الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
(12) - (1463) - بَابُ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ
(57)
- 3967 - (1) حَدَّثَنَا يُوسُفُ بْنُ حَمَّادٍ الْمَعْنِيُّ وَيَحْيَى بْنُ دُرُسْتَ قَالَا: حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ، عَنْ عَاصِمٍ، عَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ، عَنْ أَبِيهِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ
===
(12)
- (1463) - (باب الصبر على البلاء)
(57)
- 3967 - (1)(حدثنا يوسفُ بن حماد المَعْنِيُّ) - بفتح الميم وسكون المهملة ثم نون وتشديد الياء - نسبة إلى جدهِ مَعْنٍ، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (245 هـ). يروي عنه:(م ت س ق).
(ويحيى بنُ دُرُسْتَ) - بضمتين وسكون المهملة - ابن زياد البصري، ثقة، من العاشرة. يروي عنه:(ت س ق).
كلاهما (قالا: حدثنا حماد بن زيد) بن درهم الأزدي أبو إسماعيل البصري، ثقة ثبت فقيه، من كبار الثامنة، مات سنة تسع وسبعين ومئة (179 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن عاصم) بن بهدلة، وهو ابن أبي النجود الأسدي مولاهم الكوفي أبي بكر المقرئ، صدوق له أوهام، من السادسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (128 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن مصعب بن سعد) بن أبي وقاص الزهري أبي زُرارة المدني، ثقة، من الثالثة، مات سنة ثلاث ومئة (153 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن أبيه سعد بن أبي وقاص) مالك بن أهيب بن عبد مناف بن زهرة الزهري، أحد العشرة المبشرة بالجنة، رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: "الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ؛ يُبْتَلَى الْعَبْدُ عَلَى حَسَبِ دِينِهِ؛ فَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ صُلْبًا
===
(قال) سعد: (قلت: يا رسول الله، أي) أفراد (الناس أشد) أي: أكثر أو أصعب (بلاءً؟ ) أي: محنةً ومصيبةً (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: أشدهم بلاء وامتحانًا (الأنبياء) أي: هم أشدهم في الابتلاء؛ لأنهم يتلذذون بالبلاء؛ كما يتلذذ غيرهم بالنعماء، ولأنهم لو لم يبتلوا .. لتوهم فيهم الألوهية، وليوهن على الأمة الصبر على البلية، ولأن من كان أشد بلاءً .. كان أشد تضرعًا والتجاءً إلى الله تعالى (ثم الأمثل فالأمثل) أي: ثم أشدهم بلاءً الأمثل والأفضل الذي يلي الأنبياء رتبةً، ثم بعد ذلك الأمثلِ والأفضلِ الذي يلي الأنبياء .. الأفضلُ الذي يلي ذلك الأمثل.
قال الحافظ: (الأمثل) أفعل؛ من المثالة، والجمع أماثل؛ وهم الفضلاء، وقال ابن الملك: أي: الأشرف فالأشرف، والأعلى فالأعلى رتبةً ومنزلةً.
يعني: من هو أقرب إلى الله تعالى .. بلاؤه اشتد؛ ليكون ثوابه أكثر.
قال الطيبي: (ثم) فيه للتراخي في الرتبة، و (الفاء) للتعقيب على سبيل التوالي تنزلًا من الأعلى إلى الأسفل، و (اللام) في (الأنبياء) للجنس.
قال القاري: ويصح كونها للاستغراق، إذ لا يخلو واحد منهم من عظيم محنة وجسيم بلية بالنسبة لأهل زمنه، يدل عليه قوله:(يبتلئ) بالبناء للمفعول؛ أي: يختبر (العبد على حسب دينه) أي: على مقدار دينه ضعفًا وقوةً، ونقصًا وكمالًا.
قال الطيبي: الجملة بيان للجملة الأولى، و (اللام) في (العبد) للاستغراق في الأجناس المتوالية.
قوله: (فإن كان) تفصيل للابتلاء، أي: فإن كان قدره (في دينه صلبًا) - بضم الصاد المهملة - أي: قوة شديدًا، وهو خبر كان، والجار والمجرور
اشْتَدَّ بَلَاؤُهُ، وَإِنْ كَانَ فِي دِينِهِ رِقَّةٌ .. ابْتُلِيَ عَلَى حَسَبِ دِينِه، فَمَا يَبْرَحُ الْبَلَاءُ بِالْعَبْدِ حَتَّى يَتْرُكَهُ يَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهِ مِنْ خَطِيئَةٍ".
===
متعلق بالخبر، واسم كان ضمير يعود على العبد؛ فإن كان العبد قويًّا في دينه .. (اشتد بلاؤه) أي: ابتلاؤه في دينه؛ أي: كمية وكيفية (وإن كان في دينه رقة) أي: ذا رقة وضعف (ابتلي على حسب دينه) أي: ببلاء هين سهل.
ويحتمل أن يكون (رقة) اسم كان؛ أي: وإن كان رقة وضعف كائنًا في دينه .. ابتلي بحسب دينه؛ أي: ببلاءٍ هينٍ سهلٍ.
قال الطيبي: جعل (الصلابة) صفة له، و (الرقة) صفة لدينه؛ مبالغةً على الأصل، قال القاري: وكان الأصل في (الصلب) أن يستعمل في الجثث، وفي (الرقة) أن تستعمل في المعاني، ويمكن أن يحمل على التفنن في العبارة. انتهى.
والبلاء في مقابلة النعمة؛ فمن كانت النعمة عليه أكثر .. فبلاؤه أغزر.
(فما يبرح البلاء) أي: ما يفارق أو ما يزال (بالعبد) أي: بالإنسان؛ أي: ملتبسًا به (حتى يتركه) ويصيره؛ لأنه من ترك بمعنى: صير؛ لأنه من أفعال التصيير؛ أي: حتى يصيره (يمشي على الأرض وما عليه من خطيئة) أي: ذنب، وهذا كناية عن خلاصه من الذنوب، فكأنه كان محبوسًا، ثم أطلق وخلي سبيله يمشي ما عليه باس. انتهى من "تحفة الأحوذي".
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزهد، باب ما جاء في الصبر على البلاء، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، وفي الباب عن أبي هريرة وأخت حذيفة بن اليمان، وذكره أحمد في "المسند"، والحاكم في كتاب الإيمان، وقال: هذا حديث حسن صحيح على شرط الشيخين، وذكر شاهدًا له.
(58)
- 3968 - (2) حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَّنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي فُدَيْكٍ، حَدَّثَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ،
===
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وله شواهد؛ كما قد عرفت، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.
ثم استشهد المؤلف لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(58)
- 3968 - (2)(حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم) بن عمرو العثماني مولاهم الدمشقي، لقبه دحيم - مصغرًا - ثقة حافظ متقن، من العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (245 هـ). يروي عنه:(خ د س ق).
(حدثنا) محمد بن إسماعيل بن مسلم (بن أبي فديك) دينار الديلي مولاهم المدني، صدوق، من صغار الثامنة، مات سنة مئتين (200 هـ). يروي عنه:(ع).
(حدثنا هشام بن سعد) المدني أبو عباد، أو أبو سعيد، صدوق له أوهام، ورمي بالتشيع، من كبار السابعة، مات سنة ستين ومئة (160 هـ)، أو قبلها. يروي عنه:(م عم).
(عن زيد بن أَسْلم) العدوي مولى عمر أبي عبد الله المدني، ثقة عالم، وكان يرسل، من الثالثة، مات سنة ست وثلاثين ومئة (136 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن عطاء بن يسار) الهلالي أبي محمد المدني مولى ميمونة أم المؤمنين رضي الله تعالى عنها، ثقة فاضل صاحب مواعظ وعبادة، من صغار الثانية،
عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ: دَخَلْتُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُوعَكُ، فَوَضَعْتُ يَدِي عَلَيْهِ فَوَجَدْتُ حَرَّهُ بَيْنَ يَدَيَّ فَوْقَ اللِّحَاف، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ مَا أَشَدَّهَا عَلَيْكَ! قَالَ: "إِنَّا كَذَلِكَ يُضَعَّفُ لَنَا الْبَلَاءُ وَيُضَعَّفُ لَنَا الْأَجْرُ"،
===
مات سنة أربع وتسعين (94 هـ)، وقيل بعد ذلك. يروي عنه:(ع).
(عن أبي سعيد الخدري) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أبو سعيد: (دخلت على النبي صلى الله عليه وسلم وهو) أي: والحال أنه (يُوعَكُ) - بالبناء للمفعول - أي: يُحَمَّ من الوَعْكِ؛ وهو الحُمَّى، وقيل: أَلَمُها، يقال: قد وَعَكَه المرضُ وَعْكًا، وَوُعِكَ فهو موعوك (فوضعت يدي) بالإفراد (عليه) أي: على جسده الشريف؛ لأُجرِّب قَدْرَ وَعْكِه (فوجدت حره) أي: حر جسده (بين يدي) بلفظ التثنية (فوق اللحاف) والظرف متعلق بوجدت، يقال: التحف بالثوب؛ إذا تغطى به في جميع جسده؛ واللحاف - بكسر اللام -: ما يلتحف به في جميع البدن، وكل شيء تغطيت به .. فقد التحفت به.
(فقلت) له صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله؛ ما أشدها) أي: أي شيء جعلها شديدة (عليك! ) فـ (قال) لي رسول الله صلى الله عليه وسلم في جواب سؤالي عن شدتها عليه: (إنا) معاشر الأنبياء كائنون (كذلك) أي: كما رأيت علي من شدة الحمى علينا؛ فإنا معاشر الأنبياء (يضعف لنا البلاء) من التضعيف؛ أي: يجعل علينا البلاء والضرر ضعفين (ويضعف لنا الأجر) عليه؛ أي: يعطى لنا الأجر عليه؛ أي: ضعفي ما لغيرنا؛ مكافئةً على تضعيف البلاء علينا.
قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَيُّ النَّاسِ أَشَدُّ بَلَاءً؟ قَالَ: "الْأَنْبيَاءُ"، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ؛ ثُمَّ مَنْ؟ قَالَ: "ثُمَّ الصَّالِحُونَ؛ إِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيُبْتَلَى بِالْفَقْرِ حَتَّى مَا يَجِدُ أَحَدُهُمْ إِلَّا الْعَبَاءَةَ يُحَوِّيهَا، وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمْ لَيَفْرَحُ بِالْبَلَاءِ كَمَا يَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِالرَّخَاءِ".
===
قال أبو سعيد: (قلت: يا رسول الله؛ أي الناس أشد بلاءً؟ ) أي: ابتلاء في نفسه أو أهله أو ماله (قال): أشد الناس بلاءً هم (الأنبياء).
قال أبو سعيد: (قلت: يا رسول الله؛ ثم من) أشد بلاء؟ (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ثم الصالحون) أي: القائمون بما عليهم من حقوق الله وحقوق العباد.
(إن) مخففة من الثقيلة؛ أي: إن الشأن والحال (كان أحدهم) أي: أحد الصالحين (ليبتلى) ويمتحن (بالفقر) والمسكنة (حتى ما يجد أحدهم) ما يضع على ظهر دابته من الرحل عند الركوب عليها (إلا العباءة) وهي بالهمز، وكذا العباية - بالياء -: ضرب من الأكسية، تلبسها الأعراب، والجمع عباءات، حالة كونه (يحويها) أي: يلفها حول سنام بعيره، فيركب عليها.
قال في "النهاية": التحوية: أن يدير كساءه حول سنام البعير، ثم يركبه، والاسم: الحوية، والجمع الحوايا.
وفي بعض النسخ: (يتجوبها) أي: يدخل فيها، وفي "حاشية السندي"(يحوبها)، وفي بعض النسخ أيضًا:(يُجوِّبها) أي: يخرقها ويقطعها، وكلُّ شيء قطع وسطه فهو مُجوَّب.
(وإن كان أحدهم) أي: وإنه كان أحدهم اليفرح بالبلاء) أي: بوقوع البلاء والضرر عليه (كما يفرح أحدكم بالرخاء) أي: بسعة العيش عليه.
(59)
- 3969 - (3) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ عَبْدِ اللهِ قَالَ: كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يَحْكِي نَبِيًّا مِنَ
===
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح، لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص.
ثم استشهد المؤلف ثانيًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث ابن مسعود رضي الله عنهما، فقال:
(59)
- 3969 - (3)(حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة حافظ، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (234 هـ). يروي عنه:(ع).
(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقة ثبت، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه:(ع).
(حدثنا) سليمان (الأعمش) الكاهلي الأسدي، ثقة ثبت، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه:(ع).
(عن) أبي وائل (شقيق) بن سلمة الأسدي الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز، وله مئة سنة. يروي عنه:(ع).
(عن عبد الله) بن مسعود الهذلي الكوفي الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) عبد الله: (كأني أنظر) الآن (إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو) أي: والحال أنه صلى الله عليه وسلم (يحكي) ويصف لنا (نبيًّا من
الْأَنْبِيَاءِ ضَرَبَهُ قَوْمُهُ وَهُوَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ: "رَبِّ؛ اغْفِرْ لِقَوْمِي؛ فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ".
===
الأنبياء) عليهم الصلاة والسلام، قال الحافظ في "الفتح": لم أر اسم هذا النبي صريحًا.
ويحتمل أن يكون هو نوحًا عليه السلام؛ فقد ذكر ابن إسحاق في "المبتدأ"، وأخرجه ابن أبي حاتم في تفسير الشعراء من طريق ابن إسحاق قال:(حدثني من لا أتهم عن عبيد بن عمير الليثي أنه بلغه أن قوم نوح كانوا يبطشون به فيخنقونه، حتى يغشى عليه، فإذا أفاق .. قال: اللهم؛ اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون).
قلت: إن صح ذلك .. فكأن ذلك في ابتداء الأمر، ثم لما يئس منهم قال:{رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا} (1)
وقد مر عن الطبراني أن نبينا صلى الله عليه وسلم دعا بالمغفرة لقومه بمثل هذا اللفظ عندما جرح في غزوة أحد.
وجملة قوله: (ضربه قومه) صفة ثانية و (نبيًّا)، (وهو) أي: والحال أن ذلك النبي (يمسح الدم عن وجهه ويقول: "رب؛ اغفر لقومي؛ فإنهم لا يعلمون") وفي رواية مسلم: (ينضح) - بكسر الضاد - أي: يغسل.
قال الأبي: يحتمل أن يكون نفسه صلى الله عليه وسلم، ويعضده ما ذكر أنه قال يوم أحد ذلك؛ والمراد بالمغفرة المدعو بها: هدايتهم إلى الإيمان، لا المغفرة الحقيقية؛ لأن الله لا يغفر أن يشرك به. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب رقم (5)، ومسلم في كتاب الجهاد والسير، باب غزوة أحد، وأحمد في "المسند".
(1) سورة نوح: (26).
(60)
- 3970 - (4) حَدَّثَنَا حَرْمَلَةُ بْنُ يَحْيَى وَيُونُسُ بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ وَهْبٍ، أَخْبَرَنِي يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ
===
فالحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثالثًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(60)
- 3970 - (4)(حدثنا حرملة بن يحيى) بن عبد الله التجيبي المصري، صدوق، من الحادية عشرة، مات سنة ثلاث أو أربع وأربعين ومئتين. يروي عنه:(م س ق).
(ويونس بن عبد الأعلى) بن ميسرة الصدفي أبو موسى المصري، ثقة، من صغار العاشرة، مات سنة أربع وستين ومئتين (264 هـ). يروي عنه:(م س ق).
كلاهما (قالا: حدثنا عبد الله بن وهب) بن مسلم القرشي مولاهم المصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة سبع وتسعين ومئة (197 هـ). يروي عنه:(ع).
(أخبرني يونس بن يزيد) الأيلي الأموي، ثقة، من السابعة، مات سنة تسع وخمسين ومئة على الصحيح، وقيل: سنة ستين ومئة. يروي عنه: (ع).
(عن) محمد بن مسلم (ابن شهاب) الزهري المدني، ثقة، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).
(عن أبي سلمة) عبد الله (بن عبد الرحمن بن عوف) الزهري المدني، ثقة فقيه، من الثالثة، مات سنة أربع وتسعين أو أربع ومئة. يروي عنه:(ع).
وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّب، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "نَحْنُ أَحَقُّ بِالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيمَ
===
(وسعيد بن المسيب) بن حزن المخزومي المدني، ثقة، من كبار التابعين، مات بعد التسعين. يروي عنه:(ع).
كلاهما رويا (عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: نحن) معاشر الأنبياء (أحق) وأولى وأحرى (بالشك) أي: بتطرق الشك في الإيمان، لو فرض وقدر في إيمان الأنبياء عليهم السلام فضلًا (من إبراهيم) الذي هو خليل الرحمن؛ فليس سؤاله إراءة الإحياء؛ للشك في قدرة الله تعالى على الإحياء، بل طلبًا لطمأنينة القلب وزيادة الإيمان.
والمعنى: أن الشك مستحيل في حق إبراهيم عليه السلام؛ فإن الشك في إحياء الموتى لو كان متطرقًا إلى الأنبياء .. لكنت أنا أحق من إبراهيم، وقد علمتم أني لم أشك، فاعلموا أن إبراهيم عليه السلام لم يشك.
وإنما خص إبراهيم بالذكر من بين الأنبياء؛ لكون الآية قد يسبق منها إلى بعض الأذهان الفاسدة احتمال شك إبراهيم عليه السلام.
وإنما رجح إبراهيم على نفسه؛ تواضعًا وأدبًا، أو كان ذلك من قبل أن يعلم صلى الله عليه وسلم أنه خير ولد آدم.
قال صاحب "التحرير": قال جماعة من العلماء: لما نزل قوله تعالى {أَوَلَمْ تُؤْمِنْ} (1) .. قالت طائفة من المسلمين: شك إبراهيم ولم يشك نبينا، فقال صلى الله عليه وسلم:"نحن أحق بالشك منه".
(1) سورة البقرة: (260).
إِذْ قَالَ: {رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ
===
ثم قال ذلك البعض: ويقع لي فيه معنيان:
أحدهما: أنه خرج مخرج العادة في الخطاب؛ فإن من أراد المدافعة عن إنسان .. قال للمتكلم فيه: ما كنتَ قائلًا لفلان، أو فاعلًا له من مكروه .. فقله لي، وافعله معي؛ ومقصوده: لا تقل ذلك فيه، ولا تفعل به.
وثانيهما: أن معناه: أن هذا الذي تظنونه شكًّا من إبراهيم أنا أولى به؛ فإنه ليس بشك منه، وإنما هو طلب لمزيد اليقين.
وقيل: غير هذا من الأقوال، ولكن اقتصرنا على ما ذكرناه؛ لكونه أصحها وأوضحها، والله أعلم.
والظرف في قوله: (إذ قال) متعلق بمحذوف حال من الشك؛ تقديره: نحن أحق بالشك من إبراهيم، حال كون الشك مظنونًا منه وقت قوله:({رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِ الْمَوْتَى})(1) أي: وقت طلبه من ربه إراءة كيفية إحياء الموتى حين قال: (رب أرني
…
) إلى آخره، سأله عن إراءة كيفية إحياء الموتى مع إيمانه الجازم بالقدرة الربانية، فكان يريد أن يعلم بالعيان ما كان يوقن به بالوجدان.
قال الحسن والضحاك وقتادة وعطاء بن جريج: سبب سؤاله أنه رأى جيفةً مطروحة في شط البحر، وقد توزعها دواب البحر والبر، وإذا مد البحر .. أكل منها دواب البحر، وإذا جزر البحر .. جاءت السباع فأكلت منها، وإذا ذهب السباع .. جاءت الطيور فأكلت وطارت، فلما رأى إبراهيم ذلك .. تعجب منها، وقال: يا رب؛ إني قد علمت إنك لتجمعنها من بطون السباع وحواصل الطيور وأجواف الدواب، فأرني كيف تحييها؛ لأعاين ذلك، فأزداد يقينًا، فعاتبه الله على ذلك حيث قال:({قَالَ}) لأبراهيم جل جلاله: ({أَوَلَمْ تُؤْمِنْ})؟ أي:
(1) سورة البقرة: (260).
قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي}، وَيَرْحَمُ اللهُ لُوطًا لَقَدْ كَانَ يَأْوِي إِلَى رُكْنٍ شَدِيدٍ،
===
أتسألني عن ذلك والحال أنك لم توقن وتصدق بقدرتي على الإحياء.
قال العلماء: والهمزة فيه همزة إثبات؛ كقول جرير:
ألستم خير من ركب المطايا
…
وأندى العالمين بطون راحِ
فـ ({قَالَ}) إبراهيم: ({بَلَى}) يا رب، آمنت وصدقت أنك قادر على الإحياء، وليس سؤالي لعدم إيماني بذلك ({وَلَكِنْ}) سألتك عن ذلك ({لِيَطْمَئِنَّ}) أي: ليوقن ({قَلْبِي})(1) ويزداد طمأنينة وبصيرة بمضامة العيان إلى الاستدلال.
أو: سألتك؛ لتسكن حرارة قلبي، وأعلم باني خليلك مجاب الدعوة، والمطلوب من السؤال أن يصير العلم بالاستدلال ضروريًا بالعيان.
فإن قلت: كيف قال: (أولم تؤمن) وقد علم أنه أثبت الناس إيمانًا؟ !
قلت: ليجيب بما أجابه به؛ لما فيه من الفائدة الجليلة للسامعين.
وقصة إبراهيم هذه هي موضع الترجمة، وذكر ما بعدها؛ لإتمام الحديث.
قوله: قال (ويرحم الله لوطًا) معطوف بعاطف مقدر على (قال) الأول؛ أي: وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا في شأن لوط بن هاران عليه السلام: ويرحم لوطًا؛ أي: يكرم الله سبحانه وتعالى لوط بن هاران برحمته وإحسانه وكرامته، والله (لقد كان) لوط (يأوي) ويلتجئ من إذاية قومه (إلى ركن) وملجأ (شديد) أي: قوي وحصن حصين مانع حافظ من إذاية العدو.
وقال النووي: فالمراد بـ (الركن الشديد): هو الله سبحانه وتعالى؛ فإنه أشد الأركان وأقواها وأمنعها.
(1) سورة البقرة: (260).
وَلَوْ لَبِثْتُ فِي السِّجْنِ طُولَ مَا لَبِثَ يُوسُفُ .. لَأَجَبْتُ الدَّاعِيَ".
===
ومعنى الحديث - والله أعلم -: أن لوطًا عليه السلام لما خاف على أضيافه، ولم يكن له عشيرة تمنعهم من الظالمين .. ضاق ذرعه، واشتد حزنه عليهم، فغلب ذلك عليه، فقال في تلك الحال: لو أن لي بكم قوةً في الدفع بنفسي، أو آوي إلى عشيرة تمنع .. لمنعتكم.
وقصد لوط عليه السلام إظهار العذر عند أضيافه، وأنه لو استطاع دفع المكروه عنهم بطريق ما .. لفعله، وأنه بذل وسعه في إكرامهم والمدافعة عنهم، ولم يكن ذلك إعراضًا منه عليه السلام عن الاعتماد على الله تعالى، وإنما كان لما ذكرناه؛ من تطييب قلوب الأضياف.
ويجوز أن يكون نسي الالتجاء إلى الله تعالى في حمايتهم، ويجوز أن يكون التجأ فيما بينه وبين الله تعالى، وأظهر للأضياف التألم وضيق الصدر، والله تعالى أعلم.
وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا في شأن يوسف بن يعقوب عليهما السلام: (ولو لبثت) ومكثت (في السجن) والحبس (طول ما لبث يوسف) عليه السلام؛ أي: لبثًا كاللبث الطويل الذي لبثه يوسف فيه؛ لأنه لبث فيه سبع سنين .. (لأجبت الداعي) لي إلى الخروج منه وما تأنيت.
و(يوسف) فيه ست لغات: ضم السين وكسرها وفتحها مع الهمز فيهن وبتركه، وهذا ثناء على يوسف عليه السلام وبيان لصبره وتأنيه.
والمراد بالداعي: رسولُ المَلِكِ الذي أخبر الله سبحانه وتعالى عنه أنه قال: {ائْتُونِي بِهِ فَلَمَّا جَاءَهُ الرَّسُولُ قَالَ ارْجِعْ إِلَى رَبِّكَ فَاسْأَلْهُ مَا بَالُ النِّسْوَةِ اللَّاتِي قَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ} (1)، فلم يخرج يوسف مبادرًا إلى الراحة ومفارقة السجن الطويل، بل
(1) سورة يوسف: (50).
(61)
- 3971 - (5) حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى
===
تثبت وتوقر وراسل الملك في كشف أمره الذي سجن بسببه؛ لتظهر براءته عند الملك وغيره، ويلقاه مع اعتقاده براءته مما نسب إليه ولا خجل من يوسف ولا غيره، فبين رسول الله صلى الله عليه وسلم فضيلة يوسف في هذا، وقوة نفسه في الخير، وكمال صبره، وحسن نظره.
وقال النبي صلى الله عليه وسلم عن نفسه ما قاله؛ تواضعًا وإيثارًا للإبلاغ في بيان كمال فضيلة يوسف عليه السلام، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب التفسير، باب {وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي
…
} الآية (1)، ومسلم في كتاب الإيمان، باب زيادة طمأنينة القلب بتظاهر الأدلة.
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص.
ثم استشهد المؤلف رابعًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث أنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(61)
- 3971 - (5)(حدثنا نصر بن علي) بن نصر بن علي بن صهبان (الجهضمي) البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمسين ومئتين، أو بعدها. يروي عنه:(ع).
(ومحمد بن المثنى) العنزي، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (252 هـ). يروي عنه:(ع).
(1) سورة البقرة: (260).
قَالَا: حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ .. كُسِرَتْ رَبَاعِيَةُ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَشُجَّ،
===
كلاهما (قالا: حدثنا عبد الوهاب) بن عبد المجيد الثقفي البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (194 هـ). يروي عنه:(ع).
(حدثنا حميد) بن أبي الحميد الطويل أبو عبيدة البصري، اختلف في اسم أبيه على نحو عشرة أقوال: منها: تير، وتيرويه، وقيل: زادويه، مولى طلحة الطلحات، ثقة، من الخامسة. يروي عنه:(ع). مات سنة اثنتين، ويقال: ثلاث وأربعين ومئة (143 هـ).
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من رباعياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (لما كان) ووقع (يوم) غزوة (أحد .. كُسرت) بالبناء للمفعول (رباعيةُ) - بفتح الراء وتخفيف الياء على وزن الثمانية - هي السن التي تلي الثنية من كل جانب وللإنسان أربع رباعيات؛ والثنايا: الأسنان التي في مقدم الفم، وكان الذي كسر رباعيته وجرح شفته .. عتبة بن أبي وقاص.
وكان سعد بن أبي وقاص أخوه يقول: ما حرصت على قتل أحد قط حرصي على قتل عتبة بن أبي وقاص. انتهى من "الأبي".
(رسولِ الله صلى الله عليه وسلم وشُج) رأسه؛ أي: جرح، والجراحة إذا كانت في الوجه أو في الرأس .. تسمى شجة.
ومجموع ما ذكر في الأخبار أنه شج وجهه، وكسرت رباعيته، وجرحت وجنته وشفته السفلى من باطنها، وجرح منكبه من ضربة ابن قمئة، وجحشت ركبته.
وروى عبد الرزاق عن معمر عن الزهري، قال:(ضرب وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ بالسيف سبعين ضربة، وقاه الله تعالى شرها كلها)، وهذا مرسل قوي.
فَجَعَلَ الدَّمُ يَسِيلُ عَلَى وَجْهِه، وَجَعَلَ يَمْسَحُ الدَّمَ عَنْ وَجْهِهِ وَيَقُولُ:"كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ خَضَبُوا وَجْهَ نَبِيِّهِمْ بِالدَّمِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللهِ؟ ! "، فَأَنْزَلَ اللهُ عز وجل:{لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} .
===
ويحتمل أن يراد بـ (السبعين): حقيقتها، أو المبالغة في الكثرة لا العدد المخصوص، قاله الحافظ في "الفتح"(7/ 372).
(فجعل الدم) أي: شرع (يسيل على وجهه) الشريف (وجعل يمسح الدم عن وجهه) أي: شرع يمسح الدم عن وجهه ورأسه بشدة (ويقول) معطوف على يمسح: (كيف يفلح) ويفوز (قوم خضبوا وجه نبيهم) ورأسه (بالدم وهو) أي: والحال أنه (يدعوهم) ويهديهم (إلى) رضا (الله) تعالى؟ ! والاستفهام للإنكار المضمن معنى التعجب؛ أي: لا يفلحون (فأنزل الله عز وجل: {لَيْسَ لَكَ}) يا محمد ({مِنَ الْأَمْرِ}) أي: من الحكم في عبادي ({شَيْءٌ}) إلا ما أمرتك به فيهم؛ فإن الأمر فيهم كله لله عز وجل، إن شاء .. يستأصلهم، {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} مما هم فيه من الكفر، فيهديهم بعد الضلالة، {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} في الدنيا والآخرة على كفرهم وذنوبهم، ولذلك قال في آخر الآية:{فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} (1) أي: يستحقون ذلك.
ومعنى الآية: {لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ} ؛ أي: لست تملك إصلاحهم ولا تعذيبهم، بل ذلك ملك الله، فاصبر {أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ} بالإسلام {أَوْ يُعَذِّبَهُمْ} بالقتل والأسر والنهب {فَإِنَّهُمْ ظَالِمُونَ} بالكفر.
والمعنى: أن الله مالك أمرهم، يصنع بهم ما يشاء؛ من الإهلاك، أو العزيمة، أو التوبة إن أسلموا، أو العذاب إن أصروا على الكفر.
قال الفراء: (أو) بمعنى (إلا) والمعنى: إلا أن يتوب عليهم، فتفرح
(1) سورة آل عمران: (128).
(62)
- 3972 - (6) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ طَرِيفٍ، حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش،
===
بذلك أو يعذبهم، فتشتفي بهم. انتهى من "التحفة".
قال القاضي عياض: وإصابة الأنبياء عليهم السلام بمثل هذا .. توفير لأجورهم، ولتتسلى بهم أممهم، وليعلمهم أنهم من جنس البشر مخلوقون، فلا يجد الشيطان تلبيسًا عليهم بما أجرى على أيديهم من خارق العادة؛ كما لبس على عيسى عليه السلام حتى ادعوا ألوهيته.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في باب غزوة أحد، والترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب (4) ومن سورة آل عمران، والنسائي، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.
ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص.
ثم استشهد المؤلف خامسًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث آخر لأنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(62)
- 3972 - (6)(حدثنا محمد بن طريف) بن خليفة أبو جعفر الكوفي، من صغار العاشرة، صدوق، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (242 هـ)، وقيل قبل ذلك. يروي عنه:(م د ت ق).
(حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (195 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن) سليمان (الأعمش) ثقة قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه:(ع).
عَنْ أَبِي سُفْيَانَ، عَنْ أَنَسٍ قَالَ: جَاءَ جِبْرِيلُ عليه السلام ذَاتَ يَوْمٍ إِلَى رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ جَالِسٌ حَزِين قَدْ خُضِّبَ بِالدِّمَاءِ؛ قَدْ ضَرَبَهُ بَعْضُ أَهْلِ مَكَّةَ فَقَالَ: مَا لَكَ؟ قَالَ: "فَعَلَ بِي هَؤُلَاءِ وَفَعَلُوا"، قَالَ: أَتُحِبُّ أَنْ أُرِيَكَ آيَةً، قَالَ:"نَعَمْ، أَرِنِي" فَنَظَرَ إِلَى شَجَرَةٍ مِنْ وَرَاءِ
===
(عن أبي سفيان) طلحة بن نافع القرشي مولاهم الواسطي المكي الإسكاف، صدوق، من الرابعة. يروي عنه:(ع).
(عن أنس) بن مالك رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) أنس: (جاء جبريل عليه السلام ذات يوم) أي: يومًا من الأيام، ولفظة:(ذات) مقحمة، أو من إضافة الشيء إلى نفسه (إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو) صلى الله عليه وسلم (جالس حزين) أي: مهموم (قد خُضِّب) - بالبناء للمفعول - من التخضيب؛ أي: قد جُعل جِسْمهُ مخضوبًا (بالدماء) و (قد ضربه بعض أهل مكة) فسالَتْ منه دماء كثيرة، فصارت على جسمه كخضابِ الحِنَّاءِ (فقال) له صلى الله عليه وسلم جبريل عليه السلام:(ما لك؟ ) أي: أي شيء ثبت لك يا محمد؛ إني أراك محزونًا مخضوبًا بالدماء، من فعل بك هذا الضرب الشديد حتى سالت منك دماء كثيرة؟
فـ (قال) صلى الله عليه وسلم لجبريل: (فعل بي هؤلاء) القوم الحاضرون الضرب الشديد (وفعلوا) أي: أجروا مني هذه الدماء الكثيرة، فـ (قال) له جبريل:(أتحب) يا محمد (أن أريك آيةً) دالة على فضلك وصدقك وكرامتك عند ربك؟
فـ (قال) له رسول الله صلى الله عليه وسلم: (نعم) أحب تلك الآية، فـ (أرنيـ) ها (فنظر) جبريل (إلى شجرة) كانت (من وراء) وخلف أشجار
الْوَادِي قَالَ: ادْعُ تِلْكَ الشَّجَرَةَ، فَدَعَاهَا فَجَاءَتْ تَمْشِي حَتَّى قَامَتْ بَيْنَ يَدَيْه، قَالَ: قُلْ لَهَا فَلْتَرْجِعْ، فَقَالَ لَهَا فَرَجَعَتْ، حَتَّى عَادَتْ إِلَى مَكَانِهَا، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:"حَسْبِي".
===
ذلك (الوادي) الذي كان فيه النبي صلى الله عليه وسلم، فـ (قال) جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم:(ادع) أي: ناد أنت يا محمد إلى (تلك الشجرة) التي أريتك من وراء الوادي (فدعاها) أي: فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تلك الشجرة (فجاءت) تلك الشجرة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حالة كونها (تمشي) إلى جهة رسول الله صلى الله عليه وسلم (حتى قامت) تلك الشجرة (بين يديه) وقدامه.
فـ (قال) جبريل لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (قل) يا محمد (لها) أي: لهذه الشجرة المجيبة إلى دعوتك: ارجعي إلى محلك (فلترجع) إلى محلها ومنبتها (فقال لها) رسول الله صلى الله عليه وسلم: ارجعي إلى محلك ومنبتك (فرجعت) تلك الشجرة من عنده صلى الله عليه وسلم (حتى عادت) تلك الشجرة (إلى مكانها) الأول واستقرت فيه (فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: هذا الأمر الذي رأيته من الشجرة من طاعتها لي؛ إتيانًا ورجوعًا (حسبي) في دلالته على صدقي ورسالتي وكرامتي عند ربي؛ أي: كافي عن طلب غيره من المعجزات والكرامات.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث حذيفة رضي الله عنهما، فقال:
(63)
- 3973 - (7) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَا: حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ شَقِيقٍ، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "أَحْصُوا لِي كُلَّ مَنْ تَلَفَّظَ بِالْإِسْلَامِ"،
===
(63)
- 3973 - (7)(حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير) الهمداني الكوفي، ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة أربع وثلاثين ومئتين (234 هـ). يروي عنه:(ع).
(وعلي بن محمد) الطنافسي الكوفي، ثقة عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).
كلاهما (قالا: حدثنا أبو معاوية) محمد بن خازم الضرير التميمي الكوفي، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (195 هـ). يروي عنه (ع).
(عن الأعمش) سليمان بن مهران الأسدي الكوفي، ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه:(ع).
(عن شقيق) بن سلمة الأسدي أبي وائل الكوفي، ثقة مخضرم، من الثانية، مات في خلافة عمر بن عبد العزيز. يروي عنه:(ع).
(عن حذيفة) بن اليمان رضي الله تعالى عنهما، مات في أول خلافة علي سنة ست وثلاثين (36 هـ). يروي عنه:(ع).
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.
(قال) حذيفة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أحصوا لي) - بقطع الهمزة - من أحصى الرباعي، ومنه قوله تعالى:{وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا} (1)؛ أي: اضبطوا لي بالعدد المعلوم (كل من تلفظ بالإسلام) أي: جملة من يتلفظ
(1) سورة الجن: (28).
قُلْنَا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ أَتَخَافُ عَلَيْنَا وَنَحْنُ مَا بَيْنَ السِّتِّ مِئَةٍ إِلَى السَّبْعِ مِئَةٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم:
===
بالإسلام، قال الحافظ: ولعله كان ذلك يوم خروجهم إلى أحد، أو غيره.
قال: ثم رأيت في "شرح ابن التين" الجزم بأن ذلك كان عند حفر الخندق، وحكى الداوودي احتمال أن ذلك وقع لما كانوا بالحديبية؛ لأنه قد اختلف في عددهم؛ هل كانوا (ألفًا وخمس مئة) أو (ألفًا وأربع مئة). انتهى من هامش "الإكمال".
وفي هذه الرواية دلالة على مشروعية كتابة دواوين الجيش، وقد يتعين ذلك عند الاحتياج إلى تمييز من يصلح للمقاتلة ممن لا يصلح.
وفي رواية النسائي وغيره: (أحصوا لي من كان يلفظ بالإسلام)، وفي رواية أبي يعلى الموصلي:(أحصوا كل من تلفظ بالإسلام).
قال حذيفة: فـ (قلنا) معاشر الحاضرين للنبي صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله؛ أتخاف) العدو (علينا) لأجل قلة عددنا وعددنا؟ ! بلى، نحن كثيرو العدد، متوفرو العُدد؛ فالهمزة للاستفهام الإنكاري (ونحن) الآن من حيث العدد (ما بين الست مئة) وما فوقها (إلى السبع مئة) أي: عددنا الآن عدد مبدؤه ست مئة وما دونها، ونهايته سبع مئة وما فوقها، فلا نخاف من العدو من أجل القلة.
وفي هذه الرواية إدخال أل على المضاف، مع أنه ليس من مواضعه، إلا أن يقال: إن الألف واللام هنا زائدتان، فلا اعتداد بدخولهما.
ولفظ: (المئة) مجرور بالمضاف في الموضعين، وفي غير رواية المؤلف ومسلم:(ست مئة إلى سبع مئة) وهذا ظاهر لا إشكال فيه من جهة العربية.
قال حذيفة: (فقال) لنا (رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تثقوا
"إِنَّكُمْ لَا تَدْرُونَ لَعَلَّكُمْ أَنْ تُبْتَلَوْا"، قَالَ: فَابْتُلِينَا حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ مِنَّا مَا يُصَلِّي إِلَّا سِرًّا.
===
بكثرتكم، ولا تتكلوا عليها؛ فـ (إنكم لا تدرون) أي: لا تعلمون ما سيقع لكم ويصيبكم من الفتن، ولا تنفعكم كثرة العدد والعدد معها (لعلكم أن تبتلوا) وتصابوا بالفتن والبلايا و (لعل) هنا للإشفاق؛ وهو الخوف من المكروه؛ أي: أشفق وأخاف عليكم أن تصابوا بالفتن المانعة لكم من إظهار الإسلام؛ كما وقع لضعفاء المسلمين في مكة قبل الهجرة؛ فإنهم يخفون إيمانهم خوفًا من إذاية المشركين وتعذيبهم لهم على الإيمان، أو: المانعة لكم من إظهار الصلاة مثلًا.
(قال) حذيفة: (فابتلينا) أي: اختبرنا وأصبنا بالفتن التي لا تدفعها الكثرة (حتى جعل الرجل منا) معاشر الصحابة وصار (ما يصلي) صلاة الفريضة في وقتها المحدد (إلا سرًّا) وخفيةً في بيته.
قال القرطبي: يعني بذلك - والله أعلم -: ما جرى لهم في أول الإسلام في مكة حين كان المشركون يؤذونهم ويمنعونهم من إظهار صلاتهم، حتى كانوا يصلون سرًّا. انتهى من "المفهم". وقال الأبي: وهذا بعيد من السياق ومن اللفظ؛ لعطفه بالفاء في قوله: (فابتلينا) الدالة على التعقيب.
وفي "فتح الملهم": قول حذيفة: (فابتلينا) يشبه أن يكون أشار بذلك إلى ما وقع في أواخر خلافة عثمان رضي الله تعالى عنه من ولاية بعض أمراء الكوفة؛ كالوليد بن عقبة؛ حيث كان يؤخر الصلاة ولا يقيمها على وجهها، وكان بعض الورعين يصلي وحده سرًّا، ثم يصلي معه خشية وقوع الفتنة. انتهى منه (1/ 183).
قال النووي: فلعل ذلك ما كان في بعض الفتن التي جرت بعد النبي
(64)
- 3974 - (8) حَدَّثَنَا هِشَامُ بْنُ عَمَّارٍ، حَدَّثَنَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ، حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ،
===
صلى الله عليه وسلم، فكان بعضهم يخفي نفسه ويصلي سرًّا؛ مخافةً من الظهور والمشاركة في الدخول في بعض الفتن والحروب، والله أعلم.
قال الأبي: ولعله قاله بعد وفاته صلى الله عليه وسلم حكاية عما اتفق لهم وهم في مكة، وإلا .. فأين وقع ذلك بعد وفاته صلى الله عليه وسلم. انتهى، والله أعلم.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الجهاد، باب كتابة الإمام الناس، ومسلم في كتاب الإيمان، باب الاستسرار بالإيمان للخائف، وأحمد في "مسنده".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص.
ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث أُبي بن كعب رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(64)
- 3974 - (8)(حدثنا هشام بن عمار) نصير - مصغرًا - السلمي الدمشقي، صدوق خطيب مقرئ، من كبار العاشرة، مات سنة خمس وأربعين ومئتين (245 هـ) على الصحيح. يروي عنه:(خ عم).
(حدثنا الوليد بن مسلم) القرشي مولاهم الدمشقي، ثقة كثير التدليس والتسوية، من الثامنة، مات آخر سنة أربع أو أول سنة خمس وتسعين ومئة. يروي عنه:(ع).
(حدثنا سعيد بن بشير) - مكبرًا - الأزدي مولاهم أبو عبد الرحمن الشامي،
عَنْ قَتَادَةَ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ،
===
أصله من البصرة أو واسط، ضعيف، من الثامنة، مات سنة ثمان أو تسع وستين (169 هـ). يروي عنه:(عم). قال مروان بن محمد: سمعت ابن عيينة يقول: حدثنا سعيد بن بشير وكان حافظًا، وقال أبو زرعة الدمشقي: قلت لأبي مسهر: كان سعيد بن بشير قدريًّا؟ قال معاذ الله! قال: وسألت عبد الرحمن بن إبراهيم عن قول من أدرك فيه، فقال: يوثقونه، وقال عثمان الدارمي: سمعت دحيمًا يوثقه، وقال أبو بكر البزار: هو عندنا صالح ليس به بأس، وقال البخاري: يتكلمون في حفظه وهو محتمل، وقال ابن أبي حاتم: سمعت أبي وأبا زرعة يقولان: محله الصدق عندنا، قلت لهما: يحتج بحديثه؟ قالا: لا، وقال ابن عدي: له عند أهل دمشق تصانيف، ولا أرى بما يرويه بأسًا، ولعله يهم في الشيء بعد الشيء ويغلط، والغالب عليه الصدق، والحاصل مما ذكرنا أنه مختلف فيه. انتهى " تهذيب".
(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه:(ع).
(عن مجاهد) بن جبر المخزومي مولاهم المكي، ثقة إمام في التفسير وفي العلم، من الثالثة، مات سنة إحدى أو اثنتين أو ثلاث أو أربع ومئة (104 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن ابن عباس) رضي الله تعالى عنهما.
(عن أبي بن كعب) بن قيس الأنصاري الخزرجي أبي المنذر المدني، من فضلاء الصحابة رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين.
وهذا السند من سباعياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه سعيد بن بشير، وهو مختلف فيه.
عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ وَجَدَ رِيحًا طَيِّبَةً فَقَالَ: "يَا جِبْرِيلُ، مَا هَذِهِ الرِّيحُ الطَّيِّبَةُ؟ "، قَالَ: هَذِهِ رِيحُ قَبْرِ الْمَاشِطَةِ وَابْنَيْهَا وَزَوْجِهَا، قَالَ: وَكَانَ بَدْءُ ذَلِكَ أَنَّ الْخَضِرَ كَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَكَانَ مَمَرُّهُ بِرَاهِبٍ فِي صَوْمَعَةٍ، فَيَطْلُعُ عَلَيْهِ الرَّاهِبُ فَعَلَّمَهُ الْإِسْلَامَ؛ فَلَمَّا بَلَغَ الْخَضِرُ .. زَوَّجَهُ أَبُوهُ امْرَأَةً، فَعَلَّمَهَا الْخَضِرُ وَأَخَذَ عَلَيْهَا أَلَّا تُعْلِمَهُ
===
(عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه ليلة أسري به) من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى (وجد ريحًا طيبة) الرائحة (فقال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا جبريل؛ ما هذه الريح الطيبة؟ قال) جبريل: (هذه ريح قبر الماشطة وابنيها وزوجها).
و(قال) جبريل: (وكان بدء ذلك) أي: ابتداء ذلك الطيب وسببه (أن الخضر) - بفتح الخاء وكسر الضاد وسكونها - لقب لصاحب موسى بن عمران، واسمه:(بليا) - بفتح الباء وسكون اللام - ابن ملكان، والأكثر: على أنه كان نبيًّا، ولهم على ذلك أدلة كثيرة، قد بسطنا الكلام عليها في "الحدائق".
(كان من أشراف بني إسرائيل، وكان ممره) أي: مروره بعد خروجه من بيت أبيه (براهب) أي: على صومعة راهب؛ وهو العابد المتجرد عن الدنيا، الخالي من الناس لعبادة ربه، أي: كائن (في صومعة) صفة راهب.
وهذا الحديث يدل على وجود الرهابين قبل زمان عيسى (فيطلع) أي: فيخرج (عليه الراهب) أي: على الخضر من صومعته (فعلمه) أي: فعلم الراهب الخضر من التعليم (الإسلام) أي: أحكام الإسلام (فلما بلغ الخضر) سن الزواج .. (زوجه) من التزويج؛ أي: زوج الخضر (أبوه امرأة، فعلمها الخضر) أي: فعلم الخضر تلك المرأة - وهي زوجته - الإسلام (وأخذ عليها) أي: وأخذ الخضر على زوجته العهد (ألا تعلمه) من الإعلام؛ أي: ألا تعلم
أَحَدًا، وَكَانَ لَا يَقْرَبُ النِّسَاءَ، فَطَلَّقَهَا ثُمَّ زَوَّجَهُ أَبُوهُ أُخْرَى، فَعَلَّمَهَا وَأَخَذَ عَلَيْهَا أَلَّا تُعْلِمَهُ أَحَدًا، فَكَتَمَتْ إِحَدَاهُمَا وَأَفْشَتْ عَلَيْهِ الْأُخْرَى، فَانْطَلَقَ هَارِبًا حَتَّى أَتَى جَزِيرَةً فِي الْبَحْر، فَأَقْبَلَ رَجُلَانِ يَحْتَطِبَانِ فَرَأَيَاهُ، فَكَتَمَ أَحَدُهُمَا وَأَفْشَى الْآخَرُ وَقَالَ: قَدْ رَأَيْتُ الْخَضِرَ، فَقِيلَ: وَمَنْ رَآهُ مَعَكَ؟ قَالَ: فُلَانٌ، فَسُئِلَ
===
شيئًا عن الخضر وحاله وعدم قربانه (أحدًا) من الناس.
(وكان) الخضر (لا يقرب النساء) ولا يطؤها؛ لأن حاله كحال الرهابين (فطلقها) أي: فطلق الخضر تلك المرأة (ثم زوجه أبوه) أي: زوج الخضر أبوه ملكان امرأة (أخرى) أي: ثانية (فعلمها) أي: فعلم الخضر تلك المرأة الثانية الإسلام (وأخذ) الخضر (عليها) أي: على المرأة الثانية العهد على (ألَّا تعلمه) أي: ألا تخبر حال الخضر ودينه من الإعلام (أحدًا) من الناس (فكتمت) أي: أخفت حاله ودينه (إحداهما) أي: إحدى المرأتين اللتين زوجهما أبوه (وأفشت عليه) أي: منه سره الذي عهد عليها إخفاءه (الأخرى) أي: المرأة الأخرى (فانطلق) الخضر وذهب (هاربًا) من الناس؛ لأنهم إن عرفوا دينه .. قتلوه.
(حتى أتى جزيرةً في البحر، فأقبل) إليه (رجلان يحتطبان) أي: يأخذان الحطب من الجزيرة، (فرأياه) أي: فرأى الرجلان خضرًا يجلس في الجزيرة، فعهد إليهما ألا يخبراه أحدًا من الناس (فكتم أحدهما) أي: لم يخبره بالناس (وأفشى الآخر) في الناس خبره (وقال) ذلك الآخر للناس: أنا (قد رأيت الخضر، فقيل) أي: قال بعض الناس للذي أفشى خبره: (ومن رآه) أي: ومن الذي رأى الخضر (معك؟ قال) ذلك المفشي خبره: رآه (فلان) معي (فسئل) ذلك الفلان، فقيل له: هل رأيت الخضر؟
فَكَتَمَ، وَكَانَ فِي دِينِهِمْ أَنَّ مَنْ كَذَبَ .. قُتِلَ، قَالَ: فَتَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ الْكَاتِمَةَ، فَبَيْنَمَا هِيَ تَمْشُطُ ابْنَةَ فِرْعَوْنَ .. إِذْ سَقَطَ الْمُشْطُ، فَقَالَتْ: تَعِسَ فِرْعَوْنُ، فَأَخْبَرَتْ أَبَاهَا وَكَانَ لِلْمَرْأَةِ ابْنَانِ وَزَوْجٌ، فَأَرْسَلَ إِلَيْهِمْ فَرَاوَدَ الْمَرْأَةَ وَزَوْجَهَا أَنْ يَرْجِعَا عَنْ دِينِهِمَا فَأَبَيَا، فَقَالَ: إِنِّي قَاتِلُكُمَا، فَقَالَا: إِحْسَانًا مِنْكَ إِلَيْنَا إِنْ قَتَلْتَنَا أَنْ تَجْعَلَنَا فِي بَيْتٍ،
===
(فكتم) أي: أخفى رؤيته إياه؛ وفاءً بعهد الخضر عليهما ألا يخبراه للناس.
(وكان) الشأن (في دينهم) أي: في دين أهل ذلك العصر (أن من كذب .. قتل، قال) الراوي، أو النبي صلى الله عليه وسلم:(فتزوج) هذا الكاتم خبر الخضر من الرجلين المحتطبين (المرأة الكاتمة) لخبر الخضر من المرأتين اللتين تزوَّجَهُما الخضر (فبينما هي) أي: تلك المرأة الكاتمة (تَمْشُط) أي: تُسرِّح شعرَ (ابنة فرعون .. إذ سقط المشط) من يدها على الأرض، والمشط - بتثليث الميم وسكون الشين - وهي آلة يمشط بها (فـ) فجعت الماشطة، و (قالت: تعس) من باب سمع؛ أي: هلك؛ وهو دعاء بالهلاك (فرعون) اللعين (فأخبرت) ابنة فرعون (أباها) مقالة الماشطة؛ يعني قولها: تعس فرعون (وكان للمرأة) الماشطة (ابنان وزوج) فغضب فرعون عليها.
(فأرسل) فرعون (إليهم) أي: إلى الماشطة وابنيهما وزوجها (فراود) فرعون وطلب (المرأة وزوجها أن يرجعا عن دينهما) الذي علمهما الخضر؛ وهو دين الإسلام (فأبيا) أي: امتنعا عن أن يرجعا عن دينهما (فقال: إني قاتلكما) لأنكما كفرتما بي (فقالا) أي: قالت وزوجها: نسألك أن تحسن (إحسانًا منك إلينا إن قتلتنا) وذلك الإحسان الذي نرجو منك (أن تجعلنا في بيت) أي: لا ترمينا في الصحراء فيأكلنا السباع والطير؛ كعادتك فيمن قتلته
فَفَعَلَ، فَلَمَّا أُسْرِيَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم .. وَجَدَ رِيحًا طَيِّبَةً، فَسَأَلَ جِبْرِيلَ فَأَخْبَرَهُ.
(65)
- 3975 - (9) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ، أَخْبَرَنَا اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ،
===
عقوبة (ففعل) بهما ما طلباه من جعلهما في بيت (فلما أسري بالنبي صلى الله عليه وسلم .. وجد ريحًا طيبة، فسأل جبريل) عن تلك الريح الطيبة (فأخبره) جبريل بأنها ريح تلك المرأة وزوجها الكاتمين خبر الخضر وشأنه.
قوله: (فراود المرأة وزوجها) أي: أكثر الذهاب والمجيء إليهما؛ لطلب رجوعهما عن دينهما دين الإسلام.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به.
ثم استشهد المؤلف ثامنًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث آخر لأنس بن مالك رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(65)
- 3975 - (9)(حدثنا محمد بن رمح) بن المهاجر التجيبي المصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وأربعين ومئتين (242 هـ). يروي عنه:(م ق).
(أخبرنا الليث بن سعد) بن عبد الرحمن الفهمي مولاهم المصري، ثقة ثبت حجة قرين مالك، من السابعة، مات سنة خمس وسبعين ومئة (175 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن يزيد بن أبي حبيب) سويد المصري، واختلف في ولائه، ثقة فقيه، من الخامسة، مات سنة ثمان وعشرين ومئة (128 هـ). يروي عنه:(ع).
عَنْ سَعْدِ بْنِ سِنَانٍ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنْ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ:"عِظَمُ الْجَزَاءِ مَعَ عِظَمِ الْبَلَاء، وِإنَّ اللهَ إِذَا أَحَبَّ قَوْمًا ابْتَلَاهُمْ؛ فَمَنْ رَضِيَ .. فَلَهُ الرِّضَا، وَمَنْ سَخِطَ .. فَلَهُ السُّخْطُ".
===
(عن سعد بن سنان) ويقال فيه: سنان بن سعد الكندي المصري، صدوق له أفراد، من الخامسة. يروي عنه:(د ت ق). وقال ابن حبان: حدث عنه المصريون، وأرجو أن يكون اسمه سنانَ بن سعد، فهو مختلف فيه.
(عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه مختلفًا فيه؛ وهو سعد بن سنان.
(عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: عظم الجزاء) أي: كثرته (مع عظم البلاء) - بكسر المهملة وفتح الظاء فيهما، ويجوز ضمها مع سكون الظاء - فمن ابتلاؤه أعظم؛ أي: أشد .. فجزاؤه أعظم؛ أي: أكثر؛ أي: عظمة الثواب مقرونة بعظم البلاء كيفيةً وكميةً؛ جزاءً وفاقًا، وأجرًا طَباقًا (وإن الله إذا أحب قومًا .. ابتلاهم) أي: اختبرهم بالمحن والرزايا (فمن رضي) بما ابتلاه الله به .. (فله الرضا) منه تعالى وجزيل الثواب جزاء لرضاه، أو فله جزاء رضاه (ومن سخط) - بكسر الخاء المعجمة - أي: كره بلاء الله وفزع ولم يرض بقضائه .. (فله السخط) منه تعالى وأليم العذاب، ومن يعمل سوءًا .. يجز به؛ والمقصود: الحث على الصبر على البلاء بعد وقوعه، لا الترغيب في طلبه؛ للنهي عنه. انتهى "تحفة".
قال السندي: ثم الظاهر أنه تفصيل لمطلق المبتلين لا لمن أحبهم فابتلاهم؛ إذ الظاهر أنه تعالى يوفقهم للرضا، فلا يسخط منهم أحد لقضاء الله تعالى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب الزهد، باب
(66)
- 3976 - (10) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَيْمُونٍ الرَّقِّيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ صَالِحٍ، حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ يَحْيَى بْنِ وَثَّابٍ،
===
(56)
ما جاء في الصبر على البلاء، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه، ورواه أحمد وعبد الرزاق والبغوي والقضاعي.
فدرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ لما مر، ولأن له شواهد، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص.
ثم استشهد المؤلف تاسعًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهم، فقال:
(66)
- 3976 - (10)(حدثنا علي بن ميمون الرقي) العطار، ثقة، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (246 هـ). يروي عنه:(س ق).
(حدثنا عبد الواحد بن صالح) مجهول، من الحادية عشرة. يروي عنه:(ق)، وعلي بن ميمون الرقي.
(حدثنا إسحاق بن يوسف) بن مرداس المخزومي الواسطي المعروف بالأزرق، ثقة، من التاسعة، مات سنة خمس وتسعين ومئة (195 هـ). يروي عنه:(ع).
(عن) سليمان بن مهران (الأعمش) ثقة، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه:(ع).
(عن يحيى بن وثاب) - بتشديد المثلثة - الأسدي مولاهم الكوفي المقرئ، ثقة عابد، من الرابعة، مات سنة ثلاث ومئة (103 هـ). يروي عنه:(خ م ت س ق).
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "الْمُؤْمِنُ الَّذِي يُخَالِطُ النَّاسَ وَيَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ .. أَعْظَمُ أَجْرًا مِنَ الْمُؤْمِنِ الَّذِي لَا يُخَالِطُ النَّاسَ، وَلَا يَصْبِرُ عَلَى أَذَاهُمْ".
===
(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه عبد الواحد بن صالح، وهو مجهول.
(قال) ابن عمر: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: المؤمن الذي يخالط الناس) أي: يساكنهم ويقيم فيهم (ويصبر على أذاهم) أي: على ما يصل إليه منهم من الأذى .. (أعظم أجرًا من المؤمن الذي لا يخالط الناس، ولا يصبر على أذاهم).
قال الصنعاني في "السبل"(4/ 211): في هذا الحديث أفضلية من يخالط الناس، مخالطةً يأمرهم فيها بالمعروف، وينهاهم عن المنكر، ويحسن معاملتهم؛ فإنه أفضل من الذي يعتزلهم، ولا يصبر على المخالطة، والأحوال تختلف باختلاف الأشخاص والأزمان، ولكل حال مقال.
ومن رجح العزلة .. فله على فضلها أدلة، وقد استوفاها الغزالي في الإحياء وغيره.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب صفة القيامة والرقائق والورع، وكذا أخرجه البخاري في "الأدب المفرد"، والبيهقي في "الكبرى"، وفي "الشعب"، والطحاوي في "شرح المشكل"، وأحمد، وابن الجوزي في "جامع المسانيد"، وأبو نعيم في "الحلية" وإسناده ضعيف - كما مر - لجهالة عبد الواحد بن صالح، لكن درجة الحديث: أنه صحيح؛ لأنه روي عن أبي عامر العقدي عن شعبة عن الأعمش
…
إلى آخره، وهو إسناد صحيح.
(67)
- 3977 - (11) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ قَالَ: سَمِعْتُ قَتَادَةَ يُحَدِّثُ عَن أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "ثَلَاثٌ
===
قلت: فدرجة هذا الحديث: أنه ضعيف السند، صحيح المتن بغيره؛ لأن له شواهد ومتابعات، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص.
ثم استشهد المؤلف عاشرًا لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث آخر لأنس رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(67)
- 3977 - (11)(حدثنا محمد بن المثنى) بن عبيد العنزي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (252 هـ). يروي عنه:(ع).
(ومحمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري.
كلاهما (قالا: حدثنا محمد بن جعفر) الهذلي البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة ثلاث أو أربع وتسعين ومئة. يروي عنه:(ع).
(حدثنا شعبة) بن الحجاج بن الورد العتكي البصري، ثقة إمام أئمة الجرح والتعديل، من السابعة، مات سنة ستين ومئة (160 هـ). يروي عنه:(ع).
(قال) شعبة: (سمعت قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه:(ع).
حالة كون قتادة (يحدث عن أنس بن مالك) رضي الله تعالى عنه.
وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.
(قال) أنس: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ثلاث) خصال، وهو
مَنْ كُنَّ فِيهِ .. وَجَدَ طَعْمَ الْإِيمَانِ - وَقَالَ بُنْدَارٌ: حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ - مَنْ كَانَ يُحِبُّ الْمَرْءَ لَا يُحِبُّهُ إِلَّا لله، وَمَنْ كَانَ اللهُ وَرَسُولُهُ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِمَّا سِوَاهُمَا، وَمَنْ كَانَ أَنْ يُلْقَى فِي النَّارِ أَحَبَّ إِلَيْهِ
===
مبتدأ سوخ الابتداء بالنكرة الإضافة المقدرة، أي: ثلاث خصال، أو كونه خلفًا عن موصوف محذوف، تقديره: خصال ثلاث، فثلاث خلف عن موصوف محذوف، وهو المسوغ للابتداء بها؛ نحو قولهم: مؤمن خير من مشرك؛ أي: رجل مؤمن خير من مشرك، أو قصد الإبهام؛ لكونه للتعظيم؛ كما التعجبية؛ نحو: شر أهر ذا ناب، وجملة قوله:(من كن فيه) أي: من وجدت تلك الثلاث فيه وغَلَبْنَ عليه .. خبر المبتدأ.
والظاهر أن (من) شرطية في محل الرفع مبتدأ ثان، خبرها جملةُ الشرط أو الجواب، أو هما على الخلاف المذكور في محله، ويحتمل: كونها موصولة و (كان) تامة بمعنى: وجد وحصل؛ والمراد بكونها فيه: غلبتها عليه؛ لأن به يتضح دلالتها.
وخصت الثلاث بالذكر؛ لأنها أعمال قلب، لا يَعْرِض لها الرياء، وإلا .. فقد قال صلى الله عليه وسلم:"الصدقة برهان"، وكانت تلك الثلاثة أدلة على حلاوة الإيمان، لأنها مسببات عنه.
(وجد طعم الإيمان) أي: لذته وحلاوته (وقال بندار) أي: محمد بن بشار في تفسير طعم الإيمان: أي: (حلاوة الإيمان) ولذته.
ثم فصل تلك الثلاث بقوله: (من كان يحب المرء) المسلم، حالة كونه (لا يحبه إلا لـ) أخوة (الله) تعالى.
(و) ثانيها: (من كان الله ورسوله أحب إليه) أي: عنده (مما سواهما).
(و) ثالثها: (من كان أن يلقى) ويقذف (في النار أحب إليه) أي: عنده
مِنْ أَنْ يَرْجِعَ فِي الْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْقَذَهُ اللهُ مِنْهُ".
===
(من أن يرجع في) دين (الكفر) والشرك (بعد إذ أنقذه الله) تعالى وأخرجه (منه) أي: من ذلك الكفر الخبيث؛ بسبب الإيمان بالله تعالى.
وهذه الخصال الثلاث متلازمة، فلا يوجد بعضها منفكًا عن الآخر حتى يسأل عن مفهوم العدد، فيقال: من وجدت فيه واحدة منهن.
قوله: (وجد) أي: ذاق بسبب وجدانهن فيه (حلاوة الإيمان) وطعمه ولذته، قال بعضهم: فمعنى ذوقه حلاوة الإيمان: استلذاذ الطاعات، وتحمل المشقات في رضا الله ورضا رسوله صلى الله عليه وسلم.
قال القاضي عياض: هو من معنى (ذاق طعم الإيمان) لأن الثلاث لا توجد إلا ممن صح إيمانه، وانشرح به صدره.
فمعنى (وجد بهن حلاوة الإيمان) أي: وجد الإيمان بسببهن لذيذًا في قلبه، منشرحًا في صدره، مستطابًا له، حتى لا يود أن يفارقه قدر لمحةٍ؛ كأحب الأشياء عنده.
وعبارة "المفهم" هنا: وإنما خص الثلاثة بهذا المعنى؛ لأنها لا توجد إلا ممن تنور قلبه بأنوار الإيمان واليقين، وانكشفت له محاسن تلك الأمور التي أوجبت له تلك المحبة التي هي حال العارفين.
قال "الأبي": (حلاوة الإيمان) استعارة تصريحية أصلية؛ شبه انشراح الصدر به بشيء ذي حلاوة، فهو لوجوده يستعذب الطاعة، ويتحمل المشاق.
فعن عتبة الغلام: كابدت الصلاة عشرين سنة، ثم استمتعت بها بقية عمري، وعن الجنيد: أهل الليل في ليلهم ألذ من أهل اللهو في لهوهم، وعن ابن أدهم: والله؛ إنا لفي لذة، لو علمها الملوك .. لجاهدونا عليها بالسيوف. انتهى.
ثم فصل تلك الثلاث بقوله: إحدى تلك الثلاث خصلة: (من كان يحب
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المرء) حالة كونه (لا يحبه إلا لله) أي: إلا لوجه الله وأخوته؛ يعني بـ (المرء) هنا: المسلم المؤمن؛ كأنه هو الذي يمكن أن يخلص لله تعالى؛ أي: لا يحبه إلا لأجل دين الله تعالى وأخوته، لا لغرض دنيوي؛ كمال وجاه ونصرة.
قال القاضي: من ثمرة حب الله تعالى .. الحب فيه؛ فلا يحب العبد إلا لله تعالى؛ لأن من أحب شيئًا .. أحب ما هو من سببه؛ كما قال صلى الله عليه وسلم: "من أحب العرب .. فبحبي أحبهم" رواه الطبراني في "الكبير"، ولكنه واه؛ لضعف سنده.
يعني: أن الحب في الله تعالى لا ينشأ إلا عن حب الله تعالى، ولا يمتنع أن يكتسب الحب في الله سبحانه باستحضار ما أعد الله تعالى للمتحابين فيه، وحسبك ما صح من قوله صلى الله عليه وسلم: "سبعة يظلهم الله تعالى في ظله يوم لا ظل إلا ظله
…
" فذكر منهم: "رجلين تحابا في الله". انتهى "أبي".
وقد أفاد هذا الحديث أن محبة المؤمن الموصلة إلى حلاوة الإيمان .. لا بد أن تكون خالصة دلّه تعالى غير مشوبة بالأغراض الدنيوية، ولا بالحظوظ البشرية؛ فإن من أحبه لذلك .. انقطعت محبته إن حصل له ذلك الغرض، أو يشى من حصوله، ومحبة المؤمن وظيفة معينة على الدوام، وجدت الأغراض أو عدمت.
ولما كانت المحبة للأغراض هي الغالبة .. قل وجدان تلك الحلاوة، بل قد انعدم لا سيما في هذه الأزمان التي قد انمحى فيها أكثر رسوم الإيمان والشريعة، وغلب عليها صداقة النصارى والرسوم النظامية.
وبالجملة: فمحبة المؤمنين من العبادات التي لا بد فيها من الإخلاص في حسن النيات. انتهى.
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وثانيها: خصلة (من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما).
قال القرطبي: فيه دليل على جواز إضافة المحبة لله تعالى، وإطلاقها عليه، ولا خلاف في إطلاق ذلك عليه محبًا ومحبوبًا، كما قال تعالى:{فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} (1)، وهو في السنة كثير.
قوله: "مما سواهما" ثنى الضمير هنا، ورد على الخطيب قوله:(ومن يعصهما .. فقد غوى) فقال صلى الله عليه وسلم: "بئس خطيب القوم أنت، قل: ومن يعص الله ورسوله".
أجاب عز الدين عن ذلك بأن منصب الخطيب قابل للزلل، فتثنية الضمير توهم أنه سوى بينهما، وأجاب غيره بأن كلامه جملة واحدة، فإيقاع الظاهر فيها موقع الضمير مرجوح، وكلام الخطيب جملتان.
وأجاب شارح " المصابيح " بأنه إيماءٌ إلى أن المعتبر مجموع المحبتين، حتى لو انفردت إحداهما .. لم تفد.
وأمر بالإفراد في الآخر؛ إعلامًا بأن إحدى المعصيتين كافية في الذم. انتهى من "الأبي".
وقال: "مما سواهما" ولم يقل: (ممن سواهما)؛ تنبيهًا على حقارة ما سوى الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ومن في معناه ممن يحب الله تعالى، وتنزيلًا له منزلة ما لا يعقل؛ إذ ذاك أصل استعمال (ما) لأنه مثله في عدم القدرة على جلب المنافع، ودفع المضار مطلقًا.
ففي اللفظ إيماء إلى أنه ينبغي أن يقصر المؤمن حبه على مولانا عز وجل،
(1) سورة المائدة: (54).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
وما كان لأجله، وما سواه هباء، لا يجدي حبه شيئًا.
وقال بعضهم: إنما عبر بـ (ما) دون (من) ليعم العاقل وغير العاقل؛ لأنه أدخل في العموم، فيعم المخلوقات كلها.
ورد بأنه إذا اختلط العاقل وغيره .. فهما سواء، ولذا جاء:{وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ} (1) بلفظ (من)، وجاء:{مَا فِي السَّمَاوَاتِ} (2)، وفي "كافية ابن مالك" رحمه الله تعالى:
وعند الاختلاط خير من نطق
…
في أن يجيء منهما بما اتفق
وقال القاضي عياض: هذا الحديث بمعنى حديث: "ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربًا
…
" إلى آخره؛ وذلك أنه لا تصح محبة الله ورسوله حقيقةً، وحب الآدمي في الله ورسوله، وكراهة الرجوع إلى الكفر، إلا لمن قوي الإيمان في نفسه، وانشرح له صدره، وخالط لحمه ودمه، وهذا هو الذي وجد حلاوته، والحب في الله، من ثمرات حب الله.
قوله: (ومن كان الله ورسوله) برفعهما (أحب إليه) بالنصب؛ على أنه خبر كان (مما سواهما) من نفس وأهل ومال وكل شيء، ولم يقل:(ممن سواهما) ليعم من يعقل ومن لا يعقل، ومحبة العبد لربه: بفعل طاعته، وترك مخالفته، وكذلك محبة الرسول.
وثنى الضمير في (سواهما) مع أنه رد على الخطيب قوله: (ومن يعصهما .. فقد غوى)، فقال:"بئس الخطيب أنت" إيماءً إلى أن المعتبر: هو المجموع
(1) سورة الرعد: (15).
(2)
سورة النحل: (49).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
المركب من المحبتين، لا كل واحدة منهما؛ فإنها وحدها ضائعة لاغية.
وأمر بالإفراد في حديث الخطيب؛ إشعارًا بأن كل واحد من المعطوفين مستقل باستلزام الغواية؛ إذ العطف في تقدير التكرير، والأصل استقلال كل من المعطوفين في الحكم.
وله أجوبة أخرى ذكرها الحافظ في "الفتح"(1/ 61).
وثالثها: خصلة (من كان أن يلقى) ويقذف (في النار .. أحب إليه من أن يرجع في الكفر) وفي رواية الشيخين: (أن يعود بعد إذ أنقذه الله) وأخلصه وأخرجه (من النار).
قال الحافظ في "الفتح"(1/ 62): الإنقاذ أعم من أن يكون بالعصمة منه ابتداءً؛ بأن يولد على الإسلام ويستمر، أو بالإخراج من ظلمة الكفر إلى نور الإيمان؛ كما وقع لكثير من الصحابة، وعلى الأول؛ فيحمل قوله:(أن يعود) على معنى الصيرورة، بخلاف الثاني؛ فإن العود فيه على ظاهره. انتهى.
و(في) هذه بمعنى: (إلى) كما في قوله تعالى: {أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا} (1).
قال القاضي: وسبب محبة الشيء: كونه حسنًا في الحس؛ كالصورة الجميلة، والصوت الحسن، أو في العقل؛ كمحبة الصالحين، أو كونه محسنًا بجلب نفع، أو دفع ضر، وقد تجتمع الثلاث في واحد؛ كما اجتمعت في رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ لما جمع الله تعالى فيه من جمال الظاهر والباطن وإحسانه إلى جميع المسلمين؛ بهدايته إلى الطريق المستقيم والشفاعة العظمى.
قال السنوسي: وجه كون هذه الكراهية موجبة لحصول حلاوة الإيمان: أنها
(1) سورة الأعراف: (88).
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
===
نتيجة حصول اليقين؛ فإن الكفر سبب الخلود في النيران، فالمؤمن يكرهه؛ كما يكره النار؛ لملازمته إياها، فصار لقوة اليقين يتخيل أن الدخول في الكفر دخول في النار، فكرهه كراهيتها، وإذا فعل هذا في الكفر .. فعله في سائر المعاصي؛ لمشاركتها له في السببية لاستحقاق النار.
وما يفرق به من احتمال العفو .. مقابل باحتمال عدمه، فالعاقل يفر بمجرد احتمال الوقوع في أدنى شيء من المعاطب الدنيوية، فكيف باحتمال الوقوع في هول الآخرة وعذابها الذي لا طاقة لمخلوق عليه، إن أريد بالكفر: الكفر المقابل لأصل الإيمان، وأما إن أريد به: كفر النعم، وعدم القيام بشكرها، وهو الظاهر .. تناول حينئذٍ بلفظه جميع المعاصي، والمراد بالعود في الكفر: مطلق الصيرورة والتلبس به، سواء تقدم اتصافه به أم لا. انتهى.
وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، وفي كتاب الأدب، باب الحب في الله، ومسلم في كتاب الإيمان، باب بيان خصال من اتصف بهن .. وجد حلاوة الإيمان، والترمذي في كتاب الإيمان، باب رقم (10)، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب الإيمان، باب حلاوة الإيمان، وأحمد في "المسند".
فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص.
ثم استشهد المؤلف حادي عشره لحديث سعد بن أبي وقاص بحديث أبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما، فقال:
(68)
- 3978 - (12) حَدَّثَنَا الْحُسَيْنُ بْنُ الْحَسَنِ الْمَرْوَزِيُّ، حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِي عَدِيٍّ ح وَحَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْجَوْهَرِيُّ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَطَاءٍ قَالَا: حَدَّثَنَا رَاشِدٌ أَبُو مُحَمَّدٍ الْحِمَّانِيُّ، عَنْ شَهْرِ بْنِ حَوْشَبٍ،
===
(68)
- 3978 - (12)(حدثنا الحسين بن الحسن) بن حرب السلمي أبو عبد الله (المروزي) نزيل مكة، صدوق، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (246 هـ). يروي عنه:(ت ق).
(حدثنا) محمد بن إبراهيم (بن أبي عدي) وقد ينسب إلى جده، وقيل: هو إبراهيم أبو عمرو البصري، ثقة، من التاسعة، مات سنة أربع وتسعين ومئة (194 هـ). يروي عنه:(ع).
(ح وحدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري) أبو إسحاق الطبري، نزيل بغداد ثقة حافظ تكلم فيه بلا حجة، من العاشرة، مات في حدود الخمسين ومئتين (250 هـ). يروي عنه:(م عم).
(حدثنا عبد الوهاب بن عطاء) الحَفَّافُ أبو نصر العجلي مولاهم، البصري نزيل بغداد، صدوق، من التاسعة، مات سنة أربع، ويقال: سنة ست ومئتين (206 هـ). يروي عنه: (م عم).
كلاهما (قالا: حدثنا راشد) بن نجيح (أبو محمد الحماني) - بكسر المهملة - البصري، صدوق ربما أخطأ، من الخامسة. يروي عنه:(ق).
(عن شهر بن حوشب) الأشعري الشامي، مولى أسماء بنت يزيد بن السكن، صدوق كثير الإرسال والأوهام، من الثالثة، مات سنة اثنتي عشرة ومئة (112 هـ). يروي عنه:(م عم). وقال حرب بن إسماعيل عن أحمد: ما أحسن حديثه! ووثقه، وقال ابن أبي خيثمة ومعاوية بن صالح عن ابن معين: ثقة، وقال عباس الدوري عن ابن معين: ثبت، وقال العجلي: تابعي شامي ثقة،
عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاء، عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ: أَوْصَانِي خَلِيلِي صلى الله عليه وسلم أَنْ لَا تُشْرِكْ بِاللهِ شَيْئًا
===
وقال يعقوب بن شيبة: ثقة، على أن بعضهم قد طعن فيه، وقال يعقوب بن سفيان: وشهر وإن قال فيه ابن عون: نَزَكوه .. ثقة، وقال البيهقي: ضعيف، فهو مختلف فيه. انتهى "تهذيب".
(عن أم الدرداء) الصغرى زوج أبي الدرداء، اسمها هجيمة - مصغرًا - أو جهيمة - مصغرًا أيضًا - الأوصابية الدمشقية، وهي الصغرى، وأما الكبرى .. فاسمها خيرة، ولا رواية لها في الكتب الستة، والصغرى ثقة فقيهة، من الثالثة، ماتت قبل المئة سنة إحدى وثمانين (81 هـ). يروي عنها:(ع).
(عن أبي الدرداء) زوجها، عويمر بن زيد بن قيس الأنصاري، مختلف في اسم أبيه، قيل: اسمه عامر، الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه، أول مشاهده أحد، وكان عابدًا، مات في أواخر خلافة عثمان، وقيل: عاش بعد ذلك. يروي عنه: (ع).
وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الحسن؛ لأن فيه شهر بن حوشب، وهو مختلف فيه؛ لأن بعضهم ضعفه، وبعضهم وثقه.
(قال) أبو الدرداء: (أوصاني خليلي) أي: أمرني على سبيل الإيصاء والعهد خليلي وحبيبي محمد صلى الله عليه وسلم أن لا تشرك بالله شيئًا) من المخلوق.
ولما كان هذا الحديث في الوصية متناهيًا، والزجر عن رذائل الأخلاق جامعًا وضع (خليلي) مكان (رسول الله صلى الله عليه وسلم إظهارًا لغاية تعطفه وشفقته عليه، قاله الطيبي.
(أن لا تشرك بالله شيئًا) بالجزم؛ على أنه صيغة نهي، و (أن) تفسيرية؛
وَإِنْ قُطِّعْتَ وَحُرِّقْتَ، وَلَا تَتْرُكْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا؛ فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا .. فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ الذِّمَّةُ،
===
لأن في (أوصى) معنى القول؛ أي: أوصاني خليلي؛ أي: قال لي: لا تشرك بالله شيئًا.
ويجوز النصب؛ على أنه صيغة مضارع منصوب، و (أن) ناصبة مصدرية؛ أي: أمرني بألا تشرك (وإن قُطِّعْتَ) بالبناء للمفعول؛ من التقطيع، وكذلك قوله:(وحُرِّقْت) بالبناء للمفعول؛ من التحريق، ويجوز التخفيف في (قطعت) دون (حرقت) فإنه بالتشديد لا غير.
وهذا يدل على أنه ينبغي اختيار الموت والقتل دون إظهار الشرك، وهو وصيته بالأفضل والعزيمة؛ فإنه يجوز التلفظ بكلمة الكفر والشرك عند الإكراه؛ لقوله تعالى:{إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ} (1).
(ولا تترك صلاة مكتوبة) أي: مفروضةً حالة كونك (متعمدًا) أي: قاصدًا تركها، قيدٌ احترز به عن الخطأ والنسيان والنوم والضرورة وعدم القدرة (فمن تركها) أي: ترك الصلاة المكتوبة، حالة كونه (متعمدًا) أي: قاصدًا تركها بلا عذر من الأعذار المذكورة آنفًا .. (فقد برئت منه) أي: من ذلك التارك عمدًا (الذمة) أي: ذمة الله وأمانه وحرمته؛ أي: صار كالكافر الذي لا ذمة له فعلًا؛ فإن ترك الصلاة متعمدًا من خصالهم، وهذا كناية عن الكفر تغليظًا عليه، قال الطيبي: أو المراد منه: الأمان من التعرض بالقتل أو التعزير، كذا في "المرقاة"، وقال الجزري: الذمة والذمام هما بمعنى: العهد والأمان والضمان والحرمة والحق، ويسمى أهل الذمة بذلك؛ لدخولهم في عهد المسلمين وأمانهم.
وحديث: (فقد برئت منه الذمة) أي: أن لكل أحد من الله عهدًا بالحفظ
(1) سورة النحل: (106).
وَلَا تَشْرَبِ الْخَمْرَ؛ فَإِنَّهَا مِفْتَاحُ كُلِّ شَرٍّ.
===
والكلأ، فإذا ألقى بيده إلى التهلكة، أو فعل ما حرم الله تعالى، أو خالف ما أمر به .. خذلته؛ أي: فارقته وأهانته ذمة الله التي فارقها بإباحة دمه.
(و) أوصاني أن (لا تشرب الخمر؛ فإنها) أي: فإن شرب الخمر (مفتاح كل شر) وفتنة، قال الطيبي: قَرَن (ترك الصلاة وشرب الخمر) مع (الشرك) إيذانًا بأن الصلاة عمود الدين، وتركها ثُلْمَةٌ في الدين، وأنَّ شرب الخمر كعبادة الوثن، ولأن أم الأعمال ورأسها .. الصلاة؛ وأم الخبائث .. الخمر، فأنَّى يجتمعان؟ ! قال تعالى:{إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ} (1).
فالصلاة مفتاح كل خير، والخمر مفتاح كل شر؛ أي: لأنها تزيل العقل، فلا يبالي بشيء من المنكرات، فقد انفتح له باب الشر، بعد أن كان مغلقًا عليه بقيد العقل. انتهى منه.
وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، ودرجته: أنه حسن؛ لكون سنده حسنًا؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث سعد بن أبي وقاص.
وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: اثنا عشر حديثًا:
الأول منها للاستدلال، والبواقي للاستشهاد.
والله سبحانه وتعالى أعلم
(1) سورة العنكبوت: (45).