الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الخطبة الثانية
الحمد لله رب العالمين، يحكم ما يشاء، ويفعل ما يريد، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آل محمد الطيبين، وارض اللهم عن أصحابه والتابعين، ومن سار على نهجهم إلى يوم الدين.
أما بعد إخوة الإسلام، فاتقوا الله، واعلموا أنكم ملاقوه، أصلحوا سرائركم يصلح الله علانيتكم، وانصحوا لخلق الله، وكونوا عناصر خير، ورسل إصلاح، فأهل المعروف في الدنيا هم أهل المعروف في الآخرة، وإذا وقع بأرضكم فتنة أو مكروه فاسعوا إلى التهدئة قدر الإمكان، وإلى التسكين قدر المستطاع، ولا خير فيمن يندسّ في الصفوف ليشعل الفتيل ويخالف بين المجتمعين، ويسعى جهده لتفريق الصفوف، أولئك أهل الريب والنفاق الذين يسوءهم أن يبقى الناس في صفاء ووئام، ويقلق مضاجعهم اتحاد الكلمة، أما الخيرون فهم يسعون للإصلاح جهدهم، ويحتسبون للأجر عند خالقهم، والله يقول:{لَاّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلَاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ} (1) يقربون وجهات النظر، ويحفظون هوة الخلاف التي يصنعها أهل الشائعات، هؤلاء ينصحون بالتريث والحكمة وقت الشدة والأزمة، ويقطعون على الشيطان طريق الإفساد والوقيعة بين المسلمين، وكم من راشد أبصر نفسه غضبان قلقًا فملك زمام نفسه، حتى إذا هدأت ثائرة الغضب، وخف دفع الشيطان، أدرك قيمة الأناة والرفق، وتذكر قول المصطفى صلى الله عليه وسلم «ليس الشديد بالصرعة ولكن الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» ومن لم يستطع الإصلاح،
(1) سورة النساء، الآية:114.
أو لم يتبين له الحق لظروف الفتنة فيسعه السكوت واعتزال الفتن، كما صنع سعد وابن عمر ومحمد بن سلمة وأبو بكوة، رضي الله عنهم، والأحنف بن قيس وغيرهم (1).
بل قال بعض أهل العلم: إنه يُستحب هجران البلدة التي يقع فيها إظهار المعصية، فإنها سبب وقوع الفتن التي ينشأ عنها عموم الهلاك، قال مالك: تهجر الأرض التي يصنع فيها المنكر جهارًا، وقد صنع ذلك جماعة من السلف (2).
وعلى المسلم، في كل وقت وحال، العدل في القول. قال تعالى:{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى} (3). والقسط في الشهادة والنطق {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ} (4).
وحفظ اللسان عن الحكم فيما لا يعلم {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِّتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ} (5) ولنتذكر جميعًا قوله تعالى: {مَا يَلْفِظُ مِن قَوْلٍ إِلَاّ لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ} (6) ونتذكر قوله صلى الله عليه وسلم: «إن العبد ليتفوه بالكلمة من غضب الله ما يلقي لها بالاً يهوي بها سبعين خريفًا في النار» .
(1) الفتح 13/ 31، 34.
(2)
الفتح 13/ 10.
(3)
سورة الأنعام، الآية:152.
(4)
سورة النساء، الآية:135.
(5)
سورة النحل: الآية: 116.
(6)
سورة ق، الآية:18.
فاحفظوا ألسنتكم عن الحرام وتحملوا قول المصطفى صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه: «وهل يكب الناس في النار على وجوههم إلا حصائد ألسنتهم» .
لاسيما وثمة وظائف أخرى للسان يستطيع المرء أن يشغله بها، فالذكر من أجلِّ القربات، وبذكر الله تطمئن القلوب، والدعاء مطلوب في كل حال وهو في أوقات الشدائد أحوج، كما هدى إلى ذلك الرسول صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين، ففي صحيح البخاري عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: استيقظ رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة فزعًا يقول: «سبحان الله ماذا أنزل الله من الخزائن، وماذا أنزل من الفتن، من يوقظ صواحب الحجرات -يريد أزواجه- لكي يصلين .. » (1).
قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: وفي الحديث الندب إلى الدعاء والتضرع عند نزول الفتن ولاسيما في الليل لرجاء وقت الإجابة لتكشف أو يسلم الداعي ومن دعا له (2).
كما يجدر بالمسلم في أوقات الفتن الإكثار من العبادة فللعبادة بشكل عام وأوقات الفتن بشكل خاص منزلة عظيمة، حتى قال النبي صلى الله عليه وسلم:«العبادة في الهرج كهجرة إلي» (3).
والذي يظهر- والله أعلم- أن أوقات الفتن يضطرب الناس وتنشغل القلوب، وتكل النفوس، وبالتالي ينشغل الناس عن بعض العبادات، . ولذا أرشد المصطفى صلى الله عليه وسلم إليها لأن المتلفت إليها قليل، أو لما فيها بإذن الله دفع الغوائل ورفع الكربات لما تشتمله على ذكر وتضرع لله تعالى، ولجوء إليه وحده فهو كاشف البَليَّات.
(1) الحديث/ 13/ 20.
(2)
السابق 13/ 23.
(3)
رواه أحمد ومسلم والترمذي وابن ماجه، انظر: صحيح الجامع 4/ 59.
إخوة الإيمان، ومع التهدئة والتسكين، ومحاولة الإصلاح وقول المعروف لمن استطاع، والصمت وكف اللسان لمن لم يتبين له الأمر، وورود الاعتزال والهجرة عن مواقع الفتن، والدعاء بشكل خاص، والعبادة بشكل عام، فثمة أمر آخر أرشد الله إليه في كتابه إلا وهو التوبة والاستغفار والإقلاع عن الذنوب والمعاصي فتلك سبب بإذن الله لرفع المصائب والمحن، قال الله تعالى:{أَوَلَا يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لَا يَتُوبُونَ وَلَا هُمْ يَذَّكَّرُونَ} (1).
اللهم لا تفتنا في ديننا، اللهم احفظ علينا أمننا وإيماننا، اللهم ومن أرادنا أو أراد أمتنا بسوءٍ فأشغله بنفسه يا سميع الدعاء.
(1) سورة التوبة، الآية:126.