الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
نقد الآخرين (ضوابطه وآدابه)
(1)
الحمد لله رب العالمين أمر بالعدل والإحسان، ونهى عن الظلم والفجور والعصيان، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له يحب الرفق في الأمور كلها، وقد أنزل على عبده {وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ} (2).
وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله كان من آخر وصاياه في حجة الوداع:
اللهم صلى وسلم عليه وعلى سائر الأنبياء والمرسلين، وعلى آله المؤمنين وارض اللهم عن صحابته أجمعين، والتابعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أيها المسلمون، وسبق الحديث عن نقد الذات وحاجتنا إليه، وإذا علمنا ذلك ووعيناه في واقعنا، فلا يعني ذلك أن ننكفئ على أنفسنا ونعتزل الآخرين، فهذا
(1) في 17/ 11/ 1416 هـ.
(2)
سورة الحجر، الآية:88.
(3)
ابن حبان في موارد الظمآن رقم 25 بإسناد رجاله ثقات، السيرة في ضوء المصادر الأصيلة/ 684.
(4)
سورة الأحزاب، الآيتان: 70، 71.
(5)
سورة الحجرات، الآية:13.
خطأ، ويقابله خطأ آخر، وهو أن ننشغل بنقد الآخرين، والوسطية في ذلك أن نبدأ بنقد ذواتنا، وإصلاح أنفسنا، فإذا رُمنا نقد الآخرين، وإصلاح أخطاء المخطئين، فلابد من أصول وضوابط، ولابد من طرائق وأساليب، العلم بها شرط لازمٌ، وسريان النقد بموجبها ينفع الله بها الناقد، ويستصلح المنقود. وكم أحدث غياب هذه الأصول والضوابط الشرعية، والآداب الإسلامية، من فتن وخصومات، وضياع ذمم، وهدر أوقات، وفتح ثغرات مقفلة، والغفلة عن ثغرات مفتوحة، فتسلل العدد الخارجي إلى أرضنا، ونحن في شغل ومهاترات داخليةٍ بيننا، وحق لنا جميعًا أن نتذكر قول حبيبنا صلى الله عليه وسلم «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن في التحريش بينهم» (1).
مصيبة أيها المسلمون أن تقطع أوصال الأمة، وتغيب هويتها، ويعتدى على مقدساتها
…
ويعبث المنافقون بشريعة محمد صلى الله عليه وسلم، والمسلمون في شغل شاغل بينهم، ورحى المعركة تدور لتحصد البقية الباقية منهم، وتركز على الصفوة منهم
…
إنها الطامة الكبرى، والحالقة للدين، وإنها الأجواء التي يتنفسن فيها المنافقون، ويستثمرها لصالحهم المجرمون، ويمتد على حسابها أعداء الأمة العابثون.
لابد لتستعيد الأمة المسلمة مجدها وكرامتها من تنقية الأجواء بين المسلمين، ولابد من إصلاح السرائر ودفن الضغائن، لابد من التخلي عن حظوظ النفس، ولابد من التجرد من الهوى، ولابد من مراغمة الشيطان، وأساس ذلك كله تقوى الله وإصلاح ذات البين، وحسن الظن، وتقديم القول الحسن، وكل ذلك من طاعة الله وطاعة رسوله، وهكذا أُدِّبَ المسلمون حين وقع الخلاف بينهم:
(1) رواه مسلم، مختصر المنذري، 1804.
وكذلك أمر المسلمون بالتخاطب فيما بينهم: {وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوّاً مُّبِيناً} (2).
عباد الله، لا قوام للأمة المسلمة ولا فلاح إلا بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر {وَلْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ} (3). وتتخلى الأمة عن خيريتها إذا تخلت عن هذه الشعيرة المهمة من شعائر دينها {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} (4).
والنقد البناء في طريقنا في البناء، وأي مجتمع تسود أفراده الأنانية وتقديس الذات فهو إلى فناء، وأي أمة لا تأبه بالخطأ يقع، ولا يتناهى أبناؤها عن المنكر يحل فلن تسلم من غضب الجبار ولعنته:
ولكن إلانة القول في النصح مطلب، والرفق بالنقد منهج، وإليكم شيئًا من آداب ومطالب وضوابط النقد للآخرين فافقهوها، واعملوا بها تنجوا وتفلحوا.
(1) سورة الأنفال، الآية:1.
(2)
سورة الإسراء، الآية:53.
(3)
سورة آل عمران/ الآية: 104.
(4)
سورة آل عمران، الآية:110.
(5)
سورة المائدة، الآيتان: 78، 79.
1 -
العلم أولاً، فلابد من العلم فيما يؤمر به أو ينهى عنه خشية أن يأمر بمنكر وهو يظنه معروفًا، أو ينهى عن معروف وهو يظنه منكرًا، وهنا يغلط صنفان من الناس: صنف يعلم ويسكت خوفًا أو مجاملةً أو لأي غرض من أغراض الدنيا، وصنف يأمر وينهى ولكن دون علم، وبسبب ذلك تقع المصائب والفتن والشرور.
يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، يرحمه الله:(وإذا كان الكفر والفسوق والعصيان سبب الشر والعدوان فقد يذنب الرجل أو الطائفة ويسكت آخرون عن الأمر والنهي فيكون ذلك من ذنوبهم، وينكر عليهم آخرون إنكارًا منهيًا عنه فيكون ذلك من ذنوبهم، فيحصل التفرق والاختلاف والشرور، وهذا من أعظم الفتن والشرور قديمًا وحديثًا .. ومن تدبر الفتن الواقعة رأى سببها ذلك، ورأى أن ما وقع بين أمراء الأمة وعلمائها ومن دخل في ذلك من ملوكها ومشايخها ومن تبعهم من العامة من الفتن، هذا أصلها)(1).
2 -
الإخلاص في النصح والصدق في النقد، وذلك بأن يشعر بالأسى وهو يرى أخاه المسلم واقعًا في المعاصي فلا يهدأ له بال حتى يقوم بنصحه شفقة عليه، وتتمالكه الرأفة والرحمة وتدعوه روابط الأخوة إلى انتشال أخيه من وحشة الذنب، ويظهر على محياه الصدق، وعلى كلماته نور الإخلاص حتى يستشعرها صاحبه، فلا يملك إلا أن يستجيب له .. ويقدر له نصحه.
أما إذا كان النقد لأغراض شخصية، أو ثأرًا لعداوةٍ قديمة، أو دافعه الحسد والبغضاء، أو التنازع على مكانة أو رئاسة أو لإظهار الشماتة أو التحقير أو الفرح بالخطأ يقع من أجل إظهار الفضيحة والتشهير، فذلك أبعد ما يكون عن الإخلاص والصادق، والأعمال بالنوايا، ولكل امرئ ما نوى ..
(1) الفتا وى 28/ 142، 143.
بل ذكر العلماء أن الناقد ولو كان بحق لكن قصده العلو في الأرض، أو الفساد كان بمنزلة الذي يقاتل حميةً ورياءً، وإن تكلم لأجل الله مخلصًا كان من الجاهدين في سبيل الله من ورثة الأنبياء (1) فاحرصوا معاشر المسلمين على الإخلاص جهدكم فربكم أعلم بما تكن صدوركم، وإياكم والكذب ومخادعة النفس أو مخادعة الآخرين، فلا يصح إلا الصحيح، وحبل الصدق متين، وبضاعة الكذب مزجاة، ولحوم العلماء مسمومة؟ ! !
3 -
ولابد مع العلم والإخلاص والصدق من العدل في القول، قال تعالى وهو أصدق القائلين:{وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا} (2).
فلا يعني خطأ المرء مرة وصمه بالخطأ أبد الدهر، ولا تنسف سيئةٌ أو أكثر أضعافها من الحسنات، ولا ننسي تاريخ المجاهد المتفاني في عدد من المعارك والجولات عثرة فرسه في إحدى اللقاءات.
ومن ذا الذي تُوضَى سجاياه كلها
كفى المرء نُبلاً أن تُعَدَّ معايبُهْ
وإذا كان الإسلام يأمر بالعدل مع الخصوم، وألا تقعد بنا بالعداوة عن قول الحق والعدل كما في قول الحق {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَاّ تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى .. } (3).
فكيف يسوغ لنا أن ننسى العدل مع إخواننا والأقربين من المسلمين؟
بالعدل أيها الإخوة قامت السموات والأرض، وبالظلم تحطمت صروح الحضارات، وفنيت الأمم، بالعدل يقيم الله الدولة العادلة، وإن كانت كافرة
(1) الفتاوى 28/ 235.
(2)
سورة الأنعام، الآية:152.
(3)
الفتاوى 28/ 146.
ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة (1)! هكذا قيل قديمًا، وكذلك يشهد التاريخ حديثًا.
إن التجافي عن العدل يحطم مقدور الأمة، ويهدر طاقاتها، ويصاب بالإحباط ذوو القدرات من أبنائها إذا زلت بهم القدم مرة أو غلبتهم أنفسهم أخرى، وإن العدد سبيل إلى النهوض، وأمانُ من اليأس والقنوط:{قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً} (2).
لقد كان أهل السنة والجماعة قديمًا وحديثًا أعدل الناس، يترحمون على المجتهد المصيب، وينكرون على المبتدع الضال، وينصفون المجتهد المخطئ، فلا يتركون الأخذ عن عالمٍ أخطأ في مسألة، وله من الحسنات ما يكفر عن هذه السيئة، ولا ينسفون جهوده كلها بسبب زلة وقعت له، وما أروع ما سطره الإمام الذهبي في عدد من تراجمه لسير أعلام النبلاء، وإليك بعضًا منها:
يقول عن قتادة بن دعامة السدوسي (المفسر): (
…
كان يرى القدر نسأل الله العفو، ومع هذا فما توقف أحد في صدقه وعدالته وحفظه، ولعل الله يعذر أمثاله ممن تلبس ببدعة يريد بها تعظيم الباري وتنزيهه، وبذل وسعه، والله حكمٌ عدلٌ، لطيفٌ بعباده، ولا يسأل عما يفعل، ثم إن الكبير من أئمة العلم إذا كثر صوابه، وعلم تحريه للحق، واتسع علمه، وظهر ذكاؤه، وعرف صلاحه وورعه واتباعه يغفر له زلله، ولا نضلله ونطرحه وننسى محاسنه، نعم ولا نقتدي به في بدعته وخطئه، ونرجو له التوبة من ذلك) (3).
(1) سورة المائدة، الآية:8.
(2)
سورة الزمر، الآية:53.
(3)
سير أعلام النبلاء 5/ 271.
أما ابن حزم، العالم البحر، فقد كانت له اجتهاداتٌ خاطئة، وجرت بينه وبين عدد من العلماء مناظراتٌ وخصومات، وقد أنصف الذهبي من نفسه حين قال عنه:(ولي أنا ميلٌ أبي محمد لمحبته في الحديث الصحيح، ومعرفته به، وإن كنت لا أوافقه في كثير مما يقوله في الرجال والعلل، والمسائل البشعة في الأصول والفروع، وأقطع بخطئه في غير ما مسالة، ولكن لا أكفره ولا أضلله، وأرجو له العفو والمسامحة وللمسلمين، وأخضع لفرط ذكائه، وسعة علومه .. )(1).
فهل رأيتم كهذا المنهج النقدي عند علم من أعلام المسلمين؟ ألا ما أحوجنا في حياتنا المعاصرة إلى الاعتدال في تقييم الآخرين
…
وما أحرانا بتلمس مناهج وطرائق السابقين
…
نفعني الله وإياكم بهدى القرآن، وهدانا لاتباع شرع محمد عليه الصلاة والسلام. أقول ما تسمعون واستغفر الله.
(1) سير أعلام النبلاء 18/ 202.
(2)
سورة النساء، الآية:135.