الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَالطِّبَاقُ فِي: وَأُحْيِي الْمَوْتَى، وَفِي: لِأُحِلَّ وَحُرِّمَ. وَالِالْتِفَاتُ فِي: وَنُعَلِّمُهُ فِيمَنْ قَرَأَ بِالنُّونِ. وَالتَّفْسِيرُ بَعْدَ الْإِبْهَامِ فِي مَنْ قَالَ: الْكِتَابُ مُبْهَمٌ غَيْرُ مُعَيَّنٍ، وَالتَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ تَفْسِيرٌ لَهُ.
وَالْحَذْفُ في عدة مواضع.
[سورة آل عمران (3) : الآيات 52 الى 61]
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (52) رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ (53) وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ (54) إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (55) فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ (56)
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57) ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (58) إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (59) الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (60) فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ (61)
الْإِحْسَاسُ: الْإِدْرَاكُ بِبَعْضِ الْحَوَاسِّ الْخَمْسِ وَهِيَ: السَّمْعُ وَالْبَصَرُ وَالشَّمُّ وَالذَّوْقُ وَاللَّمْسُ. يُقَالُ: أَحْسَسْتُ الشَّيْءَ، وَحَسَسْتُ بِهِ. وَتُبْدَلُ سِينُهُ يَاءً فَيُقَالُ: حَسَيْتُ بِهِ، أَوْ تُحْذَفُ أُولَى سِينَيْهِ فِي أَحْسَسْتُ فَيَقُولُ: أَحَسْتُ. قَالَ:
سِوَى أَنَّ الْعِتَاقَ مِنَ الْمَطَايَا
…
أَحَسْنَ بِهِ فَهُنَّ إِلَيْهِ شُوسُ
وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: وَمَا شَذَّ مِنَ الْمُضَاعَفِ، يَعْنِي فِي الْحَذْفِ، فَشَبِيهٌ بِبَابِ: أَقَمْتُ، وذلك
قولهم: أحست وأحسن يُرِيدُونَ: أَحْسَسْتُ، وَأَحْسَسْنَ، وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِكُلِّ بِنَاءٍ تُبْنَى لَامُ الْفِعْلِ فِيهِ عَلَى السُّكُونِ وَلَا تَصِلُ إِلَيْهِ الْحَرَكَةُ، فَإِذَا قُلْتَ لَمْ أُحِسَّ لَمْ تُحْذَفْ.
الْحَوَارِيُّ: صَفْوَةُ الرَّجُلِ وَخَاصَّتُهُ. وَمِنْهُ قِيلَ: الْحَضَرِيَّاتُ الْحَوَارِيَّاتُ لِخُلُوصِ أَلْوَانِهِنَّ وَنَظَافَتِهِنَّ. قَالَ أَبُو جلدة اليشكري:
فقل للحواريات يبكين غَيْرَنَا
…
وَلَا تُبْكِنَا إِلَّا الْكِلَابُ النَّوَابِحُ
وَمِثْلُهُ فِي الوزن: الحوالي، للكثير الحيل، وَلَيْسَتِ الْيَاءُ فِيهِمَا لِلنَّسَبِ، وَهُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ:
الْحَوَرِ، وَهُوَ الْبَيَاضُ. حَوَّرْتُ الثَّوْبَ بَيَّضْتُهُ.
الْمَكْرُ: الْخِدَاعُ وَالْخُبْثُ وَأَصْلُهُ السَّتْرُ، يُقَالُ: مَكَرَ اللَّيْلُ إِذَا أَظْلَمَ وَاشْتِقَاقُهُ مِنَ الْمَكْرِ، وَهُوَ شَجَرٌ مُلْتَفٌّ، فَكَانَ الْمَمْكُورُ بِهِ يَلْتَفُّ بِهِ الْمَكْرُ، وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: امْرَأَةٌ مَمْكُورَةٌ إِذَا كَانَتْ مُلْتَفَّةَ الْخَلْقِ. وَالْمَكْرُ: ضَرْبٌ مِنَ النَّبَاتِ.
تَعَالَى: تَفَاعَلَ مِنَ الْعُلُوِّ، وَهُوَ فِعْلٌ، لِاتِّصَالِ الضَّمَائِرِ الْمَرْفُوعَةِ بِهِ، وَمَعْنَاهُ: اسْتِدْعَاءُ الْمَدْعُوِّ مِنْ مَكَانِهِ إِلَى مَكَانِ دَاعِيهِ، وَهِيَ كَلِمَةٌ قُصِدَ بِهَا أَوَّلًا تَحْسِينُ الْأَدَبِ مَعَ الْمَدْعُوِّ، ثُمَّ اطُّرِدَتْ حَتَّى يَقُولَهَا الْإِنْسَانُ لِعَدُوِّهِ وَلِبَهِيمَتِهِ وَنَحْوَ ذَلِكَ.
الِابْتِهَالُ: قَوْلُهُ بَهْلَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِ، وَالْبَهْلَةُ بِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ: اللَّعْنَةُ، وَيُقَالُ بَهَلَهُ اللَّهُ: لَعَنَهُ وَأَبْعَدَهُ، مِنْ قَوْلِكَ أَبْهَلَهُ إِذَا أَهْمَلَهُ، وَنَاقَةٌ بَاهِلَةٌ لَا ضِرَارَ عَلَيْهَا، وَأَصْلُ الِابْتِهَالِ هَذَا، ثُمَّ اسْتُعْمِلَ فِي كُلِّ دُعَاءٍ يُجْتَهَدُ فِيهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنِ الْتِعَانًا. وَقَالَ لَبِيدٌ:
مِنْ قُرُومِ سَادَةٍ مِنْ قَوْمِهِمْ
…
نَظَرَ الدَّهْرُ إِلَيْهِمْ فَابْتَهَلْ
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ تَقَدَّمَ تَرْتِيبُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى مَا قَبْلَهَا مِنَ الْكَلَامِ، وَهَلِ الْحَذْفُ بَعْدَ قَوْلِهِ صِراطٌ مُسْتَقِيمٌ «1» أَوْ بَعْدَ قَوْلِهِ: وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ «2» وَذَلِكَ عِنْدَ تَفْسِيرِ وَرَسُولًا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ «3» .
قَالَ مُقَاتِلٌ: أَحَسَّ، هُنَا رَأَى مِنْ رُؤْيَةِ الْعَيْنِ أَوِ الْقَلْبِ وَقَالَ الْفَرَّاءُ: أَحَسَّ وَجَدَ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: عَرَفَ. وَقِيلَ: عَلِمَ. وَقِيلَ: خَافَ.
وَالْكُفْرُ: هُنَا جُحُودُ نُبُوَّتِهِ وَإِنْكَارُ مُعْجِزَاتِهِ، و: منهم، متعلق بأحس. قِيلَ: وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حالا من الكفر.
(1) سورة آل عمران: 3/ 51.
(3- 2) سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ: 3/ 49.
قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ لَمَّا أَرَادُوا قَتْلَهُ استنصر عليهم، قَالَهُ مُجَاهِدٌ. وَقَالَ غَيْرُهُ:
إِنَّهُ اسْتَنْصَرَ لَمَّا كَفَرُوا بِهِ وَأَخْرَجُوهُ مِنْ قَرْيَتِهِمْ. وَقِيلَ: اسْتَنْصَرَهُمْ لِإِقَامَةِ الْحَقِّ.
قَالَ الْمَغْرِبِيُّ: إِنَّمَا قَالَ عِيسَى: مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ بَعْدَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ وَعَوْدِهِ إِلَى الْأَرْضِ، وَجَمَعَ الْحَوَارِيِّينَ الِاثْنَى عَشَرَ، وَبَثَّهُمْ فِي الْآفَاقِ يَدْعُونَ إِلَى الْحَقِّ، وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ كَانَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ بَعِيدٌ جِدًّا، لَمْ يَذْكُرْهُ غَيْرُهُ، بَلِ الْمَنْقُولِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ قَبْلَ رَفْعِهِ إِلَى السَّمَاءِ.
قَالَ السُّدِّيُّ: مَنْ أَعْوَانِي مَعَ اللَّهِ. وَقَالَ الْحَسَنُ: مَنْ أَنْصَارِي فِي السَّبِيلِ إِلَى الله. وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ مَعْنَى: إِلَى اللَّهِ: لِلَّهِ، كَقَوْلِهِ: يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ «1» أَيْ لِلْحَقِّ. وَقِيلَ: مَنْ يَنْصُرُنِي إِلَى نَصْرِ اللَّهِ. وَقِيلَ: مَنْ يَنْقَطِعُ مَعِي إِلَى اللَّهِ، قَالَهُ ابْنُ بَحْرٍ. وَقِيلَ: مَنْ يَنْصُرُنِي إِلَى أَنْ أُبَيِّنَ أَمْرَ اللَّهِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: مَنْ أَعْوَانِي فِي ذَاتِ اللَّهِ؟ وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مِنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ. عِبَارَةٌ عَنْ حَالِ عِيسَى فِي طَلَبِهِ مَنْ يَقُومُ بِالدِّينِ، وَيُؤْمِنُ بِالشَّرْعِ وَيَحْمِيهِ، كَمَا كَانَ مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم يَعْرِضُ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ، وَيَتَعَرَّضُ لِلْأَحْيَاءِ فِي الْمَوَاسِمِ. انْتَهَى. وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَإِلَى اللَّهِ مِنْ صِلَةِ أَنْصَارِي مُضَمَّنًا مَعْنَى الْإِضَافَةِ، كَأَنَّهُ قِيلَ: مَنِ الَّذِينَ يُضِيفُونَ أَنْفُسَهُمْ إِلَى اللَّهِ يَنْصُرُونَنِي كَمَا يَنْصُرُنِي؟ أَوْ يَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ حَالًا مِنَ الْيَاءِ، أَيْ:
مَنْ أَنْصَارِي ذَاهِبًا إِلَى اللَّهِ مُلْتَجِئًا إِلَيْهِ؟ انْتَهَى.
قالَ الْحَوارِيُّونَ أَيْ أَصْفِيَاءُ عِيسَى. قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. أَوْ: خَوَاصُّهُ، قَالَهُ الْفَرَّاءُ.
أَوِ: الْبِيضُ الثِّيَابِ، رَوَاهُ ابْنُ جُبَيْرٍ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. أَوِ: الْقَصَّارُونَ، سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُجَوِّدُونَ الثِّيَابَ، أَيْ يُبَيِّضُونَهَا، قَالَهُ الضَّحَّاكُ، وَمُقَاتِلٌ. أَوِ: الْمُجَاهِدُونَ، أَوِ: الصَّيَّادُونَ، قَالَ لَهُمْ عِيسَى عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ السَّلَامُ: أَلَا تَمْشُونَ مَعِي تَصْطَادُونَ النَّاسَ لِلَّهِ؟ فَأَجَابُوا. قَالَ مُصْعَبٌ: كَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا يَسِيحُونَ مَعَهُ، يَخْرُجُ لَهُمْ مَا احْتَاجُوا إِلَيْهِ مِنَ الْأَرْضِ، فَقَالُوا: مَنْ أَفْضَلُ مِنَّا؟ نَأْكُلُ مِنْ أَيْنَ شِئْنَا. فَقَالَ عِيسَى: مَنْ يَعْمَلُ بِيَدِهِ؟ وَيَأْكُلُ مِنْ كَسْبِهِ؟
فَصَارُوا قَصَّارِينَ وَحَكَى ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ: الْحَوَارِيُّونَ: الْمُلُوكُ. وَقَالَ الضَّحَّاكُ، وَأَبُو أَرْطَاةَ:
الْغَسَّالُونَ. وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ: الْحَوَارُ النُّورُ، وَنُسِبُوا إِلَيْهِ لِمَا كَانَ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ سِيمَا الْعِبَادَةِ وَنُورِهَا. وَقَالَ تَاجُ القراء: الحواري: الصديق.
(1) سورة يونس: 10/ 35 والأحقاف: 46/ 30.
قِيلَ: لَمَّا أَرَاهُمُ الْآيَاتِ وَضَعَ لَهُمْ أَلْوَانًا شَتَّى مِنْ حَبٍّ وَاحِدٍ آمَنُوا بِهِ وَاتَّبَعُوهُ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: الْحَوَارِيُّونَ، بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ. وَقَرَأَ إِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيُّ، وَأَبُو بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ، بِتَخْفِيفِ الْيَاءِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ، وَالْعَرَبُ تَسْتَثْقِلُ ضَمَّةَ الْيَاءِ الْمَكْسُورَ مَا قَبْلَهَا فِي مِثْلِ: الْقَاضِيُونَ، فَتَنْقِلُ الضَّمَّةَ إِلَى مَا قَبْلَهَا وَتَحْذِفُ الْيَاءَ لِالْتِقَائِهَا سَاكِنَةً مَعَ السَّاكِنِ بَعْدَهَا، فَكَانَ الْقِيَاسُ عَلَى هَذَا أَنْ يُقَالَ: الْحَوَارُونَ، لَكِنْ أُقِرَّتِ الضَّمَّةُ وَلَمْ تَنْقُلْ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ التَّشْدِيدَ مُرَادٌ، إِذِ التَّشْدِيدُ يَحْتَمِلُ الضَّمَّةَ كَمَا ذَهَبَ إِلَيْهِ الْأَخْفَشُ فِي: يَسْتَهْزِئُونَ، إِذْ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ يَاءً، وَحَمَلَتِ الضَّمَّةَ تَذَكُّرًا لِحَالِ الْهَمْزَةِ الْمُرَادِ فِيهَا.
نَحْنُ أَنْصارُ اللَّهِ أَيْ: أَنْصَارُ دِينِهِ وَشَرْعِهِ. وَالدَّاعِي إِلَيْهِ.
آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ لَمَّا ذَكَرُوا أَنَّهُمْ أَنْصَارُ الله ذكروا مستندا لِإِيمَانِهِمْ، لِأَنَّ انْقِيَادَ الْجَوَارِحِ تَابِعَةٌ لِانْقِيَادِ الْقَلْبِ وَتَصْدِيقِهِ، وَالرُّسُلُ تَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِقَوْمِهِمْ، وَعَلَيْهِمْ. وَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ عِيسَى عليه السلام كَانَ عَلَى دِينِ الْإِسْلَامِ، بَرَّأَهُ اللَّهُ مِنْ سَائِرِ الْأَدْيَانِ كَمَا بَرَّأَ إِبْرَاهِيمَ بِقَوْلِهِ: مَا كانَ إِبْراهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرانِيًّا «1» الْآيَةَ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ: وَاشْهَدْ، خِطَابًا لِلَّهِ تَعَالَى أَيْ: وَاشْهَدْ يَا رَبَّنَا، وَفِي هَذَا تَوْبِيخٌ لِنَصَارَى نَجْرَانَ، إِذْ حَكَى اللَّهُ مقالة أسلافهم المؤمنين لعيسى، فَلَيْسَ كَمَقَالِهِمْ فِيهِ، وَدَعْوَى الْإِلَهِيَّةِ لَهُ.
رَبَّنا آمَنَّا بِما أَنْزَلْتَ أَيْ: مِنَ الْآيَاتِ الدَّالَّةِ عَلَى صِدْقِ أَنْبِيَائِكَ، أَوْ: بِمَا أَنْزَلْتَ مِنْ كَلَامِكَ عَلَى الرُّسُلِ أَوْ بِالْإِنْجِيلِ.
وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ هُوَ: عِيسَى عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ.
فَاكْتُبْنا مَعَ الشَّاهِدِينَ هُمْ: مُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم وَأَمَّتُهُ، لِأَنَّهُمْ يَشْهَدُونَ لِلرُّسُلِ بِالتَّبْلِيغِ، وَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم يَشْهَدُ لَهُمْ بِالصِّدْقِ. رَوَى ذَلِكَ عِكْرِمَةُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، أَوْ: مَنْ آمَنَ قَبْلَهُمْ، رَوَاهُ أَبُو صَالِحٍ عَنِ ابْنِ عباس. أو: الْأَنْبِيَاءُ لِأَنَّ كُلَّ نَبِيٍّ شَاهِدٌ عَلَى أُمَّتِهِ. أَوِ: الصَّادِقُونَ، قَالَهُ مُقَاتِلٌ. أَوِ: الشَّاهِدُونَ لِلْأَنْبِيَاءِ بِالتَّصْدِيقِ، قَالَهُ الزَّجَّاجُ. أَوِ: الشَّاهِدُونَ لِنُصْرَةِ رُسُلِكَ، أَوِ: الشَّاهِدُونَ بِالْحَقِّ عِنْدَكَ، رَغِبُوا فِي أَنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ فِي عِدَادِ الشَّاهِدِينَ بِالْحَقِّ مِنْ مُؤْمِنِي الْأُمَمِ، وَعَبَّرُوا عَنْ فِعْلِ الله ذلك لهم بِلَفْظِ: فَاكْتُبْنَا، إِذْ كَانَتِ الْكِتَابَةُ تُقَيِّدُ وَتَضْبُطُ مَا يَحْتَاجُ إِلَى تَحْقِيقِهِ وَعِلْمِهِ في ثاني حال.
(1) سورة آل عمران: 3/ 67.
وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ الضَّمِيرُ فِي: مَكَرُوا، عَائِدٌ عَلَى مَنْ عَادَ عَلَيْهِ الضَّمِيرُ فِي:
فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسى مِنْهُمُ الْكُفْرَ وَهُمْ: بَنُو إِسْرَائِيلَ، وَمَكْرُهُمْ هُوَ احْتِيَالُهُمْ فِي قَتْلِ عِيسَى بِأَنْ وَكَّلُوا بِهِ مَنْ يَقْتُلُهُ غِيلَةً، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ كَيْفِيَّةِ حَصْرِهِ وَحَصْرِ أَصْحَابِهِ فِي مَكَانٍ، وَرَوْمِهِمْ قَتْلَهُ وَإِلْقَاءِ الشَّبَهِ عَلَى رَجُلٍ، وَقَتْلِ ذَلِكَ الرَّجُلِ وَصَلْبِهِ فِي مَكَانِهِ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
وَمَكَرَ اللَّهُ مُجَازَاتِهِمْ عَلَى مَكْرِهِمْ سَمَّى ذَلِكَ مَكْرًا، لِأَنَّ الْمُجَازَاةَ لَهُمْ نَاشِئَةٌ عَنِ الْمَكْرِ، كَقَوْلِهِ: وَجَزاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُها «1» وَقَوْلِهِ فَمَنِ اعْتَدى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ «2» وَكَثِيرًا مَا تُسَمَّى الْعُقُوبَةُ بِاسْمِ الذَّنْبِ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي مَعْنَاهُ.
وَقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ هُوَ رَدُّهُمْ عَمَّا أَرَادُوا بِرَفْعِ عِيسَى إِلَى السَّمَاءِ، وَإِلْقَاءِ شَبَهِهِ عَلَى مَنْ أَرَادَ اغْتِيَالَهُ حَتَّى قُتِلَ.
وَقَالَ الْأَصَمُّ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ أَنْ سَلَّطَ عَلَيْهِمْ أَهْلَ فَارِسٍ فَقَتَلُوهُمْ وَسَبَوْا ذَرَارِيهِمْ وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ: أَنَّ الْيَهُودَ غَزَوُا الْحَوَارِيِّينَ بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى، فَأَخَذُوهُمْ وَعَذَّبُوهُمْ، فَسَمِعَ بِذَلِكَ مَلِكُ الرُّومِ، وَكَانَ مَلِكُ الْيَهُودِ مِنْ رَعِيَّتِهِ، فَأَنْقَذَهُمْ ثُمَّ غَزَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَصَارَ نَصْرَانِيًّا، وَلَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ. ثمَ وَلِيَ مَلِكٌ آخَرُ بَعْدُ وَغَزَا بَيْتَ الْمَقْدِسِ بَعْدَ رَفْعِ عِيسَى بِنَحْوٍ مِنْ أَرْبَعِينَ سَنَةً، فَلَمْ يَتْرُكْ فِيهِ حَجْرًا عَلَى آخَرَ، وَخَرَجَ عِنْدَ ذَلِكَ قريظة والنضير إِلَى الْحِجَازِ.
وَقَالَ الْمُفَضَّلُ: وَدَبَّرُوا وَدَبَّرَ اللَّهُ، وَالْمَكْرُ لُطْفُ التَّدْبِيرِ. وَقَالَ ابْنُ عِيسَى: الْمَكْرُ قَبِيحٌ، وَإِنَّمَا جَازَ فِي صِفَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى مُزَاوَجَةِ الْكَلَامِ. وَقِيلَ: مَكْرُ اللَّهِ بِهِمْ إِعْلَاءُ دِينِهِ وَقَهْرُهُمْ بِالذُّلِّ، وَمَكْرُهُمْ لُزُومُهُمْ إِبْطَالَ دِينِهِ. وَالْمَكْرُ عِبَارَةٌ عَنِ الِاحْتِيَالِ فِي إِيصَالِ الشَّرِّ فِي خُفْيَةٍ، وَذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ. وَقِيلَ: الْمَكْرُ الْأَخْذُ بِالْغَفْلَةِ لِمَنِ اسْتَحَقَّهُ، وَسَأَلَ رَجُلٌ الْجُنَيْدَ، فَقَالَ:
كَيْفَ رَضِيَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِنَفْسِهِ الْمَكْرَ وَقَدْ عَابَ بِهِ غَيْرَهُ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي مَا تَقُولُ، وَلَكِنْ أَنْشَدَنِي فُلَانٌ الظَّهْرَانِيُّ:
وَيُقَبِّحُ مَنْ سِوَاكَ الْفِعْلَ عِنْدِي
…
فَتَفْعَلُهُ فَيَحْسُنُ مِنْكَ ذَاكَا
ثُمَّ قَالَ: قَدْ أَجَبْتُكَ إِنْ كُنْتَ تَعْقِلُ.
وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ مَعْنَاهُ أَيِ: الْمُجَازِينَ أَهْلِ الْخَيْرِ بِالْفَضْلِ وَأَهْلِ الْجَوْرِ
(1) سورة الشورى: 42/ 40.
(2)
سورة البقرة: 2/ 194.
بِالْعَدْلِ، لِأَنَّهُ فَاعِلُ حَقٍّ فِي ذَلِكَ، وَالْمَاكِرُ مِنَ الْبَشَرِ فَاعِلُ بَاطِلٍ فِي الْأَغْلَبِ، وَقَالَ تَعَالَى:
وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا «1» .
وَقِيلَ: خَيْرُ، هُنَا لَيْسَتْ لِلتَّفْضِيلِ، بَلْ هِيَ: كَهِيَ فِي قَوْلِهِ: أَصْحابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا «2» وَقَالَ حَسَّانَ.
فَشَرُّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ ضُرُوبِ الْبَلَاغَةِ: الِاسْتِعَارَةُ فِي: أَحَسَّ، إِذْ لَا يُحِسُّ إِلَّا مَا كَانَ مُتَجَسَّدًا، وَالْكُفْرُ لَيْسَ بِمَحْسُوسٍ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ وَيُفْطَنُ بِهِ، وَلَا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ إِلَّا إِنْ كَانَ أَحَسَّ، بِمَعْنَى رَأَى، أَوْ بِمَعْنَى: سَمِعَ مِنْهُمْ كَلِمَةَ الْكُفْرِ، فَيَكُونُ: أَحَسَّ، لَا اسْتِعَارَةَ فِيهِ، إِذْ يَكُونُ أَدْرَكَ ذَلِكَ مِنْهُمْ بِحَاسَّةِ الْبَصَرِ، أَوْ بِحَاسَّةِ الْأُذُنِ، وَتَسْمِيَةُ الشَّيْءِ بِاسْمِ ثَمَرَتِهِ.
قَالَ الْجُمْهُورُ: أَحَسَّ مِنْهُمُ الْقَتْلَ، وَقَتْلُ نَبِيٍّ مِنْ أَعْظَمِ ثَمَرَاتِ الْكُفْرِ.
وَالسُّؤَالُ وَالْجَوَابُ فِي: قالَ مَنْ أَنْصارِي إِلَى اللَّهِ قالَ الْحَوارِيُّونَ وَالتَّكْرَارُ فِي:
مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ، وَأَنْصَارُ اللَّهِ، وَآمَنَّا بِاللَّهِ، وَآمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ، وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ، وَالْمَاكِرِينَ، وَفِي هَذَا التَّجْنِيسُ الْمُمَاثِلُ، وَالْمُغَايِرُ، وَالْحَذْفُ، فِي مَوَاضِعَ.
إِذْ قالَ اللَّهُ يَا عِيسى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ الْعَامِلُ فِي: إِذْ، وَمَكَرَ اللَّهُ قَالَهُ الطَّبَرِيُّ، أَوِ:
اذْكُرْ، قَالَهُ بَعْضُ النُّحَاةِ، أَوْ: خَيْرُ الْمَاكِرِينَ، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ. وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ، لِأَنَّ عِيسَى لَيْسَ بِمُكَلِّمٍ، قاله ابن عطية.
و: متوفيك، هِيَ وَفَاةُ يَوْمَ رَفَعَهُ اللَّهُ فِي مَنَامِهِ، قَالَهُ الرَّبِيعُ مِنْ قَوْلِهِ: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ «3» أَيْ: وَرَافِعُكَ وَأَنْتَ نَائِمٌ، حَتَّى لَا يَلْحَقَكَ خَوْفٌ، وَتَسْتَيْقِظَ وَأَنْتَ فِي السَّمَاءِ آمِنٌ مُقَرَّبٌ. أَوْ: وَفَاةُ مَوْتٍ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ وَهْبٌ: مَاتَ ثَلَاثَ سَاعَاتٍ وَرَفَعَهُ فِيهَا ثُمَّ أَحْيَاهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي السَّمَاءِ، وَفِي بَعْضِ الْكُتُبِ: سَبْعَ سَاعَاتٍ.
وَقَالَ الْفَرَّاءُ: هِيَ وَفَاةُ مَوْتٍ، وَلَكِنَّ الْمَعْنَى: مُتَوَفِّيكَ فِي آخِرِ أَمْرِكَ عِنْدَ نُزُولِكَ وَقَتْلِكَ الدَّجَّالَ، وَفِي الْكَلَامِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ.
(1) سورة النساء: 4/ 84.
(2)
سورة الفرقان: 25/ 24.
(3)
سورة الأنعام: 6/ 60. [.....]
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: مُسْتَوْفِي أَجَلَكَ، وَمَعْنَاهُ أَيْ: عَاصِمُكَ مِنْ أَنْ يَقْتُلَكَ الْكُفَّارُ، وَمُؤَخِّرُكَ إِلَى أَجَلٍ كَتَبْتُهُ لَكَ، وَمُمِيتُكَ حَتْفَ أَنْفِكَ لَا قَتْلًا بِأَيْدِيِهِمْ. وَقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: قَابِضُكَ مِنَ الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ مَوْتٍ، قَالَهُ الْحَسَنُ، وَالضَّحَّاكُ، وَابْنُ زَيْدٍ، وَابْنُ جُرَيْجٍ، ومطر الْوَرَّاقِ، وَمُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزُّبَيْرِ، مِنْ: تَوَفَّيْتُ مَالِي عَلَى فُلَانٍ إِذَا اسْتَوْفَيْتَهُ.
وَقِيلَ: أَجْعَلُكَ كَالْمُتَوَفَّى، لِأَنَّهُ بِالرَّفْعِ يُشْبِهُهُ. وَقِيلَ: آخُذُكَ وَافِيًا بِرُوحِكَ وَبَدَنِكَ.
وَقِيلَ: مُتَوَفِّيكَ: مُتَقَبِّلُ عَمَلِكَ، وَيَضْعُفُ هَذَا مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ. وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْوَاسِطِيُّ:
مُتَوَفِّيكَ عَنْ شَهَوَاتِكَ.
قال ابن عطية: وأجمعت الْأُمَّةُ عَلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْحَدِيثُ الْمُتَوَاتِرُ مِنْ:
«أَنَّ عِيسَى فِي السَّمَاءِ حَيٌّ، وَأَنَّهُ يَنْزِلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ، فَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ، وَيَكْسِرُ الصَّلِيبَ، وَيَقْتُلُ الدَّجَّالَ، وَيَفِيضُ الْعَدْلُ، وَتَظْهَرُ بِهِ الْمِلَّةُ، مِلَّةُ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَيَحُجُّ الْبَيْتَ، وَيَعْتَمِرُ، وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً» وَقِيلَ: أَرْبَعِينَ سَنَةً. انْتَهَى.
وَرافِعُكَ إِلَيَّ الرَّفْعُ نَقْلٌ مِنْ سُفْلٍ إِلَى عُلُوٍّ و: إليّ، إِضَافَةُ تَشْرِيفٍ. وَالْمَعْنَى:
إِلَى سَمَائِي وَمَقَرِّ مَلَائِكَتِي. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى لَيْسَ بِمُتَحَيِّزٍ فِي جِهَةٍ، وَقَدْ تَعَلَّقَ بِهَذَا الْمُشَبِّهَةُ فِي ثُبُوتِ الْمَكَانِ لَهُ تَعَالَى. وَقِيلَ: إِلَى مَكَانٍ لَا يَمْلِكُ الْحُكْمَ فِيهِ فِي الْحَقِيقَةِ وَلَا فِي الظَّاهِرِ إِلَّا أَنَا، بِخِلَافِ الْأَرْضِ، فَإِنَّهُ قَدْ يَتَوَلَّى الْمَخْلُوقُونَ فِيهَا الْأَحْكَامَ ظَاهِرًا.
وَقِيلَ: إِلَى مَحَلِّ ثَوَابِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ: رَفْعُهُ إِلَى السَّمَاءِ، سَمَاءُ الدُّنْيَا، فَهُوَ فِيهَا يَسْبَحُ مَعَ الْمَلَائِكَةِ، ثُمَّ يُهْبِطُهُ اللَّهُ عِنْدَ ظُهُورِ الدَّجَّالِ عَلَى صَخْرَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ. قِيلَ: كَانَ عِيسَى عَلَى طُورِ سَيْنَاءَ، وَهَبَّتْ رِيحٌ فَهَرْوَلَ عِيسَى فَرَفَعَهُ اللَّهُ فِي هَرْوَلَتِهِ، وَعَلَيْهِ مَدْرَعَةٌ مِنْ شِعْرٍ.
وَقَالَ الزَّجَّاجُ: كَانَ عِيسَى فِي بَيْتٍ لَهُ كُوَّةٌ، فَدَخَلَ رَجُلٌ لِيَقْتُلَهُ، فَرُفِعَ عِيسَى مِنَ الْبَيْتِ وَخَرَجَ الرَّجُلُ فِي شَبَهِ عِيسَى يُخْبِرُهُمْ أَنَّ عِيسَى لَيْسَ فِي الْبَيْتِ، فَقَتَلُوهُ.
وَرَوَيَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: رَفَعَ اللَّهُ عِيسَى مِنْ رَوْزَنَةٍ كَانَتْ فِي الْبَيْتِ.
وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا دَنِسًا وَنَجِسًا فَطَهَّرَهُ مِنْهُمْ، لِأَنَّ صُحْبَةَ الْأَشْرَارِ وَخَلْطَةَ الْفُجَّارِ تَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الدَّنَسِ فِي الثَّوْبِ، وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ تَعَالَى يُخَلِّصُهُ
مِنْهُمْ، فَكَنَّى عَنْ إِخْرَاجِهِ مِنْهُمْ وَتَخْلِيصِهِ بِالتَّطْهِيرِ، وَأَتَى بِلَفْظِ الظَّاهِرِ لَا بِالضَّمِيرِ، وَهُوَ:
الَّذِينَ كَفَرُوا، إِشَارَةً إِلَى عِلَّةِ الدَّنَسِ وَالنَّجَسِ وَهُوَ الْكُفْرُ، كَمَا قَالَ: إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ «1» وَكَمَا
جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «الْمُؤْمِنُ لَا يَنْجُسُ»
فَجَعَلَ عِلَّةَ تَطْهِيرِهِ الْإِيمَانَ.
وَقِيلَ: مُطَهِّرُكَ مِنْ أَذَى الْكَفَرَةِ. وَقِيلَ: مِنَ الْكُفْرِ وَالْفَوَاحِشِ. وَقِيلَ: مِمَّا قَالُوهُ فِيكَ وَفِي أُمِّكَ. وَقِيلَ: وَمُطَهِّرُكَ أَيْ مُطَهِّرٌ بِكَ وَجْهَ النَّاسِ مِنْ نَجَاسَةِ الْكُفْرِ وَالْعِصْيَانِ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: مُتَوَفِّيكَ: آخِذُكَ عَنْ هَوَاكَ، وَرَافِعُكَ إِلَيَّ عَنْ شَهَوَاتِكَ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ رَفْعًا مَكَانِيًّا وَإِنَّمَا هُوَ رِفْعَةُ الْمَحَلِّ، وَإِنْ كان قدر رُفِعَ إِلَى السَّمَاءِ، وَتَطْهِيرُهُ مِنَ الْكَافِرِينَ إِخْرَاجُهُ مِنْ بَيْنِهِمْ. وَقِيلَ: تَخْلِيصُهُ مِنْ قَتْلِهِمْ، لِأَنَّ ذَلِكَ نَجَسٌ طَهَّرَهُ اللَّهُ مِنْهُ. قَالَ أَبُو مُسْلِمٍ: التَّخْلِيصُ وَالتَّطْهِيرُ وَاحِدٌ، إِلَّا أَنَّ لَفْظَ التَّطْهِيرِ فِيهِ رِفْعَةٌ لِلْمُخَاطَبِ، كَمَا أَنَّ الشُّهُودَ وَالْحُضُورَ وَاحِدٌ، وَفِي الشُّهُودِ رِفْعَةٌ. وَلِهَذَا ذَكَرَهُ اللَّهُ فِي الْمُؤْمِنِينَ، وَذَكَرَ الْحُضُورَ وَالْإِحْضَارَ فِي الْكَافِرِينَ.
وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ الْكَافُ: ضَمِيرُ عِيسَى كَالْكَافِ السَّابِقَةِ. وَقِيلَ: هُوَ خِطَابٌ لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ مِنْ تَلْوِينِ الْخِطَابِ. انْتَهَى هَذَا الْقَوْلُ، وَلَا يَظْهَرُ. وَمَعْنَى اتَّبَعُوكَ: أَيْ فِي الدِّينِ وَالشَّرِيعَةِ، وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ. لِأَنَّهُمْ مُتَّبِعُوهُ فِي أَصْلِ الْإِسْلَامِ وَإِنِ اخْتَلَفَتِ الشَّرَائِعُ.
فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَعْلُونَهُمْ بِالْحُجَّةِ، وَفِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ بِهَا وَبِالسَّيْفِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا هُمُ الَّذِينَ كَذَّبُوهُ وَكَذَبُوا عَلَيْهِ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، بِتَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ فِي كَلَامِهِ.
فَالْفَوْقِيَّةُ هُنَا بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، قَالَهُ الْحَسَنُ. أَوْ: بِالْعِزِّ وَالْمَنَعَةِ، قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ. فَهُمْ فَوْقَ الْيَهُودِ، فَلَا تَكُونُ لَهُمْ مَمْلَكةٌ كَمَا لِلنَّصَارَى. فَالْآيَةُ، عَلَى قَوْلِهِ، مُخْبِرَةٌ عَنْ إِذْلَالِ الْيَهُودِ وَعُقُوبَتِهِمْ بِأَنَّ النَّصَارَى فَوْقَهُمْ فِي جَمِيعِ أَقْطَارِ الْأَرْضِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، فَخَصَّصَ ابْنُ زَيْدٍ الْمُتَّبِعِينَ وَالْكَافِرِينَ، وَجَعَلَهُ حُكْمًا دُنْيَوِيًّا لا فضلية فِيهِ لِلْمُتَّبَعِينَ الْكُفَّارِ، بَلْ كَوْنُهُمْ فَوْقَ الْيَهُودِ عُقُوبَةٌ لِلْيَهُودِ.
وَقَالَ الْجُمْهُورُ: بِعُمُومِ الْمُتَّبِعِينَ، فَتَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أمة محمد صلى الله عليه وسلم، نَصَّ عَلَيْهِ قتادة، وبعموم الكافرين.
(1) سورة التوبة: 9/ 28.
وَالْآيَةُ تَقْتَضِي إِعْلَامَ عِيسَى أَنَّ أَهْلَ الْإِيمَانِ بِهِ كَمَا يُحِبُّ هُمْ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ وَالْعِزَّةِ وَالْمَنَعَةِ وَالْغَلَبَةِ، وَيَظْهَرُ من عِبَارَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ أَنَّ الْمُتَّبِعِينَ لَهُ هُمْ فِي وَقْتِ اسْتِنْصَارِهِ، وَهُمُ الْحَوَارِيُّونَ، جَعَلَهُمُ اللَّهُ فَوْقَ الْكَافِرِينَ لِأَنَّهُ شَرَّفَهُمْ، وَأَبْقَى لَهُمْ فِي الصَّالِحِينَ ذِكْرًا، فَهُمْ فَوْقَهُمْ بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، وَمَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ.
وَقِيلَ: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِي الْجَنَّةِ، إِذْ هُمْ فِي الْغُرُفَاتِ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فِي أَسْفَلِ سَافِلِينَ فِي الدَّرَكَاتِ.
وَتُلُخِّصَ مِنْ أَقْوَالِ هَؤُلَاءِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّ مُتَّبِعِيهِ هُمْ مُتَّبِعُوهُ فِي أَصْلِ الْإِسْلَامِ، فَيَكُونُ عَامًّا فِي الْمُسْلِمِينَ، وَعَامًّا فِي الْكَافِرِينَ، أَوْ هُمْ مُتَّبِعُوهُ فِي الِانْتِمَاءِ إِلَى شَرِيعَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يتبعوها حقيقة، يكون الْكَافِرُونَ خَاصًّا بِالْيَهُودِ، أَوْ مُتَّبِعُوهُ هُمُ الْحَوَارِيُّونَ، وَالْكَافِرُونَ: مَنْ كَفَرَ بِهِ. وَأَمَّا الْفَوْقِيَّةُ فَإِمَّا حَقِيقَةً وَذَلِكَ بِالْجَنَّةِ وَالنَّارِ، وَإِمَّا مَجَازًا أَيْ: بِالْحُجَّةِ وَالْبُرْهَانِ، فَيَكُونُ ذلك دينيا، و: إما بِالْعِزَّةِ وَالْغَلَبَةِ فَيَكُونُ ذَلِكَ دُنْيَوِيًّا، وَإِمَّا بِهِمَا.
إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ الظَّاهِرُ أَنَّ: إِلَى، تَتَعَلَّقُ بِمَحْذُوفٍ، وَهُوَ الْعَامِلُ فِي: فَوْقَ، وَهُوَ المفعول الثاني: لجاعل، إِذْ مَعْنَى جَاعِلُ هُنَا مُصَيِّرُ، فَالْمَعْنَى كَائِنِينَ فَوْقَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهَذَا عَلَى أَنَّ الْفَوْقِيَّةَ مَجَازٌ، وَأَمَّا إِنْ كَانَتِ الْفَوْقِيَّةُ حَقِيقَةً، وَهِيَ الْفَوْقِيَّةُ بِالْجَنَّةِ، فلا تتعلق: إلّا، بِذَلِكَ الْمَحْذُوفِ، بَلْ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ: مُتَوَفِّيكَ، أَوْ مِنْ: رَافِعُكَ، أَوْ مِنْ:
مظهرك، إِذْ يَصِحُّ تَعَلُّقُهُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا، إِمَّا بِرَافِعُكَ أَوْ مُطَهِّرُكَ، فَظَاهَرٌ. وَإِمَّا بِمُتَوَفِّيكَ فَعَلَى بَعْضِ الْأَقْوَالِ. وَهَذِهِ الْأَخْبَارُ الْأَرْبَعَةُ تَرْتِيبُهَا فِي غَايَةِ الْفَصَاحَةِ، بَدَأَ أولا: بإخباره تعالى لعيسى أَنَّهُ مُتَوَفِّيهِ، فَلَيْسَ لِلْمَاكِرِينَ بِهِ تَسَلُّطٌ عَلَيْهِ وَلَا تَوَصُّلٌ إِلَيْهِ، ثُمَّ بَشَّرَهُ ثَانِيًا:
بِرَفْعِهِ إِلَى سَمَائِهِ وَسُكْنَاهُ مَعَ مَلَائِكَتِهِ وَعِبَادَتِهِ فِيهَا، وَطُولِ عُمْرِهِ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ. ثُمَّ ثَالِثًا:
بِرَفْعِهِ إِلَى سَمَائِهِ بِتَطْهِيرِهِ مِنَ الْكُفَّارِ، فَعَمَّ بِذَلِكَ جَمِيعَ زَمَانِهِ حِينَ رَفَعَهُ، وَحِينَ يُنْزِلُهُ فِي آخِرِ الدُّنْيَا فَهِيَ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لَهُ أَنَّهُ مُطَهَّرٌ مِنَ الْكُفَّارِ أَوَّلًا وَآخِرًا. وَلَمَّا كَانَ التَّوَفِّي وَالرَّفْعُ كُلٌّ منهما خاص بزمان، بدىء بِهِمَا. وَلَمَّا كَانَ التَّطْهِيرُ عَامًّا يَشْمَلُ سَائِرَ الْأَزْمَانِ أُخِّرَ عَنْهُمَا، وَلَمَّا بَشَّرَهُ بِهَذِهِ الْبَشَائِرِ الثَّلَاثِ، وَهِيَ أَوْصَافٌ لَهُ فِي نَفْسِهِ، بَشَّرَهُ بِرِفْعَةِ أَتْبَاعِهِ فَوْقَ كُلِّ كَافِرٍ، لِتُقَرَّ بِذَلِكَ عَيْنُهُ، وَيُسَرَّ قَلْبُهُ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْوَصْفُ مِنِ اعْتِلَاءِ تَابِعِيهِ عَلَى الْكُفَّارِ مِنْ أَوْصَافِ تَابِعِيهِ، تَأَخَّرَ عَنِ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي لِنَفْسِهِ، إِذِ الْبَدَاءَةُ بِالْأَوْصَافِ الَّتِي لِلنَّفْسِ أَهَمُّ، ثُمَّ أَتْبَعَ بِهَذَا الْوَصْفِ
الرَّابِعِ عَلَى سَبِيلِ التَّبْشِيرِ بِحَالِ تَابِعِيهِ فِي الدُّنْيَا، لِيُكْمِلَ بِذَلِكَ سُرُورَهُ بِمَا أُوتِيهِ، وَأُوتِيَ تَابِعُوهُ مِنَ الْخَيْرِ.
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيما كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ هَذَا إِخْبَارٌ بِالْحَشْرِ وَالْبَعْثِ، وَالْمَعْنَى ثُمَّ إِلَى حُكْمِي، وَهَذَا عِنْدِي مِنَ الِالْتِفَاتِ، لِأَنَّهُ سَبَقَ ذِكْرَ مُكَذِّبِيهِ: وَهُمُ الْيَهُودُ، وَذِكْرَ مَنْ آمَنَ بِهِ وَهُمُ الْحَوَارِيُّونَ. وَأَعْقَبَ ذَلِكَ قَوْلَهُ: وَجاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا فَذَكَرَ متبعيه الكافرين، فَلَوْ جَاءَ عَلَى نَمَطِ هَذَا السَّابِقِ لَكَانَ التَّرْكِيبُ:
ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُهُمْ، وَلَكِنَّهُ الْتَفَتَ عَلَى سَبِيلِ الْخِطَابِ لِلْجَمِيعِ، لِيَكُونَ الْإِخْبَارُ أَبْلَغَ فِي التَّهْدِيدِ، وَأَشَدَّ زَجْرًا لِمَنْ يَزْدَجِرُ.
ثُمَّ ذَكَرَ لَفْظَةَ: إِلَيَّ، وَلَفْظَةَ: فَأَحْكُمُ، بِضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ، لِيُعْلَمَ أَنَّ الْحَاكِمَ هُنَاكَ مَنْ لَا تَخْفَى عَلَيْهِ خَافِيَةٌ، وَذَكَرَ أَنَّهُ يَحْكُمُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ أَمْرِ الْأَنْبِيَاءِ وَاتِّبَاعِ شَرَائِعِهِمْ، وَأَتَى بِالْحُكْمِ مُبْهَمًا، ثُمَّ فَصَّلَ الْمَحْكُومَ بَيْنَهُمْ إِلَى: كَافِرٍ وَمُؤْمِنٍ، وَذَكَرَ جَزَاءَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: مرجعكم، الخطاب لعيسى، وَالْمُرَادُ الْإِخْبَارُ بِالْقِيَامَةِ وَالْحَشْرِ، فَلِذَلِكَ جَاءَ اللَّفْظُ عَامًّا مِنْ حَيْثُ الْأَمْرُ فِي نَفْسِهِ لَا يَخُصُّ عِيسَى وَحْدَهُ، فَخَاطَبَهُ كَمَا يُخَاطِبُ الْجَمَاعَةَ، إِذْ هُوَ أَحَدُهَا، وَإِذْ هِيَ مُرَادَةٌ فِي الْمَعْنَى. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَالْأَوْلَى عِنْدِي أَنْ يَكُونَ مِنَ الِالْتِفَاتِ كَمَا ذَكَرْتُهُ.
فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا قِيلَ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَاصًّا، أَيْ: كَفَرُوا بِكَ وَجَحَدُوا نُبُوَّتَكَ، وَالظَّاهِرُ الْعُمُومُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ، مُبْتَدَأً وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ.
فَأُعَذِّبُهُمْ عَذاباً شَدِيداً وُصِفَ الْعَذَابُ بِالشِّدَّةِ لِتَضَاعُفِهِ وَازْدِيَادِهِ. وَقِيلَ: لِاخْتِلَافِ أَجْنَاسِهِ.
فِي الدُّنْيا بِالْأَسْرِ وَالْقَتْلِ وَالْجِزْيَةِ وَالذُّلِّ، وَمَنْ لَمْ يَنَلْهُ شَيْءٌ مِنْ هَذَا فَهُوَ عَلَى وَجَلٍ، إِذْ يَعْلَمُ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَطْلُبُهُ.
وَالْآخِرَةِ بِعَذَابِ النَّارِ. وَهَذَا إِخْبَارٌ مِنْهُ تَعَالَى بِمَا يَفْعَلُ بِالْكَافِرِ مِنْ أَوَّلِ أَمْرِهِ فِي دُنْيَاهُ إِلَى آخِرِ أَمْرِهِ فِي عُقْبَاهُ.
وَما لَهُمْ مِنْ ناصِرِينَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ، فَأَغْنَى ذَلِكَ عَنْ إِعَادَتِهِ هُنَا.
وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ بَدَأَ أَوَّلًا بِقِسْمِ الْكُفَّارِ، لِأَنَّ مَا قَبْلَهُ مِنْ ذِكْرِ حُكْمِهِ تَعَالَى بَيْنَهُمْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ لِلْكَفَّارِ، وَالْإِخْبَارِ بِجَزَائِهِمْ، فَنَاسَبَتِ الْبَدَاءَةَ بِهِمْ، وَلِأَنَّهُمْ أَقْرَبُ فِي الذِّكْرِ بِقَوْلِهِ: فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَبِكَوْنِ الْكَلَامِ مَعَ الْيَهُودِ الَّذِينَ كَفَرُوا بعيسى وَرَامُوا قَتْلَهُ، ثُمَّ أَتَى ثَانِيًا بِذِكْرِ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَّقَ هُنَاكَ الْعَذَابَ عَلَى مُجَرَّدِ الْكُفْرِ، وَهُنَا عَلَّقَ تَوْفِيَةَ الْأَجْرِ عَلَى الْإِيمَانِ وَعَمِلَ الصَّالِحَاتِ تَنْبِيهًا عَلَى دَرَجَةِ الْكَمَالِ فِي الْإِيمَانِ، وَدُعَاءً إِلَيْهَا.
وَالتَّوْفِيَةُ: دَفْعُ الشَّيْءِ وَافِيًا مِنْ غَيْرِ نَقْصٍ، وَالْأُجُورُ: ثَوَابُ الْأَعْمَالِ، شَبَّهَهُ بِالْعَامِلِ الَّذِي يُوَفَّى أَجْرَهُ عِنْدَ تَمَامِ عَمَلِهِ. وَتَوْفِيَةُ الْأُجُورِ هِيَ: قَسْمُ الْمَنَازِلِ فِي الْجَنَّةِ بِحَسَبِ الْأَعْمَالِ عَلَى مَا رَتَّبَهَا تَعَالَى، وَفِي الْآيَةِ قَبْلَهَا قَالَ: فَأُعَذِّبُهُمْ أَسْنَدَ الْفِعْلَ إِلَى ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ وَحْدَهُ، وَذَلِكَ لِيُطَابِقَ قَوْلَهُ: فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ قَالَ: فَيُوَفِّيهِمْ، بِالْيَاءِ عَلَى قِرَاءَةِ حفص، ورويس، وَذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِالْتِفَاتِ وَالْخُرُوجِ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ إِلَى ضَمِيرِ الْغَيْبَةِ لِلتَّنَوُّعِ فِي الْفَصَاحَةِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ: فَنُوَفِّيهِمْ، بِالنُّونِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ الْمُعَظَّمِ شَأْنُهُ، وَلَمْ يَأْتِ بِالْهَمْزَةِ كَمَا فِي تِلْكَ الْآيَةِ لِيُخَالِفَ فِي الْإِخْبَارِ بَيْنَ النِّسْبَةِ الْإِسْنَادِيَّةِ فِيمَا يَفْعَلُهُ بِالْكَافِرِ وَبِالْمُؤْمِنِ، كَمَا خَالَفَ فِي الْفِعْلِ، وَلِأَنَّ الْمُؤْمِنَ الْعَامِلَ لِلصَّالِحَاتِ عَظِيمٌ عِنْدَ اللَّهِ، فَنَاسَبَهُ الْإِخْبَارُ عَنِ الْمَجَازِيِّ بِنُونِ الْعَظَمَةِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: الَّذِينَ آمَنُوا، مُبْتَدَأً، وَيَجُوزُ انْتِصَابُهُ عَلَى إِضْمَارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُ مَا بَعْدَهُ، وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ، كَقَوْلِهِ: وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ «1» فِيمَنْ نَصَبَ الدَّالَ.
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ تَقَدَّمَ تَفْسِيرُ مَا يُشْبِهُ هَذَا، وَهُوَ قَوْلُهُ: فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكافِرِينَ «2» وَاحْتَجَّ الْمُعْتَزِلَةُ بِهَذَا عَلَى أَنَّهُ تَعَالَى لَا يُرِيدُ الْكُفْرَ وَالْمَعَاصِيَ، لِأَنَّ مُرِيدَ الشَّيْءِ مُحِبٌّ لَهُ إِذَا كَانَ ذَلِكَ الشَّيْءُ مِنَ الْأَفْعَالِ، وَإِنَّمَا تُخَالِفُ الْمُحِبَّةُ الْإِرَادَةَ إِذَا عُلِّقَتَا بِالْأَشْخَاصِ، فَيُقَالُ: أُحِبُّ زَيْدًا، وَلَا يُقَالُ: أُرِيدُهُ، وَأَمَّا الْأَفْعَالُ فَهُمَا فِيهَا وَاحِدٌ، فَقَوْلُهُ: لَا يُحِبُّ: لَا يُرِيدُ ظُلْمَ الظَّالِمِينَ، هَكَذَا قَرَّرَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ، وَعِنْدَ أصحابنا المحبة
(1) سورة فصلت: 41/ 17.
(2)
سورة آل عمران: 3/ 32.
عِبَارَةٌ عَنْ إِرَادَةِ إِيصَالِ الْخَيْرِ لَهُ، فَهُوَ تَعَالَى، وَإِنْ أَرَادَ كُفْرَ الْكَافِرِ، لَا يُرِيدُ إِيصَالَ الثَّوَابِ إِلَيْهِ.
ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ ذَلِكَ: إِشَارَةٌ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ خَبَرِ عِيسَى وزكريا وغيرهما، و: نتلوه، نَسْرِدُهُ وَنَذْكُرُهُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ، وَأَضَافَ التِّلَاوَةَ إِلَى نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَلِكُ هُوَ التَّالِيَ تَشْرِيفًا لَهُ، جَعَلَ تِلَاوَةَ الْمَأْمُورِ تِلَاوَةَ الْآمِرِ، وَفِي: نَتْلُوهُ، الْتِفَاتٌ، لأن قبله ضمير غائب فِي قَوْلِهِ: لَا يُحِبُّ، وَنَتْلُوهُ: مَعْنَاهُ تَلَوْنَاهُ، كَقَوْلِهِ: وَاتَّبَعُوا ما تَتْلُوا الشَّياطِينُ «1» وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ ظَاهِرُهُ مِنَ الْحَالِ، لِأَنَّ قِصَّةَ عِيسَى لَمْ يَفْرَغْ مِنْهَا، وَيَكُونُ: ذَلِكَ، بِمَعْنَى: هَذَا.
وَالْآيَاتُ هُنَا الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُرَادُ بِهَا آيَاتُ الْقُرْآنِ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمُعْجِزَاتُ وَالْمُسْتَغْرَبَاتُ، أَيْ: نَأْتِيهِمْ بِهَذِهِ الْغُيُوبِ مِنْ قِبَلِنَا، وَبِسَبَبِ تِلَاوَتِنَا، وَأَنْتَ أُمِّيٌّ لَا تَقْرَأُ وَلَا تَصْحَبُ أَهْلَ الْكِتَابِ، فَهِيَ آيَاتٌ لِنُبُوَّتِكَ. قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَالْجُمْهُورُ: وَالذِّكْرُ:
الْقُرْآنُ وَالْحَكِيمُ أَيِ: الْحَاكِمُ، أَتَى بِصِيغَةِ الْمُبَالَغَةِ فِيهِ، وَوَصَفَ بِصِفَةِ مَنْ هُوَ مِنْ سَبَبِهِ وَهُوَ اللَّهُ تَعَالَى، أَوْ: كَأَنَّهُ يَنْطِقُ بِالْحِكْمَةِ لِكَثْرَةِ حُكْمِهِ. قَالَ الزَّجَّاجُ: لِأَنَّهُ ذُو حِكْمَةٍ فِي تَأْلِيفِهِ وَنَظْمِهِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْمُحْكِمِ، قَالَهُ الْجُمْهُورُ، أَحْكَمَ عَنْ طُرُقِ الْخَلَلِ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ: أُحْكِمَتْ آياتُهُ «2» وَيَكُونُ: فَعِيلٌ، بِمَعْنَى: مُفْعَلٍ، وَهُوَ قَلِيلٌ، وَمِنْهُ: أَعْقَدْتُ الْعَسَلَ فَهُوَ مُعْقَدٌ وَعَقِيدٌ، وَأَحْبَسْتُ فَرَسًا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ مُحْبَسٌ وَحَبِيسٌ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِالذِّكْرِ هُنَا اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ الَّذِي مِنْهُ نُقِلَتْ جَمِيعُ كُتُبِ اللَّهِ الْمُنَزَّلَةِ على الْأَنْبِيَاءِ، أَخْبَرَ أَنَّهُ أَنْزَلَ هَذِهِ الْقَصَصَ مِمَّا كُتِبَ هناك.
وَ: ذَلِكَ، مُبْتَدَأٌ، وَ: نتلوه، خبر و: من الْآيَاتِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: كَائِنًا مِنَ الْآيَاتِ. وَ: مِنْ، لِلتَّبْعِيضِ لِأَنَّ هَذَا الْمَتْلُوَّ بَعْضُ الْآيَاتِ وَالذِّكْرِ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ: مِنَ الْآيَاتِ، خَبَرًا بَعْدَ خَبَرٍ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجِيزُ تَعْدَادَ الْأَخْبَارِ بِغَيْرِ حَرْفِ عَطْفٍ، إِذَا كَانَ لِمُبْتَدَأٍ وَاحِدٍ، وَلَمْ يَكُنْ فِي مَعْنَى خَبَرٍ وَاحِدٍ، وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ:
مِنَ، لِبَيَانِ الْجِنْسِ، وَذَلِكَ عَلَى رَأْيِ مَنْ يُجِيزُ أَنْ تَكُونَ: مِنْ، لِبَيَانِ الْجِنْسِ. وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ هُنَا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إِلَّا بِمَجَازٍ، لِأَنَّ تَقْدِيرَ: مِنَ، الْبَيَانِيَّةِ بِالْمَوْصُولِ. وَلَوْ قُلْتَ: ذلك نتلوه
(1- 2) سورة البقرة: 2/ 102.
عَلَيْكَ الَّذِي هُوَ الْآيَاتُ وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ، لَاحْتِيجَ إِلَى تَأْوِيلٍ، لِأَنَّ هَذَا الْمُشَارَ إِلَيْهِ مِنْ نَبَأِ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرَهُ لَيْسَ هُوَ جَمِيعَ الْآيَاتِ، وَالذِّكْرُ الْحَكِيمُ إِنَّمَا هُوَ بَعْضُ الْآيَاتِ، فَيَحْتَاجُ إِلَى تَأْوِيلِ أَنَّهُ جَعَلَ بَعْضَ الْآيَاتِ، وَالذِّكْرُ هُوَ الْآيَاتُ، وَالذِّكْرُ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ.
وَمِمَّنْ ذَهَبَ إِلَى أَنَّهَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ: أَبُو مُحَمَّدِ بْنُ عَطِيَّةَ، وَبَدَأَ بِهِ، ثُمَّ قَالَ: وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ. وَجَوَّزُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ يُفَسِّرُهُ مَا بَعْدَهُ، فَيَكُونُ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ، أَيْ: نَتْلُو ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ، وَالرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَفْصَحُ لِأَنَّهُ عَرِيَ مِنْ مُرَجِّحِ النَّصْبِ عَلَى الِاشْتِغَالِ فَزَيْدٌ ضَرَبْتَهُ، أَفْصَحُ مِنْ: زَيْدًا ضَرَبْتَهُ، وَإِنْ كَانَ عَرَبِيًّا، وَعَلَى هَذَا الْإِعْرَابِ يَكُونُ: نَتْلُوهُ، لَا مَوْضِعَ لَهُ مِنَ الْإِعْرَابِ، لِأَنَّهُ مُفَسِّرٌ لِذَلِكَ الْفِعْلِ الْمَحْذُوفِ، وَيَكُونُ: مِنَ الْآيَاتِ، حَالًا مِنْ ضَمِيرِ النَّصْبِ فِي: نَتْلُوهُ.
وَأَجَازَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، بمعنى: الذي، و: نتلوه، صلته. و: من الْآيَاتِ، الْخَبَرُ. وَقَالَهُ الزَّجَّاجُ قَبْلَهُ، وَهَذِهِ نَزْعَةٌ كُوفِيَّةٌ، يُجِيزُونَ فِي أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ، إِلَّا فِي: ذَا، وَحْدَهَا إِذَا سَبَقَهَا: مَا، الِاسْتِفْهَامِيَّةُ بِاتِّفَاقٍ، أَوْ:
مَنِ، الِاسْتِفْهَامِيَّةُ بِاخْتِلَافٍ. وَتَقْرِيرُ هَذَا فِي عِلْمِ النَّحْوِ.
وَجَوَّزُوا أَيْضًا أَنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، مُبْتَدَأً وَ: مِنَ الْآيَاتِ، خَبَرٌ. و: نتلوه، حَالٌ. وَأَنْ يَكُونَ: ذَلِكَ، خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: الْأَمْرُ ذَلِكَ. و: نتلوه، حَالٌ.
وَالظَّاهِرُ فِي قَوْلِهِ: وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ أَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى الْآيَاتِ، وَمَنْ جَعَلَهَا لِلْقَسَمِ وَجَوَابَ الْقَسَمِ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى فَقَدْ أَبْعَدَ.
إِنَّ مَثَلَ عِيسى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ، وَعِكْرِمَةُ، وَقَتَادَةُ، وَالسُّدِّيُّ وَغَيْرُهُمْ: جَادَلَ وَفْدُ نَجْرَانَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي أَمْرِ عِيسَى، وَقَالُوا: بَلَغَنَا أَنَّكَ تَشْتُمُ صَاحِبَنَا، وَتَقُولُ: هُوَ، عَبْدٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:«وَمَا يَضُرُّ ذَلِكَ عِيسَى، أَجَلْ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ، وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ، وَرُوحٌ مِنْهُ» . فَقَالُوا: فَهَلْ رَأَيْتَ بَشَرًا قَطُّ جَاءَ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ أَوْ سَمِعْتَ بِهِ؟
فَخَرَجُوا، فَنَزَلَتْ.
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُمْ قَالُوا: فَإِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَأَرِنَا مِثْلَهُ! فَنَزَلَتْ.
وَرَوَيَ وَكِيعٌ عَنْ مُبَارَكٍ عَنِ الْحَسَنِ قَالَ: جَاءَ رَاهِبَا نَجْرَانَ فَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الْإِسْلَامَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: قَدْ أَسْلَمْنَا قَبْلَكَ، فَقَالَ: «كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُمَا مِنَ الْإِسْلَامِ ثَلَاثٌ: عِبَادَتُكُمَا
الصَّلِيبَ، وَأَكْلُكُمَا الْخِنْزِيرَ، وَقَوْلُكُمَا لِلَّهِ وَلَدٌ» . قَالَا: مَنْ أَبُو عِيسَى؟ وَكَانَ لَا يَعْجَلُ حَتَّى يَأْمُرَهُ رَبُّهُ. فَأَنْزَلَ
إِنَّ مَثَلَ عِيسى وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي تَفْسِيرِ نَحْوِ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي قَوْلِهِمْ:
مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا «1» .
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: إِنَّ شَأْنَ عِيسَى وَحَالَهُ الْغَرِيبَةَ كَشَأْنِ آدَمَ، فَجَعَلَ الْمَثَلَ بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَالْحَالِ. وَهُوَ رَاجِعٌ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ: الْمَثَلُ هُنَا الصِّفَةُ: كَقَوْلِهِ: مَثَلُ الْجَنَّةِ «2» وَفِي هَذَا إِقْرَارُ الْكَافِ فِي قَوْلِهِ: كَمَثَلِ آدَمَ عَلَى مَعْنَاهَا التَّشْبِيهِيِّ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: فِي قَوْلِ مَنْ قَالَ إِنَّ الْمَثَلَ هُنَا بِمَعْنَى الصِّفَةِ مَا نَصُّهُ: وَهَذَا عِنْدِي خَطَأٌ وَضَعْفٌ فِي فَهْمِ الْكَلَامِ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى: أَنَّ الْمَثَلَ الَّذِي تَتَصَوَّرُهُ النُّفُوسُ وَالْعُقُولُ، مِنْ عِيسَى فَهُوَ كَالْمُتَصَوَّرِ مِنْ آدَمَ، إِذِ النَّاسُ كُلُّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ مِنْ غَيْرِ فَحْلٍ. وَكَذَلِكَ مَثَلُ الْجَنَّةِ «3» عِبَارَةٌ عَنِ الْمُتَصَوَّرِ مِنْهَا.
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ صِحَّةُ الْقِيَاسِ أَيْ إِذَا تُصُوِّرَ أَمْرُ آدَمَ قِيسَ عَلَيْهِ جَوَازُ أَمْرِ عِيسَى.
وَالْكَافُ فِي كَمَثَلِ آدَمَ اسْمٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْمَعْنَى. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَلَا يَظْهَرُ لِي فَرْقٌ بَيْنَ كَلَامِهِ هَذَا، وَكَلَامِ مَنْ جَعَلَ الْمَثَلَ بِمَعْنَى الشَّأْنِ وَالْحَالِ. أَوْ بِمَعْنَى الصِّفَةِ، وَفِي (رَيِّ الظَّمْآنِ) قِيلَ: الْمَثَلُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ، وَقَوْلُكَ صِفَةُ عِيسَى كَصِفَةِ آدَمَ كَلَامٌ مُطَّرِدٌ، عَلَى هَذَا جُلَّ اللُّغَوِيِّينَ وَالْمُفَسِّرِينَ، وَخَالَفَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ الْجَمِيعَ، وَقَالَ: الْمَثَلُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ لَا يُمْكِنُ تَصْحِيحُهُ فِي اللُّغَةِ، إِنَّمَا الْمَثَلُ الشَّبَهُ.
عَلَى هَذَا تَدُورُ تَصَارِيفُ الْكَلِمَةِ، وَلَا مَعْنَى لِلْوَصْفِيَّةِ فِي التَّشَابُهِ. وَالْمَثَلُ كَلِمَةٌ يُرْسِلُهَا قَائِلُهَا لِحِكْمَةٍ يُشَبِّهُ بِهَا الْأُمُورَ، وَيُقَابِلُ بِهَا الْأَحْوَالَ. انْتَهَى.
وَمَنْ جَعَلَ الْمَثَلَ هُنَا مُرَادِفًا لِلْمِثْلِ، كَالشَّبَهِ. وَالشِّبْهِ. قَالَ: جَمَعَ بَيْنَ أَدَاتَيْ تَشْبِيهٍ عَلَى طَرِيقِ التَّأْكِيدِ لِلشَّبَهِ، وَالتَّنْبِيهِ عَلَى عِظَمِ خَطَرِهِ وَقَدْرِهِ.
وَقَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ: الْكَافُ زَائِدَةٌ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: مَثَلَ زَائِدَةٌ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمُ الْمِثْلَ هُنَا مِنْ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ. وَقَالَ: الْعَرَبُ تَضْرِبُ الْأَمْثَالَ لِبَيَانِ مَا خَفِيَ مَعْنَاهُ وَدَقَّ إِيضَاحُهُ، لَمَّا خَفِيَ سِرُّ وِلَادَةِ عِيسَى مِنْ غَيْرِ أَبٍ، لِأَنَّهُ خَالَفَ الْمَعْرُوفَ، ضَرَبَ اللَّهُ الْمَثَلَ بِآدَمَ الَّذِي اسْتَقَرَّ فِي الْأَذْهَانِ. وَعُلِمَ أَنَّهُ أُوجِدَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَلَا أُمٍّ، كَذَلِكَ خَلْقُ عِيسَى بِلَا أَبٍ، ولا بد
(1) سورة البقرة: 2/ 17.
(3- 2) سورة الرعد: 13/ 35 ومحمد: 47/ 15.
مِنْ مُشَارَكَةٍ مَعْنَوِيَّةٍ بَيْنَ مَنْ ضَرَبَ بِهِ الْمَثَلَ، وَبَيْنَ مَنْ ضَرَبَ لَهُ الْمَثَلَ، مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ، أَوْ مِنْ وُجُوهٍ لَا يُشْتَرَطُ الِاشْتِرَاكُ فِي سَائِرِ الصِّفَاتِ. وَالْمَعْنَى الَّذِي وَقَعَتْ فِيهِ الْمُشَارَكَةُ بَيْنَ آدَمَ وعيسى كَوْنُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا خُلِقَ مِنْ غَيْرِ أَبٍ. وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ: المشاركة بين آدم وعيسى فِي خَمْسَةَ عَشَرَ وَصْفًا: في التكوين، و: في الْخَلْقِ مِنَ الْعَنَاصِرِ الَّتِي رَكَّبَ اللَّهُ مِنْهَا الدُّنْيَا. وَفِي الْعُبُودِيَّةِ، وَفِي النُّبُوَّةِ. وَفِي الْمِحْنَةِ: عِيسَى بِالْيَهُودِ، وآدم بِإِبْلِيسَ، وَفِي:
أَكْلِهِمَا الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ، وَفِي الْفَقْرِ إِلَى اللَّهِ. وَفِي الصُّورَةِ، وَفِي الرَّفْعِ إِلَى السَّمَاءِ وَالْإِنْزَالِ مِنْهَا إِلَى الْأَرْضِ، وَفِي الْإِلْهَامِ، عَطَسَ آدَمُ فَأُلْهِمَ، فَقَالَ الْحَمْدُ لِلَّهِ. وَأُلْهِمَ عِيسَى، حِينَ أُخْرِجَ مِنْ بَطْنِ أُمَّهِ فَقَالَ: إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ «1» وَفِي الْعِلْمِ، قَالَ: وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْماءَ «2» وَقَالَ: وَيُعَلِّمُهُ الْكِتابَ وَالْحِكْمَةَ «3» وَفِي نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِمَا وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي «4» فَنَفَخْنا فِيهِ مِنْ رُوحِنا «5» وَفِي الْمَوْتِ، وَفِي فَقْدِ الْأَبِ، وَمَعْنَى: عِنْدَ اللَّهِ أَيْ عِنْدَ مَنْ يَعْرِفُ حَقِيقَةَ الْأَمْرِ، وَكَيْفَ هُوَ. أَيْ: هَكَذَا هُوَ الْأَمْرُ فِيمَا غَابَ عَنْكُمْ وَلَمْ تَطَّلِعُوا عَلَى كُنْهِهِ.
وَالْعَامِلُ فِي: عِنْدَ، الْعَامِلُ فِي: كَافِ التَّشْبِيهِ، وَهَذَا التَّشْبِيهُ هُوَ مِنْ أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ، وَهُوَ الْوُجُودُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَهُمَا نَظِيرَانِ فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا أَوْجَدَهُ اللَّهُ خَارِجًا عَمَّا اسْتَقَرَّ وَاسْتَمَرَّ فِي الْعَادَةِ مِنْ خَلْقِ الْإِنْسَانِ مُتَوَلِّدًا مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى، كما قال تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثى «6» وَالْوُجُودُ مِنْ غَيْرِ أَبٍ وَأُمٍّ أَغْرَبُ فِي الْعَادَةِ مِنْ وُجُودٍ مِنْ غَيْرِ أَبٍ، فَشَبَّهَ الْغَرِيبَ بِالْأَغْرَبِ لِيَكُونَ أَقْطَعَ لِلْخَصْمِ وَأَحْسَمَ لِمَادَةِ شُبْهَتِهِ إِذَا نَظَرَ فِيمَا هُوَ أَغْرَبُ مِمَّا اسْتَغْرَبَهُ، وَأُسِرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِالرُّومِ فَقَالَ لَهُمْ لِمَ تَعْبُدُونَ عِيسَى؟ قَالُوا: لِأَنَّهُ لَا أَبَ لَهُ.
قَالَ: فَآدَمُ أَوْلَى لِأَنَّهُ لَا أَبَوَيْنِ لَهُ. قَالُوا: كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى. قَالَ: فَحِزْقِيلُ أَوْلَى لِأَنَّ عِيسَى أَحْيَا أَرْبَعَةَ نَفَرٍ، وَأَحْيَا حِزْقِيلُ ثَمَانِيَةَ آلَافٍ. فقالوا: كان يبرىء الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ. قَالَ:
فَجِرْجِيسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ طُحِنَ وَأُحْرِقَ، ثُمَّ قَامَ سَالِمًا. انْتَهَى.
وَصَحَّ
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ردّ عين قتادة بعد ما قُلِعَتْ، وَرَدَّ اللَّهُ نُورَهَا،
وَصَحَّ
أَنَّ أَعْمَى دَعَا لَهُ فَرَدَّ اللَّهُ لَهُ بصره.
(1) سورة مريم: 19/ 30.
(2)
سورة البقرة: 2/ 31.
(3)
سورة آل عمران: 3/ 48.
(4)
سورة الحجر: 15/ 29 وص: 38/ 72.
(5)
سورة الأنبياء: 21/ 91 والتحريم: 66/ 12.
(6)
سورة الحجرات: 49/ 13.
وَفِي حَدِيثِ الشَّابِّ الَّذِي أُتِيَ بِهِ لِيَتَعَلَّمَ مِنْ سِحْرِ السَّاحِرِ، فَتَرَكَ السَّاحِرَ وَدَخَلَ فِي دِينِ عِيسَى وتعبد به، فصار يبرىء الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ، وَفِيهِ أَنَّهُ دَعَا لِجَلِيسِ الْمَلِكِ وَابْنِ عَمِّهِ، وَكَانَ أَعْمَى، فَرَدَّ اللَّهُ عَلَيْهِ بَصَرَهُ.
خَلَقَهُ مِنْ تُرابٍ هِيَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بَاسِمِ أَصْلِهِ. كقوله اللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ «1» كَانَ تُرَابًا ثُمَّ صَارَ طِينًا وَخَلَقَ مِنْهُ آدَمَ. كَمَا قَالَ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ «2» وَقَالَ تَعَالَى: إِنِّي خالِقٌ بَشَراً مِنْ طِينٍ «3» وَقَالَ: قالَ أَأَسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناً «4» .
وَالضَّمِيرُ الْمَنْصُوبُ فِي: خَلَقَهُ، عَائِدٌ عَلَى آدَمَ، وَهَذِهِ الجملة تفسيرية لمثل آدَمَ، فَلَا مَوْضِعَ لَهَا مِنَ الْإِعْرَابِ. وَقِيلَ: هِيَ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، وَقُدِّرَ مَعَ خَلَقَهُ مَقْدِرَةً، وَالْعَامِلُ فِيهَا مَعْنَى التَّشْبِيهِ. قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ صِفَةً لِآدَمَ وَلَا حَالًا مِنْهُ. قَالَ الزَّجَّاجُ: إِذِ الْمَاضِي لَا يَكُونُ حَالًا أَنْتَ فِيهَا، بَلْ هُوَ كَلَامٌ مَقْطُوعٌ مِنْهُ مُضَمِّنُهُ تَفْسِيرُ الْمَثَلِ.
انْتَهَى كَلَامُهُ. وَفِيهِ نَظَرٌ، وَالْمَعْنَى: قَدَّرَهُ جَسَدًا مِنْ طِينٍ ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ أَيْ أَنْشَأَهُ بَشَرًا، قَالَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ، وَسَبَقَهُ إِلَى مَعْنَاهُ أَبُو مُسْلِمٍ. قُلْنَا: وَلَوْ كَانَ الْخَلْقُ بِمَعْنَى الْإِنْشَاءِ، لَا بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ، لَمْ يَأْتِ بِقَوْلِهِ: ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ لِأَنَّ مَا خُلِقَ لَا يُقَالُ لَهُ: كُنْ، وَلَا يَنْشَأُ إِلَّا إِنْ كَانَ مَعْنَى ثُمَّ قالَ لَهُ كُنْ عِبَارَةً عَنْ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ، وَقَالَهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ. فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ بِمَعْنَى أَنْشَأَهُ لَا بِمَعْنَى قَدَّرَهُ. قِيلَ: أَوْ يَكُونَ: كُنْ، عِبَارَةً عَنْ كَوْنِهِ لَحْمًا وَدَمًا، وَقَوْلُهُ: فَيَكُونُ، حِكَايَةُ حَالٍ مَاضِيَةٍ وَلَا قَوْلَ هُنَاكَ حَقِيقَةً، وَإِنَّمَا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ، وَكِنَايَةٌ عَنْ سُرْعَةِ الْخَلْقِ وَالتَّمَكُّنِ مِنْ إِيجَادِ مَا يُرِيدُ تَعَالَى إِيجَادَهُ، إِذِ الْمَعْدُومُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُؤْمَرَ.
وَ: ثُمَّ، قِيلَ لِتَرْتِيبِ الْخَبَرِ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: كُنْ، لَمْ يَتَأَخَّرْ عَنْ خَلَقَهُ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْمَعْنَى تَفْسِيرٌ لِلْخَلْقِ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّرْتِيبِ الزَّمَانِيِّ أَيْ: أَنْشَأَهُ أَوَّلًا مِنْ طِينٍ، ثُمَّ بَعْدَ زَمَانٍ أَوْجَدَ فِيهِ الرُّوحَ أن صَيَّرَهُ لَحْمًا وَدَمًا عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ.
وَقَالَ الرَّاغِبُ: وَمَعْنَى: كُنْ. بَعْدَ: خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ: كُنْ إِنْسَانًا حَيًّا نَاطِقًا، وَهُوَ لم
(1) سورة فاطر: 35/ 11. وغافر: 40/ 67
(2)
سورة المؤمنون: 23/ 12. [.....]
(3)
سورة ص: 38/ 71.
(4)
سورة الإسراء: 17/ 61.
يَكُنْ كَذَلِكَ، بَلْ كَانَ دَهْرًا مُلْقًى لَا رُوحَ فِيهِ، ثُمَّ جَعَلَ لَهُ الرُّوحَ. وَقَوْلُهُ: كُنْ عِبَارَةٌ عَنْ إِيجَادِ الصُّورَةِ الَّتِي صَارَ بِهَا الْإِنْسَانُ إِنْسَانًا. انْتَهَى.
وَالضَّمِيرُ فِي: لَهُ، عَائِدٌ عَلَى آدَمَ وَأَبْعَدَ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ عَائِدٌ عَلَى عِيسَى، وَأَبْعَدُ مِنْ هَذَا قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ عَلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ خُلِقَ بِكُنْ، وَهُوَ قَوْلُ الْحُوفِيِّ.
الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ جُمْلَةٌ مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ، أَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْحَقَّ، وَهُوَ الشَّيْءُ الثَّابِتُ الَّذِي لَا شَكَّ فِيهِ هُوَ وَارِدٌ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، فَجَمِيعُ مَا أَنْبَأَكَ بِهِ حَقٌّ، فَيَدْخُلُ فِيهِ قِصَّةُ عِيسَى وآدم وَجَمِيعِ أَنْبَائِهِ تَعَالَى، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ: الْحَقُّ، خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ: هُوَ. أَيْ:
خَبَرُ عِيسَى فِي كَوْنِهِ خُلِقَ مِنْ أُمٍّ فقط هو الحق، و: من رَبِّكَ، حَالٌ أَوْ: خَبَرٌ ثَانٍ وَأَخْبَرَ عَنْ قِصَّةِ عِيسَى بِأَنَّهَا حَقٌّ. وَمَعَ كَوْنِهَا حَقًّا فَهِيَ إِخْبَارٌ صَادِرٌ عَنِ اللَّهِ.
فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ قِيلَ: الْخِطَابُ بِهَذَا لِكُلِّ سَامِعٍ قِصَّةَ عِيسَى، وَالْأَخْبَارَ الْوَارِدَةَ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ أُمَّةُ مَنْ ظَاهِرُ الْخِطَابِ لَهُ. قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: وَنَهْيُهُ عَنِ الِامْتِرَاءِ وَجَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَكُونَ مُمْتَرِيًا، مِنْ بَابِ التَّهْيِيجِ لِزِيَادَةِ الثَّبَاتِ وَالطُّمَأْنِينَةِ، وَأَنْ يَكُونَ لُطْفًا لِغَيْرِهِ. وَقَالَ الرَّاغِبُ: الِامْتِرَاءُ اسْتِخْرَاجُ الرَّأْيِ لِلشَّكِّ الْعَارِضِ، وَيُجْعَلُ عِبَارَةً عَنِ الشَّكِّ، وَقَالَ: فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ وَلَمْ يَكُنْ مُمْتَرِيًا لِيَكُونَ فِيهِ ذَمٌّ مِنْ شَكٍّ فِي عِيسَى.
فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ أَيْ: مَنْ نَازَعَكَ وَجَادَلَكَ، وَهُوَ مِنْ بَابِ الْمُفَاعَلَةِ الَّتِي تَكُونُ بَيْنَ اثْنَيْنِ، وَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ بَيْنَهُ صلى الله عليه وسلم وَبَيْنَ وَفْدِ نَجْرَانَ.
وَالضَّمِيرُ فِي: فِيهِ، عَائِدٌ عَلَى عِيسَى، لِأَنَّ الْمُنَازَعَةَ كَانَتْ فِيهِ، وَلِأَنَّ تَصْدِيرَ الْآيَةِ السَّابِقَةِ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ مَثَلَ عِيسى وَمَا بَعْدَهُ جَاءَ مِنْ تَمَامِ أَمْرِهِ، وَقِيلَ: يَعُودُ عَلَى الْحَقِّ، وَظَاهِرٌ مِنَ الْعُمُومِ فِي كُلِّ مَنْ يُحَاجُّ فِي أَمْرِ عِيسَى. وَقِيلَ: الْمُرَادُ وَفْدُ نَجْرَانَ.
وَ: مَنْ، يَصِحُّ أَنْ تَكُونَ مَوْصُولَةً، وَيَصِحُّ أن تكون شرطية، و: العلم، هُنَا: الْوَحْيُ الَّذِي جَاءَ بِهِ جِبْرِيلُ، وَقِيلَ: الْآيَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي أَمْرِ عِيسَى، الْمُوجِبَةُ لِلْعَمَلِ. وَ: مَا، فِي: مَا جَاءَكَ، مَوْصُولَةٌ بِمَعْنَى: الَّذِي، وَفِي: جَاءَكَ، ضَمِيرُ الْفَاعِلِ يَعُودُ عَلَيْهَا. و: من الْعِلْمِ، مُتَعَلِّقٌ بِمَحْذُوفٍ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ، أَيْ: كَائِنًا مِنَ الْعِلْمِ. وَتَكُونُ: مِنْ، تَبْعِيضِيَّةً.
وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِبَيَانِ الْجِنْسِ عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَرَى ذَلِكَ، قَالَ بَعْضُهُمْ، وَيَخْرُجُ عَلَى قَوْلِ
الْأَخْفَشِ: أَنْ تَكُونَ: مَا، مَصْدَرِيَّةً، و: من، زَائِدَةٌ، وَالتَّقْدِيرُ: مِنْ بَعْدِ مَجِيءِ الْعِلْمِ إِيَّاكَ.
فَقُلْ تَعالَوْا قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَالْقِيَاسُ، إذا التَّقْدِيرُ تَفَاعَلَ، وَأَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ يَاءٍ وَأَصْلُهَا وَاوٌ، فَإِذَا أَمَرْتَ الْوَاحِدَ قُلْتَ: تَعَالَ، كَمَا تَقُولُ: اخْشَ وَاسْعَ.
وَقَرَأَ الْحَسَنُ، وَأَبُو وَاقِدٍ، وَأَبُو السَّمَّالِ: بِضَمِّ اللَّامِ، وَوَجْهُهُمْ أَنَّ أَصْلَهُ: تَعَالَيُوا، كَمَا تَقُولُ: تَجَادَلُوا، نَقَلَ الضَّمَّةَ مِنَ الْيَاءِ إِلَى اللَّامِ بَعْدَ حَذْفِ فَتْحَتِهَا، فَبَقِيَتِ الْيَاءُ سَاكِنَةً وواو الضمير ساكنة فخذفت الْيَاءُ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ، وَهَذَا تَعْلِيلُ شُذُوذٍ.
نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ وَنِساءَنا وَنِساءَكُمْ وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ أَيْ: يَدْعُ كُلٌّ منا وَمِنْكُمْ أَبْنَاءَهُ وَنِسَاءَهُ وَنَفْسَهُ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ. وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الدُّعَاءَ وَالْمُبَاهَلَةَ بَيْنَ المخاطب: بقل:
وَبَيْنَ مَنْ حَاجَّهُ، وَفُسِّرَ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ: الْأَبْنَاءُ بالحسن والحسين، و: بنسائه: فاطمة، و: الأنفس بِعَلِيٍّ. قَالَ الشَّعْبِيُّ: وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَعَ مَنْ حَاجَّهُ مَا ثَبَتَ
فِي صَحِيح مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ: تَعالَوْا نَدْعُ أَبْناءَنا وَأَبْناءَكُمْ دَعَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَاطِمَةَ وحسنا وَحُسَيْنًا، فَقَالَ:«اللَّهُمَّ هَؤُلَاءِ أَهْلِي» .
وَقَالَ قَوْمٌ: الْمُبَاهَلَةُ كَانَتْ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ، بِدَلِيلِ ظَاهِرِ قَوْلِهِ نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ عَلَى الْجَمْعِ، ولما دعاهم دعا بأهل الَّذِينَ فِي حَوْزَتِهِ، وَلَوْ عَزَمَ نَصَارَى نَجْرَانَ عَلَى المباهلة وجاؤا لَهَا، لَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَخْرُجُوا بِأَهَالِيهِمْ لِمُبَاهَلَتِهِ.
وَقِيلَ: الْمُرَادُ: بِأَنْفُسِنَا، الْإِخْوَانُ، قَالَهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ قَالَ تَعَالَى: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ «1» أَيْ: إِخْوَانَكُمْ. وَقِيلَ: أَهْلَ دِينِهِ، قَالَهُ أَبُو سُلَيْمَانَ الدِّمَشْقِيُّ. وَقِيلَ: الْأَزْوَاجَ، وَقِيلَ: أَرَادَ الْقَرَابَةَ الْقَرِيبَةَ، ذَكَرَهُمَا عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ.
ثُمَّ نَبْتَهِلْ أَيْ: نَدْعُ بِالِالْتِعَانِ. وَقِيلَ: نَتَضَرَّعْ إِلَى اللَّهِ، قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ. وَقَالَ مُقَاتِلٌ: نُخْلِصُ فِي الدُّعَاءِ. وَقَالَ الْكَلْبِيُّ: نُجْهِدُ فِي الدُّعَاءِ. وَقِيلَ: نَتَدَاعَى بالهلاك.
فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكاذِبِينَ أَيْ: يَقُولُ كُلٌّ مِنَّا: لَعَنَ اللَّهُ الْكَاذِبَ مِنَّا فِي أَمْرِ عِيسَى، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ اللَّعْنِ لِمَنْ أَقَامَ عَلَى كُفْرِهِ، وَقَدْ لَعَنَ صلى الله عليه وسلم الْيَهُودَ. قَالَ أبو
(1) سورة الحجرات: 49/ 11.
بَكْرٍ الرَّازِيُّ: وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ ابْنَا رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ علان: كَانَا إِذْ ذَاكَ مُكَلَّفَيْنِ، لِأَنَّ الْمُبَاهَلَةَ عِنْدَهُ لَا تَصِحُّ إِلَّا مِنْ مُكَلَّفٍ.
وَقَدْ طَوَّلَ الْمُفَسِّرُونَ بِمَا رَوَوْا فِي قِصَّةِ الْمُبَاهَلَةِ، ومضمونها أَنَّهُ دَعَاهُمْ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ، وخرج بالحسن والحسين وفاطمة وعليّ إِلَى الْمِيعَادِ، وَأَنَّهُمْ كَفُّوا عَنْ ذَلِكَ، وَرَضُوا بِالْإِقَامَةِ عَلَى دِينِهِمْ وَأَنْ يُؤَدُّوا الْجِزْيَةَ، وَأَخْبَرَهُمْ أَحْبَارُهُمْ أَنَّهُمْ إِنْ بَاهَلُوا عُذِّبُوا، وَأَخْبَرَ هُوَ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُمْ إِنْ بَاهَلُوا عُذِّبُوا، وَفِي تَرْكِ النَّصَارَى الْمُلَاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ شَاهِدٌ عَظِيمٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّتِهِ.
قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: مَا كَانَ دُعَاؤُهُ إِلَى الْمُبَاهَلَةِ إِلَّا لِتَبْيِينِ الْكَاذِبِ مِنْهُ وَمِنْ خَصْمِهِ، وَذَلِكَ أَمْرٌ يَخْتَصُّ بِهِ وَبِمَنْ يُكَاذِبُهُ، فَمَا مَعْنَى ضَمِّ الْأَبْنَاءِ وَالنِّسَاءِ؟.
قُلْتُ: ذَلِكَ آكَدُ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى ثِقَتِهِ بِحَالِهِ، وَاسْتِيقَانِهِ بِصِدْقِهِ، حَيْثُ اسْتَجْرَأَ عَلَى تَعْرِيضِ نَفْسِهِ لَهُ، وَعَلَى ثِقَتِهِ بِكَذِبِ خَصْمِهِ حَتَّى يُهْلِكَ خَصْمَهُ مَعَ أَحِبَّتِهِ وَأَعِزَّتِهِ هَلَاكَ الِاسْتِئْصَالِ إِنْ تَمَّتِ الْمُبَاهَلَةُ. وَخَصَّ الْأَبْنَاءَ وَالنِّسَاءَ لِأَنَّهُمْ أَعَزُّ الْأَهْلِ، وَأَلْصَقُهُمْ بِالْقُلُوبِ.
وَرُبَّمَا فَدَاهُمُ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ وَحَارَبَ دُونَهُمْ حَتَّى يُقْتَلَ، وَمِنْ ثَمَّ كَانُوا يَسُوقُونَ مَعَ أَنْفُسِهِمُ الظَّعَائِنَ فِي الْحُرُوبِ لِتَمْنَعَهُمْ مِنَ الْهَرَبِ، وَيُسَمُّونَ الذَّادَةَ عَنْهَا بِأَرْوَاحِهِمْ حُمَاةَ الْحَقَائِقِ، وَقَدَّمَهُمْ فِي الذِّكْرِ عَلَى الْأَنْفُسِ لِيُنَبِّهَ عَلَى لُطْفِ مَكَانِهِمْ، وَقُرْبِ مَنْزِلَتِهِمْ، وَلِيُؤْذِنَ بِأَنَّهُمْ مُقَدَّمُونَ عَلَى الْأَنْفُسِ يُفْدَوْنَ بِهَا، وَفِيهِ دَلِيلٌ لَا شَيْءَ أَقْوَى مِنْهُ عَلَى فَضْلِ أَصْحَابِ الْكِسَاءِ عليهم السلام، وَفِيهِ بُرْهَانٌ وَاضِحٌ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، لِأَنَّهُ لَمْ يَرَ وَاحِدٌ مِنْ مُوَافِقٍ وَلَا مُخَالِفٍ أَنَّهُمْ أَجَابُوا إِلَى ذَلِكَ. انْتَهَى كَلَامُهُ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: وَمَا رَوَاهُ الرُّوَاةُ مِنْ أَنَّهُمْ تَرَكُوا الْمُلَاعَنَةَ لِعِلْمِهِمْ بِنُبُوَّتِهِ أَحَجُّ لَنَا عَلَى سَائِرِ الْكَفَرَةِ، وَأَلْيَقُ بِحَالِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَدُعَاءُ النِّسَاءِ وَالْأَبْنَاءِ لِلْمُلَاعَنَةِ أَهَزُّ لِلنُّفُوسِ وَأَدْعَى لِرَحْمَةِ اللَّهِ أَوْ لِغَضَبِهِ عَلَى الْمُبْطِلِينَ، وَظَاهِرُ الْأَمْرِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم جَاءَهُمْ بِمَا يَخُصُّهُ، وَلَوْ عَزَمُوا اسْتَدْعَى الْمُؤْمِنِينَ بِأَبْنَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ كَانَ يَكْتَفِي بِنَفْسِهِ وَخَاصَّتِهِ فَقَطِ.
انْتَهَى.
وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى الْمُظَاهَرَةِ بِطَرِيقِ الْإِعْجَازِ عَلَى مَنْ يَدَّعِي الْبَاطِلَ بَعْدَ وُضُوحِ الْبُرْهَانِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ، وَمِنْ أَغْرَبِ الِاسْتِدْلَالِ مَا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنَ الْآيَةِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْحِمْصِيُّ. وَكَانَ مُتَكَلِّمًا عَلَى طَرِيقِ الْإِثْنَى عَشْرِيَّةَ، عَلَى: أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ سِوَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَأَنْفُسَنا وَأَنْفُسَكُمْ لَيْسَ الْمُرَادُ نَفْسَ
محمد صلى الله عليه وسلم، لِأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْعُو نَفْسَهُ، بَلِ الْمُرَادُ غَيْرُهُ. وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الَّذِي هُوَ غَيْرُهُ:
عَلِيٌّ، فَدَلَّتِ الْآيَةُ عَلَى أَنَّ نَفْسَهُ نَفْسُ الرَّسُولِ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عَيْنَهَا، فَالْمُرَادُ مِثْلُهَا، وَذَلِكَ يَقْتَضِي الْعُمُومَ إِلَّا أَنَّهُ تَرَكَ فِي حَقِّ النُّبُوَّةِ الْفَضْلَ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ وَدَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صلى الله عليه وسلم أفضل مِنْ سَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ، فَلَزِمَ أَنْ يَكُونَ عَلِيٌّ كَذَلِكَ.
قَالَ: وَيُؤَكِّدُ ذَلِكَ
الْحَدِيثُ الْمَنْقُولُ عَنْهُ مِنَ الْمُوَافِقِ وَالْمُخَالِفِ: «مَنْ أَرَادَ أَنْ يَرَى آدَمَ فِي عِلْمِهِ، ونوحا في طاعته، وإبراهيم في حلمه، وموسى في قومه، وعيسى فِي صَفْوَتِهِ فَلْيَنْظُرْ إِلَى عَلِيِّ بْنِ أَبِي طالب» .
فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ مَا كَانَ مُتَفَرِّقًا فِيهِمْ.
قَالَ: وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ وَالصَّحَابَةِ. وَأَجَابَ الرَّازِيُّ: بِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أَفْضَلُ مِمَّنْ لَيْسَ بِنَبِيٍّ، وَعَلِيٌّ لَمْ يَكُنْ نَبِيًّا، فَلَزِمَ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي حَقِّ جَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ.
وَقَالَ الرَّازِيُّ: اسْتِدْلَالُ الْحِمْصِيِّ فَاسِدٌ مِنْ وُجُوهٍ.
مِنْهَا قَوْلُهُ: إِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَدْعُو نَفْسَهُ بَلْ يَجُوزُ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَدْعُوَ نَفْسَهُ، تَقُولُ الْعَرَبُ:
دَعَوْتُ نَفْسِي إِلَى كَذَا فَلَمْ تُجِبْنِي، وَهَذَا يُسَمِّيهِ أَبُو عَلِيٍّ بِالتَّجْرِيدِ.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الَّذِي هُوَ غَيْرُهُ هُوَ عَلِيٌّ، لَيْسَ بِصَحِيحٍ، بِدَلِيلِ الْأَقْوَالِ الَّتِي سِيقَتْ فِي الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: وَأَنْفُسَنَا.
وَمِنْهَا قَوْلُهُ: فَيَكُونُ نَفْسُهُ مِثْلَ نَفْسِهِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الْمُمَاثَلَةِ أَنْ تَكُونَ فِي جَمِيعِ الْأَشْيَاءِ، بَلْ تَكْفِي الْمُمَاثَلَةُ فِي شَيْءٍ مَا، هَذَا الَّذِي عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ، لَا الَّذِي يَقُولُهُ الْمُتَكَلِّمُونَ: مِنْ أَنَّ الْمُمَاثَلَةَ تَكُونُ فِي جَمِيعِ صِفَاتِ النَّفْسِ، هَذَا اصْطِلَاحٌ مِنْهُمْ لَا لُغَةٌ.
فَعَلَى هَذَا تَكْفِي الْمُمَاثَلَةُ فِي صِفَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهِيَ كَوْنُهُ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ، وَالْعَرَبُ تَقُولُ: هَذَا مِنْ أَنْفُسِنَا، أَيْ: مِنْ قَبِيلَتِنَا. وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلَّ بِهِ فَمَوْضُوعٌ لَا أَصْلَ لَهُ. وَهَذِهِ النَّزْغَةُ الَّتِي ذَهَبَ إِلَيْهَا هَذَا الْحِمْصِيُّ مِنْ كَوْنِ عَلِيٍّ أَفْضَلَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ عليهم السلام سِوَى مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَتَلَقَّفَهَا بَعْضُ مَنْ يَنْتَحِلُ كَلَامَ الصُّوفِيَّةِ، وَوَسَّعَ الْمَجَالَ فِيهَا، فَزَعَمَ أَنَّ الْوَلِيَّ أَفْضَلُ مِنَ النَّبِيِّ، وَلَمْ يَقْصُرْ ذَلِكَ عَلَى وَلِيٍّ وَاحِدٍ، كَمَا قَصَرَ ذَلِكَ الْحِمْصِيُّ، بَلْ زَعَمَ: أَنَّ رُتْبَةَ الْوِلَايَةِ الَّتِي لَا نُبُوَّةَ مَعَهَا أَفْضَلُ مِنْ رُتْبَةِ النُّبُوَّةِ. قَالَ: لِأَنَّ الْوَلِيَّ يَأْخُذُ عَنِ اللَّهِ بِغَيْرِ