المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌(3) - (1454) - باب الوقوف عند الشبهات - شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه - جـ ٢٤

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌تَتِمَّة كتاب الفتن

- ‌(1) - (1452) - بَابُ كَفِّ اللِّسَانِ فِي الْفِتْنَةِ

- ‌(2) - (1453) - بَابُ الْعُزْلَةِ

- ‌(3) - (1454) - بَابُ الْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ

- ‌(4) - (1455) - بَاب: بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا

- ‌(5) - (1456) - بَابُ مَنْ تُرْجَى لَهُ السَّلَامَةُ مِنَ الْفِتَنِ

- ‌(6) - (1457) - بَابُ افْتِرَاقِ الْأُمَمِ

- ‌(7) - (1458) - بَابُ فِتْنَةِ الْمَالِ

- ‌فائدة

- ‌(8) - (1459) - بَابُ فِتْنَةِ النِّسَاءِ

- ‌فصل في ذكر الأحكام التي تستفاد من هذا الحديث

- ‌(9) - (1460) - بَابُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ

- ‌(10) - (1461) - بَابُ قَوْلهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}

- ‌(11) - (1462) - بَابُ الْعُقُوبَاتِ

- ‌(12) - (1463) - بَابُ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ

- ‌(13) - (1464) - بَابُ شِدَّةِ الزَّمَانِ

- ‌(14) - (1465) - بَابُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ

- ‌(15) - (1466) - بَابُ ذَهَابِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ

- ‌(16) - (1467) - بَابُ ذَهَابِ الْأَمَانَةِ

- ‌(17) - (1468) - بَابُ الْآيَاتِ

- ‌(18) - (1469) - بَابُ الْخُسُوفِ

- ‌(19) - (1470) - بَابُ جَيْشِ الْبَيْدَاءِ

- ‌(20) - (1471) - بَابُ دَابَّةِ الْأَرْضِ

- ‌(21) - (1472) - بَابُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا

- ‌تنبيه

- ‌(22) - (1473) - بَابُ فِتْنَةِ الدَّجَّال، وَخُرُوجِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ

- ‌وأما ترجمة تميم الداري

- ‌فائدة

الفصل: ‌(3) - (1454) - باب الوقوف عند الشبهات

(3) - (1454) - بَابُ الْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ

(18)

- 3928 - (1) حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ رَافِعٍ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللهِ بْنُ الْمُبَارَك، عَنْ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ، عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: سَمِعْتُ النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ

===

(3)

- (1454) - (باب الوقوف عند الشبهات)

(18)

- 3928 - (1)(حدثنا عمرو بن رافع) بن الفرات القزويني البجلي أبو حجر - بضم المهملة وسكون الجيم - ثقة ثبت، من العاشرة، مات سنة سبع وثلاثين ومئتين (237 هـ). يروي عنه:(ق).

(حدثنا عبد الله بن المبارك) المروزي الحنظلي مولاهم، ثقة ثبت فقيه عالم جواد مجاهد، جمعت فيه خصال الخير، من الثامنة، مات سنة إحدى وثمانين ومئة (181 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن زكريا بن أبي زائدة) خالد بن ميمون، ويقال: هبيرة بن ميمون بن فيروز الهمداني الوادعي أبي يحيى الكوفي، ثقة، وكان يدلس، من السادسة، مات سنة سبع أو ثمان أو تسع وأربعين ومئة (149 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن الشعبي) عامر بن شراحيل أبي عمرو الكوفي، ثقة مشهور فقيه فاضل، من الثالثة، قال مكحول: ما رأيت أفقه منه، مات بعد المئة، وله نحو من ثمانين. يروي عنه:(ع).

(قال) الشعبي: (سمعت النعمان بن بشير) بن سعد بن ثعلبة الأنصاري الخزرجي، له ولأبويه صحبة رضي الله تعالى عنهم، ثم سكن الشام، ثم ولي إمرة الكوفة، ثم قتل بحمص سنة خمس وستين (65 هـ). يروي عنه:(ع).

وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

ص: 61

يَقُولُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَأَهْوَى بِإِصْبَعَيْهِ إِلَى أُذُنَيْهِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: "الْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ وَبَيْنَهُمَا مُشْتَبِهَاتٌ لَا يَعْلَمُهَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ؛

===

قال الشعبي: سمعت النعمان (يقول) وهو قائم (على المنبر) النبوي (و) قد (أهوى) أي: والحال أنه قد أهوى ومد (بإصبعيه) المسبحتين (إلى) شحمتي (أذنيه) ليأخذهما؛ إشارة إلى استيقانه بالسماع، وتأكيدًا لسماعه منه صلى الله عليه وسلم.

وقال الحافظ في "الفتح"(1/ 117): وفي هذا رد لقول الواقدي ومن تبعه: إن النعمان لا يصح سماعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم.

وفيه دليل على صحة سماع الصبي المميز؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم مات وللنعمان ثمان سنين حالة كونه يقول: (سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: الحلال بين) أي: ظاهر بأدلته (والحرام بين) أي: واضح بأدلته (وبينهما) أي: بين الحلال والحرام أمور (مشتبهات) أي: ليست بواضحة الحل ولا بواضحة الحرمة، فلذا (لا يعلمها) أي: لا يعلم تلك المشتبهات ولا يعرفها (كثير من الناس) وهم العوام؛ أي: لا يعرفون حكمها، وأما العلماء .. فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك من الأدلة.

وليس المعنى: كل ما هو حلال عند الله تعالى .. فهو بين بوصف الحل يعرفه كل أحد بهذا الوصف، وما هو حرام عند الله تعالى .. فهو كذلك، وإلا .. لم تبق المشتبهات.

وإنما المعنى: أن الحلال من حيث الحكم تبين بأنه لا يضر تناوله، وكذا الحرام تبين بأنه ما يضر تناوله.

أي: هما بينان يعرف الناس حكمهما، لكن ينبغي أن يعلم الناس حكم ما

ص: 62

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

بينهما من المشتبهات؛ بأن تناوله يخرج من الورع، ويقرب إلى تناول الحرام وعلى هذا؛ فقوله:(الحلال بين والحرام بين) اعتذار عن ترك ذكرهما. انتهى "سندي على النسائي".

قال القرطبي: يعني: أن كل واحد منهما مبين بأدلته في كتاب الله تعالى وسنة رسوله صلى الله عليه وسلم تأصيلًا وتفصيلًا، فمن وقف على ما في كتاب الله والسنة من ذلك .. وجد فيهما أمورًا جلية التحليل، وأمورًا جلية التحريم، وأمورًا مترددة بين التحليل والتحريم؛ وهي التي تتعارض فيها الأدلة، فهي المتشابهات.

وقد اختلف في حكمها: فقيل: مُواقَعَتُهَا حرامٌ؛ لأنها تُوقِعُ في الحرام، وقيل: مكروهةٌ، والورَعُ تركُها، وقيل: لا يقال فيها واحدٌ منهما، والصواب الثاني؛ لأن الشرع قد أخرجها من قسم الحرام، فلا توصف به وهي مما يرتاب فيه، وقد قال صلى الله عليه وسلم:"دع ما يريبك إلى ما لا يريبك" رواه أحمد والترمذي والنسائي.

وهذا هو الورع، وقد قال فيها بعض الناس: إنها حلال، ويتورع عنها.

قلت: وليست بعبارة صحيحة؛ لأن أقل مراتب الحلال أن يستوي فعله وتركه، فيكون مباحًا، وما كان كذلك .. لم يتصور فيه الورع من حيث هو متساوي الطرفين؛ فإنه إن ترجح أحد طرفيه على الآخر .. خرج عن كونه مباحًا، وحينئذ يكون تركه راجحًا على فعله، وهو المكروه، أو فعله راجحًا على تركه، وهو المندوب.

فإن قيل: فهذا يؤدي إلى ترك معلوم من الشرع؛ وهو أن النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء بعده وأكثر الصحابة رضي الله تعالى عنهم كانوا يزهدون في المباح؛ فإنهم رفضوا التنعم بأكل الطيبات من الأطعمة، وبلباس اللين

ص: 63

فَمَنِ اتَّقَى الشُّبُهَاتِ .. اسْتَبْرَأَ لِدِينِهِ وَعِرْضِه، وَمَنْ وَقَعَ فِي الشُّبُهَاتِ .. وَقَعَ فِي الْحَرَامِ؛

===

الفاخر من الملابس، وبسكنى المباني الأنيقة من المساكن، ولا شك في إباحة هذه الأمور، ومع هذا، فآثروا أكل الخشن، ولباس الخشن، وسكنى الطين واللبن، وكل هذا معلوم من حالهم منقول من سيرتهم.

فالجواب: أن تركهم التنعم بالمباح لا بد له من موجب شرعي أوجب ترجيح الترك على الفعل، وحينئذ يلزم عليه خروج المباح عن كونه مباحًا؛ فإن حقيقته التساوي من غير رجحان، فلم يزهدوا في مباح، بل في أمر تركه خير من فعله شرعًا، وهذه حقيقة المكروه، فإذًا؛ إنما زهدوا في مكروه، غير أن المكروه تارة يكرهه الشرع من حيث هو؛ كما كره لحوم السباع، وتارة يكرهه؛ لما يؤدي إليه؛ كما كره القبلة للصائم؛ فإنها تكره؛ لما يخاف منها من فساد الصوم، وتركهم التنعم من هذا القبيل؛ فإنه انكشف لهم من عاقبته ما خافوا على نفوسهم منه مفاسد، إما في الحال؛ كالركون إلى الدنيا، وإما في المآل؛ كالحساب عليه والمطالبة بالشكر وغير ذلك مما ذكر في كتب الزهد.

وعلى هذا؛ فقد ظهر ولاح أنهم لم يزهدوا ولا تورعوا عن مباح، بل عن مكروه؛ خوفًا من الوقوع في الحرام. انتهى من "المفهم".

(فمن اتقى) وتحرز وتورع عن (الشبهات) وابتعد عنها وتركها، وهو بضم الشين والباء؛ والمراد: ترك ما يشتبه كونه حلالًا .. فقد (استبرأ) أي: طلب البراءة من الذم الشرعي والإثم وحصلها (لدينه و) صان (عرضه) وحفظه من وقوع الناس فيه وتعييبهم له (ومن وقع في الشبهات) أي: ارتكب الأمور المشتبهة .. (وقع في الحرام) أي: كان وقوعه فيها؛ كوقوعه في الحرام، حالة

ص: 64

كَالرَّاعِي حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَرْتَعَ فِيه، أَلَا وإنَّ لِكُلِّ مَلِكٍ حِمىً، أَلَا وَإِنَّ حِمَى اللهِ مَحَارِمُهُ، أَلَا وَإِنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً إِذَا صَلَحَتْ .. صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإِذَا فَسَدَتْ .. فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، أَلَا وَهِيَ الْقَلْبُ".

===

كون ذلك الواقع في الشبهات (كالراعي) الذي يرعى المواشي (حول الحمى) أي: حول المرعى الذي حماه الملك ومنعه من الناس، حالة كون ذلك الراعي (يوشك) ويقرب (أن برتع) ويرعى مواشيه (فيه) أي: في ذلك الحمى الذي حماه الملك فتصيبه العقوبة منه.

(ألا) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم (وإن لكل ملك) من ملوك الدنيا؛ أي: لجنسهم (حمىً) أي: مرعئ حماه ومنعه من الناس لرعي مَوَاشِيه، وإلا .. فليس لكل ملك حمىً، بل لبعضهم (ألا وإن حمى الله محارمه) أي: محرماته؛ أي: ما حرمه على عباده من المنهيات والمعاصي (ألا وإن في الجسد مضغة) أي: قطعة لحم (إذا صلحت .. صلح الجسد كلله، وإذا فسدت .. فسد الجسد كله، ألا وهي القلب).

قوله: "ومن وقع في الشبهات .. وقع في الحرام" وهذا يكون لأحد وجهين؛ أحدهما: إذا عَوَّد نفسَه عدمَ التحرز مما يشتبه .. أثَّر ذلك في استهانته وعدم المبالاة بأمور الدين، فيقع في الحرام مع العلم به، وقيل: إن من أكثر الوقوع في الشبهات .. أظلم قلبه عليه؛ لفقدان نور العلم والورع، فيقع في الحرام ولا يشعر به.

وثانيهما: أن من اشتبه عليه الحكم في مسألة فارتكبها بدون تحقيق أو سؤال عنه .. فيمكن أن يكون ذلك الفعل حرامًا في نفس الأمر، فحينئذٍ صار الوقوع في الشبهة وقوعًا في الحرام، والله تعالى أعلم. انتهى من "التكملة".

وقال الإمام النووي في "شرح مسلم" بأن الأشياء ثلاثة أقسام:

ص: 65

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

حلال بين واضح لا يخفى حله؛ كالخبز والفواكه والزيت والعسل والسمن ولبن مأكول اللحم وبيضه، وغير ذلك من المطعومات، وكذلك الكلام والنظر والمشي وغير ذلك من التصرفات فيها حلال بين واضح لا شك في حله.

وأما الحرام البين .. فكالخمر والخنزير والميتة والبول والدم المسفوح، وكذلك الزنا والكذب والغيبة والنميمة، والنظر إلى الأجنبية، وأشباه ذلك.

وأما المشتبهات .. فمعناه: أنها ليست بواضحة الحل ولا الحرمة، فلهذا لا يعرفها كثير من الناس، ولا يعلمون حكمها، وأما العلماء .. فيعرفون حكمها بنص أو قياس أو استصحاب أو غير ذلك.

قوله: (وقع في الحرام) أي: كاد أن يقع في الحرام، حالة كون ذلك الواقع في الشبهات (كالراعي) الذي يرعى المواشي (حول الحمى) أي: حول المرعى الذي حماه الملك ومنعه من الناس، حالة كون ذلك الراعي (يوشك) ويقرب (أن يرتع) ويرعى مواشيه (فيه) أي: في ذلك الحمى الذي حماه الإمام، ويمنع الناس من دخوله، ومن دخله .. أوقع عليه العقوبة، ومن احتاط لنفسه .. لا يقارب ذلك الحمى؛ خوفًا من الوقوع فيه.

(والحمى) - بكسر الحاء وبالقصر - كل موضع حظره الإمام لنفسه، ومنع الغير من الدخول فيه، وأكثر ما يستعمل في مراعي المواشي.

قوله: (يوشك) - بضم الياء وكسر الشين - مضارع أوشك الرباعي - بفتحها - وهو من أفعال المقاربة؛ ومعناه هنا: يقع في الحرام بسرعة.

و(يرتع) - بفتح التاء - مضارع رتع - بفتحها أيضًا - من باب فتح، وفتحت في المضارع؛ لوجود حرف الحلق؛ لأنه من داعي الفتح بشرطه المذكور في كتب

ص: 66

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

الصرف؛ كما بسطنا الكلام عليه في شرحنا "مناهل الرجال على لامية الأفعال".

ومعناه: أكل الماشية من المرعى، وأصله إقامتها فيه، وتبسطها في الأكل منه، ومنه قوله تعالى:{يَرْتَعْ وَيَلْعَبْ} (1).

وهذا مثل ضربه النبي صلى الله عليه وسلم لمحارم الله تعالى، وأصله أن ملوك العرب كانت تحمي مراعي لمواشيها الخاصة بهم، وتحرج منه الناس بالتوعد بالعقوبة على من قربها، فالخائف من عقوبة السلطان يبعد بماشيته من ذلك الحمى؛ لأنه إن قرب منه .. فالغالب الوقوع فيه، وإن كثر الحذر؛ إذ قد تنفرد الفاذة، وتشذ الشاذة، ولا تنضبط، فالحذر أن يجعل بينه وبين ذلك الحمى مسافة؛ بحيث يأمن فيها من وقوع الفاذة والشاذة فيه، وهكذا محارم الله تعالى؛ لا ينبغي أن يحوم حولها؛ مخافة الوقوع فيه على الطريقتين المتقدمتين.

(ألا) - بفتح الهمزة وتخفيف اللام - حرف استفتاح وتنبيه؛ أي: انتبهوا أيها المسلمون واستمعوا ما أقول لكم: (وإن لكل ملك) من ملوك الدنيا؛ أي: لجنسهم (حمىً) أي: مرعىً حماه ومنعه من الناس لرعي مواشيه، وإلا .. فليس لكل ملك حمىً، بل لبعضهم (ألا وإن حمى الله) الذي حمى عباده منه (محارمه) أي: محرماته؛ أي: ما حرمه على عباده من المنهيات والمعاصي، ولما كان التورع يميل القلب إلى الصلاح، وعدمه يميله إلى الفجور .. نبه النبي صلى الله عليه وسلم عليه بقوله:(ألا وإن في الجسد) أي: انتبهوا واستمعوا ما أقول لكم: وإن في جنس الجسد والجسم (مضغة) أي: قطعة لحم قدر ما يمضغه الماضغ.

والمضغة في اللغة: قطعة لحم قدر ما يمضغ عند الأكل، وعبر بها هنا عن

(1) سورة يوسف: (12).

ص: 67

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

القلب؛ لأنه صغير جرمه في الرؤية، كبير قدره؛ لأن صلاح سائر البدن وفساده تابع له.

(إذا صلحت) - بفتح اللام - من باب نصر؛ أي: إذا انشرحت واتسعت تلك المضغة بالهداية .. (صلح الجسد كله) أي: استعملت الجوارح في الخيرات؛ لأنها متبوعة للجسد، وهي وإن كانت صغيرةً صورةً، لكنها كبيرةٌ رتبةَ الأميرة للجسد.

(وإذا فسدت) تلك المضغة؛ أي: انشرحت بالضلالة، وهو من باب نصر أيضًا .. (فسد الجسد كله) باستعمال آلاته في المنكرات (ألا وهي) أي: وتلك المضغة التي كانت أميرة الجسد (القلب) سميت بالقلب؛ لأنها محل الخواطر المختلفة الحاملة على الانقلابات. انتهى من "المبارق".

قالوا: المراد: تصغير القلب بالنسبة إلى باقي الجسد، مع أن صلاح الجسد وفساده تابعان للقلب. انتهى "نووي".

وهذا اللفظ في الأصل: مصدر قلبت الشيء أقلبه؛ من باب ضرب؛ إذا رددته على بدئه، وقلبت الإناء؛ إذا رددته على وجهه، وقلبت الرجل عن رأيه؛ إذا صرفته عنه.

ثم نقل هذا اللفظ، فسمي به هذا العضو الذي هو أشرف أعضاء الحيوان؛ لسرعة الخواطر فيه، ولترددها عليه، وقد نظم بعض الفضلاء هذا المعنى، فقال:

ما سمي القلب إلا من تقلبه

فاحذر على القلب من قلبٍ وتحويلِ

وفي "اللسان" و"تاج العروس":

ما سمي القلب إلا من تقلبه

والرأي يصرف بالإنسان أطوارا

ص: 68

(19)

- 3929 - (2) حَدَّثَنَا حُمَيْدُ بْنُ مَسْعَدَةَ، حَدَّثَنَا جَعْفَرُ بْنُ سلَيْمَانَ، عَنِ الْمُعَلَّى بْنِ زِيَادٍ،

===

ولبعضهم:

وما سمي الإنسان إلا لنسيه

وما القلب إلا أنه يتقلب

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب الإيمان، باب فضل من استبرأ لدينه، وفي كتاب البيوع، باب الحلال بين والحرام بين

إلى آخره، ومسلم في كتاب المساقاة، باب أخذ الحلال وترك الشبهات، وأبو داوود في كتاب البيوع والإجارات، باب في اجتناب الشبهات، والترمذي في كتاب البيوع، باب ما جاء في ترك الشبهات، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح، والنسائي في كتاب البيوع، باب اجتناب الشبهات.

فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستدلال به على الترجمة.

* * *

ثم استشهد المؤلف لحديث النعمان بن بشير بحديث معقل بن يسار رضي الله تعالى عنهم، فقال:

(19)

- 3929 - (2)(حدثنا حميد بن مسعدة) بن المبارك السامي - بالمهملة - أو الباهلي البصري، صدوق، من العاشرة، مات سنة أربع وأربعين ومئتين (244 هـ). يروي عنه (م عم).

(حدثنا جعفر بن سليمان) الضبعي - بضم الضاد المعجمة وفتح الموحدة - أبو سليمان البصري، صدوق زاهد، لكنه كان يتشيع، من الثامنة، مات سنة ثمان وسبعين ومئة (178 هـ). يروي عنه:(م عم).

(عن المعلى بن زياد) القردوسي - بقاف - أبي الحسن البصري، صدوق

ص: 69

عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ، عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ صلى الله عليه وسلم: "الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إِلَيَّ".

===

قليل الحديث زاهد، من السابعة. يروي عنه:(م عم).

(عن معاوية بن قرة) بن إياس بن هلال المزني أبي إياس البصري، ثقة عالم، من الثالثة، مات سنة ثلاث عشرة ومئة (113). يروي عنه:(ع).

(عن معقل بن يسار) المزني الصحابي المشهور رضي الله تعالى عنه ممن بايع تحت الشجرة، أبي علي على المشهور، وهو الذي ينسب إليه نهر معقل بالبصرة، مات بعد الستين. يروي عنه:(ع).

وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

(قال) معقل: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: العبادة في الهرج) - بفتح الهاء وسكون الراء - أصله: الاختلاط والقتل، والمراد منه هنا: الفتنة، قال النووي: المراد بالهرج: الفتنة واختلاط أمور الناس، وحِكْمَةُ كثرةِ فضلِ العبادة فيه: أنَّ الناس يغفلون عنها، ويشتغلون عنها، ولا يتفرغ لها إلا الأفراد من الناس. انتهى.

(كهجرة إليَّ) والهجرةُ إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم من أعظم القربات.

وعبارة القرطبي هنا: قد تقدم أن الهرج الاختلاط والارتباك، ويراد به هنا: الفتن والقتل واختلاط الناس بعضهم في بعض، والمتمسك بالعبادة في ذلك الوقت والمنقطع إليها المعتزل عن الناس .. أجره كأجر المهاجر إلى النبي صلى الله عليه وسلم؛ لأنه يناسبه من حيث إن المهاجر قد فر بدينه عمن يصده عنه إلى الاعتصام بعبادة ربه، فهو على التحقيق قد هاجر إلى ربه، وفر من جميع خلقه. انتهى.

ص: 70

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: مسلم في كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب فضل العبادة في الهرج، والترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في الهرج والعبادة فيه، قال أبو عيسى: هذا حديث حسن صحيح.

فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث النعمان بن بشير.

* * *

ولم يذكر المؤلف في هذا الباب إلا حديثين:

الأول للاستدلال، والثاني للاستشهاد.

والله سبحانه وتعالى أعلم

ص: 71