الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وبالجملة، فلا يزال يذكر اللَّه على فراشه حتَّى يغلبه النوم وهو يذكر اللَّه. فهذا منامُه عبادةٌ، وزيادةٌ له في قربه من اللَّه. فإذا استيقظ عاد إلى عَدَّانه الأوَّل
(1)
. ومع هذا فهو قائمٌ بحقوق العباد من عيادة المرضى، وتشييع الجنائز، وإجابة الدعوة، والمعاونة لهم بالجاه
(2)
والبدن والنفس والمال، وزيارتهم، وتفقّدهم؛ وقائمٌ بحقوق أهله وعياله. فهو متنقّلٌ في منازل العبوديّة كيف نقله فيها الأمرُ. فإذا وقع منه تفريط في حقٍّ من حقوق اللَّه بادر إلى الاعتذارِ والتوبة والاستغفار، ومحوه ومداواته بعمل صالح يُزيل أثرَه. فهذا وظيفته دائمًا.
وأمَّا
السابقون المقرَّبون
، فنستغفر اللَّه الذي لا إله إلا هو أوَّلًا من وصف حالهم وعدم الاتّصاف به، بل ما شمِمنا له رائحةً، ولكن محبّة القوم
(3)
تحمل على تعرّف منزلتهم والعلم بها. وإن كانت النفوس متخلفةً
(4)
منقطعةَ عن اللحاق بهم، ففي معرفة حال القوم فوائد عديدة:
منها أن لا يزالُ المتخلّف المسكين مُزْرِيًا على نفسه، ذامًّا لها، لائمًا لها
(5)
.
ومنها أنَّه
(6)
لا يزالُ منكسرَ القلب بين يدي ربّه، ذليلًا له حقيرًا،
(1)
أي إلى عهده الأوَّل. وقد سبقت هذه الكلمة في ص (407). وفي "ب، ك، ط": "عادته الأولى".
(2)
"ب": "بالجاه والمال والبدن والنفس".
(3)
"ف": "العلم"، وهو سهو وخلاف الأصل. وكذا في "ك"، فكتب أحد في الحاشية:"ظ بالقوم"، يعني العلم بالقوم. والصواب ما أثبتنا من الأصل وكذا في "ب، ط".
(4)
"ب": "مختلفة"، تحريف.
(5)
"لائمًا لها" ساقط من "ب، ك، ط".
(6)
"ب، ك، ط": "أن".
ويشهد منازل السابقين وهو في زمرة المنقطعين، ويشهد بضائعَ التجّارِ وهو في رفقة المحرومين.
ومنها أنَّه عساه أن تنهض همّته يومًا ما
(1)
إلى التشبّث والتعلّق بساقة القوم ولو من بعيد.
ومنها أنَّه لعلَّه أن يصدُقَ في الرغبة واللّجأ إلى مَن بيده الخيرُ كلُّه أن يُلْحِقَه بالقوم ويهيّئه لأعمالهم، فيصادف ساعةَ إجابةٍ لا يسأل اللَّه فيها شيئًا إلا أعطاه.
ومنها أنَّ هذا العلم هو من أشرف علوم العباد. ليس
(2)
بعد علم التوحيد أشرفُ منه، وهو لا يناسب إلا النفوس الشريفة ولا يناسب النفوس الدنيئة المهينة. فإذا رأى نفسَه تناسب هذا العلم، وتشتاق إليه، وتحبّه، وتأنس بأهله
(3)
فَلْيُبشِرْ
(4)
بالخيرِ، فقد أُهِّل له، فليقل لنفسه: يا نفس قد
(5)
حصل لكِ شطرُ السعادة فاحرصي على الشطر الآخر، فإنَّ السعادة في العلم
(6)
بهذا الشأن والعمل به، فقد قطعتِ نصف المسافة، فهلَّا تقطعين باقيها فتفوزين فوزًا عظيمًا!
ومنها أنَّ العلم بكل حالٍ خيرٌ من الجهل. فإذا كان اثنان أحدهما عالمٌ بهذا الشأن غيرُ موصوفٍ به ولا قائم به، وآخر جاهل به غير متّصف
(1)
"ما" ساقطة من "ك، ط".
(2)
"ك، ط": "وليس".
(3)
"ط": "بأقلّه"، تحريف.
(4)
"ب": "فيبشر".
(5)
"ك، ط": "فقد".
(6)
"ب": "بالعلم".
به فهو خِلْوٌ من الأمرين، فلا ريبَ أنَّ العالم به خير من الجاهل، وإن كان العالم المتّصف به خيرًا منهما، فينبغي أن يُعطى كلُّ ذي حقٍّ حقَّه، وينزَّل في مرتبته.
ومنها أنَّه إذا كان العلمُ بهذا الشأن همَّه ومطلوبَه، فلا بدَّ أن ينال منه بحسب استعداده، ولو لَمْظَةً
(1)
، ولو بارقةً، ولو أنَّه يحدِّث نفسَه بالنهضة إليه.
ومنها أنَّه لعله يجري منه على لسانه ما ينتفِع به غيرُه بقصده أو بغير قصده، واللَّه لا يضيع مثقال ذرَّة، فعسى أن يُرحَم بذلك العامل.
وبالجملة ففوائد العلم بهذا الشأن لا تنحصر، فلا ينبغي أن تصغي إلى من يثبّطك
(2)
عنه، ويقول
(3)
: إنَّه لا ينفع. بل احذره، واستعن باللَّه، ولا تعجز، ولكن لا تغترّ، وفرِّق بين العلم والحال، وإيَّاك أن تظنّ أنَّ بمجرد علم هذا الشأن قد صرتَ من أهله. هيهات! ما أظهر الفرق بين العالم
(4)
بوجوه الغنى وهو فقير، وبين الغني بالفعل، وبين العالم بأسباب الصحة وحدودها وهو سقيم، وبين الصحيح بالفعل!
فاسمع الآن وصفَ القومِ، وأحضِر ذهنك لشأنهم العجيب وخطرهم
(1)
كذا في الأصل و"ف، ك". وفي "ب": "لمعة" ولكن ذكر في الحاشية أنَّ في النسخة: "لمظة". وهي من لَمَظَ الماء: ذاقه بطرف لسانه. والُلماظة: مايبقى في الفم من طعام، وقد يستعار لبقية الشيء القليل. انظر: اللسان (لمظ)(7/ 462). وفي "ط": "لحظة".
(2)
"ب": "يثبط".
(3)
"ط": "تقول"، خطأ.
(4)
"ك، ط": "العلم".
الجليل. فإن وجدتَ من نفسك حركة وهمَّةً إلى التشبّه بهم فاحمد اللَّه، وادخل، فالطريق واضح، والباب مفتوح.
إذا
(1)
أعجبتْك خصالُ امرئٍ
…
فكُنْه يكنْ منك
(2)
ما يُعجِبُكْ
فليسَ على الجودِ والمكرماتِ
…
إذا جئتَها حاجبٌ يحجُبُكْ
(3)
فنبأ القومِ عجيب، وحالُهم أعجَب
(4)
، وأمرُهم أخفى
(5)
إلا على من له مشاركة مع القوم، فإنَّه يطّلع من حالهم على ما يريه إيَّاه القدرُ المشترك.
وجملة أمرهم أنَّهم قوم قد امتلأت قلوبُهم من معرفة اللَّه، وعُمِرتْ
(6)
بمحبّته وخشيته وإجلاله ومراقبته، فسرَت المحبّة في أجزائهم، فلم يبق فيها عرق ولا مفصل إلا وقد دخله الحبّ. قد أنساهم حبُّه ذكرَ غيره، وأوحشهم أنسُهم به ممَّن سواه. قد فَنُوا بحبّه عن حبّ مَن سواه، وبذكره عن ذكر من سواه
(7)
، وبخوفه، ورجائه، والرغبة إليه، والرهبة منه،
(1)
"ف": "وإذا"، سهو. فقد كتب في الأصل أولًا "وإذا" ثم ضرب على الواو. وكذا في "ك".
(2)
"ك": "مثل" تحريف. وفي "ط": "تكن مثل".
(3)
تمثل المؤلف بالبيتين في مدارج السالكين (3/ 10) والفروسية (402) أيضًا. وذكرهما الراغب في محاضراته (1/ 310) من إنشاد أبي العيناء. وهما مع ثالث في ديوان المعاني (262).
(4)
"وحالهم أخفى" ساقط من "ك، ط".
(5)
"ك، ط": "خفي".
(6)
"ط": "غمرت" بالمعجمة.
(7)
"وبذكره" إلى هنا ساقط من "ب".