المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(16) - (1467) - باب ذهاب الأمانة - شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه - جـ ٢٤

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌تَتِمَّة كتاب الفتن

- ‌(1) - (1452) - بَابُ كَفِّ اللِّسَانِ فِي الْفِتْنَةِ

- ‌(2) - (1453) - بَابُ الْعُزْلَةِ

- ‌(3) - (1454) - بَابُ الْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ

- ‌(4) - (1455) - بَاب: بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا

- ‌(5) - (1456) - بَابُ مَنْ تُرْجَى لَهُ السَّلَامَةُ مِنَ الْفِتَنِ

- ‌(6) - (1457) - بَابُ افْتِرَاقِ الْأُمَمِ

- ‌(7) - (1458) - بَابُ فِتْنَةِ الْمَالِ

- ‌فائدة

- ‌(8) - (1459) - بَابُ فِتْنَةِ النِّسَاءِ

- ‌فصل في ذكر الأحكام التي تستفاد من هذا الحديث

- ‌(9) - (1460) - بَابُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ

- ‌(10) - (1461) - بَابُ قَوْلهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}

- ‌(11) - (1462) - بَابُ الْعُقُوبَاتِ

- ‌(12) - (1463) - بَابُ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ

- ‌(13) - (1464) - بَابُ شِدَّةِ الزَّمَانِ

- ‌(14) - (1465) - بَابُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ

- ‌(15) - (1466) - بَابُ ذَهَابِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ

- ‌(16) - (1467) - بَابُ ذَهَابِ الْأَمَانَةِ

- ‌(17) - (1468) - بَابُ الْآيَاتِ

- ‌(18) - (1469) - بَابُ الْخُسُوفِ

- ‌(19) - (1470) - بَابُ جَيْشِ الْبَيْدَاءِ

- ‌(20) - (1471) - بَابُ دَابَّةِ الْأَرْضِ

- ‌(21) - (1472) - بَابُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا

- ‌تنبيه

- ‌(22) - (1473) - بَابُ فِتْنَةِ الدَّجَّال، وَخُرُوجِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ

- ‌وأما ترجمة تميم الداري

- ‌فائدة

الفصل: ‌(16) - (1467) - باب ذهاب الأمانة

(16) - (1467) - بَابُ ذَهَابِ الْأَمَانَةِ

(87)

- 3997 - (1) حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ، حَدَّثَنَا وَكِيعٌ، عَنِ الْأَعْمَش، عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْب، عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم حَدِيثَيْنِ

===

(16)

- (1467) - (باب ذهاب الأمانة)

(87)

- 3997 - (1)(حدثنا علي بن محمد) بن إسحاق الطنافسي الكوفي، ثقةٌ عابد، من العاشرة، مات سنة ثلاث، وقيل: خمس وثلاثين ومئتين. يروي عنه: (ق).

(حدثنا وكيع) بن الجراح الرؤاسي الكوفي، ثقةٌ، من التاسعة، مات في آخر سنة ست أو أول سنة سبع وتسعين ومئة. يروي عنه:(ع).

(عن) سليمان (الأعمش) ثقةٌ قارئ، من الخامسة، مات سنة سبع أو ثمان وأربعين ومئة. يروي عنه:(ع).

(عن زيد بن وهب) الجهني أبي سليمان الكوفي، ثقةٌ، مخضرم من الثانية، مات بعد الثمانين، وقيل: سنة ست وتسعين. يروي عنه: (ع).

(عن حذيفة) بن اليمان رضي الله تعالى عنهما.

وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات.

(قال) حذيفة: (حدثنا رسول الله صلى الله عليه وسلم حديثين) يعني: في خصوص الأمانة، وإلا .. فرواية حذيفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم كثيرة في "الصحيحين" وغيرهما، وعنى بأحد الحديثين: قوله: (حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال)، وبالثاني: (ثم حدثنا عن رفع الأمانة

) إلى آخره.

ص: 288

قَدْ رَأَيْتُ أَحَدَهُمَا وَأَنَا أَنْتَظِرُ الْآخَرَ؛ حَدَّثَنَا: أَنَّ الْأَمَانَةَ نَزَلَتْ فِي جَذْرِ قُلُوبِ الرِّجَال،

===

قال الأبي: وكان الشيخ ابن عرفة يقول: هما حديث واحد، ولعل الحديث الثاني حديث عرض الفتن.

قال حذيفة: (قد رأيت) أنا (أحدهما) وهو نزول الأما نة في جذر القلوب (وأنا أنتظر) وأراقب (الآخر) أي: مجيء الحديث الآخر؛ وهو حديث رفع الأمانة.

الأول منهما: ما ذكره بقوله: (حدثنا) رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو الصادق المصدوق (أن الأمانة نزلت) وحلَّت وخلقت (في جذر) - بفتح الجيم وكسرها مع سكون الذال المعجمة فيهما - أي: في أصل (قلوب الرجال) الكاملين، والنساء الكوامل؛ يعني: الصالحين والصالحات؛ أي: وجدت في أصل قلوبهم في خلقتها، وصارت فطرة وطبيعة فيها، حتى يعرض عليها ما يزيلها من الفتن؛ كما يشهد له حديث:"كلّ مولود يولد على الفطرة، ثم أبواه يهودانه أو ينصرانه".

قال النووي في "شرح مسلم": والظاهر أن المراد بالأمانة: التكاليف التي كلف الله تعالى بها عباده، والعهد الذي أخذه عليهم.

وقال صاحب "التحرير": الأمانة في الحديث هي المذكورة في قوله تعالى: {إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ} (1)، وهي عين الإيمان؛ فإذا استمكنت الأمانة من قلب العبد .. قام حينئدٍ من أداء التكاليف، واغتنم ما يرد عليه منها، وجَدَّ في إقامتها.

قال علي القاري: الظاهر أن المراد بالعهد في كلام النووي: الميثاق؛ وهو الإيمان الفطري.

(1) سورة الأحزاب: (72).

ص: 289

- قَالَ الطنَافِسِيُّ: يَعْنِي: وَسْطَ قُلُوبِ الرِّجَالِ -

===

قلت: في الأمانة أقوال ذكرها المفسرون وشراح الحديث، وعندي أن المراد: ما يصح به تكليف الإنسان بالإيمان والإيمانيات؛ وهي الصلاحية الفطرية التي بها يستعد العبد لقبول الطاعات، والاحتراز عن المعاصي، وهذه هي الأمانة المودعة في قلوب بني آدم، وهي بالنسبة إلى الإيمان الشرعي بمنزلة تخوم الزروع وحبوب الأشجار المودعة في بطون الأرض.

وأما القرآن والسنة .. فمثلهما كمثل الغيث النازل من السماء إلى الأرض، فالأرض الطيبة إذا أصابها الغيث .. يخرج نباتها بإذن ربها، والتي خبثت .. لا يخرج إلَّا نكدًا، بل ربما تضيع التخم أيضًا.

(قال) علي بن محمد: (الطنافسي: يعني) النبي صلى الله عليه وسلم أو الراوي أو شيخي وكيع بقوله: (في جذر قلوب

): (وسط قلوب الرجال) - بفتح الواو وسكون السين - أي: نزلت الأمانة في وسط قلوب الرجال لا في أطرافها، وهو بمعنى الجذر؛ والمراد: في وسط الناس؛ لأنه أعم من الرجال والنساء.

ويحتمل أن يكون المراد: الرجال بخصوصهم؛ لقلة الأمانة في النساء في الأصل؛ والمعنى: أن الأمانة أول ما نزلت في قلوب الرجال، واستولت عليها، فكانت من الباعثة على الأخذ بالكتاب والسنة.

ومعنى إنزال الأمانة في القلوب: أن الله تعالى جبل القلوب الكاملة على القيام بحق الأمانة؛ من حفظها واحترامها وأدائها لمستحقها، وعلى النفرة من الخيانة فيها؛ لتنتظم المصالح بذلك. انتهى "كوكب".

وقال الأبي: ونزولها في أصل قلوب الرجال كناية عن خلق الله تعالى في تلك القلوب قابلية التزام حفظها، والقيام بها، فلما نزل القرآن والسنة .. عمل بمقتضاها من خلقت فيه تلك القابلية.

ص: 290

وَنَزَلَ الْقُرْآنُ فَعَلِمْنَا مِنَ الْقُرْآنِ وَعَلِمْنَا مِنَ السُّنَّة، ثُمَّ حَدَّثَنَا عَنْ رَفْعِهَا فَقَالَ: "يَنَامُ الرَّجُلُ النَّوْمَةَ

===

قوله: (ونزل القرآن) والسنة، والواو فيه بمعنى: ثم للترتيب؛ كما في رواية مسلم بلفظها؛ أي: ثم بعد خلقه تلك الأمانة في قلوبهم نزل القرآن بلفظه وجاءت السنة بمعناها (فعلمنا) معاشر الرجال تلك الأمانة (من القرآن) أي: من لفظه (وعلمنا) تلك الأمانة (من) معنى (السنة) فقمنا بحقوقها.

قال السندي: أي: بعد نزول الأمانة في القلوب ازددنا فيها بالقرآن والسنة بصيرةً، وحسنت منا العلانية والسريرة. انتهى.

ولفظ "مسلم" مع "الكوكب": (ثم) بعد خلقتها في قلوبهم (نزل القرآن) بلفظه وجاءت السنة بمعناها (فعلموا) أي: أولئك الرجال الذين خلقت الأمانة في قلوبهم (من القرآن) وجوب القيام بتلك الأما نة ولزوم حفظها؛ أي: بما ذكر فيه من الوعد والوعيد والثواب والعقاب (وعلموا من السنة) والحديث تفاصيلها، وكيفية القيام بها وأدائها، فعملوا بها. انتهى.

وفي "فتح الملهم": قوله: (ثم نزل القرآن) يعني: كان في طباعهم الأمانة بحسب الفطرة التي فطر الناس عليها، ووردت الشريعة بذلك، فاجتمع الطبع والشرع في حفظها. انتهى منه.

والثاني من الحديثين؛ وهو الذي ذكر حذيفة آنفًا أنه ينتظره .. ما ذكره بقوله:

(ثم حدثنا) رسول الله صلى الله عليه وسلم (عن رفعها) أي: عن كيفية رفع الأمانة والإيمان من قلوب الرجال التي خلقت فيها وطبعت عليها؛ أي: حدثنا عن كيفية رفعها شيئًا فشيئًا (فقال) في بيانها: (ينام الرجل) وكذا المرأة الذي كان ممَّنْ نَزلَتِ الأمانة في جذر قلبه (النومة) أي: المرة من النوم

ص: 291

فَتُرْفَعُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِه، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا كَأَثَرِ الْوَكْت، وَيَنَامُ النَّوْمَةَ فَتُنْزَعُ الْأَمَانَةُ مِنْ قَلْبِه، فَيَظَلُّ أَثَرُهَا كَأَثَرِ الْمَجْلِ؛

===

(فترفع الأمانة) أي: تقبض الأمانة؛ أي: تؤخذ الأمانة والإيمان الذي هو بسببها؛ أي: يُمْحَى نورُ الأمانة والإيمان (من قلبه) أي: من جذر قلبه.

والنوم في قوله: (فينام الرجل النومة) كناية عن الغفلة التي توجب ارتكاب السيئة الباعثة على نقص الأمانة ونقص الإيمان.

قوله: (فترفع الأمانة) أي: يقبض بعضها؛ بدليل ما بعده؛ يعني: يقبض بعض ثمرة الإيمان من قلبه (فيظل أثرها) أي: فيصير أثر محوها من القلب (كأثر الوكت) أي: مثل السواد اليسير والنقطة الصغيرة، قال الهروي: الوكت - بفتح الواو وسكون الكاف والتاء المثناة من فودتى -: الأثر اليسير في الشيء، وقال غيره: هو سواد يسير، وقيل: هو لون يحدث مخالف للون الذي قبله، يقال: وَكَتَتِ البُسْرةُ؛ إذا وقع نُكْتَةُ إِرطاب مِنْ جانبها، فإِن كانت في طرفها .. قِيلَ: مُذَنَّبَةٌ، وقال الزبيدي: الوكتة: نكتة في العين، وعين موكوتة؛ والوكت: سواد العين.

(وينام) ذلك الرجل المذكور؛ أي: ثم ينام (النومة) أي: المرة الثانية، والواو فيه بمعنى:(ثم)، ينام النومة الثانية (فتنزع الأمانة من قلبه) أي: تقبض ما بقي من الأمانة من قلبه.

(فيظل) أي: فيصير (أثرها) أي: أثر محوها في المرة الثانية من قلبه؛ أي: من جذر قلبه زيادة على ما طمس في النومة الأولى؛ أي: يكون المحل الذي محي منه نورها من جذر قلبه في المرة الثانية (كأثر المَجْلِ) أي: مِثْلَ التَّنَفُّطِ الذي يكون في اليدِ بسببِ العمل بفَأْسٍ أو نَحوِها؛ كالمِعول، شبه القُبَّة، فيه ماءٌ قليلٌ.

ص: 292

كَجَمْرٍ دَحْرَجْتَهُ عَلَى رِجْلِكَ فَنَفِطَ فَتَرَاهُ مُنْتَبِرًا وَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ"،

===

قال القرطبي: والمجل - بفتح الميم وإسكان الجيم وفتحها - لغتان؛ والمشهور الإسكان؛ وهو التنفط المذكور؛ يعني: أن يكون بين الجلد واللحم ماء، يقال: مَجِلَتْ يدُه تَمْجَلُ مَجْلًا؛ من باب علم، ومَجَلَتْ تَمْجِل مَجْلًا؛ من باب ضرب، ومجَلَتْ تَمجُل؛ من باب قتل؛ إذا تَنفَّطَتْ من العمل؛ أي: انتفخَتْ جِلْدُها وكان فيه ماءٌ من أثر العمل.

وفي "النهاية": الوَكْتَةُ: الأثرُ في الشيء؛ كالنُقْطَةِ من غير لون، والجمعُ وُكَت؛ والمجل: تنفط اليد من العمل بالأشياء الصلبة الخشنة. انتهى.

ويقال: نفطت يده نفطًا؛ من باب تعب، ونفيطًا؛ إذا صار بين الجلد واللحم ماء. انتهى من "المصباح".

وقوله: (كجمر) جار ومجرور متعلق بمحذوف حال من الوكت والمجل، ولكنه على تقدير مضاف؛ تقديره: حالة كون أثر الوكت والمجل مثل أثر جمر وشعلة نار أسقطتها على رجلك، أو مثل أثر حجر (دحرجته) أي: دحرجت ذلك الحجر وقلبته وأسقطته (على رجلك) أي: على عضو رجلك (فنفط) عضو رجلك - وهو بكسر الفالله - من باب تعب؛ أي: تنفط وانتفخ عضو الرجل؛ أي: الموضع الذي وقع عليه الجمر، أو الحجر من الرجل (فتراه) أي: فترى ذلك الموضع الذي وقع عليه الجمر أو الحجر (منتبرًا) - بكسر الباء - أي: منتفخًا مرتفعًا (و) الحال أنه اليس فيه) أي: في ذلك الموضع المنتفخ المرتفع (شيء) من ماء ولا لحم ولا دم صحاح، بل فيه ماء فاسد.

أو المعنى: أن تأثير ما بقي من الأمانة عنده .. كتأثير مجل أو جمر، فيتخيل للرائي أن الرجل ذو أمانة وصحة، وهو في ذلك بمثابة نقطة تراها متنفطة مرتفعة كبيرة لا طائل تحتها، وليس فيها شيء صالح، بل ماء فاسد.

ص: 293

ثُمَّ أَخَذَ حُذَيْفَةُ كَفًّا مِنْ حَصىً

====

وعلى هذا المعنى: يكون الجار والمجرور في قوله: (كجمر) خبرًا لمبتدأ محذوف؛ كما قدرناه آنفًا.

وقوله: (كجمر) في "القاموس": الجمرةُ: النار المتقدةُ، تجمع على جَمَرٍ؛ كثَمرةٍ وثمرٍ، والحصاةُ؛ وهو المراد هنا؛ بدليل ما بعده من قوله: (ثم أخذ كفًّا من حصىً

) إلى آخره.

وقوله: (دحرجته) يقال: دحرجه دحرجة ودِحراجًا فتدحرج؛ أي: تتابع في حُدُورٍ وهبوطٍ من علو إلى سفل؛ والمُدَحْرَجُ: المدوَّرُ؛ والدُّحْرُوجَةُ: ما يُدَحْرِجُهُ الجُعَلُ من بنادق الروث أو الغائط. انتهى.

والمعنى: كحصىً دحرجته وأسقطته على ظهر قدمك، فأثر فيه، فترى أثره منتفخًا مرتفعًا، ليس فيه شيءٍ من ماء ولا لحم.

قوله: (فتنفط فتراه منتبرًا): تذكير الفعل المسند إلى الرجل، وكذا تذكير الضمير في قوله:(فتراه منتبرًا) مع أن الرجل مؤنثة بالنظر إلى كونها بمعنى العضو؛ كما في "النووي" والانتبار: هو التورم والانتفاخ، وكل مرتفعٍ مُنتبرٌ، ومنه: اشتق المنبر.

وعبارة "المفهم" هنا: قوله: (منتبرًا) أي: منتفخًا؛ من الانتبار؛ وهو الارتفاع، ومنه: انتبر الأمير؛ إذا صعد على المنبر، وبه سمي المنبر؛ لارتفاعه.

ونبَر الجرحُ؛ أي: وَرِمَ؛ والنَّبْرُ: نوع من الذباب يَلْسَعُ الإبلَ فيَرِمُ مكانُ لَسْعِه، وكل شيء ارتفع .. فقد نبَرَ، وقال أبو عبيد:(منتبرًا) متنفطًا.

(ثم أخذ حذيفة) رضي الله تعالى عنه (كفًّا من حصىً) وفي رواية مسلم: (ثم أخذ حصىً) من الحصيات؛ بإسقاط (كفًّا)، وفي بعض الأصول:(ثم أخذ حصاةً فدحرجها) بإفراد لفظ: (الحصاة) وهو صحيح.

ص: 294

فَدَحْرَجَهُ عَلَى سَاقِهِ قَالَ: "فَيُصْبِحُ النَّاسُ يَتَبَايَعُونَ وَلَا يَكَادُ أَحَدٌ يُؤَدِّي الْأَمَانَةَ حَتَّى يُقَالَ: إِنَّ فِي بَنِي فُلَانٍ رَجُلَا أَمِينًا، وَحَتَّى يُقَالَ لِلرَّجُلِ: مَا أَعْقَلَهُ! وَأَجْلَدَهُ!

===

(فدحرجه) أي: أسقط ذلك الحصى (على ساقه) أي: على ظهر قدمه.

وفي "مسلم": (على رجله) وفي كلا الروايتين إطلاق الكل وإرادة الجزء؛ أي: على ظهر قدمه تمثيلًا وتصويرًا؛ لتدحرج الجمر والحصى على الرجل، والمذكور من قوله:(كجمر دحرجته) كلام مدرج في الحديث، أدرجه حذيفة رضي الله تعالى عنه؛ لزيادة البيان والإيضاح؛ أي: إيضاح المعقول بالمحسوس.

(قال) النبي صلى الله عليه وسلم: (فيصبح الناس يتبايعون

) إلى آخره، معطوف على قوله:(فتنزع الأمانة) فهو من كلام النبي صلى الله عليه وسلم؛ أي: فتنزع الأمانة من قلبه، فيظل أثرها كأثر المجل، فيصبح الناس الذين قبضت الأمانة من جذر قلوبهم (يتبايعون) أي: يتعاقدون عقد البيع والشراء في الصباح بعدما نزعت الأمانة من جذر قلوبهم في نومة الليل؛ يعني: في الغفلة الواقعة منهم قبل ذلك (و) الحال أنه إلَّا يكاد) أي: لا يقارب (أحد) منهم أن (يؤدي الأمانة) الموضوعة عنده قبل ذلك إلى مستحقها، فيقل الأمناء فيهم (حتى يقال) من غاية قلة الأمانة في الناس:(إن في بني فلان رجلًا أمينًا) أي: شخصًا واحدًا يؤمن ويؤدي الأمانة إلى مستحقها لا غير.

وتقل فيهم الأمانة التي هي ثمرة الإيمان، وتكثر فيهم الخيانة التي هي ثمرة النفاق (و) يتمرنون عليها (حتى يقال للرجل) المنافق الخائن منهم؛ أي: حتى يقولوا للمنافق الخائن من أرباب الدنيا ممن له عقل وحيلة في تحصيل المال والجاه، وطبع في الشعر والنثر فصاحةً وبلاغةً، وقوةً بدنيةً وشجاعةً وشوكةً؛ تعجبًا منه ومدحًا له:(ما أعقله! ) أي: ما أكمله في عقله (و) ما (أجلده! )

ص: 295

وَأَظْرَفَهُ! وَمَا فِي قَلْبِهِ حَبَّةُ خَرْدَلِ مِنْ إِيمَانٍ"،

===

أي: ما أقواه في بدنه (و) ما (أظرفه! ) أي: ما أحسنه في لسانه وأدبه.

والظَّرْفُ عند العرب: في اللِّسان، والحلاوةُ: في العين، والملاحةُ: في الفم، وقال المبرد: الظريف مأخوذ من الظَّرْف؛ وهو الوعاء؛ كأنه جعل وعاء للآداب، وقال غيره: يقال منه: ظَرُفَ يَظْرُف ظرفًا، فهو ظريف، وهم ظُرفاء، وإنما يقال في الفِتْيان والفَتَيات أهلِ الخفة.

وحاصل قولهم ذلك: أنهم يمدحونه بكثرة الجلادة والظرافة والعقل، ويتعجبون منه، ولا يمدحون أحدًا بكثرةِ العلمِ النافع والعمل المصالح.

وقوله: (وما في قلبه) أي: في قلب ذلك الرجل الممدوح، حال من الرجل؛ أي: يمدحونه والحال أنه ما في قلبه مثقال (حبة خردل) أي: وزن حبةٍ؛ واحد الحبوب؛ من خردل: حب معروف من الأبازير، والإضافة فيه بيانية بمعنى: من، وقوله:(من إيمان) تمييز لمثقال.

قال العيني: وخلاصة ما ذكرناه: أن القلب يخلو عن الأمانة؛ بأن تزول عنه شيئًا فشيئًا، فإذا زال جزء منها .. زال نورها، وخلفته ظلمة كالوكت، وإذا زال شيء آخر منها .. صار كالمجل؛ وهو أثر كبير محكم لا يكاد يزول إلَّا بعد مدة، ثم شبَّه زوالَ ذلك النور بعد ثبوته في القلب، وخروجه منه واعتقاب الظلمة إياها بجَمرٍ تُدحرِجُه على رجلك حتى يُؤثِّر فيها، ثم يزول الجمر ويبقى التنفط. انتهى "عمدة القاري".

فيصبح الناس بعد رفع الأمانة عن قلوبهم خَوَنةً فسقةً، حتى لا يوجد فيهم رجل أمين، ويمدحون الرجل منهم بالشجاعة والفصاحة ورصانة العقل، وما في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان.

قال الأبي: فبالجملة: فالمقصود من الحديث: الإخبار عن تغير الحال برفع

ص: 296

وَلَقَدْ أَتَى عَلَيَّ زَمَان وَلَسْتُ أُبَالِي أَيَّكُمْ بَايَعْتُ؛ لَئِنْ كَانَ مُسْلِمًا .. لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ إِسْلَامُهُ،

===

الأمانة من تلك القلوب التي جبلت على حفظها، وعدم الخون فيها حتى لا يبقى فيها إلَّا مثل الوكت، ثم مثل المجل، على ما تقدم. انتهى.

قال حذيفة: (و) الله الذي نفسي بيده القد أتى) ومر (علي زمان و) الحال أني (لست أبالي) ولا أَكْتَرثُ (أيكم بايعت) أي: الذي عاقدت معه عقد البيع والشراء منكم، و (أي): موصولة منصوبة؛ على أنَّها مفعول مقدم.

والله (لئن كان) الذي عاقدت معه (مسلمًا .. ليردنه علي) بحقي (إسلامُه) أي: حُكْمُ إسلامهِ ودينهِ وخوفه من الله تعالى؛ أي: يقضي لي ديني الذي عليه بعقد المبايعة خوفُه من ربه.

وفي "المفهم": قوله: (لا أبالي أيكم بايعت) من البيع، لا من المبايعة والعهد؛ لأن اليهودي والنصراني لا يبايع بيعة الإسلام، ولا بيعة الإمامة، وإنما يعني: أن الأمانة قد رفعت من الناس، فقلَّ من يُؤْمَن على البيع والشراء.

ومعنى قوله: (وما أبالي أيكم بايعت): أنه لوثوقه سلفًا بوجود الأمانة في الناس كان يُقْدِم على مبايعة من اتفق، من غير بحث عن حاله، فلما بدا التغير في الناس وظهرت الخيانة .. صار لا يبايع إلَّا من يعرف حاله من الناس.

و(أي) هنا موصولة منصوبة؛ على أنَّها مفعول به لي (أبالي)، وجملة (بايعت) صلتها، والعائد محذوف؛ تقديره: لا أبالي الذي بايعته منكم.

وقوله: (لئن كان مسلمًا) جواب عن سؤال مقدر؛ كأن قائلًا قال له: لَمْ لا تبالي ولم تزل الخيانة موجودة؟ فأجاب بأنه وإن كان الأمر كذلك، لكنه يَثِقُ - بالمثلثة - بالمؤمن لذاته، وبالكافر لوجود ساعيه، وهو الذي يحكم عليه، وكانوا لا يستعملون في كلّ عمل قلّ أو جلّ إلَّا المسلم، فكان واثقًا بإنصافه،

ص: 297

وَلَئِنْ كَانَ يَهُودِيًّا أَوْ نَصْرَانِيًّا .. لَيَرُدَّنَّهُ عَلَيَّ سَاعِيهِ؛ فَأَمَّا الْيَوْمَ .. فَمَا كُنْتُ لِأُبَايِعَ إِلَّا فُلَانًا وَفُلَانًا.

====

وتخليص حقه من الكافر إن خانه، بخلاف العصر الأخير الذي أشار إليه؛ فإنه صار لا يبايع إلَّا أفرادًا من الناس. انتهى "فتح الملهم".

(ولئن كان) الذي أبايعه (يهوديًّا أو نصرانيًا .. ليردنه علي) في أداء حقي (ساعيه) أي: كفيله أو ضمينه (فأما اليوم) الحاضر .. (فما كنت) مريدًا (لأبايع) - بكسر اللام ونصب الفعل بعدها - لأنَّها لام الجحود؛ لوقوعها بعد كان المنفية بـ (ما) أي: ما كنت مريد البيع مع أحد منكم (إلَّا فلانًا وفلانًا) أي: إلَّا أفرادًا قلائل من الناس؛ لرفع الأمانة وقلة الأمناء.

وقد تقدم آنفًا أن معنى المبايعة هنا: البيع والشراء المعروفان؛ ومراده: أني كنت أعلم أن الأمانة لَمْ ترتفع، وأن في الناس وفاءً بالعهود، فكنت أقوم على مبايعة من اتفق لي من غير بحث عن حاله؛ وثوقًا بالناس وأمانتهم؛ فإنه إن كان مسلمًا .. فدينه وأمانته تمنعه من خيانته، وتحمله على أداء الأمانة.

وإن كان كافرًا .. فساعيه؛ وهو الوالي عليه، كان يقوم أيضًا بالأمانة في ولايته فيستخرج حقي منه.

وأما اليوم .. فقد ذهبت الأمانة، فما بقي لي وثوق بمن أبايعه، ولا بالساعي في أداء الأمانة، فما أبايع إلَّا فلانًا وفلانًا؛ يعني: أفرادًا من الناس أعرفهم وأثق بهم.

والحاصل: أنه أشار بقوله: (إلَّا فلانًا وفلانًا) إلى العصر الذي أدركه، والأمانة فيهم بالنسبة إلى العصر الأول .. أقلّ، وأما الذي ينتظره .. فإنه حيث تفتقد الأمانة من الجميع إلَّا النادر منهم.

وحاصل هذا الخبر: أنه صلى الله عليه وسلم أنذر برفع الأمانة، وأن

ص: 298

(88)

- 3998 - (2) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُصَفَّى، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ حَرْب، عَنْ سَعِيدِ بْنِ سِنَانٍ،

===

الموصوف بالأمانة يُسْلَبُهَا حتى يصير خائنًا بعد أن كان أمينًا، وهذا إنما على ما هو مشاهد لمن خالط أهل الخيانة؛ فإنه يصير خائنًا؛ لأن القرين يقتدي بقرينه السابق. انتهى.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الرقاق، باب رفع الأمانة، وفي كتاب الفتن، ومسلم في كتاب الإيمان، باب رفع الأمانة والإيمان من القلوب وعرض الفتن على القلوب، والترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في رفع الأمانة، وقال: هذا حديث حسن صحيح.

فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.

* * *

ثم استأنس المؤلف للترجمة بحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(88)

- 3998 - (2)(حدثنا محمد بن المصفى) بن بهلول الحمصي القرشي، صدوق له أوهام وكان يدلس، من العاشرة، مات سنة ست وأربعين ومئتين (246 هـ). يروي عنه:(د س ق).

(حدثنا محمد بن حرب) الخولاني الحمصي الأبرش - بالمعجمة -، ثقةٌ، من التاسعة. يروي عنه:(ع)، مات سنة أربع وتسعين ومئة (194 هـ).

(عن سعيد بن سنان) الحنفي أو الكندي أبي مهدي الحمصي، متروك، ورماه الدارقطني وغيره بالوضع، من الثامنة. روى عن: أبي الزاهرية، ويروي عنه:(ق)، ومحمد بن حرب. مات سنة ثلاث أو ثمان وستين ومئة (168 هـ).

ص: 299

عَنْ أَبِي الزَّاهِرِيَّة، عَنْ أَبِي شَجَرَةَ كَثِيرِ بْنِ مُرَّةَ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "إِنَّ اللهَ عز وجل إِذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ عَبْدًا .. نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءَ، فَإِذَا نَزَعَ مِنْهُ الْحَيَاءَ .. لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا مَقِيتًا مُمَقَّتًا، فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا مَقِيتًا مُمَقَّتًا .. نُزِعَتْ مِنْهُ الْأَمَانَةُ، فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الْأَمَانَةُ .. لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا خَائِنًا مُخَوَّنًا،

====

(عن أبي الزاهرية) حدير بن كريب - بالتصغير فيهما - الحضرمي الحمصي، صدوق، من الثالثة، مات على رأس المئة (100 هـ). يروي عنه:(م د س ق).

(عن أبي شجرة كثير بن مرّة) الحضرمي الحمصي، ثقةٌ، من الثانية، ووهم من عده في الصحابة. يروي عنه:(عم).

(عن ابن عمر) رضي الله تعالى عنهما.

وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الضعف؛ لأن فيه سعيد بن سنان، وهو متروك اتفقوا على ضعفه، وأحاديثه موضوعة.

(أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبدًا .. نرع منه) أي: من ذلك العبد (الحياء) أي: الحياء من الله ومن الناس، فيفعل ما يشاء من ارتكاب المحرمات وترك المأمورات (فإذا نزع منه الحياء .. لَمْ تلقه) أي: لَمْ تَرَهُ (إلَّا مقيتًا) أي: إلَّا ممقوتًا عند الله وعند الناس؛ والمقيت - فعيل بمعنى مفعول - من المقت؛ وهو أشد البغض عند الله تعالى.

وقوله: (ممقتًا) - بضم الميم وتشديد القاف - اسم مفعول؛ من مقته - بتشديدها - اسم مفعول؛ من مقت المضعف؛ وهو توكيد لفظي لما قبله، فالمجيء به بعد الأول مبالغة في التأكيد؛ أي: لَمْ تره إلَّا بغيضًا مبغضًا عند الطباع، أو إلَّا ظاهرًا عليه أثر البغض من الله تعالى (فإذا لَمْ تلقه إلَّا مقيتًا ممقتًا .. نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة .. لَمْ تلقه إلَّا خائنًا مخونًا)

ص: 300

فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا خَائِنًا مُخَوَّنًا .. نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ، فَإِذَا نُزِعَتْ مِنْهُ الرَّحْمَةُ .. لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا رَجِيمًا مُلَعَّنًا، فَإِذَا لَمْ تَلْقَهُ إِلَّا رَجِيمًا مُلَعَّنًا .. نُزِعَتْ مِنْهُ رِبْقَةُ الْإِسْلَامِ".

===

اسم مفعول؛ من خون المضعف؛ أي: لَمْ تره إلَّا خائنًا؛ أي: موصوفًا بالخيانة في حد ذاته مخونًا؛ أي: منسوبًا بين الناس إلى الخيانة مشهورًا بها بينهم، والجمع بينهما للمبالغة (فإذا لَمْ تلقه إلَّا خائنًا مخونًا .. نزعت منه الرحمة) للناس ولغيرهم؛ أي: الشفقة والعطف والسهولة لهم قلبًا وقالبًا (فإذا نزعت منه الرحمة) للمخلوق

(لَمْ تلقه إلَّا رجيمًا) أي: مرجومًا عند الله وعند الناس، مطرودًا عنده عز وجل وعندهم (ملعنًا) اسم مفعول؛ من لعن المضعف، والجمع بينهما للتأكيد؛ كسابقه؛ أي: منسوبًا إلى اللعن عند الله وعند الناس (فإذا لَمْ تلقه إلَّا رجيمًا ملعنًا .. نزعت منه ربقة الإسلام) أي: قيده؛ وهو بكسر الراء وسكون الموحدة.

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجة، ودرجته: أنه ضعيف، بل موضوع (8)(457)؛ لضعف سنده، وغرضه: الاستئناس به للترجمة.

ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلَّا حديثين:

الأول للاستدلال، والثاني للاستئناس.

والله سبحانه وتعالى أعلم

ص: 301