المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌عبوديته باسمه "الأول - طريق الهجرتين وباب السعادتين - ط عطاءات العلم - جـ ١

[ابن القيم]

فهرس الكتاب

- ‌فصل [في أنَّ اللَّه هو الغني المطلق والخلق فقراء محتاجون إليه]

- ‌ الصوابُ في مسألة علَّة احتياج العالم إلى الرب

- ‌[تعريف الفقر ودرجاته عند الهروي

- ‌فصل [مقتضيات الدرجة الثانية من الفقر]

- ‌عبوديته باسمه "الأوَّل

- ‌[تفسير الدرجة الثالثة من الفقر]

- ‌الفقر والتجريد والفناء من واد واحد

- ‌ تجريد الحنيفية

- ‌فصل [في الغنى وانقسامه إلى عالٍ وسافل]

- ‌فصل في ذكر كلمات عن أرباب الطريق في الفقر والغنى

- ‌فصل

- ‌[الاحتجاج بالقدر، والنصوص الواردة في إثباته]

- ‌فصل

- ‌العز يقتضي كمال القدرة

- ‌ معنى كون حمده يملأ السماوات والأرض وما بينهما

- ‌الحمد أوسع الصفات وأعم المدائح

- ‌ الثاني: حمد النعم والآلاء

- ‌قاعدة في مشاهد الناس في المعاصي والذنوب

- ‌قاعدة [في الإنابة ودرجاتها]

- ‌قاعدة في ذكر طريق قريب موصِل(1)إلى الاستقامة في الأحوال والأقوال والأعمال.وهي شيئان:

- ‌الثاني(5): صدق التأهب للقاءِ اللَّه عز وجل

- ‌قاعدة شريفة [الطريق إلى اللَّه واحد]

- ‌قاعدة(1)[السير إلى اللَّهِ لا يتمّ إلا بقوتين: علمية وعملية]

- ‌قاعدة نافعة [أقسام العباد في سفرهم إلى ربهم]

- ‌ متاجر الأقسام الثلاثة

- ‌ الظالم لنفسه

- ‌ الأشقياء

- ‌ الأبرار المقتصدون

- ‌ السابقون المقرَّبون

- ‌إذا وضع أحدُهم جنبَه على مضجعه

- ‌المثال الأوَّل: الإرادة

- ‌الوجه الثاني:

- ‌الوجه الثالث:

- ‌الوجه الرابع:

- ‌الوجه الخامس:

- ‌الوجه السادس:

- ‌الوجه السابع:

- ‌ الوجه الثامن:

- ‌الوجه التاسع:

- ‌الوجه الحادي عشر:

- ‌الوجه الثاني عشر:

الفصل: ‌عبوديته باسمه "الأول

عبوديته باسمه "الظاهر الباطن"

(1)

فهذا هو العارف الجامع لمتفرقات التعبد ظاهرًا وباطنًا.

ف‌

‌عبوديته باسمه "الأوَّل

" تقتضي التجردَ من مطالعة الأسباب والوقوف عندها

(2)

والالتفات إليها، وتجريدَ النظرِ إلى مجرد سبق فضله ورحمته وأنَّه هو المبتدئ بالإحسان من غير وسيلة من العبد، إذ لا وسيلة له في العدم قبل وجوده، وأي وسيلة كانت هناك! وإنَّما هو عدم محض، وقد أتى عليه حين من الدهر لم يكن شيئا مذكورًا. فمنه الإعداد، ومنه الإمداد، وفضله سابق على الوسائل، والوسائل من مجرد فضله وجوده لم تكن بوسائل أخرى، فمن نزَّل اسمه الأوَّل على هذا المعنى أوجبَ له ذلك

(3)

فقرًا خاصًّا وعبودية خاصة.

وعبوديته باسمه "الآخر" تقتضي أيضًا عدم ركونه ووثوقه بالأسباب والوقوف معها، فإنَّها تُعدَم

(4)

لا محالة، وتنقضي بالآخرية، ويبقى الدائم الباقي بعدها. فالتعلق بها تعلُّقٌ بما يُعدَم وينقضي، والتعلق بالآخِر سبحانه تعلقٌ بالحي الذي لا يموتُ ولا يزول فالتعلُّق

(5)

به حقيق أن لا يزول، ولا ينقطع، بخلاف التعلّق بغيره مما له آخِرٌ يفنى به. فكما

(6)

نظرُ العارفِ إليه بسبق الأوليّة حيث كان قبل الأسباب كلها،

(1)

" ن، ك، ط": "والباطن".

(2)

"عندها": ساقط من "ك، ط".

(3)

"ذلك" ساقط من "ك، ط".

(4)

"ط": "تنعدم ".

(5)

"ط": "فالمتعلّق"، وهو خطأ.

(6)

"ط": "كذا".

ص: 37

فكذلك

(1)

نظره إليه ببقاءِ الآخرّية حيث يبقى بعد الأسباب كلها. فكان اللَّه ولم يكن شيءٌ غيره، وكلّ شيءٍ هالك إلّا وجهه.

فتأمَّلْ عبوديّةَ هذين الاسمين وما يوجبانه من صحة الاضطرار إلى اللَّه وحده ودوام الفقر إليه دون كلّ شيءِ سواه، وأنّ الأمر ابتدأ منه وإليه يرجع، فهو المبتدئ بالفضل حيث لا سبب ولا وسيلة، وإليه ينتهي الأمر حيث

(2)

تنتهي الأسباب والوسائل، فهو أول كل شيءٍ وآخره. وكما أنّه ربُّ كلِّ شيءٍ وفاعله وخالقه وبارئه، فهو إلهه وغايته التي لا صلاح له ولا فلاح ولا كمال إلّا بأن يكون هو غايته وحده. كما أنه لا وجود له إلّا بكونه وحده هو ربّه وخالقه، فكذلك لا كمال له ولا صلاح إلّا بكونه تعالى

(3)

وحده هو غايته ونهاية مقصوده

(4)

.

فهو الأول الذي ابتدأت منه المخلوقات، والآخر الذي انتهت إليه عبودياتها

(5)

وإرادتها

(6)

ومحبتها، فليس وراءَ اللَّه شيءٌ يُقصَد ويُعبَد ويُتألّه، كما أنه ليس قبله شيءٌ يَخلُق ويَبرأ. فكما كان واحدًا في إيجادك، فاجعله واحدًا في تألّهك وعبوديتك

(7)

. وكما ابتدأ وجودك

(1)

"ط": "وكذلك".

(2)

"ينتهي الأمر حيث" ساقط من "ط".

(3)

من قوله "هو غايته وحده" إلى هنا ساقط من "ط".

(4)

"ط": "نهايته ومقصوده".

(5)

"ك": "عبوديتها".

(6)

"ن، ك، ط": "إراداتها".

(7)

"ط": "تألهك إليه لتصح عبوديتك"، وهو غلط ناشئ من السقط في بعض النسخ.

ص: 38

وخلقك منه، فاجعل

(1)

نهايةَ حبّك وإرادتك وتألهك

(2)

إليه لتصحّ لك عبوديته باسمه الأول والآخر. وأكثر الخلق تعبّدوا له باسمه "الأول"، وإنّما الشأن في التعبد له باسمه "الآخر"، فهذه عبودية الرسل وأتباعهم، فهو ربّ العالمين وإله المرسلين سبحانه وبحمده.

وأما عبوديته باسمه "الظاهر" كما

(3)

فسّره النبي صلى الله عليه وسلم بقوله: "وأنت الظاهر فليس فوقك شيء، وأنت الباطن فليس دونك شيء"

(4)

. فإذا تحقق العبدُ علوَّه المطلق على كل شيءٍ بذاته، وأنّه ليس شيءٌ فوقه

(5)

البتة، وأنّه قاهر فوق عباده، يدبّر الأمر من السماءِ إلى الأرض ثم يعرج إليه {إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ} [فاطر/ 10] صار لقلبه أَمَمًا يقصده، وربًّا يعبده، وإلهًا يتوجّه إليه؛ بخلاف من لا يدري أين ربه، فإنَّه ضائع مشتَّت القلب، ليس لقلبه قبلةٌ يتوجه نحوها، ولا معبود يتوجه إليه قصده.

وصاحب هذه الحال إذا سلك وتأله وتعبد طلب قلبُه إلهًا يسكن إليه ويتوجه إليه، وقد اعتقد أنَّه ليس فوق العرش شيء إلا العدم، وأنَّه ليس فوق العالم إله يُعبَد ويُصلَّى له ويُسْجَد، وأنَّه ليس على العرش مَن يصعد إليه الكلمُ الطيب ولا يُرفع إليه العملُ الصالحُ. جال قلبُه في الوجود

(1)

"ك، ط": "فاجعله"، وهو خطأ.

(2)

قوله "وعبوديتك" إلى هنا ساقط في "ك" "لانتقال النظر.

(3)

"ك، ط": "فكما".

(4)

من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أخرجه مسلم في كتاب الذكر والدعاء (2713).

(5)

"ك، ط": "ليس فوقه شيء".

ص: 39

جميعِه فوقع في الاتحاد ولا بد، وتعلق قلبُه بالوجود المطلق الساري في المعيّنات، فاتخذه إلهَه

(1)

من دون الإله الحق

(2)

، وظن أنَّه قد وصل إلى عين الحقيقة! وإنَّما تأله وتعبد لمخلوق مثله، أو لخيالٍ

(3)

نَحَتَهُ بفكره واتخذه إلهًا من دون اللَّه، وإلهُ الرسل وراءَ ذلك كله:

{إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مَا مِنْ شَفِيعٍ إِلَّا مِنْ بَعْدِ إِذْنِهِ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (3) إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا إِنَّهُ يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ لِيَجْزِيَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ بِالْقِسْطِ وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ (4)} [يونس/ 3 - 4].

وقال تعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُمْ مِنْ دُونِهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (4) يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ ثُمَّ يَعْرُجُ إِلَيْهِ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ أَلْفَ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ (5) ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (6) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (7) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (8) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (9)} [السجدة/ 4 - 9].

فقد تعرَّف سبحانه إلى عباده بكلامه معرفةً لا يجحدها إلا من أنكره سبحانه، وإن زعم أنَّهُ مقرٌّ به.

(1)

"ك، ط": "فاتخذ إلهه".

(2)

"ك، ط": "إله الحق"، وقد صحح في حاشية "ك".

(3)

"ط": "ولخيال".

ص: 40

والمقصود أنَّ التعبد باسم

(1)

"الظاهر" يجمع القلبَ على المعبود، ويجعل له ربًّا يقصده، وصمدًا يصمُد إليه في حوائجه، وملجأ يلجأ إليه. فإذا استقرَّ ذلك في قلبه، وعرف ربه باسمه "الظاهر" استقامت له عبوديته، وصار له معقل وموئل يلجأ إليه، ويهرب إليه، ويفرُّ كل وقتٍ إليه.

وأمَّا تعبده باسمه "الباطن" فامرٌ يضيق نطاق التعبير عن حقيقته، ويكِلّ اللسانُ عن وصفه، وتصطلم الإشارةُ إليه، وتجفو العبارة عنه؛ فإنَّه يستلزمُ معرفةً بريئةً من شوائب التعطيل، مخلَصةً من فرْث التشبيه

(2)

، منزَّهةً عن رجس الحلول والاتحاد؛ وعبارةً مؤدية للمعنى كاشفةً عنه، وذوقًا صحيحًا، سليمًا من أذواق أهل الانحراف. فمن رُزِقَ هذا فهِمَ معنى اسمه "الباطن"، وصحَّ له التعبد به.

وسبحانه اللَّه كم زلَّت في هذا المقام أقدام، وضلَّت فيه أفهام! وتكلَّم فيه الزنديق بلسان الصدِّيق، واشتبه فيه إخوان النصارى بالحنفاء المخلصين، لِنُبوِّ الأفهام عنه، وعزَّةِ تخلّص الحقَّ من الباطل فيه، والتباس ما في الذهن بما في الخارج إلا على من رزقه اللَّه بصيرةً في الحقِّ، ونورًا يميز به بين الهدى والضلال، وفرقانًا يفرِّق به

(3)

بين الحقِّ

(1)

"ك، ط": "باسمه".

(2)

هذا التعبير مأخوذ من قوله تعالى في سوره النحل {نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ} . وقد لهج به المصنف، فورد في غير موضع من كتبه. انظر مثلًا مقدمة النونية:(42)، وبدائع الفوائد:(291)، ومدارج السالكين (3: 122). وسيأتي مرة أخرى في هذا الكتاب في ص (54). وانظر نحوه في قول الشاشي في نفح الطيب (5: 286).

(3)

"به" ساقطة من "ك، ط". وقد استدركت في القطرية.

ص: 41

والباطل، ورُزِقَ مع ذلك اطلاعًا على أسباب الخطا، وتفرق الطرق، ومثار الغلط، فكان

(1)

له بصيرة في الحقِّ والباطل. وذلك فضل اللَّه يؤتيه من يشاء، واللَّه ذو الفضل العظيم.

وباب هذه المعرفة والتعبد هو معرفة إحاطة الرب تبارك وتعالى بالعالم وعظمته، وأنَّ العوالم كلها في قبضته، وأنَّ السماوات السبع والأرضين السبع في يده كخردلة في يد العبد

(2)

، قال تعالى:{وَإِذْ قُلْنَا لَكَ إِنَّ رَبَّكَ أَحَاطَ بِالنَّاسِ} [الإسراء/ 60]، وقال:{وَاللَّهُ مِنْ وَرَائِهِمْ مُحِيطٌ (20)} [البروج/ 20]

ولهذا يقرن سبحانه بين هذين الاسمين الدالّين على هذين المعنيين: اسم العلوّ الدالّ على أنَّهُ الظاهر وأنَّهُ لا شيء فوقه، واسم العظمة الدالّ على الإحاطة وأنَّهُ لا شيء دونه، كما قال تعالى:{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (255)} [البقرة/ 255، الشورى/ 4]، وقال:{وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ (23)} [سبأ/ 23]، وقال:{وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (115)} [البقرة/ 115]

(3)

.

وهو تبارك وتعالى كما أنَّه العالي على خلقه بذاته فليس فوقه شيء، فهو الباطن بذاته فليس دونه شيء، بل ظهرَ على كلِّ شيء وكان

(4)

فوقه،

(1)

"ط": "وكان".

(2)

يشير إلى قول ابن عباس: "ما السماوات السبع والأرضون السبع وما فيهما في يد اللَّه إلا كخردلة في يد أحدكم" وقد أخرجه الطبري في في تفسيره (20/ 246).

(3)

وانظر الصواعق: (1365).

(4)

"ك": "وهو فوقه". "ن": "فكان"، وكذا في "ط".

ص: 42

وبطن فكان أقرب إلى كلِّ شيء من نفسه، وهو محيط به حيث لا يحيط الشيء بنفسه، وكل شيء في قبضته، وليس

(1)

في قبضة نفسه، فهذا قرب الإحاطة العامة

(2)

.

وأما القرب المذكور في القرآن والسنة فقربٌ خاصٌّ من عابديه وسائليه وداعيه، وهو من ثمرة التعبد باسمه "الباطن"، قال اللَّه تعالى:{وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ} [البقرة/ 186]، فهذا قربه من داعيه.

وقال تعالى: {إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ} [الأعراف/ 56] فذكَّر

(3)

الخبر -وهو"قريب"- عن لفظ "الرحمة" وهي مؤنثة إيذانًا بقربه تعالى من المحسن

(4)

، فكأنَّهُ قال: إنَّ اللَّه برحمته قريبٌ من المحسنين

(5)

.

وفي الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم

(6)

: "أقرب ما يكون العبد من ربِّه وهو ساجد"

(7)

و"أقرب ما يكون الرب من عبده في جوف الليل"

(8)

، فهذا

(1)

"ط": "وليس شيء".

(2)

"ط": "أقرب للأحاطة العامة"، غلط.

(3)

في الأصل: "فوحد"، وهو سهو، وكذا في "ف، ن".

(4)

"ك، ط": "المحسنين".

(5)

وانظر كلامًا مستفيضًا للمؤلف على هذه المسألة في بدائع الفوائد (862 - 889). وانظر أيضًا: رسالتي الروذراوري وابن مالك (ط سليمان العايد) ورسالة ابن هشام (ط الحموز).

(6)

زاد في "ط": "قال".

(7)

من حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أخرجه مسلم في كتاب الصلاة (482).

(8)

أخرجه الترمذي (3579)، والنسائي (572)، وابن خزيمة في صحيحه (1147)، والحاكم في المستدرك (1/ 453) (1162) وغيرهم. قال الترمذي: =

ص: 43

قربٌ خاصٌّ غير قرب الإحاطة وقرب البطون.

وفي الصحيح من حديث أبي موسى أنَّهم كانوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فارتفعت أصواتهم بالتكبير فقال:"أيها النَّاس اربعوا على أنفسكم، فإنَّكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا، إنَّ الذي تدعونه سميعٌ قريبٌ، أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته"

(1)

، فهذا قربه من داعيه وذاكره، يعني: فأيُّ حاجة بكم إلى رفع الأصوات، وهو لقربه يسمعها، وإن خفضت، كما يسمعها إذا رفعت، فإنَّه سميع قريب؟

وهذا القرب هو من لوازم المحبة، فكلَّما كان الحب أعظم كان القرب أكثر

(2)

. وقد يستولي

(3)

محبة المحبوب على قلب محبه بحيث يفنى بها عن غيره، ويغلب محبوبه على قلبه حتَّى كأنَّهُ يراه ويشاهده، فإنْ

(4)

لم يكن عنده معرفة صحيحة باللَّه وما يجب له ويستحيل

(5)

عليه، وإلا

(6)

طرق بابَ الحلول إن لم يلِجْه. وسببه ضعف تمييزه، وقوة

= "حسن صحيح غريب من هذا الوجه". والحديث صححه ابن خزيمة والحاكم، ولم يتعقبه الذهبي (ز).

(1)

من حديث أبي موسى الأشعري رضي الله عنه، أخرجه البخاري في كتاب الجهاد (2992) وغيره.

(2)

وانظر: المدارج (2/ 305)، والبدائع (3/ 845)، ومجموع الفتاوى (15/ 17).

(3)

كذا في الأصل بالياء. وفي "ك، ط": "وقد استولت".

(4)

"ك": "فإذا".

(5)

"ط": "وما يستحيل".

(6)

وقعت "إلا" هنا في غير موقعها، ولا يستقيم المعنى إلا بحذفها، ولعلَّه من الأخطاء الشائعة في زمن المصنف، فقد تكرَّر في كتبه وكتب شيخه. انظر مثلًا =

ص: 44

سلطان المحبة، واستيلاء المحبوب على قلبه بحيث يغيب عن ملاحظة سواه

(1)

، وفي مثل هذه الحال يقول:"سبحاني" أو "ما في الجبة إلا اللَّه"

(2)

، ونحو هذا من الشطحات التي نهايتها أن تُغفرَ

(3)

له ويُعذر لسكره وعدم تمييزه في تلك الحال.

فالتعبد بهذا الاسم هو التعبد بخالص المحبة وصفو الوداد، وأن يكون الإله سبحانه أقرب إليه من كل شيء وأقرب إليه من نفسه، مع كونه ظاهرًا ليس فوقه شيء.

ومن كثُفَ ذهنُه وغلُظ طبعُه عن فهمِ هذا فليضرِبْ عنه صفحًا إلى ما هو أولى به

(4)

، فقد قيل:

إذا لم تستطع شيئًا فدعه

وجاوِزْه إلى ما تستطيع

(5)

فمن لم يكن له ذوقٌ مِن قرب المحبة، ومعرفةٌ بقرب المحبوب من محبّه غاية القرب، وإنْ كان بينهما غايةُ المسافة -ولاسيما إذا كانت المحبة من الطرفين، وهي محبة بريئة من العلل والشوائب والأعراض القادحة فيها- فإنَّ المحبَّ كثيرًا ما يستولي محبوبه على قلبه وذكره،

= هذا الكتاب ص (227، 228)، والداء والدواء (239)، وشفاء العليل (198)، وجامع المسائل (1/ 92، 171) و (2/ 202)، ومجموع الفتاوى (11/ 27).

(1)

"ط": "ما سواه". وانظر: الوابل الصيب (159).

(2)

تنسب هذه الكلمات إلى أبي يزيد البسطامي (261 هـ) انظر مجموع الفتاوى (8/ 313)، وسير أعلام النبلاء (13/ 88).

(3)

"ك، ط": "يغفر".

(4)

"به" ساقط من "ك"، وبعده فيها:"وقد قيل".

(5)

البيت لعمرو بن معد يكرب في مجموع شعره (145).

ص: 45

ويفنى عن غيره، ويرِقّ قلبه ولتجرَّد نفسه، فيشاهد محبوبه كالحاضر معه القريب إليه، وبينهما من البعد ما بينهما. وفي هذا

(1)

الحال يكون في قلبه وجودُه العلمي، وفي لسانه وجودُه اللفظي، فيستولي هذا الشهودُ عليه ويغيبُ به، فيظن أنَّ في عينه

(2)

وجودَه الخارجي، لِغلبة حكم القلب والروح، كما قيل:

خيالُك في عيني، وذكرُكَ في فمي

ومثواكَ في قلبي، فأين تغيب!

(3)

هذا، ويكون ذلك المحبوب بعينه بينه وبين عدوه من البعد ما بينهما

(4)

، وإن قربت الأبدانُ وتلاصقت الديارُ. والمقصودُ أنَّ المثال العلمي غير الحقيقة الخارجية وإن كان مطابقًا لها، لكنّ المثال العلمي محلُّه القلب، والحقيقة الخارجيَّة محلُّها الخارج.

فمعرفة هذه

(5)

الأسماء الأربعة -وهي: الأوَّل، والآخر، والظاهر والباطن- هي أركان العلم والمعرفة، فحقيق بالعبد أن يبلغ في معرفتها إلى حيث ينتهي به قواه وفهمه.

واعلم أنَّ لك أنت أوَّلًا وآخرًا وباطنًا وظاهرًا

(6)

، بل كل شي فله أوَّل

(1)

"ك، ط": "هذه".

(2)

"ف": "غيبة"، تصحيف.

(3)

أنشده المصنف في روضة المحبين (100)، والداء والدواء (285)، ومع بيت آخر في المفتاح (1/ 438)، وهو لأبي الحكم ابن غَلِندو الأشبيلي الطبيب الشاعر (581 أو 587 هـ). انظر: معجم الأدباء (1194).

(4)

"ك": "ما بينها من البعد". ط: "وما بينهما. . ".

(5)

"هذه" ساقط من "ط" ومستدرك في القطرية.

(6)

"ك، ط": "ظاهرًا وباطنًا".

ص: 46

وآخر وظاهر وباطن، حتَّى الخطرة واللحظة والنفس، وأدنى من ذلك وأكبر

(1)

. فأوَّلية اللَّه عز وجل سابقةٌ على أولية كلِّ ما سواه، وآخريته ثابتةٌ بعد آخريةِ كلِّ ما سواه. فأوليته سبقُه لكل شيء، وآخريته بقاؤه بعد كلِّ شيء. وظاهريتُه سبحانه فوقيته وعلوُّه على كل شيء، ومعنى الظهور يقتضي العلو، وظاهر الشيء هو ما علا منه وأحاط بباطنه. وبطونُه سبحانه إحاطته بكلِّ شيء، وبحيث يكون أقرب إليه من نفسه، وهذا قرب غير قرب المحب من حبيبه. هذا لون، وهذا لون.

فمدار هذه الأسماء الأربعة على الإحاطة، وهي إحاطتان: زمانية ومكانية، فأحاطت

(2)

أوليتُه وآخريتُه بالقبل والبعد، فكلُّ سابق انتهى إلى أوليته، وكلُّ آخر انتهى إلى آخريته؛ فأحاطت أوليته وآخريته بالأوائل والأواخر. وأحاطت ظاهريته وباطنيته بكلِّ ظاهر وباطن، فما من ظاهر إلا اللَّه فوقه، وما من باطن إلا واللَّه دونه، وما من أوَّل إلا واللَّه

(3)

قبله، وما من آخر إلا واللَّه بعده: فالأوَّل قِدَمه، والآخِر دوامه وبقاؤه، والظاهر علوه وعظمته، والباطن قربه ودنوه.

فسبق كلَّ شيء بأوليته، وبقي بعد كل شيء بآخريته، وعلا على كلِّ شيء بظهوره، ودنا من كلِّ شيء ببطونه. فلا تواري منه سماءٌ سماءً ولا أرضٌ أرضًا، ولا يحجب عنه ظاهرٌ باطنًا، بل الباطن له ظاهر، والغيب عنده شهادة، والبعيد منه قريب، والسرُّ عنده علانية.

فهذه الأسماء الأربعة تشتمل على أركان التوحيد، فهو الأوَّل في

(1)

"ن، ك، ط": "أكثر".

(2)

"ك، ط": "فإحاطة"، خطأ.

(3)

"ك": فاللَّه".

ص: 47

آخريته، والآخِر في أوليته، والظاهر في بطونه، والباطن في ظهوره، لم يزل أوَّلًا وآخرًا وظاهرًا وباطنًا.

والتعبد بهذه الأسماء له

(1)

رتبتان:

الرتبة الأولى: أن يَشهدَ

(2)

الأوليةَ منه تعالى في كل شيء، والآخريةَ بعد كل شيء، والعلوَّ والفوقية فوق كل شيء، والقربَ والدنوَّ دون كل شيء. فالمخلوق يحجبه مثلُه عمَّا هو دونه، فيصير الحاجب بينه وبين المحجوب؛ والربُّ جل جلاله ليس دونه شيء هو

(3)

أقرب إلى الخلق منه.

والمرتبة الثانية من التعبد: أن يعامل كلَّ اسم بمقتضاه، فيعامل سبقه تعالى بأوليته لكل شيء، وسَبْقَه بفضله وإحسانه الأسبابَ كلَّها، بما يقتضيه ذلك من إفراده، وعدم الالتفات إلى غيره، والوثوق بسواه والتوكل على غيره. فمن

(4)

الذي شفع لك في الأزل حيث لم تكن شيئًا مذكورًا حتَّى سمَّاك باسم الإسلام، ووسمك بسمة الإيمان، وجعلك من أهل قبضة اليمين، وأقطعك في ذلك الغيب عِمالاتِ

(5)

المؤمنين، فعصمك عن العبادة للعبيد، وأعتقك عن

(6)

التزام الرق لمن له شكل ونديد؟ ثمَّ وَجِّه وجهةَ قلبِك إليه تبارك وتعالى دون ما سواه.

(1)

"له" ساقط من "ط".

(2)

"ك، ط": "تشهد".

(3)

"هو" ساقط من "ك، ط".

(4)

"ك، ط": "من ذا".

(5)

أقطع فلانًا أرضًا: أعطاه إياها تمليكًا أو للانتفاع بها. والعمالة: أجرة العامل، والإمارة والولاية.

(6)

"ك، ط": "مِن".

ص: 48

فاضرع إلى الذي عصمك من السجود للصنم، وقضى لك بقدم الصدق في القِدَم، أن يُتِمَّ عليك نعمةَ هو ابتدأها، وكانت أوليتُها منه بلا سبب منك. واسْمُ بهمتك عن ملاحظة الأغيار

(1)

، ولا تركن

(2)

إلى الرسوم والآثار، ولا تقنع بالخسيس الدون. وعليك بالمطالب العالية والمراتب السامية التي لا تنال إلا بطاعة اللَّه، فانَ اللَّه عز وجل قضى أن لا ينالَ ما عنده إلا بطاعته. ومن كان للَّه كما يريد كان اللَّه له فوق ما يريد، فمن أقبل إليه تلقَّاه من بعيد، ومن تصرّف بحوله وقوَّته ألان له الحديد، ومن ترك لأجله أعطاه فوق المزيد، ومن أراد مراده الديني أراد ما يريد.

ثمَّ اسمُ بسرِّك إلى المطلب الأعلى، واقصُرْ حبَّك وتقربك على من سبق فضلُه وإحسانهُ إليك كل سبب منك، بل هو الذي جاد عليك بالأسباب، وهيأها لك

(3)

، وصرف عنك موانعها، وأوصلك بها إلى غايتك المحمودة. فتوكَّلْ عليه وحده، وعامِلْه وحده، وآثِرْ مرضاتَه

(4)

وحده، واجعل حُبَّه ومرضاته هو كعبة قلبك التي لا تزال طائفًا بها، مستلمًا لأركانها، واقفًا بملتزمها. فيا فوزك ويا سعادتك إن اطَّلع سبحانه على ذلك من قلبك، ماذا يفيض عليك من ملابس نعمه وخِلَع أفضاله! "اللَّهم لا مانعَ لما أعطيتَ ولا معطي لما منعتَ، ولا ينفع ذا الجَدِّ منك الجَدُّ"

(5)

، سبحانَك وبحمدِك.

(1)

"ط": "الاختيار". وكذا كان في "ك"، فأصلحه بعض القراء.

(2)

"ك، ط": "ولا تركنن".

(3)

"ط": "وهيأ لك".

(4)

"ك، ط": "رضاه".

(5)

من حديث سيأتي في ص (443).

ص: 49

ثمَّ تعبَّدْ له باسمه "الآخر" بأن تجعله وحده غايتك التي لا غاية لك سواه، ولا مطلوب لك وراءَه. فكما انتهت إليه الأواخر، وكان بعدَ كل آخِر، فكذلك اجعل نهايتك إليه، فإنَّ إلى ربِّك المنتهى، إليه انتهت الأسباب والغايات، فليس وراءه مرمى ينتهى إليه. وقد تقدم التنبيه على ذلك وعلى التعبد باسمه "الظاهر".

وأمَّا التعبد باسمه "الباطن" فإذا شهدتَ إحاطته بالعوالم، وقربَ البعيد

(1)

منه، وظهورَ البواطن له، وبدوَّ السرائر له

(2)

، وأنَّه لا شيء بينه وبينها، فعامِلْه بمقتضى هذا الشهود، وطهِّر له سريرتك، فإنَّها عنده علانية؛ وأصلحْ له غيبَك، فإنَّه عنده شهادة؛ وزكِّ له باطنك، فإنَّه عنده ظاهر.

فانظر كيف كانت هذه الأسماء الأربعةُ جمَاعَ المعرفة باللَّه، وجماع العبودية له. فهنا وقفَتْ شهادةُ العبدِ مع فضَل خالقه ومنته، فلَا يرى لغيره شيئًا إلا به وبحوله وقوَّته؛ وغاب بفضل مولاه الحق عن جميع ما منه هو ممَّا كان يستند إليه، أو يتحلَّى به، أو يتخذه عُقدة

(3)

، أو يراه ليوم فاقته، أو يعتمد عليه في مهمَّة من مهمَّاته. فكلُّ ذلك من قصورِ نظرِه وانعكاسِه عن الحقائق والأصول إلى الأسباب والفروع، كما هو شأن الطبيعة والهوى، وموجَب الظلم والجهل، والإنسان ظلومٌ جهول.

فمن جلَّى اللَّه سبحانه صدأَ بصيرته، وكمَّل فطرته، وأوقفه على مبادئ الأمور وغاياتها ومناطها ومصادرها ومواردها، أصبح

(1)

"ك، ط": "العبيد".

(2)

"له" ساقط من "ك، ط".

(3)

"ف": "عقده"، وكذا في "ط". وفي "ك":"عمده". ولعلَّ الصواب ما أثبتنا، والعقدة هي المال الذي يقتنيه المرء.

ص: 50

كالمفلس

(1)

حقًّا من علومه وأعماله وأحواله وأذواقه. يقول: أستغفر اللَّه من علمي ومن عملي، أي من انتسابي إليهما وغيبتي

(2)

بهما عن فضل من ذكَرني بهما، وابتدأني بإعطائهما، من غير تقدُّم سبب منِّي يُوجبُ ذلك. فهو لا يشهد غير فضل مولاه وسبقِ مِنّته ودوامها

(3)

، فيثيبه مولاه على هذه الشهادة العالية

(4)

بحقيقة الفقر الأوسط بين الفقرين الأدنى والأعلى ثوابَين:

أحدهما: الخلاصُ من رؤية الأعمال حيث كان يراها، ويمتدح بها، ويستكثرها؛ فيستغرق بمطالعة الفضل غائبًا عنها، ذاهبًا عنها، فانيًا عن رؤيتها.

الثواب الثاني: أن يقطعه عن شهود الأحوال -أي عن شهود نفسه فيها متكثرةً بها- فإنَّ الحالَ محلُّه الصدر، والصدر بيت القلب والنفس، فإذا نزل العطاءُ في الصدر للقلب

(5)

وَثَبَتْ

(6)

النفسُ لتأخذَ نصيبها من العطاء، فتتمدح به، وتُدِلُّ به، وتزهو، وتستطيل، وتقرِّر إنِّيَّتها، لأنَّها جاهلة ظالمة، وهذا مقتضى الجهل والظلم. فإذا وصلَ إلى القلبِ نورُ صفة المِنَّة، وشهد معنى اسمه "المنَّان"، وتجلَّى سبحانه على قلب عبده بهذا الاسم مع اسمه "الأوَّل" ذَهَلَ القلبُ والنفسُ به، وصار العبدُ فقيرًا

(1)

"ك، ط": "كمفلس".

(2)

الأصل غير منقوط، وقراءة "ف":"غنيتي"، والمثبت من غيرها.

(3)

"ك، ط": "دوامه".

(4)

"ف": "الغالبة لحقيقة"، تصحيف.

(5)

"ف": "انقلب"، تحريف.

(6)

"ط": "ثبتت"، تحريف.

ص: 51

إلى مولاه بمطالعة سبق فضله الأوَّل، فصارَ مقطوعًا عن شهود أمرٍ أو حالٍ ينسبه إلى نفسه، بحيث يكون بشهادته لحاله مفصومًا مقطوعًا عن رؤية عزةِ مولاه وفاطِرِه وملاحظة صفاته. فصاحب شهود الأحوال منقطع عن رؤية منَّة خالقِه وفضلِه، ومشاهدة سبق الأولية للأسباب كلها؛ وغائب بمشاهدة عزَّة نفسه عن عزَّة مولاه. فينعكس هذا الأمر في حقِّ هذا العبد الفقير، وتشغله رؤيةُ عزَّةِ مولاه ومنّته ومشاهدةُ سبقِه بالأولية عن حالٍ يعتزُ بها العبد أو يشرُف بها.

وكذلك الرجوعُ إلى السبق بمطالعة الفضل يمحِّصُ من أدناس مطالعات المقامات، فـ "المقام" ما كان راسخًا فيه، "والحال" ما كان عارضًا لا يدوم. فمطالعاتُ المقامات

(1)

، وتشرُّفُه

(2)

بها، وكونُه يرى نفسَه صاحبَ مقام قد حقَّقه وكمَّله، فاستحقَّ أن ينسب إليه، ويوصف به، مثل أن يقال: زاهدٌ صابرٌ خائفٌ راجٍ محبٌّ راضٍ = فكونُه يرى نفسَه مستحقًّا بأن تضاف المقاماتُ إليه وبأن يوصَف بها -على وجه الاستحقاق لها- خروجٌ عن الفقر إلى الغنى، وتعدٍّ لطور العبودية، وجَهلٌ بحقِّ الربوبية.

فالرجوع إلى السبق بمطالعة الفضل يستغرقُ همة العبد، ويمحّصُه، ويُطهّره

(3)

من مثل هذه الأدناس، فيصير مصفًّى بنور اللَّه عن رذائل هذه الأرجاس.

(1)

"ك، ط": "المقامة"، ثمَّ أصلحها بعضهم في "ك".

(2)

"ط": "تشوفه".

(3)

"ف": "تستغرق. . . تمحصه وتطهره" تصحيف.

ص: 52