الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بين المصائب والذنوب
(1)
تصيب الأممَ والجماعات المصائبُ والنكباتُ، وتحل البلوى والمحن بالأفراد والدول والمجتمعات، وليس ذلك بمستَغرب، فسنة الله ماضية في نكد العيش، ومنغصات هذه الحياة، كما قال تعالى:{لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ} (2). وقال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ} (3). وقال تعالي: {وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ} (4).
والأمر في هذه القضية لا يحتاج لمزيد أدلة من الكتاب والسنة لإثباته، فواقع الحياة وحال الناس يشهد به.
ولكن الأمر المهم هو تأمل هذه السنة الربانية والتعرف على أسبابها وحكمها، وكيفية الوقاية أو التقليل منها.
والحق أن الناس يتفاوتون في هذا الأمر تفاوتًا كبيرًا، وذلك على قدر علمهم وفقههم، ودرايتهم بكتاب الله وفهم نصوصه.
فهناك من تنزل به المصائب وتحل به المحن صباحًا مساءً، وهو لا يدري شيئًا من أسبابها، ولا يعلم كيف يتخلص منها، فيظل ينتقل من محنة إلى أخرى ومن غم إلى آخر حتى تنقرض حياته، وربما كانت آخرته امتدادًا لشقائه في حياته
(1) 12/ 3/ 1412 هـ.
(2)
سورة البلد، الآية:4.
(3)
سورة الأنبياء، الآية:35.
(4)
سورة الأعراف، الآية:168.
الدنيا، وهذه حال الذين غفلوا عن ذكر الله، وهم الذين قال الله بشأنهم:{وَلا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطاً} (1).
وهذه التعاسة التي يعيشها والمحن التي يلاقيها جزاء معجل له في هذه الحياة بسبب إعراضه عن ذكر الله، ونسيانه آلاءه ونعمه وتأمل قوله تعالى:{وَمَن يَعْشُ عَن ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ (36) وَإِنَّهُمْ لَيَصُدُّونَهُمْ عَنِ السَّبِيلِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُم مُّهْتَدُونَ} (2).
أيها الإخوة، ولا يعني أن هذا الصنف من الناس لا عقول لهم، بل هم في مجال الحياة الدنيا لا ينازعون، وفي سبيل جمع حطامها لا يُسايرون، ولكن أمر الهداية والتوفيق للخير فضل ومّنةٌ من الله، يتفضل به على من عرف صدقه وإخلاصه وإنابته إلى الله، أما الذين رضوا من عقولهم أن تكون مسخَرة لجمع الدرهم والدينار فحسب، ولم يتجاوزوا بها إلى ما ينفعهم في حاضرهم ومستقبلهم، ولم يستخدموها في التفكير في هدف الحياة ومصير الناس، فهؤلاء رضوا من الغنيمة بالإياب، وعليهم أن يصبروا ويتحملوا ما يأتيهم من فتن ومحن ما داموا في غفلتهم يعمهون، وما داموا يسمعون الذكر فلا يستفيدون.
وليتذكروا قول الحق تبارك وتعالى: {أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} (3).
أيها المسلمون، ومهما أدّعى المفرطون والمسرفون على أنفسهم بالسيئات العلم مفلسون بالجهل، ولهذا قال السلف: كل من عصا الله فهو جاهل ..
(1) سورة الكهف، الآية:28.
(2)
سورة الزخرف، الآيتان: 36، 37.
(3)
سورة التوبة، الآية:126.
ولهذا أثبت الله للكفرة العلم في أمور الحياة الدنيا، لكن أخبر أنهم عن الآخرة جهلةٌ غافلون:{يَعْلَمُونَ ظَاهِراً مِّنَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ عَنِ الآخِرَةِ هُمْ غَافِلُونَ} (1). يقول أبو العالية: سألت أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم عن هذه الآية: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} (2). فقالوا: كل من عصى الله فهو جاهل، ومن تاب قُبَيل الموت فقد تاب من قريب (3) ..
وقال قتادة: أجمع أصحاب محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنّ كلّ من عصى ربه فهو في جهالة عمدًا كان أو لم يكن، وكل من عصى الله فهو جاهل، وكذلك قال التابعون ومن بعدهم (4).
وإذا كان هذا حال الجهل، فإن حال العلم والعلماء خلاف ذلك، فليس العلم الحقّ حفظ النصوص، ومعرفة المتون فحسب، وليس العالم الرباني هو الذي يستظهر العلوم دون عملٍ بها، بل العلم الحقيقي يكمن في خشية الله والعمل بما علم، قال تعالى:{إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ} (5).
ولهذا قال رجلٌ للشعبي: أيها العالم، فقال: إنما العالم من يخشى الله، وقال ابن مسعود، رضي الله عنه: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار جهلاً (6).
ومن رحمة الله بعباده، وفضله على بني آدم عامة، أنه تفضل عليهم بأمرين، هما أصل السعادة، فلم يُعَنِّهِمْ في أمر الهداية، ولم يكلفهم ما لا يطيقون:
(1) سورة الروم، الآية:7.
(2)
سورة النساء، الآية:17.
(3)
الحسنة والسيئة لابن تيمية/ 73.
(4)
المصدر نفسه/ 73.
(5)
سورة فاطر، الآية:28.
(6)
الحسنة والسيئة/ 75.
الأول: أنه فطرهم على الخير، فكل مولود يولد على الفطرة، وأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه- أما الذين يبقون على الإسلام فهم باقون على أصل الفطرة- وكان أبو هريرة، رضي الله عنه، إذا قرأ هذا الحديث يقول: اقرؤوا إن شئتم قوله تعالى: {فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ} (1).
وفي صحيح مسلم، قال صلى الله عليه وسلم: يقول الله تعالى: «خلقتُ عبادي حنفاء، فاجتالتهم الشياطين، وحرّمت عليهم ما أحللْتُ لهم، وأمرتهم أن يشركوا بي ما لم أنزل به سلطانا» (2).
الثاني: من فضل الله على الناس، أنه قد هداهم هداية عامة بما جعل فيهم بالفطرة من المعرفة وأسباب العلم، وبما أنزل إليهم من الكتب، وأرسل إليهم من الرسل، قال تعالى:{الرَّحْمَنُ (1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) خَلَقَ الإِنسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ} (3). وقال {وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ} (4). أي بيّنا له طريق الخير وطريق الشر (5).
أيها الإخوة، إذا تقرر هذا فليعلم أن هناك صنفًا من عباد الله يعرفون أسباب المحن ودواعي الفتن، ويعلمون أسباب رفعها وطريق الخلاص منها، أولئك الذين ينظرون بنور الله، وأولئك الذين يقرؤون كتاب الله فيجدون من بين آياته قوله تعالى:{وَمَا أَصَابَكُم مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِيرٍ} (6).
(1) سورة الروم، الآية:30. والحديث رواه البخاري ومسلم.
(2)
كتاب الجنة/ 63.
(3)
سورة الرحمن، الآيات: 1 - 4.
(4)
سورة البلد، الآية:10.
(5)
الحسنة والسيئة/ 79.
(6)
سورة الشورى، الآية:30.
وقال عكرمة: (ما من نكبة أصابت عبدًا فما فوقها إلا بذنبٍ لم يكن الله ليغفره له إلا بها، أو لينالَ درجةٍ لم يكن لِيُوصلَه إليها إلا بها)(1). وهكذا تفهم العارفون أمور الحياة والأحياء.
إخوة الإسلام، هل نتعامل فيما يصيبنا وما ينزل بنا من مصائب في هذه الحياة الدنيا، بهذا الأسلوب الإيماني الرفيع، وهل نتأدب بهذا الأدب القرآني الكريم؟
لاشك أن ذلك يخفف مصابنا، ويقضي بنا على أسباب المحن، ويصل بنا - بمشيئة الله- إلى تجاوز المواقف الصعبة والمحرجة في هذه الحياة الدنيا
…
{وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَاّ الْعَالِمُونَ} (2).
نفعني الله وإياكم بهدي كتابه .. أقول هذا القول .. وأستغفر الله ..
(1) تفسير القرطبي 16/ 31.
(2)
سورة العنكبوت، الآية:43.