المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

. . . . . . . . . . - شرح سنن ابن ماجه للهرري = مرشد ذوي الحجا والحاجة إلى سنن ابن ماجه - جـ ٢٤

[محمد الأمين الهرري]

فهرس الكتاب

- ‌تَتِمَّة كتاب الفتن

- ‌(1) - (1452) - بَابُ كَفِّ اللِّسَانِ فِي الْفِتْنَةِ

- ‌(2) - (1453) - بَابُ الْعُزْلَةِ

- ‌(3) - (1454) - بَابُ الْوُقُوفِ عِنْدَ الشُّبُهَاتِ

- ‌(4) - (1455) - بَاب: بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا

- ‌(5) - (1456) - بَابُ مَنْ تُرْجَى لَهُ السَّلَامَةُ مِنَ الْفِتَنِ

- ‌(6) - (1457) - بَابُ افْتِرَاقِ الْأُمَمِ

- ‌(7) - (1458) - بَابُ فِتْنَةِ الْمَالِ

- ‌فائدة

- ‌(8) - (1459) - بَابُ فِتْنَةِ النِّسَاءِ

- ‌فصل في ذكر الأحكام التي تستفاد من هذا الحديث

- ‌(9) - (1460) - بَابُ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ

- ‌(10) - (1461) - بَابُ قَوْلهِ تَعَالَى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ}

- ‌(11) - (1462) - بَابُ الْعُقُوبَاتِ

- ‌(12) - (1463) - بَابُ الصَّبْرِ عَلَى الْبَلَاءِ

- ‌(13) - (1464) - بَابُ شِدَّةِ الزَّمَانِ

- ‌(14) - (1465) - بَابُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ

- ‌(15) - (1466) - بَابُ ذَهَابِ الْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ

- ‌(16) - (1467) - بَابُ ذَهَابِ الْأَمَانَةِ

- ‌(17) - (1468) - بَابُ الْآيَاتِ

- ‌(18) - (1469) - بَابُ الْخُسُوفِ

- ‌(19) - (1470) - بَابُ جَيْشِ الْبَيْدَاءِ

- ‌(20) - (1471) - بَابُ دَابَّةِ الْأَرْضِ

- ‌(21) - (1472) - بَابُ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا

- ‌تنبيه

- ‌(22) - (1473) - بَابُ فِتْنَةِ الدَّجَّال، وَخُرُوجِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ، وَخُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ

- ‌وأما ترجمة تميم الداري

- ‌فائدة

الفصل: . . . . . . . . . .

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

- بكسر القاف - فهو مقسط؛ إذا عدل، ومنه قوله تعالى:{إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} (1).

ويقال: قسط يقسط؛ من باب ضرب، قسوطًا وقسطًا - بفتح القاف - إذا جار، ومنه قوله تعالى:{وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} (2).

والأكثر على أن عيسى عليه السلام لم يمت، بل رفع إلى السماء، وقال مالك: مات عيسى وهو ابن ثلاث وثلاثين سنة.

وقال ابن رشد: يعني بموته: خروجه من عالم الأرض إلى عالم السماء، قال: ويحتمل أنه مات حقيقةً، ويحيا في آخر الزمان؛ إذ لا بد من نزوله؛ لتواتر الأحاديث بذلك، وكان أبو هريرة يلقى الفتى الشاب، فيقول له:(يا بن أخي؛ إنك عسى أن تلقى عيسى ابن مريم، فإذا لقيته .. فأقرئه مني السلام) تحقيقًا لنزوله، فما ذكره ابن حزم من الخلاف في نزوله .. لا يصح؛ لثبوته بالأحاديث المتواترة.

‌فائدة

والفرق بين الحكم والمقسط: أن الحكم هو الذي يحكم بشريعة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم لا بشريعة مستقلة غيرها، ناسخة لها، والمقسط هو الذي يحكم بالعدل بين الناس، ولا يجور فيما يحكم به بينهم. انتهى "كوكب".

قال الأبي: الأظهر: أنه إمام طاعة خليفة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في أمته، لا إمام صلاة (مقسطًا) أي: عادلًا في خلافته لا جائرًا في خلافته

(1) سورة الحجرات: (9).

(2)

سورة الجن: (15).

ص: 418

يَدُقُّ الصَّلِيبَ،

===

(وحكمًا عدلًا) أي: حكمًا عادلًا في حكمه وقضائه بين الناس، لا ظالمًا رائشًا مائلًا عن الحق. انتهى منه.

قال ابن العربي: ويروى: (أنه يتزوج امرأة من بني ضبة، اسمها راضية، ثم يموت، ويصلي عليه المسلمون، ويدفن في روضة النبي صلى الله عليه وسلم، وفيها موضع قبرٍ) ويقال: إنما بقي له، والمحقق أن نزوله من أشراط الساعة، وصح أنه الذي يقتل الدجال، وبدعائه يهلك يأجوج ومأجوج.

واختلف؛ كم يلبث في الأرض؟ فقال أبو داوود: أربعين سنة، وقال ابن العربي: والأصح: أنه سبعة أعوام.

فإن قلت: بم يعرف الناس أنه عيسى ابن مريم؟

قلت: يعرف بصفاته التي تضمنتها الأحاديث المتواترة، فمنها: أنه يدق الصليب، معناه: يكسره حقيقةً، ويبطل ما تزعمه النصارى من تعظيمه.

وفيه دليل: على تغيير المنكرات وآلات الملاهي بالكسر، وتغيير ما نسبته النصارى إلى شرعها؛ لأنه إنما ينزل ملتزمًا بشريعة النبي صلى الله عليه وسلم.

وقيل معنى: (يدق الصليب): يبطل أمره، من قولهم: كسر حجته، والفرق بين (الصليب) و (الصنم) و (الوثن): أن (الصليب): كلُّ ما نُحِتَ على صورة آدمي، وعُبِدَ، و (الصنم): كل ما نحت على أي صورة؛ كصورة العجل، وعبد، و (الوثن): كل ما عبد من دون الله تعالى، سواء نحت أم لا؛ كالشجر والحجر.

وكَسْره الصليبَ يدل على أن شيئًا من ذلك لا يُسوِّغُه لهم.

ومعنى (يدق الصليب): أي: يكسره، بحيث لا يبقى من جنس الصليب

ص: 419

وَيَذْبَحُ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ، وَيَتْرُكُ الصَّدَقَةَ، فَلَا يُسْعَى عَلَى شَاةٍ وَلَا بَعِيرٍ،

===

شيء حتى لا يعبد إلا الله تعالى؛ لما في بعض الروايات: وتكون السجدة لله رب العالمين.

(ويذبح الخنزير) أي: يحرم أكله، أو يقتله، بحيث لا يوجد في الأرض، فيأكله أحد.

والحاصلُ: أنه يبطل دينَ النصارى، قال النووي: وقتل الخنزير من باب إزالة المنكرات، وفيه دليل للمختار من مذهبنا ومذهب الجمهور: أنه إذا وجدنا الخنزير في دار الكفر أو غيرها، وتمكنا من قتله .. قتلناه؛ إزالةً للمنكر، وإبطالٌ لقول من شذَّ مِن أصحابنا وغيرهم، فقال: يُتْرَك إذا لم يكن فيه ضرَاوَة.

قال الأبي: وفيه دليل على أن ما وجد من الخنازير بأرض الكفر، أو بيد من أسلم .. تُقتلُ، وقيل: تُسْرَحُ.

وقال ابن عرفة: لا بأس بقتل ما وجد من الخنازير بأرض الإسلام؛ لأنها مَفْسَدةٌ (ويضع الجزية) أي: يسقطها ولا يقبلها، ولا يقبل من الكفار إلا الإسلام، ومن بذل الجزية منهم .. لم يكف عنه بها، بل لا يقبلُ إلا الإسلامَ، أو القتلَ، قاله الخطابي.

وهذا بيان منه صلى الله عليه وسلم بأن الجزية في دينه إلى زمان عيسى، لا أن عيسى يأتي بنسخها، وقيل: يضع الجزية على الكفرة كلهم، ولا يترك أحدًا منهم؛ كما هو شأن سائر الأمراء؛ فإنهم أحيانًا يتركونها؛ مراعاةً لقول بعضهم في ذلك.

(ويترك الصدقة) أي: يترك أخذها من الناس؛ لكثرة الأموال (فلا يسعى) بالبناء للمجهول؛ أي: لا يرسل (على شاة ولا) على (بعير) لأخذ زكاتهما،

ص: 420

وَتُرْفَعُ الشَّحْنَاءُ وَالتَّبَاغُضُ، وَتُنْزَعُ حُمَةُ كُلِّ ذَاتِ حُمَةٍ، حَتَّى يُدْخِلَ الْوَلِيدُ يَدَهُ فِي فِي الْحَيَّةِ فَلَا تَضُرُّهُ، وَتُفِرُّ الْوَلِيدَةُ الْأَسَدَ فَلَا يَضُرُّهَا، وَيَكُونُ الذِّئْبُ فِي الْغَنَمِ كَأَنَّهُ كَلْبُهَا، وَتُمْلَأُ الْأَرْضُ مِنَ السِّلْمِ كَمَا يُمْلَأُ الْإِنَاءُ مِنَ الْمَاءِ، وَتَكُونُ الْكَلِمَةُ وَاحِدَةً فَلَا يُعْبَدُ إِلَّا اللهُ، وَتَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا،

===

وكذا على بقر لا يرسل لأخذ زكاتها؛ لكثرة الأموال، ونزول البركات، وغنى الناس عنها بإلقاء الأرض أفلاذ كبدها؛ بسبب إقامة العدل، وترك التظالم فيما بينهم.

(وترفع الشحناء) أي: البغض القلبي من قلوب الناس؛ كالحسد (والتباغض) أي: البغض الظاهري من ظواهرهم؛ كالمقاتلة والمضاربة والمسابة.

(وتنزع حمة) - بضم المهملة وفتح ميم مخففة -: السم من ذوات اللسع؛ أي: تنزع وترفع سم (كل) دابةٍ (ذات حمة)؛ أي: سم؛ كالعقرب والحيات والزنبور والنحل؛ أي: لا تضر بلسعتها غيرها (حتى يدخل الوليد) أي: الصبي الصغير (يده في في الحية) أي: في فم الحية (فلا تضره) بلسعتها (وتُفِرُّ) - بضم أوله وكسر ثانيه - من أفَر الرباعي؛ أي: تَطْردُ (الوليدةُ) أي: البنتُ الصغيرة (الأسد، فلا يضرها) بل لا يلتفت إليها (ويكون الذئب في الغنم؛ كأنه كَلْبُها) الرَّاعي لها (وتملأ الأرضُ مِن السِّلْمِ) والأمانِ والعَدلِ (كما يُملأ الإناءُ من الماء، وتكون الكلمة) أي: كلمة الدين (واحدة) وهي كلمة التوحيد (فلا يعبد) في الأرض (إلا الله) عز وجل (وتضع الحرب) أي: وتترك الحرب حمل (أوزارها) وترميها وتتجرد عنها؛ والمراد بأوزارها: سلاح الحرب، ففيه مجاز مُرْسَلٌ؛ من إسناد ما للفاعل إلى المفعول؛ والمراد بوضع الأوزار: الإعراض عن الحرب وتركها.

قوله: "فلا يسعى على شاة ولا بعير" بالبناء للمفعول؛ أي: لا يعتنى بهما، ولا يبعث إليهما ساع، ولا تطلب زكاتهما، ولا يهتم بشأنهما، بل يتساهل

ص: 421

وَتَسْلُبُ قُرَيْشٌ مُلْكَهَا، وَتَكُونُ الْأَرْضُ كَفَاثُورِ الْفِضَّة، تُنْبِتُ نَبَاتَهَا بِعَهْدِ آدَمَ؛ حَتَّى يَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى الْقِطْفِ مِنَ الْعِنَبِ فَيُشْبِعَهُمْ،

===

أهلهما فيهما، ولا يعتنون بهما؛ لكثرة الأموال، وقلة الآمال، وعدم الحاجة والفقر والعلم بقرب القيامة.

قوله: (وترفع الشحناء) أي: العداوة الظاهرة من بين الناس، حتى بين الحيوانات المؤذية فيما بينها أنفسها، وفيما بينها وبين الناس، وفي حديث أبي داوود:(ويضعُ الله الأمانةَ في الأرض، فلا يبقى بين اثنين عداوة، فترتع الأسود والنمور مع الإبل والبقر والذئاب مع الغنم، ويلعب الغلمان بالحيات، ولا يضر بعضها بعضًا).

(والتباغض) أي: العداوة الباطنية؛ من البغض، وهو ضد الحب.

(وتضع الحرب) أي: أهلها (أثقالها) أي: سلاحها في البيت وتتركها فيه لرفع المحاربة من بين الناس.

(وتَسْلُب) أي: تأخُذُ (قريشٌ مُلْكهَا) من أيدي الكفرة والظلمة؛ لأن المهدي - نصَرَه الله تعالى - من سلالة قريش؛ مِنْ سَلب المجاهدُ سَلبَ قَتيله.

(وتكون الأرض كفاثور الفضة) أي: كَجَامِ الفضةِ أو الذهب، وكأنها في الصفاءِ (الفاثور) - بفاء ومثلثة - على وزن (الجاسوس): الخِوَانُ.

وقيل: هو طست، أو جام من ذهب أو فضة؛ لخلوها من الكفرة والظلمة.

(تنبت نباتها) نباتًا كنباتها (بعهد آدم) عليه السلام؛ أي: كنبات عهد آدم في كونه ذا بركة وكثرة (حتى يجتمع النفر) الكثير (على القِطْفِ) والعنقود (من العنب فيشبعهم) أي: فيشبع ذلك القطف الواحد الجمع الكثير؛ لكونه ذا بركة؛ والقطف - بكسر القاف وسكون الطاء؛ على وزن الذبح - اسم لكل ما يقطف من الشجر.

ص: 422

وَيَجْتَمِعَ النَّفَرُ عَلَى الرُّمَّانَةِ فَتُشْبِعَهُمْ، وَيَكُونَ الثَّوْرُ بِكَذَا وَكَذَا مِنَ الْمَالِ، وَتَكُونَ الْفَرَسُ بِالدُّرَيْهِمَاتِ"، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ؛ وَمَا يُرْخِصُ الْفَرَسَ؟ قَالَ: "لَا تُرْكَبُ لِحَرْبٍ أَبَدًا"، قِيلَ لَهُ: فَمَا يُغْلِي الثَّوْرَ؟ قَالَ: "يَحْرِثُ الْأَرْضَ كُلَّهَا،

===

(ويجتمع) أيضًا (النفر) أي: الجمع الكثير (على الرمانة) أي: على حبة الرمانة (فتشبعهم) أي: فتشبع تلك الرمانة الجمع الكثير (ويكون الثور) الواحد؛ أي: سعره مقومًا (بكذا وكذا من المال) أي: من الدراهم، أو من الدنانير؛ أي: يكون غاليًا؛ لكثرة ما يُحرث عليه (وتكون الفرس) أي: وتشترى (بالدريهمات) القلائل، تصغير دراهم.

(قالوا) أي: قال الحاضرون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: (يا رسول الله؛ وما يرخص الفرس؟ ) أي: وأي شيء جعل الفرس رخيصًا؛ أي: قليل القيمة؟

(قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم في جواب سؤالهم عن رخصها: لأنها (لا تركب) في هذا الزمن الحاضر (لحرب) وجهاد لأعداء الله تعالى (أبدًا) أي: فيما بقي من الزمان، ولفظ (أبدًا) ضابطها: كلمة مستغرقة لما يستقبل من الزمان.

ثم (قيل له) صلى الله عليه وسلم: (فما يُغلِي الثورَ؟ ) أي: أي شيء جعل الثور غاليًا؛ أي: مرتفعَ السعر؟

(قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم: الذي جعله غاليًا؛ لكثرة الانتفاع به؛ لأنه (يحرث) بالبناء للفاعل (الأرض كلها) من جميع نواحي الأرض، شرقًا وغربًا، جنوبًا وشمالًا، فالناس أشد حاجة إليه، فلذلك كثر سعره.

ص: 423

وَإنَّ قَبْلَ خُرُوجِ الدَّجَّالِ ثَلَاثَ سَنَوَاتٍ شِدَادٍ يُصِيبُ النَّاسَ فِيهَا جُوعٌ شَدِيدٌ؛ يَأْمُرُ اللهُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ الْأُولَى أَنْ تَحْبِسَ ثُلُثَ مَطَرِهَا، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَ نَبَاتِهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ فَتَحْبِسُ ثُلُثَي مَطَرِهَا، وَيَأْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ ثُلُثَي نَبَاتِهَا، ثُمَّ يَأْمُرُ اللهُ السَّمَاءَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ فَتَحْبِسُ مَطَرَهَا كُلَّهُ فَلَا تَقْطُرُ قَطْرَةَ، وَيَاْمُرُ الْأَرْضَ فَتَحْبِسُ نَبَاتَهَا كُلَّهُ فَلَا تُنْبِتُ خَضْرَاءَ، فَلَا تَبْقَى ذَاتُ ظِلْفٍ إِلَّا هَلَكَتْ إِلَّا مَا شَاءَ اللهُ"، قِيلَ: فَمَا

===

واعلموا أيها المسلمون (وإنَّ قبل خروج الدجال) وظهوره (ثلاث سنوات شداد) أي: صواحب شدائد ومتاعب للناس (يصيب الناس فيها) أي: في تلك السنوات (جوع شديد، يأمر الله السماء في السنة الأولى) منها أي: من تلك السنوات (أن تحبس) وتمنع تلك الأولى منها (ثلث مطرها) أي: ثلث ما تمطر في العادة (ويأمر الأرض) أيضًا في السنة الأولى أن تمسك ثلث ما تنبت في السنة الأولى عادة (فتحبس) الأرض (ثلث نباتها).

(ثم يأمر) الله (السماء في السنة الثانية) بأن تحبس وتمسك عندها ثلثي ما تمطر عادة (فتحبس ثلثي مطرها، ويأمر الأرض فتحبس ثلثي نباتها).

(ثم يأمر الله السماء في السنة الثالثة): بأن تكف جميع مطرها (فتحبس) السماء (مطرها كله، فلا تقطر) أي: لا تصب السماء المطر، حتى (قطرة) واحدة (ويأمر الأرض، فتحبس نباتها كله، فلا تنبت) الأرض (خضراء) أي: فلا تنبت الأرض؛ ليبسها خضرواتها وبقولها التي ترعاها الدواب (فلا تبقى) على الأرض دابة (ذات ظلف) بل تموت جوعًا.

وفي "المنجد": الظلف: هو لكل مَا اجترَّ من الحيوان؛ كالبقرة والظبي بمنزلة الحافر للفرس والحمار .. (إلا هلكت) وماتت (إلا ما شاء الله) تعالى بقاءها على الأرض (قيل) لرسول الله صلى الله عليه وسلم: (فما

ص: 424

يَعِيشُ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ؟ قَالَ: "التَّهْلِيلُ وَالتَّكْبيرُ وَالتَّسْبِيحُ وَالتَّحْمِيدُ، وَيُجْرَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ مُجْرَى الطَّعَامِ"، قَالَ أَبُو عَبْدِ اللهِ: سَمِعْتُ أَبَا الْحَسَنِ الطَّنَافِسِيَّ يَقُولُ: سَمِعْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ الْمُحَارِبِيَّ يَقُولُ: يَنْبَغِي أَنْ يُدْفَعَ هَذَا الْحَدِيثُ إِلَى الْمُؤَدِّبِ حَتَّى يُعَلِّمَهُ الصِّبْيَانَ فِي الْكُتَّابِ.

===

يعيش الناس) به؛ أي: فأي شيء يكون معيشةً وقوتًا للناس (في ذلك الزمان) الذي تكون الأرض فيها يابسة خالية من الخضروات؟ (قال) رسول الله صلى الله عليه وسلم في جواب سؤالهم: (التهليل والتكبير والتسبيح والتحميد) أي: هذه الأذكار تكون معيشةً وقوتًا لهم (ويجرى) بالبناء للمجهول؛ أي: يجري (ذلك) المذكور من الأذكار (عليهم) أي: على ألسنتهم (مجرى الطعام) أي: تكون هذه الأذكار سببًا لحياتهم؛ كما أن الطعام يكون سببًا لحياتهم.

قال أبو الحسن تلميذُ المؤلِّفِ: (قال) لنا (أبو عبد الله) محمد بن يزيد بن ماجه رحمه الله تعالى: (سمعتُ) شيخي (أبا الحسن) عليَّ بن محمد بن إسحاق (الطنافسي) الكوفي (يقول: سمعتُ عبدَ الرحمن المحاربي يقول: ينبغي) على سبيلِ النَّدْبِ (أن يُدْفَع هذا الحديثُ إلى المُؤدِّب) أي: إلى معلم الأولاد (حتى يعلمه) أي: كي يعلمه المؤدب (الصبيان في الكُتَّاب) أي: في المكتب؛ تمرينًا لهم على الأذكار وتعليمًا.

وفي "المختار": الكتاب - بالضم والتشديد -: المكتبة، والكتاب أيضًا والمكتب واحد، والمكتب - على صيغة اسم الفاعل -: هو الذي يعلم الكتابة.

* * *

ثم استشهد المؤلف سادسًا لحديث حذيفة بن اليمان بحديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنهم، فقال:

ص: 425

(111)

- 4021 - (7) حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، عَنِ الزُّهْرِيِّ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَنْزِلَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا وِإمَامًا عَدْلًا، فَيَكْسِرَ الصَّلِيبَ،

===

(111)

- 4021 - (7)(حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة) العبسي الكوفي، ثقة، من العاشرة، مات سنة خمس وثلاثين ومئتين (235 هـ). يروي عنه:(خ م د س ق).

(حدثنا سفيان بن عيينة عن) محمد بن مسلم (الزهري) المدني، ثقة إمام أئمة الحديث، من الرابعة، مات سنة خمس وعشرين ومئة، وقيل: قبل ذلك بسنة أو سنتين. يروي عنه: (ع).

(عن سعيد بن المسيب) بن حزن، ثقة متقن، من كبار التابعين، من الثانية، مات بعد التسعين. يروي عنه:(ع).

(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند من خماسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

(عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تقوم الساعة حتى ينزل عيسى ابن مريم) من السماء إلى الأرض، حالة كونه (حكمًا) أي: حاكمًا بهذه الشريعة المحمدية مجددًا لها، لا بشريعة مستقلة ناسخة؛ لأنها آخر الشرائع (مقسطًا) أي: عادلًا في حكمه غير جائر؛ صفة لـ (حكمًا)، (وإمامًا) أي: متصفًا بالإمامة العظمى خليفةً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إمامًا خاصة بالصلاة (عدلًا) أي: عادلًا في جميع ما يحكم به بين الناس (فيكسر الصليب) بالنصب عطفًا على (ينزل)، ويجوز فيه الرفع على الاستئناف؛ أي: يكسر جنس ما يعبد من دون الله تعالى، صليبًا كان أو صنمًا أو وثنًا؛

ص: 426

وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ، وَيَضَعَ الْجِزْيَةَ، وَيَفِيضَ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ".

===

كما سبق ذكر الفرق بين الثلاثة (ويقتل الخنزير) بالوجهين كالذي قبله؛ أعني: الرفع والعطف (ويضع الجزية) أي: يسقطها فلا يقبل من المشرك إلا الإسلام.

فإن قلت: هذا خلاف شرعنا اليوم، فيَلْزَمُ نسخُه شريعةَ محمد صلى الله عليه وسلم؟

قلت: قبول الجزية من الكتابي ليس بمستمر إلى يوم القيامة، بل قبولها من الكتابي مقيد في شريعتنا بما قبل نزول عيسى، وقد أخبرنا نبينا صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث بنسخ قبولها بنزول عيسى، وليس عيسى هو الناسخ؛ فإن نبينا صلى الله عليه وسلم هو المبينُ للنسخ، فعيسى يحكم بشرعنا، فدل على أن الامتناع من قبول الجزية في ذلك الوقت هو شرع نبينا صلى الله عليه وسلم. انتهى من "النووي".

(ويفيض المال) ويكثر (حتى لا يقبله) منك (أحد) إذا أعطيته له.

قوله: "ويفيض المال" - بفتح الياء - بالوجهين أيضًا، ولكن الرفع على الاستئناف أولى هنا؛ لأن فيض المال ليس من عمل عيسى صلى الله عليه وسلم؛ أي: يكثر المال، وتنزل البركات، وتكثر الخيرات؛ بسبب العدل، وعدم التظالم، وإلقاء الأرض أفلاذ كبدها؛ كما جاء في الحديث الآخر، وتقل أيضًا الرغبات؛ لقصر الآمال وعلمهم بقرب الساعة؛ فإن عيسى علم من أعلام الساعة، والله أعلم. انتهى "نووي".

قال القاضي: أو لضربه الجزية على الجميع (حتى لا يقبله أحد) منك؛ لغنى كل الناس حينئذ. انتهى.

قال ابن عرفة: إذا أفضت الحال في المال إلى ألا يقبله أحد .. لا تسقط

ص: 427

(112)

- 4022 - (8) حَدَّثَنَا أَبُو كُرَيْبٍ، حَدَّثَنَا يُونُسُ بْنُ بُكَيْرٍ،

===

الزكاة، وقيل: تسقط؛ لأنها إنما وجبت لإرفاق الفقراء، وهم غير موجودين.

قال السنوسي: فإن قلت: لا يظهر لوجوب الزكاة أثر إذا كان لا يقبلها أحد؟ قلت: يظهر أثره في تمييز نصيب الزكاة من المال عند الحول، وحفظه كالوديعة إلى أن يأتيه مستحق له، أو يرث الله الأرض ومن عليها، وإذا لم يجد الإنسان من يستأجر لعمل فيها .. عمل بنفسه، فإن عجز .. وجبت إعانته؛ لأن المواساة كما تجب بالمال .. تجب بالنفس. انتهى.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: البخاري في كتاب البيوع، باب قتل الخنزير، ومسلم في كتاب الإيمان، باب نزول عيسى ابن مريم حاكمًا بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، والترمذي في كتاب الفتن، باب ما جاء في نزول عيسى ابن مريم عليه السلام.

فهذا الحديث في أعلى درجات الصحة؛ لأنه من المتفق عليه، وغرضه: الاستشهاد به لحديث حذيفة.

* * *

ثم استشهد المؤلف سابعًا لحديث حذيفة بحديث أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(112)

- 4022 - (8)(حدثنا أبو كريب) محمد بن العلاء الهمداني الكوفي ثقة، من العاشرة، مات سنة سبع وأربعين ومئتين (247 هـ). يروي عنه:(ع).

(حدثنا يونس بن بكير) بن واصل الشيباني أبو بكر الجمال، صدوق يخطئ، من التاسعة، مات سنة تسع وتسعين ومئة (199 هـ). يروي عنه:(م د ت ق).

ص: 428

عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ، حَدَّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبيدٍ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: "تُفْتَحُ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ، فَيَخْرُجُونَ كَمَا قَالَ اللهُ تَعَالَى:{وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} ،

===

(عن محمد بن إسحاق) بن يسار المطلبي مولاهم المدني، نزيل العراق، صدوق إمام المغازي، وقال في "التهذيب": بل هو ثقة عارف بالعلوم، من صغار الخامسة، مات سنة خمسين ومئة (150 هـ)، ويقال بعدها. يروي عنه:(م عم).

(حدثني عاصم بن عمر بن قتادة) بن النعمان الأوسي الأنصاريُّ المُظَفَّرِيُّ، أبو عمر المدني، ثقة عالم بالمغازي، من الرابعة، مات بعد العشرين ومئة (120 هـ). يروي عنه:(ع).

(عن محمود بن لبيد) بن عقبة بن رافع الأوسي الأشهلي، أبي نعيم المدني الصحابي الصغير، وجُلُّ روايتِه عن الصحابة، مات سنة ست وتسعين (96 هـ) وقيل: سنة سبع وتسعين، وله تسع وتسعون سنة. يروي عنه:(م عم).

(عن أبي سعيد الخدري) سعد بن مالك المدني الأنصاري رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

(أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تفتح يأجوج ومأجوج) أي: يُفتح عنهما رَدْمُ وسدُّ ذي القرنين الذي سَدَّ عليهما بِزُبَرِ الحديد؛ أي: بقِطَعهِ (فيخرجون) منه (كما قال الله تعالى: {وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ})(1).

(1) سورة الأنبياء: (96).

ص: 429

فَيَعُمُّونَ الْأَرْضَ، وَيَنْحَازُ مِنْهُمُ الْمُسْلِمُونَ حَتَّى تَصِيرَ بَقِيَّةُ الْمُسْلِمِينَ فِي مَدَائِنِهِمْ وَحُصونِهِمْ، وَيَضُمُّونَ إِلَيْهِمْ مَوَاشِيَهُمْ، حَتَّى إِنَّهُمْ لَيَمُرُّونَ بِالنَّهَرِ فَيَشْرَبُونَهُ حَتَّى مَا يَذَرُونَ فِيهِ شَيْئًا، فَيَمُرُّ آخِرُهُمْ عَلَى أَثَرِهِمْ فَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: لَقَدْ كَانَ بِهَذَا الْمَكَانِ مَرَّةً مَاء، وَيَظْهَرُونَ عَلَى الْأَرْضِ

===

والحدب - بفتحتين -: غليظ الأرض ومرتفعها (ينسلون) أي: يسرعون إلى مكان مرتفع ويصعدون عليه (فيعُمُّون) من العموم؛ أي: فيَشْمَلُون (الأرض) أي: أرجاء الأرض كلها، ويدخلونها كلها ويحيطون بها (وينحاز منهم) أي: يترك (المسلمون) لهم مدائنهم وأمصارهم ويَفْصِلُون عنهم، ويشردون إلى رؤوس الجبال، يقال: انحاز القوم مراكزهم؛ أي: تركوها وخرجوا منها إلى آخَر (حتى تصير) وترجع (بقية المسلمين) غير الخارجين إلى رؤوس الجبال متسترين (في مدائنهم وحصونهم) ومختفين عنهم (ويضمون) أي: يضم بقية المسلمين المتسترين عنهم في حصونهم، ويجمعون (إليهم) أي: إلى مراكزهم وحصونهم (مواشيهم) ودوابهم.

وينتشرون في الأرض (حتى إنهم) أي: إن يأجوج ومأجوج، و (إن) هنا مكسورة الهمزة لا غير؛ بدليل ذكر اللام الفارقة بعدها؛ أي: ينتشرون في الأرض حتى إنهم (ليمرون بالنهر) من الماء (فيشربونه) مرةً (حتى ما يذرون) ولا يتركون (فيه) أي: في ذلك النهر (شيئًا) من الماء، لا قليلًا ولا كثيرًا (فيمر آخرهم على أثرهم) أي: على عقبهم على ذلك النهر (فيقول قائلهم) أي: قائل من آخرهم؛ أي: يقول الآخرون بعضهم لبعض: والله (لقد كان) أي: والله؛ لقد كان (بهذا المكان مرة) أي: مرةً من المرات (ماء) فأين هو الآن؟ (ويظهرون) أي: ويظهر يأجوج ومأجوج (على) جميع أرجاء (الأرض) مشارقها ومغاربها، جنوبها وشمالها، ويغلبون عليها.

ص: 430

فَيَقُولُ قَائِلُهُمْ: هَؤُلَاءِ أَهْلُ الْأَرْضِ قَدْ فَرَغْنَا مِنْهُمْ، وَلَنُنَازِلَنَّ أَهْلَ السَّمَاء، حَتَّى إِنَّ أَحَدَهُمْ لَيَهُزُّ حَرْبَتَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَتَرْجِعُ مُخَضَّبَةً بِالدَّم، فَيَقُولُونَ: قَدْ قَتَلْنَا أَهْلَ السَّمَاءِ؛ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ .. إِذْ بَعَثَ اللهُ دَوَابَّ كَنَغَفِ الْجَرَاد، فَتَأْخُذُ أَعْنَاقَهَمْ فَيَمُوتُونَ مَوْتَ الْجَرَاد، يَرْكَبُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا، فَيُصْبِحُ الْمُسْلِمُونَ لَا يَسْمَعُونَ لَهُمْ

===

(فيقول قائلهم) أي: قائل من يأجوج ومأجوج: (هؤلاء) الذي قاتلناهم (أهل الأرض) فـ (قد فرغنا) وانصرفنا (منهم) أي: من قتالهم (ولننازلن) الآن؛ أي: لنحاربن ونقاتلن (أهل السماء) التنازل كالتقاتل؛ هو التضارب بين الفريقين، وهو النزول عن المركوب (حتى إن أحدهم ليهز) من باب شد؛ أي: ليرمي (حربته) وهو الرمح الصغير (إلى) جهة (السماء، فترجع) حربته إليه (مخضبة) أي: ملطخة (بالدم، فيقولون) أي: يقول بعضهم لبعض: (قد قتلنا أهل السماء) وهذا الدم شاهد على ذلك.

(فبينما هم) أي: فبينما أوقات مُحَادَثَتِهِمْ (كذلك) أي: بقولهم: قد قاتلنا أهل الأرض، والآن قد قتلنا أهل السماء (إذ بعث الله) عز وجل، و (إذ) فجائية رابطة لجواب (بينما) والتقدير: فبينما أوقات محادثتهم كذالك .. فاجأهم بعث الله وإرساله عليهم (دواب) جمع دابة (كنغف) أي: مثل نغف (الجراد) ونغف الجراد: ما تحت جناحه من الذنب الطويل (فتأخذ) أي: تلدغ (أعناقهم) أي: رقابهم (فيموتون موت الجراد) أي: موتًا عامًّا بسرعة؛ كموت الجراد الذي نزل على البحر ظنًّا منه بأنه الروضة.

والنغف: دود تكون في أنوف الإبل والغنم، واحدتها نغفة؛ أي: يموتون دفعة واحدة، حالة كون أمواتهم (يركب بعضهم بعضًا) لكثرتهم (فيصبح) أي: يدخل (المسلمون) في الصباح حالة كونهم (لا يسمعون لهم) أي:

ص: 431

حِسًّا، فَيَقُولُونَ: مَنْ رَجُلٌ يَشْرِي نَفْسَهُ وَيَنْظُرُ مَا فَعَلُوا؟ فَيَنْزِلُ مِنْهُمْ رَجُلٌ قَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى أَنْ يَقْتُلُوهُ، فَيَجِدُهُمْ مَوْتَى، فَيُنَادِيهِمْ: أَلَا أَبْشِرُوا؛ فَقَدْ هَلَكَ عَدُوُّكُمْ، فَيَخْرُجُ النَّاسُ وَيُخْلُونَ سَبِيلَ مَوَاشِيهِمْ، فَمَا يَكُونُ لَهُمْ رَعْيٌ إِلَّا لُحُومُهُمْ، فَتَشْكَرُ عَلَيْهَا كَأَحْسَنِ مَا شَكِرَتْ مِنْ نَبَاتِ أَصَابَتْهُ قَطُّ".

===

ليأجوج ومأجوج (حسًّا) أي: تحركًا وصوتًا (فيقولون) أي: يقول المسلمون بعضهم لبعض: (من) - بفتح الميم - في محل الرفع مبتدأ، خبره:(رجل) أي: من رجل منا (يشري نفسه) أي: يبيع نفسه لله (وينظر) لنا (ما فعلوا) أي: أيُّ شيء فعل يأجوج ومأجوج؟ (فينزل) من الجبل (منهم) أي: من المسلمين (رجل قد وطن) وهيأ (نفسه) وسلم (على أن يقتلوه) أي: على أن يقتل يأجوج ومأجوج نفسه.

(فـ) لما نزل إليهم .. (يجدهم موتى) أي: وجدهم موتى (فيناديهم) أي: فنادى المسلمين (ألا) أي: انتبهوا واسمعوا ما أقول لكم من البشارة؛ وهي قولي: فـ (أبشروا) بالنصر على أعدائكم وسلامتكم من شرهم (فقد هلك) ومات (عدوكم، فيخرج الناس) من المسلمين من مدنهم وحصونهم (ويخلون) أي: يتركون (سبيل مواشيهم) إلى المرعى (فما يكون لهم) أي: لمواشيهم (رعي) أي: أكل من الحشيش (إلا لحومهم) أي: إلا أكل لحوم يأجوج ومأجوج (فتَشْكَرُ) - بفتح الكاف - أي: فتَشْكَرُ وتَسْمَن (عليها) أي: منها؛ أي: من أكل لحوم يأجوج ومأجوج (كأحسن ما شَكِرَتْ) - بكسر الكاف - أي: كأحسن (ما سمنت) تلك المواشي (من) أكل (نبات) وحشيش (أصابته) وأكلته (قط) أي: فيما مضى من الزمان.

وكلمة (قط): ظرف مستغرق لما مضى من الزمان ملازم للنفي غالبًا.

قال السندي: قوله: (فتشكر عليها) أي: تسمن وتمتلئ شحمها، يقال:

ص: 432

(113)

- 4023 - (9) حَدَّثَنَا أَزْهَرُ بْنُ مَرْوَانَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا سَعِيدٌ،

===

شكرت الناقة تشكر شكرًا؛ إذا سمنت وامتلأ ضرعها لبنًا. انتهى منه.

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، قال البوصيري: هذا إسناد صحيح، رجاله ثقات، رواه الإمام أحمد في "مسنده" من حديث أبي سعيد أيضًا، ورواه أبو يعلى الموصلي في "مسنده" حدثنا عقبة حدثنا يونس، فذكره بتمامه، ورواه الحاكم في "المستدرك" عن محمد بن يعقوب، وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم.

ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده؛ ولأن له شواهد ومتابعات، وغرضه: الاستشهاد به لحديث حذيفة بن اليمان.

* * *

ثم استشهد المؤلف ثامنًا لحديث حذيفة بحديث آخر لأبي هريرة رضي الله تعالى عنهما، فقال:

(113)

- 4023 - (9)(حدثنا أزهر بن مروان) الرقاشي - بتخفيف القاف والشين المعجمة - النوَّاءُ - بنون وواو مشددة - لقبه فُريخ - بالخاء المعجمة مصغرًا - صدوق، من العاشرة، مات سنة ثلاث وأربعين ومئتين (243 هـ). يروي عنه:(ت ق).

(حدثنا عبد الأعلى) بن عبد الأعلى السامي - بالمهملة - أبو محمد البصري، ثقة، من الثامنة، مات سنة تسع وثمانين ومئة (189 هـ). يروي عنه:(ع).

(حدثنا سعيد) بن أبي عروبة مهران اليشكري البصري، ثقة، من السادسة، مات سنة ست، وقيل: سبع وخمسين ومئة. يروي عنه: (ع).

ص: 433

عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو رَافِعٍ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ يَحْفِرُونَ كُلَّ يَوْمٍ؛ حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ الشَّمْسِ .. قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَنَحْفِرُهُ غَدًا، فَيُعِيدُهُ اللهُ أَشَدَّ مِمَّا كَانَ، حَتَّى إِذَا بَلَغَتْ مُدَّتُهُمْ وَأَرَادَ اللهُ أَنْ يَبْعَثَهُمْ عَلَى النَّاسِ .. حَفَرُوا، حَتَّى إِذَا كَادُوا يَرَوْنَ شُعَاعَ

===

(عن قتادة) بن دعامة السدوسي البصري، ثقة، من الرابعة، مات سنة بضع عشرة ومئة. يروي عنه:(ع).

(قال) قتادة: (حدثنا أبو رافع) المدني نُفيع الصائغ، نزيل البصرة، ثقة ثبت مشهور بكنيته، من الثانية. يروي عنه:(ع)، قال العجلي: بصري تابعي ثقة، وذكره ابن حبان في "الثقات"، قال ابن عبد البر: مشهور من علماء التابعين.

(عن أبي هريرة) رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات أثبات.

(قال) أبو هريرة: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إن يأجوج ومأجوج يحفرون كل يوم) من سد ذي القرنين الذي بناه على يأجوج ومأجوج (حتى إذا كادوا) وقاربوا (يرون شعاع الشمس) من ورائه (قال) الشخص (الذي) هو أمير (عليهم) أي: على الحافرين: (ارجعوا) إلى بيوتكم واستريحوا من تعب العمل (فسنحفره) أي: فسنُتِمُّ حفره؛ أي: حفر هذا السد (غدًا) أي: في اليوم الذي بعد يومنا (فيعيده الله) عز وجل؛ أي: يعيد الله سبحانه ما حفروه من السد؛ كحاله قبل الحفر، بل (أشد) وأقوى وأغلظ (مما كان) قبل الحفر.

(حتى إذا بلغت) ووصلت (مدتهم) أي: مدة خروجهم وتم أجلهم الذي أجل الله لخروجهم إلى الناس (وأراد الله) سبحانه (أن يبعثهم) ويسلطهم (على الناس .. حفروا) طول اليوم (حتى إذا كادوا) وقاربوا (يرون شعاع

ص: 434

الشَّمْسِ .. قَالَ الَّذِي عَلَيْهِمُ: ارْجِعُوا فَسَتَحْفِرُونَهُ غَدًا إِنْ شَاءَ اللهُ تَعَالَى، وَاسْتَثْنَوْا، فَيَعُودُونَ إِلَيْهِ وَهُوَ كَهَيْئَتِهِ حِينَ تَرَكُوهُ، فَيَحْفِرُونَهُ وَيَخْرُجُونَ عَلَى النَّاس، فَيَنْشِفُونَ الْمَاءَ، وَيَتَحَصَّنُ النَّاسُ مِنْهُمْ فِي حُصُونِهِمْ، فَيَرْمُونَ بِسِهَامِهِمْ إِلَى السَّمَاءِ فَتَرْجِعُ عَلَيْهَا الدَّمُ الَّذِي اجْفَظَّ، فَيَقُولُونَ: قَهَرْنَا أَهْلَ الْأَرْضِ

===

الشمس، قال الذي) هو وال (عليهم: ارجعوا) إلى بيوتكم واستريحوا في هذه الليلة (فستحفرونه) أي: فتتمون حفره (غدًا إن شاء الله تعالى) إتمام حفركم وخروجكم إلى الناس (واستثنوا) أي: قالوا: (إن شاء الله) أي: علقوا إتمام حفرهم على مشيئة الله تعالى (فـ) ببركة مشيئة الله التي علقوا بها (يعودون إليه) أي: إلى السد (وهو) أي: والحال أن السد كائن (كهيئته) أي: على صفته (حين تركوه) من كون بعضه محفورًا وبقاء بعضه (فيحفرونه) إذا رجعوا إليه؛ أي: يحفرون ما بقي من السد (ويخرجون على الناس) غالبين عليهم (فينشفون) أي: فيجعلون ما على الأرض كلها من الأنهار والعيون ناشفًا يابسًا بشربهم (الماء) كله.

وفي رواية الترمذي: (فيستقون المياه) وفي رواية أبي سعيد عند أحمد: (ويشربون مياه الأرض) قال السندي: قوله: (فينشفون الماء) أصل النشف: دخول الماء في الأرض أو في الثوب، يقال: نشفت الأرض الماء تنشفه نشفًا؛ شربته، ونشف الثوب العرق وتنشفه؛ أي: امتصه.

(ويتحصن الناس) أي: يستحفظون ويستترون (منهم) أي: من شرهم وإذايتهم (في حصونهم) المشيدة (فيرمون بسهامهم إلى السماء فترجع) من السماء و (عليها) أي: على السهام (الدم الذي اجفظ) ويَبِسَ عليها (فيقولون) أي: يقول بعضهم لبعض: (قهرنا أهل الأرض) أي: غلبنا عليهم

ص: 435

وَعَلَوْنَا أَهْلَ السَّمَاء، فَيَبْعَثُ اللهُ نَغَفًا فِي أَقْفَائِهِمْ فَيَقْتُلُهُمْ بِهَا"، قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم: "وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ؛ إِنَّ دَوَابَّ الْأَرْضِ

===

(وعلونا) أي: تولينا (أهل السماء) أي: كنا والين عليهم؛ أي: يقولون هذا القول؛ غلظةً وفظاظةً وتكبرًا (فيبعث الله) أي: يرسل عليهم (نغفًا) أي: دودًا تدخل (في أقفائهم) جمع القفا؛ وهو مؤخر الرأس (فيقتلهم) الله عز وجل (بها) أي: بتلك النغف.

قوله: (فترجع

) إلى آخره؛ فترجع السهام إليهم، حالة كونها (عليها الدم) أي: على تلك السهام (الدم الذي اجفاظ) أي: تجمد.

وفي السندي: أي: ترجع السهام عليهم، حالة كون الدم ممتلئًا مجتمعًا عليها، فجملة قوله:(عليها الدم اجفاظ) جملة حالية من قوله: (فترجع) فلفظ (اجفظ) من باب (احمر) من الجفظ، وفي "القاموس": الجفيظ: المقتول المنتفخ؛ والجفظ: الملء، واجفاظت الجيفة واجفأظت؛ كاحمار واطمأن: انتفخت.

(فيبعث الله عليهم نغفًا) - بفتح النون والغين المعجمة -: دود يكون في أنوف الإبل والغنم، جمع نغفة؛ كما مر (في أقفائهم) جمع قفا؛ وهو وراء العنق.

وشارك المؤلف في رواية هذا الحديث: الترمذي في كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة الكهف، وأحمد في "المسند".

ودرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده وللمشاركة فيه، وغرضه: الاستشهاد به ثامنًا لحديث حذيفة بن اليمان.

وبالسند السابق قال المؤلف: (قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: و) أقسمت لكم بالإله (الذي نفسي) وروحي (بيده) المقدسة (إن دواب الأرض)

ص: 436

لَتَسْمَنُ وَتَشْكَرُ شَكَرًا مِنْ لُحُومِهِمْ".

(114)

- 4024 - (10) حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارٍ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ، حَدَّثَنَا الْعَوَّامُ بْنُ حَوْشَب، حَدَّثَنِي جَبَلَةُ بْنُ سُحَيْمٍ،

===

وهوامها التسمن) من السمن ضد الهزال من أكل لحومهم (وتشكر شكرًا من لحومهم) أي: وتمتلئ ضرعها من لحومهم، يقال: شكرت الناقة: امتلأ ضرعها لبنًا.

وامتلأت الدابة: سمنت، وقوله:(شكرا) - بفتحتين - مصدر مؤكد لعامله، وفي رواية الترمذي زيادة:(وتبطر) أي: مضارع بطر؛ من باب فرح؛ من البطر - محركة -: وهو النشاط والأشر.

* * *

ثم استشهد المؤلف تاسعًا لحديث حذيفة بن اليمان بحديث ابن مسعود رضي الله تعالى عنهم، فقال:

(114)

- 4024 - (10)(حدثنا محمد بن بشار) بن عثمان العبدي البصري، ثقة، من العاشرة، مات سنة اثنتين وخمسين ومئتين (252 هـ). يروي عنه:(ع).

(حدثنا يزيد بن هارون) بن زاذان السلمي مولاهم أبو خالد الواسطي، ثقة متقن عابد، من التاسعة، مات سنة ست ومئتين (206 هـ). يروي عنه:(ع).

(حدثنا العوام بن حوشب) بن يزيد الشيباني أبو عيسى الواسطي، ثقة ثبت فاضل، من السادسة، مات سنة ثمان وأربعين ومئة (148 هـ). يروي عنه:(ع).

(حدثني جبلة بن سحيم) - مصغرًا بمهملتين - كوفي ثقة، من الثالثة، مات سنة خمس وعشرين ومئة (125 هـ). يروي عنه:(ع).

ص: 437

عَنْ مُؤْثِرِ بْنِ عَفَازَةَ، عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: لَمَّا كَانَ لَيْلَةُ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم .. لَقِيَ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى فَتَذَاكَرُوا السَّاعَةَ، فَبَدَؤُوا بِإِبْرَاهِيمَ فَسَأَلُوهُ عَنْهَا فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْهَا عِلْمٌ، ثُمَّ سَأَلُوا مُوسَى فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مِنْهَا عِلْمٌ، فَرُدَّ الْحَدِيثُ إِلَى عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ

===

(عن مؤثر) بضم أوله وسكون الواو وكسر المثلثة (ابن عفازة) - بفتح المهملة والفاء وفتح الزاي - الشيباني، أبي المثنى الكوفي، مقبول، من الثالثة.

يروي عنه: (ق). روى عن: ابن مسعود، ويروي عنه: جبلة بن سحيم، وذكره ابن حبان في "الثقات"، وقال الحاكم: روى عنه جماعة من التابعين.

(عن عبد الله بن مسعود) رضي الله تعالى عنه.

وهذا السند من سداسياته، وحكمه: الصحة؛ لأن رجاله ثقات، أو حكمه: الحسن؛ لأن فيه مؤثر بن عفازة، وهو مختلف فيه.

(قال) ابن مسعود: (لما كان) تامة بمعنى وجد وحصل (ليلة) بالرفع فاعل كان؛ أي: لما جاء وحصل ليلة (أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم .. لقي) رسول الله صلى الله عليه وسلم (إبراهيم) الخليل (وموسى) بن عمران (وعيسى) ابن مريم عليهم الصلاة والسلام (فتذاكروا) جميعًا (الساعة) أي: وقت قيام الساعة (فبَدَؤُوا) في السؤال عنها (بإبراهيم) الخليل؛ لأنه أقدم منهم وأبوهم (فسألوه) أي: فسأل الثلاثةُ غَير إبراهيم؛ يعني: موسى وعيسى ومحمدًا صلى الله عليه وسلم إياه؛ أي: إبراهيم (عنها) أي: عن الساعة؛ أي: عن وقت قيام الساعة (فلم يكن عنده) أي: عند إبراهيم (منها علم) بوقت قيامها (ثم سألوا) أي: سأل الثلاثة الباقون (موسى) عن وقت قيام الساعة (فلم يكن عنده) أي: عند موسى (منها) أي: من الساعة (عِلْمٌ) بوقت قيامها (فرُدَّ الحديثُ) أي: السؤال عنها (إلى عيسى ابن مريم) فسألوه؛

ص: 438

فَقَالَ: قَدْ عُهِدَ إِلَيَّ فِيمَا دُونَ وَجْبَتِهَا، فَأَمَّا وَجْبَتُهَا .. فَلَا يَعْلَمُهَا إِلَّا اللهُ، فَذَكَرَ خُرُوجَ الدَّجَّال، قَالَ: فَأَنْزِلُ فَأَقْتُلُهُ، فَيَرْجِعُ النَّاسُ إِلَى بِلَادِهِمْ

===

أي: سألوا عيسى عن وقت قيام الساعة؟

(فقال) عيسى: (قد عُهِد) وأُوحي (إليَّ) نزولي من السماء إلى الأرض (فيما دون) أي: فيما قبل (وجبتها) أي: وجبة الساعة ووقوعها بغتةً؛ لأقتل الدجال (فأما وجبتها) أي: وقت وقوعها بغتة .. (فلا يعلمها) أي: فلا يعلم وقت وقوعها بغتة (إلا الله) عز وجل؛ والوجبة: السقطة مع الهَدَّة القوية، "كذا في القاموس".

وتطلق على وقوع الشيء بغتةً، يقال: وجبت الشمس، أي: وقعت وغربت؛ والمراد: أنه عهد إلي وأوحي نزولي إلى الأرض فيما قبل وقوع الساعة بغتةً بزمنٍ يسيرٍ، فـ (دون) هنا بمعنى (قبل) كما أشرنا إليه في الحل، متعلق بمصدر محذوف.

(فذكَرَ) عيسى (خروج الدجال) من مَحْبِسه إلى الأرض، فـ (قال) عيسى؛ أي: فقال عيسى: (فـ) عقب خروجه (أنزل) إلى الأرض (فأقتله) فالفعلان مسندان للمعلوم، أي: فأقتل الدجال (فيرجع الناس) من رؤوس الجبال (إلى بلادهم) ومُدُنِهم ومساكنهم بعدما شردُوا من الدجال.

قال القاضي عياض: نزول عيسى عليه السلام وقتله الدجال حق صحيح عند أهل السنة؛ للأحاديث الصحيحة الواردة في ذلك، وليس في العقل ولا في الشرع ما يبطله، فوجب إثباته.

وأنكر ذلك بعض المعتزلة والجهمية ومن وافقهم، وزعموا أن هذه الأحاديث مردودة بقوله تعالى:{وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ} (1) وبقوله صلى الله عليه وسلم: "لا نبي

(1) سورة الأحزاب: (40).

ص: 439

فَيَسْتَقْبِلُهُمْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ، فَلَا يَمُرُّونَ بِمَاءٍ إِلَّا شَرِبُوهُ، وَلَا بِشَيءٍ إِلَّا أَفْسَدُوهُ، فَيَجْأَرُونَ إِلَى الله، فَأَدْعُو اللهَ أَنْ يُمِيتَهُمْ، فَتَنْتُنُ الْأَرْضُ مِنْ رِيحِهِمْ، فَيَجْأَرُونَ إِلَى الله، فَأَدْعُو اللهَ فَيُرْسِلُ السَّمَاءَ بِالْمَاءِ فَيَحْمِلُهُمْ فَيُلْقِيهِمْ فِي الْبَحْر، ثُمَّ تُنْسَفُ الْجِبَالُ

===

بعدي"، وبإجماع المسلمين على أنه لا نبي بعد نبينا صلى الله عليه وسلم، وأن شريعته مؤبدة إلى يوم القيامة لا تنسخ، وهذا استدلال فاسد؛ لأنه ليس المراد بنزول عيسى عليه السلام أنه ينزل بشرع ينسخ شرعنا، وليس في هذه الأحاديث ولا في غيرها شيء من هذا، بل صحت الأحاديث في "الصحاح" وغيرها أنه ينزل حكمًا مقسطًا بحكم شرعنا، ويُحْيِي من أمورِ شرعنا ما هجره الناس، كذا في "إِعلامِ المعلم على صحيح مسلم".

(فـ) بعد رجوع الناس إلى مدنهم ومساكنهم (يستقبلهم يأجوج ومأجوج) أي: يأتيهم هذان الجِيلان العظيمان؛ كما ذكرهم الله تعالى بقوله: (وهم من كل حدب ينسلون، فلا يمرون بماء) من الأنهار والعيون والبُحيرة .. (إلا شربوه) ونشفوا مكانَه (ولا بشيء) من المساكن والبساتين والمزارع .. (إلا أفسدوه) وخرَّبوه (فيجأرون) فيجار الناس ويستغيثون ويلتجئون من شرهم (إلى الله) تعالى (فأدعو اللهَ) تعالى بأمره (أن يميتهم، فَتَنْتُنُ الأرضُ) أي: صارت الأرض كلها مُنْتنة عفنة (من ريح) جيفـ (هم، فيجأرون) أي: يلتجئون (إلى الله) تعالى من رائحة جيفهم (فأدعو الله) تعالى بإذنه أن يزيل عنا تلك الرائحة (فيرسل) الله؛ أي: يأمر الله (السماء بـ) إنزال (الماء) أي: ماء المطر.

(فيحملهم) أي: يحمل مسيل ذلك الماء جيف يأجوج ومأجوج (فيلقيهم في البحر، ثم تُنسف الجبالُ) بالبناء للمجهول؛ أي: تُدَكَّ وتُفَتَتُ؛ من نسف

ص: 440

وَتُمَدُّ الْأَرْضُ مَدَّ الْأَدِيم، فَعُهِدَ إِلَيَّ: مَتَى كَانَ ذَلِكَ .. كَانَتِ السَّاعَةُ مِنَ النَّاسِ؛ كَالْحَامِلِ الَّتِي لَا يَدْرِي أَهْلُهَا مَتَى تَفْجَؤُهُمْ بِوِلَادَتِهَا، قَالَ الْعَوَّامُ: وَوُجِدَ تَصْدِيقُ ذَلِكَ فِي كِتَاب اللهِ تَعَالَى: {حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} .

===

الشيء ودقه؛ إذا فتَّته كالدقيق (وتُمد الأرض) أي: تبسط (مدَّ الأديم) أي: مد الجلد المدبوغ؛ أي: تمد الأرض مد الجلد المدبوغ؛ بحيث لا يكون فيها ارتفاع ولا انخفاض (فعُهِد) أي: أُوحي (إليَّ: متى كان ذلك) أي: وُجد نَسْفُ الجبال ومد الأرض .. (كانت الساعةُ) أي: علمُ وقت قيام الساعة (من الناس؛ كالحامل) كعلم وقت وضع الحامل حملها من أهلها (التي لا يدري) ولا يعلم (أهلها متى تفجؤهم بولادتها) أي: أي وقت تأتيهم بولادتها فجأة، فهم لا يعلمون وقت إتيانها إياهم بولادتها بالتعيين، مع أنهم يعلمون ولادتها بلا شك، فالمخلوق لا يعلم وقت إتيان الساعة بالتعيين، مع أنهم موقنون إتيانها بلا شك.

قال أبو الحسن بن بَحْرٍ تلميذ المؤلف: قال أبو عبد الله بن ماجه بالسند السابق: (قال العوام) بن حوشب: (ووجد تصديقُ ذلك) أي: شاهدُ ذلك المذكور من الساعة؛ حيث يعلمون إتيانها، ولا يعلمون وقتها بالتعيين (في كتاب الله تعالى) حيث قال في كتابه العزيز:{حَتَّى إِذَا فُتِحَتْ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ وَهُمْ مِنْ كُلِّ حَدَبٍ يَنْسِلُونَ} (1)، حيث يعلمون خروج يأجوج ومأجوج قبل الساعة، ولا يعلمون وقت خروجهم بالتعيين؛ أي: بتعيين التاريخ.

وهذا الحديث انفرد به ابن ماجه، قال البوصيري: إسناده صحيح، رجاله ثقات، لكن رواه أبو بكر بن أبي شيبة عن يزيد بن هارون بإسناده ومتنه، ورواه

(1) سورة الأنبياء: (96).

ص: 441

. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .

===

أبو يعلى الموصلي قال: حدثنا أبو خيثمة عن يزيد بن هارون بإسناده ومتنه، ورواه الحاكم في "المستدرك" عن أبي العباس الجنوبي بإسناده ومتنه، وقال: هذا حديث صحيح الإسناد.

فدرجته: أنه صحيح؛ لصحة سنده؛ كما مر آنفًا، وغرضه: الاستشهاد به لحديث حذيفة.

* * *

وجملة ما ذكره المؤلف في هذا الباب: أحد عشر حديثًا:

الأول منها للاستدلال به على الترجمة، والسادس للمتابعة، والبواقي للاستشهاد.

وجملة ما ذكره المؤلف في هذا المجلد:

من الأبواب: اثنان وعشرون بابًا.

ومن الأحاديث: مئة وسبعة عشر حديثًا، منها: أحد عشر للاستئناس، واثنان وعشرون للاستدلال، وثلاثة للمتابعة، والباقي للاستشهاد.

والله وليُّ التّوفيق

ص: 442

إلى هنا انتهى المجلد الرابع والعشرون من هذا الكتاب ذي الفنون ويليه المجلد الخامس والعشرون الذي هو كالفلك المشحون،

وأوله: تتمة كتاب الفتن (2)

قال المؤلف رزقه الله الحُسنيين في الدارين: كان الفراغ من تسطير هذا المجلد يوم الجمعة بتاريخ (4) ربيع الأول (1436 هـ) وقت السحر، الموافق هـ) 26) كانون الأول ديسمبر سنة (2014 م).

وكان تاريخ الأوب لتأليف هذا المجلد يوم الاثنين (29) شوال من سنة (1435 هـ).

* * *

اللهم إني أسألك من الخير كله؛ عاجله وآجله، ما علمت منه وما لم أعلم، وأعوذ بك من الشر كله عاجله وآجله ما علمت منه وما لم أعلم.

وأسألك الجنة وما قرَّب إليها من قولٍ أو عمل، وأعوذ بك من النار وما قرب إليها من قول أو عمل، وأسألك مما سألك به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وأعوذ بك مما تعوَّذ به سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وما قضيت لي من قضاء .. فاجعل عاقبته رشدًا يا أرحم الراحمين.

ص: 443