظ مقارب مسلم (856)، وابن ماجه (1083)، والنسائي في المجتبى (1368)، وفي الكبرى (1652)، وأبو يعلى في المسند (6216).
(1)
هو أبو عبد الله زيد بن أسلم العدوي العمري، أحد فقهاء التابعين، توفي سنة 136هـ. انظر: الجرح والتعديل (3 554)، وتهذيب التهذيب (3 395).
(2)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "ولا".
(3)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "من".
(4)
زيادة من (غ) و (ر).
وَاخْتَلَفُوا فِي عِيسَى عليه السلام، فَكَفَرَتْ بِهِ الْيَهُودُ، وَقَالُوا لِأُمِّهِ بُهْتَانًا عَظِيمًا، وَجَعَلَتْهُ النَّصَارَى إِلَهًا وَوَلَدًا، وَجَعَلَهُ اللَّهُ رَوْحَهُ وَكَلِمَتَهُ، فَهَدَى الله أمة محمد صلى الله عليه وسلم للحق من ذلك (1).
ثُمَّ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْمُتَّفِقِينَ قَدْ يَعْرِضُ لَهُمُ الاختلاف بحسب القصد الثاني (لا بالقصد)(2) الأول، فإن الله تعالى (حكم)(3) بِحِكْمَتِهِ أَنْ تَكُونَ فُرُوعُ هَذِهِ (الْمِلَّةِ)(4) قَابِلَةً لِلْأَنْظَارِ، وَمَجَالًا لِلظُّنُونِ، وَقَدْ ثَبَتَ عِنْدَ النُّظَّارِ أن النظريات لا يمكن الاتفاق (عليها)(5) عَادَةً، فَالظَّنِّيَّاتُ/ عَرِيقَةٌ فِي إِمْكَانِ الِاخْتِلَافِ، لَكِنْ فِي الْفُرُوعِ دُونَ الْأُصُولِ، وَفِي الْجُزْئِيَّاتِ دُونَ الْكُلِّيَّاتِ، فَلِذَلِكَ (لَا يَضُرُّ)(6) هَذَا الِاخْتِلَافُ.
وَقَدْ نَقَلَ الْمُفَسِّرُونَ عَنِ الْحَسَنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ: أَمَّا أَهْلُ رَحْمَةِ اللَّهِ، فَإِنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ/ اخْتِلَافًا (يَضُرُّهُمْ)(7).
يَعْنِي لِأَنَّهُ فِي مسائل الاجتهاد التي لا نص/ فيها يقطع (8) الْعُذْرِ، بَلْ لَهُمْ فِيهِ أَعْظَمُ الْعُذْرِ، وَمَعَ أَنَّ الشَّارِعَ (لَمَّا عَلِمَ)(9) أَنَّ هَذَا (النَّوْعَ)(9) مِنَ الِاخْتِلَافِ وَاقِعٌ، أَتَى فِيهِ بِأَصْلٍ يُرْجَعُ إِلَيْهِ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى:{فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ} (10)، فكل اختلاف من هذا القبيل
(1) أخرجه ابن جرير في تفسيره (4/ 284) برقم (4061) ـ طبعة أحمد شاكر ـ قال: حدثني به يونس بن عبد الأعلى قال: أخبرنا ابن وهب قال: قال ابن زيد
…
إلخ، وهذا سند صحيح عن ابن زيد، لكن الأثر عن زيد وليس عن ابنه عبد الرحمن، والأثر أخرجه ابن أبي حاتم في تفسيره (2/ 378) برقم (1994) عن يونس بن عبد الأعلى قال: أنبأ ابن وهب، أخبرني عبد الرحمن بن زيد بن أسلم عن أبيه
…
إلخ، وهذا سند صحيح إن شاء الله.
(2)
في (ط) و (خ): "لا بقصد".
(3)
في (م): "حكيم".
(4)
في (غ) و (ر): "الأمة".
(5)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "فيها".
(6)
في (م): "لا يصير". وفي (غ) و (ر): "لا يضير".
(7)
في (م) و (غ) و (ر): "يضيرهم، والأثر تقدم تخريجه (3/ 88) حاشية (7).
(8)
في (ط) و (خ): "بقطع".
(9)
ساقط من (غ) و (ر).
(10)
سورة النساء: الآية (59).
حُكْمُ اللَّهِ فِيهِ أَنْ يُرَدَّ إِلَى اللَّهِ، وَذَلِكَ رَدُّهُ إِلَى كِتَابِهِ، وَإِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَذَلِكَ رَدُّهُ إِلَيْهِ إِذَا كَانَ حَيًّا، وَإِلَى سُنَّتِهِ بَعْدَ مَوْتِهِ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ الْعُلَمَاءُ رضي الله عنهم.
إِلَّا أَنَّ لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ: هَلْ هُمْ دَاخِلُونَ تحت قوله تعالى: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} (1) أَمْ لَا؟
وَالْجَوَابُ: أَنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يَدْخُلَ تَحْتَ مُقْتَضَاهَا أَهْلُ هَذَا الِاخْتِلَافِ مِنْ أَوْجُهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْآيَةَ اقْتَضَتْ أَنَّ أَهْلَ الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِينَ مُبَايِنُونَ لِأَهْلِ الرَّحْمَةِ لِقَوْلِهِ: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ/ إِلَاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} (2) فإنها اقتضت قسمين: أهل الاختلاف ومرحومين، فَظَاهِرُ التَّقْسِيمِ أَنَّ أَهْلَ الرَّحْمَةِ لَيْسُوا مَنْ أَهْلِ الِاخْتِلَافِ، وَإِلَّا كَانَ قَسْمُ الشَّيْءِ قَسِيمًا لَهُ، وَلَمْ يَسْتَقِمْ مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُ قال فيها: {وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} ، فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ وَصْفَ الِاخْتِلَافِ لَازِمٌ لَهُمْ حَتَّى أُطْلِقَ عَلَيْهِمْ لَفْظُ اسْمِ الْفَاعِلِ الْمُشْعِرِ بالثبوت، وأهل الرحمة مبرؤون مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ/ وَصْفَ الرَّحْمَةِ يُنَافِي الثُّبُوتَ عَلَى الْمُخَالَفَةِ، بَلْ إِنْ خَالَفَ أَحَدُهُمْ فِي مَسْأَلَةٍ/ فَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِيهَا تَحَرِّيًا لِقَصْدِ الشَّارِعِ فِيهَا، حَتَّى إِذَا تَبَيَّنَ لَهُ الْخَطَأُ فِيهَا رَاجَعَ نَفْسَهُ وَتَلَافَى أَمْرَهُ، فَخِلَافُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ بِالْعَرْضِ لَا بِالْقَصْدِ الْأَوَّلِ، فَلَمْ يَكُنْ وَصْفُ الاختلاف لازماً (له)(3) وَلَا ثَابِتًا، فَكَانَ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالْفِعْلِ الَّذِي يَقْتَضِي الْعِلَاجَ وَالِانْقِطَاعَ أَلْيَقَ فِي الْمَوْضِعِ.
//وَالثَّالِثُ: أَنَا نَقْطَعُ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِي مَسَائِلِ الِاجْتِهَادِ وَاقِعٌ مِمَّنْ حَصَلَ لَهُ مَحْضُ الرَّحْمَةِ/ وَهُمُ الصحابة رضي الله عنهم، وَمَنِ اتَّبَعَهُمْ بِإِحْسَانٍ رضي الله عنهم، بِحَيْثُ لَا يَصِحُّ إِدْخَالُهُمْ فِي قِسْمِ الْمُخْتَلِفِينَ بِوَجْهٍ،
(1) سورة هود: الآية (118).
(2)
سورة هود: الآيتان (118، 119).
(3)
زيادة من (غ) و (ر).
فَلَوْ كَانَ الْمُخَالِفُ مِنْهُمْ فِي بَعْضِ الْمَسَائِلِ مَعْدُودًا مَنْ أَهْلِ الِاخْتِلَافِ ـ وَلَوْ بِوَجْهٍ مَا ـ لَمْ يَصِحَّ إِطْلَاقُ الْقَوْلِ فِي حَقِّهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الرَّحْمَةِ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَالرَّابِعُ: أَنَّ جَمَاعَةً مِنَ السَّلَفِ الصَّالِحِ جَعَلُوا اخْتِلَافَ الْأُمَّةِ فِي الْفُرُوعِ ضَرْبًا مِنْ ضُرُوبِ الرَّحْمَةِ (1)، وَإِذَا كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الرَّحْمَةِ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهُ خَارِجًا مَنْ قِسْمِ أَهْلِ الرَّحْمَةِ.
وَبَيَانُ كَوْنِ الِاخْتِلَافِ الْمَذْكُورِ رَحْمَةً مَا رُوِيَ/ عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ (2) قَالَ: لَقَدْ نَفَعَ اللَّهُ بِاخْتِلَافِ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي (الْعَمَلِ)(3)، لا يعمل العامل بعلم رَجُلٍ مِنْهُمْ إِلَّا رَأَى أَنَّهُ فِي سَعَةٍ (4).
وعن (ضمرة عن رجاء بن جميل)(5) قَالَ: اجْتَمَعَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ، فَجَعَلَا يَتَذَاكَرَانِ الْحَدِيثَ ـ قَالَ ـ: فَجَعَلَ عُمَرُ يَجِيءُ بِالشَّيْءِ يُخَالِفُ فِيهِ الْقَاسِمَ ـ قَالَ ـ: (وجعل ذلك يشق على القاسم)(6) حتى
(1) سيذكر الشاطبي بعد قليل عدداً ممن جعل الاختلاف في الفروع ضرباً من ضروب الرحمة، وانظر كذلك ما ذكره شيخ الإسلام ابن تيمية في الفتاوى (30 79 ـ 81)، (37 24 ـ 25)، وانظر ما ذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2 96 وما بعدها).
(2)
هو القاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولد في خلافة علي رضي الله عنه، وتوفي سنة 105 وقيل 106هـ. انظر: طبقات ابن سعد (5 187)، وحلية الأولياء (2 183)، والسير (5 53).
(3)
في جامع بيان العلم: (أعمالهم).
(4)
خرَّجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2 900) برقم (1686).
(5)
في سائر النسخ: "وعن ضمرة بن رجاء قال"، والتصحيح من جامع بيان العلم (2 901). وضمرة هو: ضمرة بن ربيعة الفلسطيني أبو عبد الله الرملي، وثقه ابن معين والنسائي وابن سعد، توفي سنة 202هـ. انظر: طبقات ابن سعد (7 471)، والتاريخ الكبير (4 337)، وتهذيب الكمال (13 316) ورجاء بن جميل هو الأيلي، روى عن القاسم بن محمد والزهري وربيعة، قال عنه أبو حاتم:"شيخ". انظر: التاريخ الكبير (3 313)، والجرح والتعديل (3 502)، والثقات لابن حبان (6 306).
(6)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "وجعل القاسم يشق ذلك عليه". والتصحيح من (غ) و (ر)، وهو موافق لرواية ابن عبد البر في جامع بيان العلم.
تبين فِيهِ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: لَا تَفْعَلُ، فَمَا يسرني (أن لي)(1) بِاخْتِلَافِهِمْ حُمُر النَّعَمِ (2).
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنِ القاسم (عن أبيه)(3) أيضاً (أنه)(4) قَالَ: لَقَدْ أَعْجَبَنِي قَوْلُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا أَحِبُّ أَنَّ أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم (لم يختلفوا)(5)، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ قَوْلًا وَاحِدًا لَكَانَ النَّاسُ فِي ضِيقٍ، وَإِنَّهُمْ أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِهِمْ، فَلَوْ أخذ رجل بقول أحدهم كان (في سِعَةً)(6).
وَمَعْنَى هَذَا أَنَّهُمْ فَتَحُوا لِلنَّاسِ بَابَ الِاجْتِهَادِ وَجَوَازَ الِاخْتِلَافِ فِيهِ، لِأَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَفْتَحُوهُ لَكَانَ الْمُجْتَهِدُونَ فِي ضِيقٍ، لِأَنَّ مَجَالَ الاجتهاد (مجالات)(7) الظنون،/ (والظنون)(8) لَا تَتَّفِقُ عَادَةً ـ كَمَا تَقَدَّمَ ـ فَيَصِيرُ أَهْلُ الِاجْتِهَادِ مَعَ (تَكْلِيفِهِمْ)(9) / بِاتِّبَاعِ مَا غَلَبَ عَلَى ظُنُونِهِمْ مُكَلَّفِينَ بِاتِّبَاعِ (خِلَافِهِ)(10)، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ، وَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الضِّيقِ، فَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَى الْأُمَّةِ بِوُجُودِ الْخِلَافِ/ الْفُرُوعِي فِيهِمْ، فَكَانَ فَتْحُ بَابِ لِلْأُمَّةِ لِلدُّخُولِ فِي هَذِهِ الرَّحْمَةِ، فَكَيْفَ لَا يَدْخُلُونَ فِي قِسْمِ (مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ) فَاخْتِلَافُهُمْ فِي الْفُرُوعِ كاتفاقهم فيها، والحمد لله.
(1) زيادة من (غ) و (ر): "وجامع بيان العلم".
(2)
أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (2/ 901) برقم (1688).
(3)
ساقط من جميع النسخ، والتصحيح من جامع بيان العلم، وأبو القاسم هو: محمد بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، ولد في حجة الوداع وقت الإحرام، ورواية ابنه عنه مرسلة على ما ذكر الذهبي في السير (3 481 ـ 482) وانظر: التاريخ الكبير (1 124) والكامل (3 352).
(4)
زيادة من (غ) و (ر): "وجامع بيان العلم".
(5)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "وجامع بيان العلم": لا يختلفون.
(6)
في (ط): "سنة"، وفي (م) و (خ):"سعة"، والتصحيح من (غ) و (ر) وجامع بيان العلم، والأثر مخرج فيه (2 901) برقم (1689).
(7)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "ومجالات".
(8)
زيادة من (غ) و (ر).
(9)
في (م): "تكليهم".
(10)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "خلافهم".
وبين هذين (الطرفين)(1) واسطة أدنى من (المرتبة)(2) الأولى، وأعلى من (المرتبة)(2) الثَّانِيَةِ، وَهِيَ أَنْ يَقَعَ/ الِاتِّفَاقُ فِي أَصْلِ الدِّينِ، وَيَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي بَعْضِ قَوَاعِدِهِ الْكُلِّيَّةِ، وَهُوَ الْمُؤَدِّي إِلَى التَّفَرُّقِ شِيَعًا.
فَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ تَنْتَظِمُ هَذَا الْقِسْمَ مِنَ الِاخْتِلَافِ، وَلِذَلِكَ صَحَّ عَنْهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّ أُمَّتَهُ تَفْتَرِقُ عَلَى بِضْعٍ وَسَبْعِينَ فِرْقَةً (3)، وَأَخْبَرَ أَنَّ هَذِهِ الْأُمَّةَ تَتَّبِعُ سَنن مَنْ كان (قبلها)(4) شبراً بشبر وذراعاً بذراع (5)، (ويشمل)(6) ذَلِكَ الِاخْتِلَافَ الْوَاقِعَ فِي الْأُمَمِ قَبِلْنَا، وَيُرَشِّحُهُ وَصْفُ أَهْلِ الْبِدَعِ بِالضَّلَالَةِ وَإِيعَادُهُمْ بِالنَّارِ، وَذَلِكَ بَعِيدٌ مِنْ تَمَامِ الرَّحْمَةِ.
وَلَقَدْ كَانَ عليه الصلاة والسلام حَرِيصًا عَلَى أُلْفَتِنَا وَهِدَايَتِنَا، حَتَّى (إنه) (7) ثَبَتَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما أَنَّهُ قَالَ ـ لَمَّا حَضَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (الوفاة) (8) قَالَ: وَفِي الْبَيْتِ رِجَالٌ فِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الخطاب رضي الله عنهم فقال صلى الله عليه وسلم: "هلمَّ أَكْتُبْ لَكُمْ كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ"، فَقَالَ عُمَرُ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم غَلَبَهُ الْوَجَعُ، وَعِنْدَكُمُ الْقُرْآنُ فَحَسْبُنَا كِتَابُ اللَّهِ، وَاخْتَلَفَ أَهْلُ الْبَيْتِ وَاخْتَصَمُوا، فَمِنْهُمْ مَنْ يقول: قرِّبوا (دواة)(9) يَكْتُبْ لَكُمْ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كِتَابًا لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ كَمَا قَالَ عُمَرُ، فَلَمَّا (كَثُرَ) (10) اللَّغَطُ وَالِاخْتِلَافُ/ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: قُومُوا عَنِّي،/ فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ: إن الرزيَّة كُلَّ الرَّزِيَّةِ مَا حَالَ بَيْنَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ وَلَغَطِهِمْ (11).
(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "الطريقين".
(2)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "الرتبة".
(3)
سيأتي تخريجه (ص122).
(4)
في (غ) و (ر): "قبلنا".
(5)
سيأتي تخريجه (ص122).
(6)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "وشمل".
(7)
زيادة من (غ) و (ر).
(8)
زيادة من (ت).
(9)
زيادة من (ت).
(10)
في (ت) و (غ) و (ر): "أكثروا".
(11)
أخرجه البخاري (114) و (5669، 4432، 4431، 3168، 3053، 7366)، ومسلم (1637)، والحميدي في مسنده (526)، وأحمد في مسنده (1 222، 324، 330، 355)، والنسائي في السنن الكبرى (5854)، وأبو يعلى في مسنده (2409)، والطبراني في المعجم الكبير (12507)، والبيهقي في السنن الكبرى (18527).
فَكَانَ ذَلِكَ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ وَحْيًا أَوْحَى اللَّهُ إِلَيْهِ أَنَّهُ إِنْ كَتَبَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكِتَابَ لَمْ يَضِلُّوا بَعْدَهُ الْبَتَّةَ، فَتَخْرُجُ الْأُمَّةُ عَنْ مقتضى قوله:{وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ} بِدُخُولِهَا تَحْتَ قَوْلِهِ: {إِلَاّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ} ، فَأَبَى اللَّهُ إِلَّا مَا سَبَقَ بِهِ عِلْمَهُ مِنِ اخْتِلَافِهِمْ، كَمَا اخْتَلَفَ غَيْرُهُمْ، رَضِيَنَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَقَدَرِهِ، وَنَسْأَلُهُ أَنْ يُثَبِّتَنَا عَلَى الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَيُمِيتَنَا عَلَى ذَلِكَ بِفَضْلِهِ.
(وَقَدْ ذَهَبَ)(1) جَمَاعَةٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُخْتَلِفِينَ فِي الْآيَةِ أَهْلُ الْبِدَعِ، وَأَنَّ مَنْ رَحِمَ ربك أهل السنة، ولكن لهذا (الاختلاف)(2) أَصْلٌ يَرْجِعُ إِلَى سَابِقِ الْقَدَرِ/ لَا مُطْلَقًا، بَلْ مَعَ إِنْزَالِ الْقُرْآنِ مُحْتَمِلُ الْعِبَارَةِ لِلتَّأْوِيلِ، وهذا مما لَا بُدَّ مِنْ/ بَسْطِهِ.
فَاعْلَمُوا أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي بَعْضِ الْقَوَاعِدِ الْكُلِّيَّةِ/ لَا يَقَعُ فِي (العادة)(3) الْجَارِيَةِ بَيْنَ المتبحِّرين فِي عِلْمِ الشَّرِيعَةِ، الْخَائِضِينَ فِي لُجَّتِهَا الْعُظْمَى، (الْعَالِمَيْنِ)(4)(بِمَوَارِدِهَا وَمَصَادِرِهَا)(5).
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ اتِّفَاقُ الْعَصْرِ الْأَوَّلِ، وَعَامَّةُ الْعَصْرِ الثَّانِي عَلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا وَقَعَ اخْتِلَافُهُمْ فِي القسم المفروغ منه آنفاً، بل كل خلاف عَلَى الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ وَقَعَ بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ أَسْبَابٌ ثَلَاثَةٌ قَدْ تَجْتَمِعُ وَقَدْ تَفْتَرِقُ:
أَحَدُهَا: أَنْ يَعْتَقِدَ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ أَوْ يُعْتَقَدَ فِيهِ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الدِّينِ ـ وَلَمْ يَبْلُغْ/ تِلْكَ (الدَّرَجَةَ)(6) ـ فَيَعْمَلُ عَلَى ذَلِكَ، وَيَعُدُّ رَأْيَهُ رَأْيًا وَخِلَافُهُ خِلَافًا، وَلَكِنْ تَارَةً يَكُونُ ذَلِكَ فِي جُزْئِيٍّ وَفَرْعٍ مِنَ الفروع، وتارة (يكون)(7) / في كلي وأصل مِنْ أُصُولِ الدِّينِ ـ كَانَ مِنَ الْأُصُولِ الِاعْتِقَادِيَّةِ أو من الأصول العملية ـ فتراه آخذاً ببعض جزئيات الشريعة في
(1) في (غ) و (ر): "فذهب".
(2)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "الكتاب" ومثلها في هامش (ت).
(3)
في (ط) و (ت): "العاديات" وصححت في الهامش، وفي (خ):"العاديا".
(4)
في (غ) و (ر): "العالم".
(5)
في (ت): "بمصادرها ومواردها".
(6)
ساقط من (غ) و (ر).
(7)
ساقط من (غ) و (ر).
هدم/ كلياتها، حتى يصير منها (إلى)(1) مَا ظَهَرَ لَهُ بَادِيَ رَأْيِهِ مِنْ غَيْرِ إِحَاطَةٍ بِمَعَانِيهَا وَلَا رُسُوخٍ فِي فَهْمِ مَقَاصِدِهَا، وَهَذَا هُوَ الْمُبْتَدَعُ، وَعَلَيْهِ نَبَّهَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" (إِنَّ الله لا يقبض العلم) (2) انتزاعاً يتنزعه مِنَ النَّاسِ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ، حَتَّى إِذَا لَمْ يَبْقَ عَالِمٌ اتَّخَذَ النَّاسُ رؤساء جهالا فسئلوا، (فأفتوا) (3) بغير علم، فضلوا وأضلوا"(4).
قال بعض (أهل العلم)(5): (تدبروا)(6) هذا الحديث (فإنه)(7) يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤْتَى النَّاسُ قَطُّ مِنْ قِبَلِ عُلَمَائِهِمْ، وَإِنَّمَا يؤتَون مِنْ قِبل أَنَّهُ إِذَا مَاتَ عُلَمَاؤُهُمْ أَفْتَى مَنْ لَيْسَ بِعَالِمٍ، فَيُؤْتَى النَّاسُ مِنْ قِبَلِهِ، وَقَدْ صُرِّف (8) هَذَا الْمَعْنَى تَصْرِيفًا، (فَقِيلَ) (9): مَا خَانَ أَمِينٌ قَطُّ وَلَكِنَّهُ ائْتَمَنَ غَيْرَ أَمِينٍ فَخَانَ. قَالَ: وَنَحْنُ نَقُولُ: مَا ابْتَدَعَ عَالِمٌ قَطُّ، وَلَكِنَّهُ استفتي من ليس بعالم (فضل وأضل)(10).
قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ: بَكَى رَبِيعَةُ يَوْمًا بُكَاءً شَدِيدًا، فَقِيلَ لَهُ: مُصِيبَةٌ نَزَلَتْ بِكَ؟ فَقَالَ: لَا، وَلَكِنِ اسْتُفْتِيَ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ (11).
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "قِبل الساعة سنون (خدَّاعات)(12) يصدَّق فيهن الكاذب، (ويكذَّب)(13) فيهن/
(1) زيادة من (م) و (غ) و (ر).
(2)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "لا يقبض الله العلم".
(3)
ساقطة من (م).
(4)
تقدم تخريجه (1/ 117).
(5)
في (م) و (غ) و (ر): "العلماء"، وهو أبو بكر الطرطوشي، كما في الباعث (ص174).
(6)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "تقدير". وفي الحوادث والبدع: فتدبروا.
(7)
زيادة من (غ) و (ر): "والحوادث والبدع".
(8)
في الباعث: "صرف عمر".
(9)
في الباعث: "فقال".
(10)
ما بين القوسين زيادة من (م) و (غ) و (ر): "والباعث"، وساقط من (ط) و (خ) وفي (ت):"فضل" فقط.
(11)
ذكره الطرطوشي في الحوادث والبدع (ص175)، وبنحوه في جامع بيان العلم (2/ 1225) برقم (2410)، والتمهيد (3/ 5)، والكواكب النيرات (1/ 31).
(12)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "والحوادث والبدع": خداعاً.
(13)
في (م): "ويذكر".
الصَّادِقُ، وَيَخُونُ فِيهِنَّ الْأَمِينُ، وَيُؤْتَمَنُ الْخَائِنُ، وَيَنْطِقُ/ فِيهِنَّ الرُّوَيْبِضَةُ" (1).
قَالُوا: هُوَ الرَّجُلُ التَّافَةُ الْحَقِيرُ ينطق في أمور العامة، (لأنه)(2) لَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي أُمُورِ الْعَامَّةِ، فَيَتَكَلَّمُ.
وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه قَالَ: قَدْ عَلِمْتُ (مَتَى)(3) يَهْلِكُ النَّاسُ، إِذَا جَاءَ الْفِقْهُ مِنْ قَبِلَ الصَّغِيرِ اسْتَعْصَى عَلَيْهِ الْكَبِيرُ، وَإِذَا جَاءَ الْفِقْهُ مِنْ قِبَلِ الْكَبِيرِ تَابَعَهُ الصَّغِيرُ فَاهْتَدَيَا (4).
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رضي الله عنه: لَا يَزَالُ النَّاسُ بِخَيْرٍ مَا أَخَذُوا الْعِلْمَ مِنْ (أَكَابِرِهِمْ)(5)، فَإِذَا أَخَذُوهُ عَنْ أَصَاغِرِهِمْ وَشِرَارِهِمْ هَلَكُوا (6).
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا أَرَادَ عُمَرُ بِالصِّغَارِ (7) / فَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: هُمْ أَهْلُ الْبِدَعِ (8)(وَهُوَ)(9) مُوَافِقٌ؛ لِأَنَّ أَهْلَ الْبِدَعِ أَصَاغِرُ فِي الْعِلْمِ، وَلِأَجْلِ ذَلِكَ صَارُوا أَهْلَ بدع.
(1) الحديث لم يخرجه البخاري، بل هو في مسند أحمد (2 291 و338) و (3 220)، وقال أحمد شاكر (15 37)، برقم (7899):"إسناده حسن، ومتنه صحيح". وفي (16 194) برقم (8440)، وصحح سنده أحمد شاكر كما في تعليقه على حديث رقم (7899)، وأخرجه ابن ماجه (4036)، وأبو يعلى في مسنده (3715)، والطبراني في المعجم الكبير (18 67)، برقم (123 ـ 125)، وفي مسند الشاميين (47 ـ 48)، والحاكم في المستدرك (8439 و8564)، وقال:"صحيح الإسناد ولم يخرجاه". وقال الذهبي: "صحيح". وحسنه الألباني في السلسلة الصحيحة رقم (1887).
(2)
في سائر النسخ ما عدا (ت): "كأنه".
(3)
في (ط) و (خ): "من".
(4)
أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1055 و1056)، وصححه ابن حجر في فتح الباري (13 301 ـ 302)، وعزاه إلى مصنف قاسم بن أصبغ.
(5)
في (غ) و (ر): "كبرائهم".
(6)
أخرجه معمر بن راشد في جامعه المطبوع مع مصنف عبد الرزاق (11/ 246) برقم (20446)، وابن المبارك في الزهد (815)، والطبراني في الكبير (1419) برقم (8589 ـ 8592)، وابن عبد البر في جامع بيان العلم (1/ 616) برقم (1057 ـ 1060)، وأبو نعيم في الحلية (8/ 49)، واللالكائي برقم (101)، وعزاه ابن حجر في الفتح (13/ 291) ليعقوب بن شيبة وأبي عبيد.
(7)
وذكر الخلاف ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1 610 وما بعدها).
(8)
انظر: الزهد لابن المبارك (1 20)، حاشية رقم (2) و (2 281)، حاشية رقم (1)، وذكره ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1 612)، واللالكائي برقم (102).
(9)
في (غ) و (ر): "وهذا".
وَقَالَ الْبَاجِيُّ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْأَصَاغِرُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدِهِ ـ قَالَ ـ: وَقَدْ كَانَ عُمَرُ يستشير الصغار، وكان القراء (أصحاب) (1) مُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا وَشُبَّانًا ـ قَالَ ـ: وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْأَصَاغِرِ مَنْ لَا قَدْرَ لَهُ وَلَا حَالَ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إِلَّا بِنَبْذِ الدِّينِ وَالْمُرُوءَةِ، فَأَمَّا مَنِ الْتَزَمَهُمَا فَلَا بُدَّ أَنْ يَسْمُوَ أَمْرُهُ، وَيَعْظُمُ قَدْرُهُ.
/وَمِمَّا يُوَضِّحُ هَذَا التَّأْوِيلَ مَا خَرَّجَهُ ابْنُ وَهْبٍ بِسَنَدٍ مَقْطُوعٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: الْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ كَالسَّائِرِ على غير الطريق، وَالْعَامِلُ عَلَى غَيْرِ عِلْمٍ مَا يُفْسِدُ/ أَكْثَرَ مِمَّا يُصْلِحُ، فَاطْلُبُوا الْعِلْمَ طَلَبًا (لَا يَضُرُّ بترك)(2) العبادة، واطلبوا الْعِبَادَةَ طَلَبًا (لَا يَضُرُّ بِتَرْكِ)(1) الْعِلْمِ، فَإِنَّ قَوْمًا طَلَبُوا الْعِبَادَةَ وَتَرَكُوا الْعِلْمَ حَتَّى خَرَجُوا بِأَسْيَافِهِمْ عَلَى أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَلَوْ طَلَبُوا الْعِلْمَ لَمْ يَدُلَّهُمْ عَلَى مَا فَعَلُوا (3).
يَعْنِي الْخَوَارِجَ ـ وَاللَّهُ أَعْلَمُ ـ لِأَنَّهُمْ قرأوا القرآن ولم (يتفقّهوا)(4) حَسْبَمَا أَشَارَ/ إِلَيْهِ الْحَدِيثُ: "يَقْرَؤُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ تَرَاقِيَهُمْ"(5).
وَرُوِيَ عَنْ مَكْحُولٍ (6) أَنَّهُ قَالَ: تفقه الرعاع فساد (الدنيا)(7)، وتفقه السفلة فساد (الدين)(8).
(1) في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "والحوادث والبدع": أهل.
(2)
في جامع بيان العلم (1 164) ـ الطبعة القديمة ـ: لا يضر وفي طبعة الزهيري (905): "لا تضروا".
(3)
أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (905).
(4)
في (م) و (خ) و (ت): "يتفهموا".
(5)
سيأتي تخريجه (ص114).
(6)
هو أبو عبد الله مكحول الدمشقي: عالم أهل الشام، وهو من أوساط التابعين وأقران الزهري، واختلفوا في وفاته، فقيل: سنة 112، وقيل 113، وقيل 114، وقيل 116هـ. انظر: طبقات ابن سعد (7 453) وحلية الأولياء (5 177)، وتهذيب التهذيب (10 289).
(7)
في جميع النسخ ما عدا (غ) و (ر)، والحوادث للطرطوشي:(الدين والدنيا)، وفي جامع بيان العلم (الدين).
(8)
في جامع بيان العلم (الدنيا). والأثر أخرجه ابن عبد البر في المصدر السابق برقم (1071).
وَقَالَ (الْفِرْيَابِيُّ)(1): كَانَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إِذَا رَأَى هَؤُلَاءِ النَّبْطَ يَكْتُبُونَ الْعِلْمَ تَغَيَّرَ وَجْهُهُ، فَقُلْتُ: يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَرَاكَ إِذَا رَأَيْتَ هؤلاء يكتبون العلم يشتد/ عليك، فقال: كَانَ الْعِلْمُ فِي الْعَرَبِ وَفِي سَادَاتِ النَّاسِ، وَإِذَا خَرَجَ عَنْهُمْ وَصَارَ إِلَى هَؤُلَاءِ النَّبْطِ وَالسَّفَلَةِ غُيِّر الدِّينُ (2).
وَهَذِهِ الْآثَارُ أَيْضًا إِذَا حملت على التأويل المتقدم (استدت)(3) وَاسْتَقَامَتْ، لِأَنَّ ظَوَاهِرَهَا مُشَكَّلَةٌ، وَلَعَلَّكَ إِذَا اسْتَقْرَيْتَ/ أَهْلَ الْبِدَعِ مِنَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَوْ أَكْثَرَهُمْ وَجَدْتَهُمْ من أبناء سبايا الأمم، (وممن)(4) / لَيْسَ لَهُ أَصَالَةٌ فِي اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ، فَعَمَّا قَرِيبٍ يُفْهَمُ كِتَابُ اللَّهِ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهِ، كَمَا أَنَّ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي مَقَاصِدِ الشريعة فهمها على غير وجهها.
/وَالثَّانِي مِنْ أَسْبَابِ الْخِلَافِ: اتِّبَاعُ الْهَوَى، وَلِذَلِكَ سُمِّيَ أَهْلُ الْبِدَعِ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ، لِأَنَّهُمُ اتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ فَلَمْ يَأْخُذُوا الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مَأْخَذَ الِافْتِقَارِ إِلَيْهَا، وَالتَّعْوِيلِ عَلَيْهَا، حَتَّى يَصْدُرُوا عَنْهَا، بَلْ قَدَّمُوا أَهْوَاءَهُمْ، وَاعْتَمَدُوا عَلَى آرَائِهِمْ، ثُمَّ جَعَلُوا الْأَدِلَّةَ الشَّرْعِيَّةَ مَنْظُورًا فِيهَا مِنْ وَرَاءِ ذَلِكَ، وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ (هُمْ)(5) أَهْلُ التَّحْسِينِ وَالتَّقْبِيحِ، وَمِنْ مال (إلى جانبهم من)(6) الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ.
وَيَدْخُلُ فِي غِمَارِهِمْ مَنْ كَانَ منهم (يغشى)(7) السَّلَاطِينَ لِنَيْلِ مَا عِنْدَهُمْ، أَوْ طَلَبًا لِلرِّيَاسَةِ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَمِيلَ مَعَ النَّاسِ بِهَوَاهُمْ، وَيَتَأَوَّلَ عَلَيْهِمْ فِيمَا أَرَادُوا، حَسْبَمَا ذَكَرَهُ الْعُلَمَاءُ ونقله الثقات من مصاحبي السلاطين.
(1) ما بين القوسين ساقط من (ت). والفريابي هو محمد بن يوسف بن واقد الفريابي، لأنه هو المشهور بالرواية عن سفيان الثوري، ولد سنة بضع وعشرين ومائة وهو من رجال الكتب الستة، وتوفي سنة 212هـ. انظر: التاريخ الكبير (1 264) والجرح والتعديل (8 119) وتهذيب التهذيب (9 335).
(2)
أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1072).
(3)
في (ط) و (خ) و (م): "اشتدت".
(4)
في سائر النسخ ما عدا (ت): "ومن".
(5)
ساقط من (غ) و (ر).
(6)
في (م): "إلى ـ بياض ـ من الفلاسفة"، وفي (ط):"إلى من".
(7)
في (ط): "يخشى". وفي (م): "غشى".
فَالْأَوَّلُونَ ردُّوا كَثِيرًا مِنَ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِعُقُولِهِمِ، وأساءوا الظَّنَّ بِمَا صَحَّ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وحسَّنوا ظَنَّهُمْ بِآرَائِهِمُ الْفَاسِدَةِ، حَتَّى رَدُّوا كَثِيرًا مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ وَأَحْوَالِهَا مِنَ الصراط والميزان، وحشر الأجساد، والنعيم والعذاب (الجسمي)(1)، وَأَنْكَرُوا رُؤْيَةَ الْبَارِي، وَأَشْبَاهَ ذَلِكَ، بَلْ صيُّروا الْعَقْلَ شَارِعًا جَاءَ الشَّرْعُ أَوْ لَا، بَلْ إِنْ جَاءَ فَهُوَ كَاشِفٌ لِمُقْتَضَى مَا حَكَمَ بِهِ الْعَقْلُ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الشَّنَاعَاتِ.
وَالْآخَرُونَ خَرَجُوا عَنِ الْجَادَّةِ إِلَى الْبَنِيَّاتِ، وَإِنْ كانت مخالفة (لصلب)(2) الشَّرِيعَةِ، حِرْصًا عَلَى أَنْ يَغْلِبَ عَدْوُهُ، أَوْ يفيد وليه، أو يجر إلى (نفعه)(3).
/كَمَا ذَكَرُوا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ لبابة (4)((ابن أَخِي)(5) الشَّيْخِ ابْنِ لُبَابَةَ) (6) الْمَشْهُورِ/ فَإِنَّهُ عُزِلَ عَنِ قَضَاءِ الْبِيرَةِ (7) ثُمَّ عُزِلَ عَنِ الشُّورَى لِأَشْيَاءَ نُقِمَتْ/ عَلَيْهِ ـ وَسَجَّلَ/ بِسَخْطَتِهِ الْقَاضِي حَبِيبُ بن زياد (8)، وَأَمَرَ بِإِسْقَاطِ عَدَالَتِهِ وَإِلْزَامِهِ بَيْتَهُ، وَأَنْ لَا يفتي أحداً.
(1) في (م): "الجسيمين".
(2)
ساقط من (غ) و (ر).
(3)
في سائر النسخ (نفسه) وصححت في هامش (ت) بـ: "نفعه".
(4)
هو محمد بن يحيى بن لبابة أبو عبد الله الملقب ببرجون، كان أحفظ أهل الزمان للمذهب، توفي سنة 336هـ. انظر: الديباج المذهب (2 200).
(5)
في النسخ: أخي، والصواب من كتب التراجم، وسيأتي.
(6)
ما بين () ساقط من (غ) و (ر): "وابن لبابة" هو محمد بن عمر بن لبابة القرطبي، انتهت إليه الإمامة في المذهب، وتوفي سنة 314هـ. (تنبيه): ذكر الذهبي اسمه: محمد بن يحيى بن عمر بن لبابة، والصواب محمد بن عمر وهو عم محمد بن يحيى الآنف الذكر، وهذا يظهر من سيرة الرجلين ووفاتهما بالمقارنة من خلال المصادر التالية: السير (14 495)، والديباج المذهب (2 189 و200)، وجذوة المقتبس (1 127)، وبغية الملتمس (1 147)، والله تعالى أعلم.
(7)
ألبيرة: قرية كبيرة من قرى الأندلس، متصلة بأراضي قرية قبرة، قريبة من قرطبة. انظر: معجم البلدان (1 289).
(8)
هو القاضي: أحمد بن محمد بن زياد بن عبد الرحمن اللخمي، من أهل قرطبة يكنى أبا القاسم، ويعرف بالحبيب، سمع من ابن وضاح وغيره، واستقضي في صدر أيام الإمام الناصر لدين الله، وتوفي سنة 312هـ. انظر ترجمته في: قضاة قرطبة (ص204)، وتاريخ علماء الأندلس (1 71).
ثُمَّ إِنَّ النَّاصِرَ احْتَاجَ إِلَى شِرَاءِ مُجَشِّرٍ (1) مِنْ أَحْبَاسِ الْمَرْضَى بِقُرْطُبَةَ (بِعَدْوَةِ)(2) النَّهْرِ، فَشَكَا إلى القاضي ابن بقي (3) ضرورته إليه لمقابلته مَنْزَهَهُ، وَتَأَذِّيهِ بِرُؤْيَتِهِمْ (أَوَانَ) (4) تَطَلُّعِهِ مِنْ عَلَالِيهِ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ بَقِيٍّ: لَا حِيلَةَ عِنْدِي فِيهِ/ وَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُحَاطَ بِحُرْمَةِ الْحَبْسِ. فَقَالَ لَهُ: (تَكَلَّمْ)(5) مَعَ الْفُقَهَاءِ فِيهِ وَعَرِّفْهُمْ رَغْبَتِي، وَمَا أَجْزَلَهُ مِنْ أَضْعَافِ الْقِيمَةِ فِيهِ، فَلَعَلَّهُمْ أَنْ يَجِدُوا لِي فِي ذَلِكَ رُخْصَةً.
فَتَكَلَّمَ ابْنُ بَقِيٍّ مَعَهُمْ فَلَمْ يَجِدُوا إِلَيْهِ سَبِيلًا، فَغَضِبَ النَّاصِرُ عَلَيْهِمْ، وَأَمَرَ (الْوُزَرَاءَ)(6) بِالتَّوْجِيهِ فِيهِمْ إِلَى الْقَصْرِ، وَتَوْبِيخِهِمْ، فَجَرَتْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَعْضِ الْوُزَرَاءِ مُكَالَمَةٌ، وَلَمْ يَصِلِ النَّاصِرُ مَعَهُمْ إِلَى مَقْصُودِهِ.
وَبَلَغَ ابْنَ لُبَابَةَ هَذَا الْخَبَرُ (فرفع إلى)(7) الناصر (يغضُّ)(8) من أصحابه الفقهاء، ويقول (له) (9): إِنَّهُمْ حَجَرُوا عَلَيْهِ وَاسِعًا، وَلَوْ كَانَ حَاضِرًا لأفتاه بجواز المعاوضة، وتقلد حقاً، وناظر أصحابه فيها، فوقع (هذا)(9) الْأَمْرُ بِنَفْسِ النَّاصِرِ، وَأَمَرَ بِإِعَادَةِ مُحَمَّدِ بْنِ لُبَابَةَ إِلَى الشُّورَى عَلَى حَالَتِهِ الْأَوْلَى، ثُمَّ أَمَرَ الْقَاضِي بِإِعَادَةِ الْمَشُورَةِ/ فِي الْمَسْأَلَةِ، فَاجْتَمَعَ الْقَاضِي وَالْفُقَهَاءُ وَجَاءَ ابْنُ لَبَابَةَ آخِرَهُمْ، وَعَرَّفَهُمُ الْقَاضِي ابْنُ بَقِيٍّ بِالْمَسْأَلَةِ الَّتِي جَمَعَهُمْ (مِنْ أَجْلِهَا)(10) وَغِبْطَةِ الْمُعَاوَضَةِ (فِيهَا)(11)، فَقَالَ جَمِيعُهُمْ بِقَوْلِهِمُ الْأَوَّلِ مِنَ الْمَنْعِ مِنْ تَغْيِيرِ الْحَبْسِ عَنْ وَجْهِهِ ـ وَابْنِ لُبَابَةَ سَاكِتٌ ـ فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي: ما
(1) المجشر: هو حوض لا يستقى فيه لجشره، أي وسخه وقذره، انظر: المعجم الوسيط مادة جشر (1 724).
(2)
في (م): "بفدوة".
(3)
هو القاضي: أحمد بن بقي بن مخلد بن يزيد أبو عبد الله، كان بليغ اللسان، أنيس المجلس، له أخلاق كريمة، توفي سنة 344هـ. انظر ترجمته في: قضاة قرطبة (ص222)، وتاريخ علماء الأندلس (1 80)، والديباج المذهب (1 170).
(4)
في (خ): "وأن".
(5)
في (غ) و (ر): "فتكلم".
(6)
في (م): "الازراء".
(7)
في (ط): "فدفع". وكلمة (إلى) ساقطة من (م).
(8)
في (خ) و (ط) و (ت): "بعضاً".
(9)
ما بين القوسين زيادة من (ت).
(10)
في (غ) و (ر): "لأجلها".
(11)
زيادة من (م).
تَقُولُ أَنْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ؟ قَالَ: أَمَّا قَوْلُ إِمَامِنَا مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ، فَالَّذِي قَالَهُ أَصْحَابُنَا الْفُقَهَاءُ، وَأَمَّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَإِنَّهُمْ لَا يُجِيزُونَ الْحَبْسَ أَصْلًا، وَهُمْ عُلَمَاءُ/ أَعْلَامٌ (يَقْتَدِي)(1) بِهِمْ أَكْثَرُ الْأُمَّةِ، وَإِذَا بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ مِنَ الْحَاجَةِ/ إِلَى هَذَا الْمُجَشِّرِ مَا بِهِ، فَمَا يَنْبَغِي أَنْ يَرِدَ عَنْهُ، وَلَهُ فِي السنة فسحة، وأنا أقول (فيه)(2) بِقَوْلِ أَهَّلِ الْعِرَاقِ، وَأَتَقَلَّدُ ذَلِكَ رَأْيًا.
فَقَالَ لَهُ الْفُقَهَاءُ: سُبْحَانَ اللَّهِ! تَتْرُكُ قَوْلَ مَالِكٍ الَّذِي أَفْتَى بِهِ أَسْلَافَنَا وَمَضَوْا عَلَيْهِ وَاعْتَقَدْنَاهُ بعدهم، وأفتينا به لا نحيد (عنه)(3) بِوَجْهٍ، وَهُوَ رَأْيُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَرَأْيُ الْأَئِمَّةِ آبَائِهِ؟
فَقَالَ لَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى: (نَاشَدْتُكُمُ)(4) اللَّهَ الْعَظِيمَ، أَلَمْ تَنْزِلْ/ بِأَحَدٍ مِنْكُمْ مَلَمَّةٌ بَلَغَتْ بِكُمْ أَنْ أَخَذْتُمْ فِيهَا بِغَيْرِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي خَاصَّةِ أَنْفُسِكُمْ، وَأَرْخَصْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ فِي ذَلِكَ؟ قَالُوا: بَلَى. قَالَ: فَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَوْلَى بِذَلِكَ، فَخُذُوا بِهِ مَأْخَذَكُمْ، وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِ مَنْ يُوَافِقُهُ مِنَ الْعُلَمَاءِ، فَكُلُّهُمْ قُدْوَةٌ، فَسَكَتُوا. فَقَالَ لِلْقَاضِي: أَنْهِ إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فُتْيَايَ. فَكَتَبَ الْقَاضِي إِلَى أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِصُورَةِ الْمَجْلِسِ، وَبَقِيَ مَعَ أَصْحَابِهِ بِمَكَانِهِمْ إِلَى أَنْ أَتَى الْجَوَابُ/ بأن يؤخذ له بفتيا محمد بن يحيى بْنِ لُبَابَةَ/ وَيُنَفَّذَ ذَلِكَ وَيُعَوَّضَ الْمَرْضَى مِنْ هذا المجشر (بأملاكه بمِنْيَة عَجَب)(5)، وَكَانَتْ عَظِيمَةَ الْقَدْرِ جِدًّا، تَزِيدُ أَضْعَافًا عَلَى الْمِجْشَرِ.
ثُمَّ جِيءَ (بِكِتَابٍ مِنْ عِنْدِ أمير المؤمنين)(6) منه إلى ابن لبابة (بولايته)(7) خُطَّةِ الْوَثَائِقِ لِيَكُونَ هُوَ الْمُتَوَلِّيَ لِعَقْدِ هَذِهِ المعاوضة، فهنئ
(1) في (غ) و (ر): "يهتدي".
(2)
زيادة من (غ) و (ر).
(3)
في (ط) و (خ): "عنهم".
(4)
في (خ): "أنشدتكم".
(5)
في (ط) و (ت): "بأملاك ثمينة عجيبة". وفي (م): "بأملاك ثمينة عجب". ومِنْية عَجَب من أرباض قرطبة وهي القرى حولها، والنسبة إليها الميني، ومنها المحدّث محمد بن عبد الله الميني. انظر: التكملة لكتاب الصلة (1/ 296)، ونفح الطيب (1/ 465، 2/ 257)، ومعجم البلدان (5/ 218).
(6)
في (غ) و (ر): "من عند أمير المؤمنين بكتاب".
(7)
في جميع النسخ ما عدا (غ): "بولاية".
بِالْوِلَايَةِ، وَأَمْضَى الْقَاضِي الْحُكْمَ بِفَتْوَاهُ وَأَشْهَدَ عَلَيْهِ وَانْصَرَفُوا، فَلَمْ يَزَلِ ابْنُ لُبَابَةَ يَتَقَلَّدُ خُطَّةَ الْوَثَائِقِ وَالشُّورَى إِلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ (1).
قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: ذَاكَرْتُ بَعْضَ مَشَايِخِنَا مَرَّةً بِهَذَا الْخَبَرِ، فَقَالَ: يَنْبَغِي أَنْ يُضَافَ هَذَا الْخَبَرُ الَّذِي حَلَّ سِجِلَّ السُّخْطَةِ إِلَى سِجِلِّ السُّخْطَةِ، فَهُوَ أَوْلَى وَأَشَدُّ فِي السُّخْطَةِ مِمَّا تَضَمَّنَهُ ـ أَوْ كَمَا قَالَ (2) ـ.
فَتَأَمَّلُوا كيف اتباع الهوى (وإلى أين)(3) يَنْتَهِيَ بِصَاحِبِهِ.
فَشَأْنُ مِثْلِ هَذَا لَا يَحُلُّ أَصْلًا مِنْ وَجْهَيْنِ:
/أَحَدُهُمَا: أَنَّهُ لَمْ (يَتَحَقَّقِ)(4) الْمَذْهَبُ الَّذِي حَكَمَ بِهِ، لِأَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ لَا يُبْطِلُونَ الْإِحْبَاسَ هَكَذَا عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَمَنْ حكى عنهم ذلك، فإما على غير تثبت، وَإِمَّا أَنَّهُ كَانَ قَوْلًا لَهُمْ رَجَعُوا عَنْهُ، بَلْ مَذْهَبُهُمْ يَقْرُبُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ حَسْبَمَا هو مذكور في كتب الحنفية (5).
والثاني: أَنَّهُ إِنْ سَلَّمَنَا صِحَّتَهُ فَلَا يَصِحُّ لِلْحَاكِمِ أن (يرجِّح)(6) في حكمه (أحد)(7) القولين (بالصحبة أو الإمارة)(8) أو قضاء الحاجة، وإنما التَّرْجِيحُ بِالْوُجُوهِ الْمُعْتَبَرَةِ شَرْعًا، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ، فَكُلُّ مَنِ اعْتَمَدَ عَلَى تَقْلِيدِ قَوْلٍ غَيْرِ مُحَقَّقٍ، أَوْ رَجَّحَ بِغَيْرِ مَعْنَى مُعْتَبَرٍ، فَقَدْ خَلَعَ الرِّبْقَةَ، وَاسْتَنَدَ إِلَى غَيْرِ شَرْعٍ، عَافَانَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ بِفَضْلِهِ.
فَهَذِهِ الطَّرِيقَةُ فِي الْفُتْيَا مِنْ جُمْلَةِ الْبِدَعِ الْمُحْدَثَاتِ في دين الله تعالى،
(1) في (ط) و (خ): "كتاب التاريخ أولاً بالأرقام ثم كتابة".
(2)
انظر القصة بطولها في: ترتيب المدارك (2 398 ـ 402).
(3)
في (ط) و (خ): "وأولى أن".
(4)
في (غ) و (ر): "يحقق".
(5)
لمعرفة الخلاف في الأحباس وأقوال العلماء فيه، انظر: الحجة، لمحمد بن الحسن 3 46 والهداية شرح البداية (3 13) والمبسوط (12 27) والأم (4 58) ومواهب الجليل (6 18) والمغني (6 185 ـ 186) والمبدع لابن مفلح (5 312).
(6)
في (ط) و (خ) و (ت): "يرجع".
(7)
في (ط) و (خ) و (ت): "في أحد".
(8)
في (ط) و (خ) و (ت): "بالمحبة والإمارة".
كَمَا أَنَّ تَحْكِيمَ/ الْعَقْلِ عَلَى الدِّينِ مُطْلَقًا مُحْدَثٌ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ بَعْدُ إِنْ شَاءَ الله.
وقد ثبت بهذا الوجه اتِّبَاعِ الْهَوَى، وَهُوَ أَصْلُ الزَّيْغِ عَنِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ} ـ (أَيْ مَيْلٌ عَنِ الْحَقِّ)(1) ـ {فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ} (2)، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى الْآيَةِ؛ فَمِنْ شَأْنِهِمْ أَنْ يَتْرُكُوا/ الْوَاضِحَ ويتَّبعوا الْمُتَشَابِهَ، عَكْسَ مَا عَلَيْهِ الْحَقُّ فِي نَفْسِهِ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما وَذُكِرَتِ الْخَوَارِجُ (عِنْدَهُ)(3) وَمَا يُلْقُونَ فِي الْقُرْآنِ ـ فَقَالَ: يُؤْمِنُونَ بِمُحَكِّمِهِ، وَيَهْلِكُونَ عِنْدَ مُتَشَابِهِهِ. وَقَرَأَ ابْنِ عَبَّاسٍ الْآيَةَ. خرَّجه ابْنُ وَهْبٍ (4).
/وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذمِّه الْقُرْآنِ فِي قَوْلِهِ: {أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} (5) وَلَمْ يَأْتِ/ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ الْهَوَى إِلَّا فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ.
حَكَى ابْنُ وَهَبٍ عَنْ طاووس أَنَّهُ قَالَ: مَا ذَكَرَ اللَّهُ (هَوًى فِي الْقُرْآنِ)(6) إِلَّا ذَمَّهُ (7).
وَقَالَ: {وَمَنْ أَضَلُّ مِمَنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ} (8)، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنَ الْآيَاتِ.
/وَحَكَى أَيْضًا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ أَنَّ رَجُلًا سأل إبراهيم
(1) ساقطة من (ر).
(2)
سورة آل عمران: الآية (7).
(3)
زيادة من (م) و (غ) و (ر).
(4)
تقدم تخريجه (3/ 76).
(5)
سورة الجاثية: الآية (23).
(6)
في (غ) و (ر): "الهوى".
(7)
أخرجه اللالكائي برقم (228). وأخرجه الهروي في ذم الكلام ـ ت الأنصاري ـ برقم (471) من قول سليمان الأحوال، بينما رواية اللالكائي رفعها سليمان الأحول إلى طاووس.
(8)
سورة القصص: الآية (50).
النَّخَعِيَّ عَنِ الْأَهْوَاءِ، أَيُّهَا خَيْرٌ؟ فَقَالَ: مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا مِثْقَالَ ذَرَّةٍ من خير، وما هي إلا زينة (من)(1) الشَّيْطَانِ وَمَا الْأَمْرُ إِلَّا الْأَمْرُ الْأَوَّلُ (2)، يَعْنِي: مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ الصَّالِحُ (3).
وَخَرَّجَ عَنِ الثوري أن رجلاً أتى إلى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما فقال (له)(4): أَنَا عَلَى هَوَاكَ. فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ: الْهَوَى كُلُّهُ ضَلَالَةٌ، أَيُّ شَيْءٍ أَنَا عَلَى هواك (5).
والثالث مِنْ أَسْبَابِ الْخِلَافِ: (التَّصْمِيمُ عَلَى اتِّبَاعِ الْعَوَائِدِ وَإِنْ فَسَدَتْ أَوْ كَانَتْ مُخَالِفَةً لِلْحَقِّ)(6).
وَهُوَ اتِّبَاعُ مَا كَانَ عَلَيْهِ الْآبَاءُ وَالْأَشْيَاخُ، وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ، وَهُوَ التَّقْلِيدُ الْمَذْمُومُ، فَإِنَّ اللَّهَ ذَمَّ بذلك في كتابه، كقوله:{إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ} (7) ثُمَّ قَالَ: {قَالَ أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُّمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ *} (8) وَقَوْلُهُ: {هَلْ يَسْمَعُونَكُمْ إِذْ تَدْعُونَ *أَوْ يَنْفَعُونَكُمْ أَوْ يَضُرُّونَ *} (9)(فَنَبَّهَهُمْ)(10) عَلَى وَجْهِ الدَّلِيلِ الْوَاضِحِ فَاسْتَمْسَكُوا بِمُجَرَّدِ تَقْلِيدِ الْآبَاءِ/ فَقَالُوا: {بَلْ وَجَدْنَا/ آبَاءَنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ} (11) وهو مقتضى
(1) زيادة من (غ) و (ر).
(2)
أخرجه الآجري في الشريعة برقم (125).
(3)
بنحوه أخرجه عثمان بن سعيد الدارمي في نقضه على بشر ـ ت السماري ـ (214)، والآجري في الشريعة برقم (125)، وأخرجه الدارمي مختصراً في سننه (1/ 63) برقم (224).
(4)
زيادة من (غ) و (ر).
(5)
المصدر السابق برقم (126)، وصحح المحقق سنده، وعزاه إلى عبد الرزاق في المصنف (11 126)، برقم (20102)، وبنحوه في اللالكائي (1 130)، برقم (225)، والإبانة في الكبرى برقم (238)، والهروي في ذم الكلام (ق54 أ)، وهو في المطبوعة ـ ت الأنصاري ـ برقم (494).
(6)
في هامش (ت) ما نصّه: "قلت: وهذا أقوى الأسباب في إقامة أهل الضلال على ضلالتهم وشدة التمسك بها من الكفر فما دونه عياذاً بالله".
(7)
سورة الزخرف: الآية (23).
(8)
سورة الزخرف: الآية (24).
(9)
سورة الشعراء: الآيتان (72، 73).
(10)
في (ت): "بياض بمقدار كلمة".
(11)
سورة الشعراء: الآية (74).
الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمُ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ: "اتَّخَذَ النَّاسُ رؤوساً جُهَّالًا"(1) إِلَى آخِرِهِ، فَإِنَّهُ يُشِيرُ إِلَى الِاسْتِنَانِ بِالرِّجَالِ كَيْفَ كَانَ.
وَفِيمَا يُرْوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه: إِيَّاكُمْ وَالِاسْتِنَانَ بِالرِّجَالِ، فَإِنَّ الرَّجُلَ يَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ/ الْجَنَّةِ ثُمَّ يَنْقَلِبُ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَمُوتُ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ، فَيَنْقَلِبُ لِعِلْمِ اللَّهِ فِيهِ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَمُوتُ وَهُوَ مِنْ/ أَهْلِ الْجَنَّةِ، فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ، فَبِالْأَمْوَاتِ لَا بِالْأَحْيَاءِ (2).
فَهُوَ إِشَارَةٌ إِلَى الْأَخْذِ بِالِاحْتِيَاطِ فِي الدِّينِ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعْتَمِدَ على عمل أحد البتة، حتى (يتثبت)(3) فيه ويسأل عن حكمه، إذ لعل (الرجل)(4) الْمُعْتَمِدَ عَلَى عَمَلِهِ يَعْمَلُ عَلَى خِلَافِ السُّنَّةِ.
وَلِذَلِكَ قِيلَ: لَا تَنْظُرْ إِلَى عَمَلِ الْعَالِمِ، ولكن سله يصدقك.
وقالوا: (أضعف العلم الرؤية)(5) أن يكون رأى فلاناً (يعمل فيعمل)(6) مِثْلَهُ. وَلَعَلَّهُ فَعَلَهُ سَاهِيًا (7). وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ دَلِيلٌ ثَابِتٌ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْعُلَمَاءِ عَلَى وَجْهٍ لَيْسَ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ.
وَقَوْلُ عَلِيٍّ رضي الله عنه: (فَإِنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَبِالْأَمْوَاتِ) نُكْتَةٌ فِي الْمَوْضِعِ. يَعْنِي الصحابة رضي الله عنه وَمَنْ جَرَى (مَجْرَاهُمْ)(8) مِمَّنْ يُؤْخَذُ بِقَوْلِهِ وَيُعْتَمَدُ عَلَى فَتْوَاهُ.
وَأَمَّا غَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَمْ يَحُلَّ ذَلِكَ الْمَحَلَّ فَلَا، كَأَنْ يَرَى الْإِنْسَانُ رَجُلًا
(1) سبق تخريجه (1/ 117).
(2)
أخرجه ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1881)، وابن حزم في الإحكام (6/ 318)، وابن بطة في الإبانة قسم القدر (1572).
(3)
في (م): "يثبت". وفي (ر): ينتسب.
(4)
زيادة من (غ) و (ر).
(5)
في (ط) و (م) و (خ): "ضعف الرؤية".
(6)
في (غ) و (ر): "يفعل فيفعل".
(7)
أخرجه ابن حزم في الإحكام (6/ 219) من قول عطاء الخرساني.
(8)
ساقطة من (م).
يحسن اعتقاده فيه فيفعل فِعْلًا مُحْتَمَلًا أَنْ يَكُونَ مَشْرُوعًا أَوْ غَيْرَ مَشْرُوعٍ فَيَقْتَدِي بِهِ عَلَى الْإِطْلَاقِ، وَيَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي التَّعَبُّدِ، وَيَجْعَلُهُ حُجَّةً فِي دِينِ اللَّهِ؛ فهذا هو الضلال/ بعينه، ما لَمْ يُتَثَبَّتْ بِالسُّؤَالِ وَالْبَحْثِ عَنْ حُكْمِ الْفِعْلِ ممن هو أهل (للفتوى)(1).
//وَهَذَا الْوَجْهُ هُوَ الَّذِي مَالَ بِأَكْثَرِ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ عَوَامِّ الْمُبْتَدِعَةِ، (إِذَا اتَّفَقَ أَنْ)(2) يَنْضَافَ إِلَى شَيْخٍ جَاهِلٍ أَوْ لَمْ يَبْلُغْ مَبْلَغَ الْعُلَمَاءِ، فَيَرَاهُ يَعْمَلُ عَمَلًا فَيَظُنُّهُ عِبَادَةً فَيَقْتَدِي بِهِ، كَائِنًا مَا كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ، مُوَافِقًا لِلشَّرْعِ أَوْ مُخَالِفًا، وَيَحْتَجُّ بِهِ عَلَى مَنْ يُرْشِدُهُ/ وَيَقُولُ: كَانَ الشَّيْخُ فُلَانٌ مِنَ الْأَوْلِيَاءِ وَكَانَ يَفْعَلُهُ، وَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُقْتَدَى بِهِ من علماء الظَّاهِرِ، فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ (رَاجِعٌ)(3) إِلَى (تَقْلِيدِ)(4) مَنْ حَسُنَ ظَنُّهُ فِيهِ أَخْطَأَ أَوْ أَصَابَ، كالذين قلدوا/ آبائهم سَوَاءً، وَإِنَّمَا قُصَارَى هَؤُلَاءِ أَنْ يَقُولُوا: إِنَّ آبَاءَنَا أَوْ شُيُوخَنَا لَمْ يَكُونُوا يَنْتَحِلُونَ مِثْلَ هذه الأمور سدى، وما هي إلا (معضودة)(5) بالدلائل (ومنصورة بالبراهين)(6) مَعَ أَنَّهُمْ (يَرون ويُرون)(7) أَنْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا، وَلَا بُرْهَانَ يَقُودُ إِلَى الْقَوْلِ بِهَا.
(1) في (ط) و (م) و (خ): "الفتوى".
(2)
ساقطة من (م) و (غ) و (ر).
(3)
في (غ) و (ر): "رجوع".
(4)
في (م) و (خ) و (ت): "التقليد".
(5)
في (ط) و (خ) و (ت) و (م): "مقصودة".
(6)
في سائر النسخ ما عدا (غ) و (ر): "والبراهين".
(7)
في (ط) و (خ) و (ت): "يرون، وضبطها بالشكل" من (غ) و (ر).