الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، يقصُّ الحقَّ وهو خير الفاصلين، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله بلغ الرسالة، وأدى الأمانة، ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده، فصلوات ربي وسلامه عليه، وعلى سائر إخوانه من الأنبياء ..
إخوة الإسلام، أما الناقض السابع من نواقض الإسلام فهو السحر- ومنه الصرف والعطف- وسأرجى الحديث عنه لأخصه بخطبة منفردة.
الناقض الثامن: مظاهرة المشركين، ومعاونتهم على المسلمين، والدليل قوله تعالى:{وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ} (1) والمظاهرة هي المناصرة، والأصل أن تكون للمسلمين «انصر أخاك ظالمًا أو مظلومًا
…
» الحديث .. {وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً} (2).
وإنما تكون المناصرة للمشركين ومعاونتهم على المسلمين في فترات ضعف الإيمان من جانب، وضعف السلطان من جانب آخر.
ولا شك أن مظاهرة المشركين تمكينٌ لهم، وفي التمكين لهم غلبة لدينهم، ولا يخفى على عاقل فضلاً عن مسلم ما في ذلك من ضير على الإسلام وأهله، وما ينجم عنه من فتن ورزايا يراها الناس رأي العين، تراق لها الدماء، وتستباح الحمى، وتغتصب النساء، وتهدم العوامرُ من بيوت الله
…
فضلاً عن المنشآت
(1) سورة المائدة، الآية:51.
(2)
سورة الأنفال، الآية:74.
الحيوية الأخرى .. وكل ذلك يقع لأن المسلمين تفرقوا شيعًا، وظاهروا إن من لم يرقُب فيهم أو في إخوانهم إلاً ولا ذمة.
ولو أن المسلمين اعتصموا بحبل الله جميعًا ولم يتفرقوا، وساد حكم الشريعة التي ينتمون لها أنظمتهم كلها، وأقاموا الدين منزلته التي أنزله الله إياها.
لو وقع هذا لتغير الحال، ولامتدت روافد الإسلام إلى أصقاع المعمورة بدل أن يكون شغل المسلمين الشاغل الدفاع عن حقوقهم المشروعة، والتشبث بهويتهم الأصلية. وصدق الله:{إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} (1).
الناقض التاسع من اعتقد أن بعض الناس يسعه الخروج عن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم، كما وسع الخضر الخروج عن شريعة موسى عليه السلام فهو كافر، ذلكم لأن شريعة محمد صلى الله عليه وسلم ناسخة للشرائع السماوية قبلها، والقرآن مهيمنٌ على الكتب قبله، وقد حكم الله أنه لا يقبل دينًا غير دين الإسلام، وأخبر عليه الصلاة والسلام (أنه لا يسمع بي أحدٌ من هذه الأمة، يهوديٌّ ولا نصراني، ثم يموت ولا يؤمن بالذي أُرسلتُ به إلا كان من أصحاب النار)(2).
فإذا كان هذا شأن اليهود والنصارى فلا تسأل عن غيرهم، بل لقد أبصر النبي صلى الله عليه وسلم في يد عمر بن الخطاب، رضي الله عنه، ورقةً من التوراة فقال:«أمتهوكون يا بن الخطاب؟ ! لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ولو كان موسى حيًا واتبعتموه وتركتموني لضللتم» وفي رواية «لو كان موسى حيًا ما وسعه إلا اتباعي، قال عمر: رضيت بالله ربًا وبالإسلام دينًا وبمحمد نبيًا (3).
(1) سورة الرعد، الآية:11.
(2)
رواه مسلم، مختصر المنذري/ 13، ح 20.
(3)
قال صاحب النهاية: التهوك: التهور، وهو الوقوع في الأمر بغير روية (5/ 282).
فإذا كان النبي في شأن التوراة هكذا، والأمر بالاتباع لمحمد صلى الله عليه وسلم حتى ولو كان من قتل موسى .. فلا شك أنه لا مسوغ لأحد كائنًا ما كان أن يتبع غير شريعة الإسلام، أو يهتدي بغير هدي القرآن، ويتم لا يكون ذلك كذلك وقد أكمل الله الدين بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، وأنزل عليه القرآن فيه بيان كل شيء {وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِّكُلِّ شَيْءٍ} (1).
والذين يرغبون عن صراط الله المستقيم تتفرق بهم السبل، وتستحوذ عليهم الشياطين، والله يقول:{وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيماً فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} (2).
أما الذين يجنحون إلى أفكار ضالة ومبادئ منحرفة، ونحلٍ فاسدة، أو يتشبثون بالإلحاد أو بالعلمنة، أو الحداثة فأولئك ضلوا السبيل، واستبدلوا الذي هو أدنى بالذي هو خير، ومن يضلل الله فما له من هاد.
الناقض العاشر من نواقض الإسلام: الإعراض عن دين الله تعالى، لا يتعلمه ولا يعمل به، والدليل قوله تعالى:{وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنتَقِمُونَ} (3).
والمراد بالإعراض هنا، الإعراض عن تعلم أصل الدين الذي به يكون المرء مسلمًا، ولو كان جاهلاً بتفاصيل الدين الأخرى، إذ العبادة هدف الخلق {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالإِنسَ إِلَاّ لِيَعْبُدُونِ} (4).
(1) سورة النحل، الآية:89.
(2)
سورة الأنعام، الآية:153.
(3)
سورة السجدة، الآية:22.
(4)
سورة الذاريات، الآية:56.
ولابد من عبادة الله بما شرع الله، ولا يتوصل إلى ذلك إلا بالمعرفة التي يطبقها عادة الناس، وليست بالمعرفة الخاصة بالعلماء، وكذلك العمل فالمقصود به العمل بأصول الإسلام التي بها يحكم بالإسلام. قال الشيخ ابن سحمان يرحمه الله: (
…
إن الإنسان لا يكفر إلا بالإعراض عن تعلم الأصل الذي يدخل به الإنسان في الإسلام، لا بترك الواجبات والمستحبات) (1).
ويجلي الإمام ابن القيم رحمه الله الإعراض بقوله: (وأما كفر الإعراض فإنه يعرض بسمعه وقلبه عن الرسول صلى الله عليه وسلم، لا يصدقه ولا يكذبه، ولا يواليه، ولا يعاديه، ولا يصغي إلى ما جاء به البتة)(2).
نعوذ بالله من الصدود والإعراض، وما أعظم زواجر القرآن لمن عقل، والله يقول:{وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنسَى} (3).
ألا وإن الجزاء من جنس العمل، ومن يزرع الشوك لا يحصد العنب! إخوة الإسلام، ثم يختم الشيخ محمد بن عبد الوهاب يرحمه الله هذه النواقض بتنبيه مهم يقول فيه:(ولا فرق في جميع هذه النواقض بين الهازل والجاد والخائف، إلا الكره، وكلها من أعظم ما يكون خطرًا، ومن أكثر ما يكون وقوعًا فينبغي للمسلم أن يحذرها، ويخاف على نفسه فيها)(4).
اللهم احفظ علينا ديننا، وحبب إلينا الإيمان وزينه في قلوبنا، وكره إلينا الكفر والفسوق والعصيان، واجعلنا من الراشدين.
(1) الدرر السنية 10/ 472.
(2)
مدارج السالكين
…
عن التبيان، ص 69.
(3)
سورة طه، الآيتان: 124، 126.
(4)
الدرر السنية 8/ 89، 90.