الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَيَخْرُجُ مِنَ النَّهْيِ قَوْلُ الرَّجُلِ لِآخَرَ: أَنْتَ أَبِي وَأَنَا ابْنُكَ عَلَى قَصْدِ التَّعْظِيمِ وَالتَّقْرِيبِ وَذَلِكَ عِنْدَ انْتِفَاءِ اللَّبْسِ، كَقَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ يُرَقِّقُ سَيْفَ الدَّوْلَةِ:
إِنَّمَا أَنْتَ وَالِدٌ وَالْأَبُ الْقَا
…
طِعُ أَحَنَى مِنْ وَاصَلِ الْأَوْلَادِ
وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ كانَ غَفُوراً رَحِيماً [الْأَحْزَاب: 24] تَعْلِيلُ نَفْيِ الْجُنَاحِ عَنِ الْخَطَأِ بِأَنَّ نَفْيَ الْجُنَاحِ مِنْ آثَارِ اتِّصَافِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ بِخَلْقِهِ.
[6]
[سُورَة الْأَحْزَاب (33) : آيَة 6]
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَاّ أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً (6)
النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ.
اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَما جَعَلَ أَدْعِياءَكُمْ أَبْناءَكُمْ [الْأَحْزَاب: 4] وَقَوْلَهُ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الْأَحْزَاب: 5] كَانَ قَدْ شَمِلَ فِي أَوَّلِ مَا شَمله فِي أول مَا شَمِلَهُ إِبْطَالَ بُنُوَّةِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ لِلنَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم فَكَانَ بِحَيْثُ يُثِيرُ سُؤَالًا فِي نُفُوسِ النَّاسِ عَنْ مَدَى صِلَةِ الْمُؤْمِنِينَ بِنَبِيئِهِمْ صلى الله عليه وسلم وَهل هِيَ علاقَة الْأَجَانِبِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ سَوَاءٌ فَلِأَجَلِ تَعْلِيمِ الْمُؤْمِنِينَ حُقُوقَ النَّبِيءِ وَحُرْمَتَهُ جَاءَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مُبَيِّنَةٌ أَنَّ النَّبِيءَ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ أَنْفُسِ الْمُؤْمِنِينَ. وَمن تَفْضِيلِيَّةٌ.
ثُمَّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْأَنْفُسَ مُرَادٌ بِهَا جَمْعُ النَّفْسِ وَهِيَ اللَّطِيفَةُ الْإِنْسَانِيَّةُ كَقَوْلِهِ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي [الْمَائِدَة: 116] ، وَأَنَّ الْجَمْعَ لِلتَّوْزِيعِ عَلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ آيِلٍ إِلَى كُلِّ فَرْدٍ مِنَ الْأَنْفُسِ، أَيْ: أَنَّ النَّبِيءَ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِ، أَيْ: هُوَ أَشَدُّ وِلَايَةً، أَيْ: قُرْبًا لِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ قُرْبِ نَفْسِهِ إِلَيْهِ، وَهُوَ قُرْبٌ مَعْنَوِيٌّ يُرَادُ بِهِ آثَارُ الْقُرْبِ مِنْ مَحَبَّةٍ وَنُصْرَةٍ. فَ أَوْلى اسْمُ تَفْضِيلٍ مِنَ الْوَلْيِ وَهُوَ الْقُرْبُ، أَيْ: أَشَدُّ قُرْبًا. وَهَذَا الِاسْمُ يَتَضَمَّنُ مَعْنَى الْأَحَقِّيَّةِ بِالشَّيْءِ فَيَتَعَلَّقُ بِهِ متعلّقه بِبِنَاء الْمُصَاحَبَةِ وَالْمُلَابَسَةِ. وَالْكَلَامُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ: أَوْلَى بِمَنَافِعِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ بِمَصَالِحِ الْمُؤْمِنِينَ، فَهَذَا الْمُضَافُ حُذِفَ لِقَصْدِ تَعْمِيمِ كُلِّ شَأْن من شؤون الْمُؤْمِنِينَ الصَّالِحَةِ.
وَالْأَنْفُسُ: الذَّوَاتُ، أَيْ: هُوَ أَحَقُّ بِالتَّصَرُّفِ فِي شؤونهم مِنْ أَنْفُسِهِمْ فِي تصرفهم فِي شؤونهم. وَمِنْ هَذَا الْمَعْنَى مَا
فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ مِنْ قَوْلِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لِلنَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم: «لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِلَّا مِنْ نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ» فَقَالَ لَهُ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم: «لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إِلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ. فَقَالَ عُمَرُ: وَالَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنْ نَفْسِي»
. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَنْفُسِ مَجْمُوعَ نَوْعِهِمْ كَقَوْلِهِ: إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْ أَنْفُسِهِمْ [آل عمرَان: 164]، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَنْفُسِ النَّاسَ. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ وِلَايَةِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ، أَيْ: مِنْ وِلَايَةِ جَمِيعِهِمْ لِبَعْضِهِمْ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى:
ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ [الْبَقَرَة: 85]، أَيْ: يَقْتُلُ بَعْضُكُمْ بَعْضًا، وَقَوْلِهِ: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً [النِّسَاء: 29] .
وَالْوَجْهُ الْأَوَّلُ أَقْوَى وَأَعَمُّ فِي اعْتِبَارِ حُرْمَةِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم وَهُوَ يُفِيدُ أَوْلَوِيَّتَهُ بِمَنْ عَدَا الْأَنْفُسَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ بِدَلَالَةِ فَحْوَى الْخِطَابِ. وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَا يُفِيدُ أَنَّهُ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ بِنَفْسِ ذَلِكَ الْمُؤْمِنِ إِلَّا بِدَلَالَةِ قِيَاسِ الْأَدْوَنِ، وَلِذَلِكَ اسْتَثْنَى عُمَرُ بن الْخطاب بادىء الْأَمْرِ نَفْسَهُ فَقَالَ: لَأَنْتَ أَحَبُّ إِلَيَّ إِلَّا مِنْ نَفْسِي الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيَّ. وَعَلَى كِلَا الْوَجْهَيْنِ فَالنَّبِيءُ عليه الصلاة والسلام أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ، وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ أَوْلَى بِكُلِّ مُؤْمِنٍ مِنْ نَفْسِهِ. وَسَنُنَبِّهُ عَلَيْهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ فَكَانَتْ وِلَايَةُ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم بِالْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ إِبْطَالِ التَّبَنِّي سَوَاءً عَلَى جَمِيعِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَفِي الْحَدِيثِ: «مَا مِنْ مُؤْمِنٍ إِلَّا وَأَنَا أَوْلَى النَّاسِ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة اقرأوا إِنْ شِئْتُمْ النَّبِيءُ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ»
، وَلَمَّا عَلِمْتَ مِنْ أَنَّ هَذِهِ الْوِلَايَةَ رَاجِعَةٌ إِلَى حُرْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ تَعْلَمُ أَنَّهَا لَا تَتَعَدَّى ذَلِكَ فِيمَا هُوَ مِنْ تَصَرُّفَاتِ النَّاسِ وَحُقُوقِ بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ، مِثْلَ مِيرَاثِ الْمَيِّتِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنَّ مِيرَاثَهُ لِوَرَثَتِهِ، وَقَدْ
بَيَّنَهُ قَوْلُ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم: «أَنَا أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ فَأَيَّمَا مُؤْمِنٍ تَرَكَ مَالًا فَلْيَرِثْهُ وَرَثَتُهُ مَنْ كَانُوا، فَإِنْ تَرَكَ دَيْنًا أَوْ ضِيَاعًا فَلْيَأْتِنِي فَأَنَا مَوْلَاهُ» . وَهَذَا مَلَاكُ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ.
وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ.
عَطَفَ عَلَى حُقُوقِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم حُقُوقَ أَزْوَاجِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ لِمُنَاسَبَةِ جَرَيَانِ ذِكْرِ حَقِّ النَّبِيءِ عليه الصلاة والسلام فَجَعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ مَا لِلْأُمَّهَاتِ مِنْ تَحْرِيمِ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ بِقَرِينَةِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَما جَعَلَ أَزْواجَكُمُ اللاء تُظاهِرُونَ مِنْهُنَّ أُمَّهاتِكُمْ [الْأَحْزَاب: 4] .
وَأَمَّا مَا عَدَا حُكْمَ التَّزَوُّجِ مِنْ وُجُوهِ الْبِرِّ بِهِنَّ وَمُوَاسَاتِهِنَّ فَذَلِكَ رَاجِعٌ إِلَى تَعْظِيمِ أَسْبَابِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم وَحُرُمَاتِهِ وَلَمْ يَزَلْ أَصْحَابُ النَّبِيءِ وَالْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ يَتَوَخَّوْنَ حَسَنَ مُعَامَلَةِ أَزْوَاجِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم وَيُؤْثِرُونَهُنَّ بِالْخَيْرِ وَالْكَرَامَةِ وَالتَّعْظِيمِ. وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ عِنْدَ حَمْلِ جِنَازَةِ مَيْمُونَةَ: «هَذِه زوج نبيئكم فَإِذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلَا تُزَعْزِعُوا وَلَا تُزَلْزِلُوا وَارْفُقُوا» رَوَاهُ مُسْلِمٌ. وَكَذَلِكَ مَا عَدَا حُكْمَ الزَّوَاجِ مِنْ وُجُوهِ الْمُعَامَلَةِ غَيْرَ مَا يَرْجِعُ إِلَى التَّعْظِيمِ. وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ جِيءَ بِالتَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي شَبَهِهِنَّ بِالْأُمَّهَاتِ لِلْمُؤْمِنِينَ مِثْلَ الْإِرْثِ وَتَزَوُّجِ بَنَاتِهِنَّ، فَلَا يُحْسَبُ أَنَّ تَرِكَاتِهِنَّ يَرِثُهَا جَمِيعُ الْمُسْلِمِينَ، وَلَا أَنَّ بَنَاتِهِنَّ أَخَوَاتٌ لِلْمُسْلِمِينَ فِي حُرْمَةِ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ.
وَأَمَّا إِطْلَاقُ وَصْفِ خَالِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْخَلِيفَةِ مُعَاوِيَةَ لِأَنَّهُ أَخُو أُمِّ حَبِيبَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَذَلِكَ مِنْ قَبِيلِ التَّعْظِيمِ كَمَا يُقَالُ: بَنُو فُلَانٍ أَخْوَالُ فُلَانٍ، إِذَا كَانُوا قَبِيلَةَ أُمِّهِ.
وَالْمرَاد بأزواجه اللَّاتِي تَزَوَّجَهُنَّ بِنِكَاحٍ فَلَا يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مِلْكُ الْيَمِينِ، وَقَدْ قَالَ الصَّحَابَةُ يَوْمَ قُرَيْظَةَ حِينَ تَزَوَّجَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيٍّ: أَهِيَ إِحْدَى مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ أَمْ هِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقَالُوا: نَنْظُرُ، فَإِذَا حَجَبَهَا فَهِيَ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَإِذَا لَمْ يحجبها فَهِيَ مَا مَلَكَتْ يَمِينُهُ، فَلَمَّا بَنَى بِهَا ضَرَبَ عَلَيْهَا
الْحِجَابَ، فَعَلِمُوا أَنَّهَا إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ، وَلِذَلِكَ لَمْ تَكُنْ مَارِيَةُ الْقِبْطِيَّةُ إِحْدَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ.
وَيُشْتَرَطُ فِي اعْتِبَارِ هَذِهِ الْأُمُومَةِ أَنْ يَكُونَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم بَنَى بِالْمَرْأَةِ، فَأَمَّا الَّتِي طَلَّقَهَا قَبْلَ الْبِنَاءِ مِثْلَ الْجَوْنِيَّةِ وَهِيَ أَسْمَاءُ بِنْتُ النُّعْمَان الكندية فَلَا تعْتَبر من أُمَّهَات الْمُؤمنِينَ.
وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ امْرَأَةً كَانَ عَقَدَ عَلَيْهَا النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم تَزَوَّجَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فَهَمَّ عُمَرُ بِرَجْمِهَا. فَقَالَتْ: لِمَ وَمَا ضَرَبَ عَلَيَّ النَّبِيءُ حِجَابًا وَلَا دُعِيتُ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَكَفَّ عَنْهَا.
وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ ابْنَةُ الْجَوْنِ الْكِنْدِيَّةُ تَزَوَّجَهَا الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ. وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ وَهُوَ مُقْتَضَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَصَحَّحَهُ إِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالرَّافِعِيُّ مِنَ الشَّافِعِيَّةِ. وَعَنْ مُقَاتِلٍ: يَحْرُمُ تَزَوُّجُ كُلِّ امْرَأَةٍ عَقَدَ عَلَيْهَا النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم وَلَوْ لَمْ يَبْنِ بِهَا. وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَصَحَّحَهُ فِي «الرَّوْضَةِ» ، واللَاّءِ طَلَّقَهُنَّ الرَّسُولُ عليه الصلاة والسلام بَعْدَ الْبِنَاءِ بِهِنَّ فَاخْتُلِفَ فِيهِنَّ عَلَى قَوْلَيْنِ، قِيلَ: تَثْبُتُ حُرْمَةُ التَّزَوُّجِ بِهِنَّ حِفْظًا لِحُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَقِيلَ: لَا يَثْبُتُ لَهُنَّ ذَلِكَ، وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ. وَقَدْ أُكِّدَ حُكْمُ أُمُومَةِ أَزْوَاجِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم لِلْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتاعاً فَسْئَلُوهُنَّ مِنْ وَراءِ حِجابٍ [الْأَحْزَاب: 53]، وَبِتَحْرِيمِ تَزَوُّجِ إِحْدَاهُنَّ عَلَى الْمُؤمنِينَ بقوله [تَعَالَى] : وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْواجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَداً إِنَّ ذلِكُمْ كانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيماً [الْأَحْزَاب: 53] . وَسَيَجِيءُ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ ذِكْرِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ فِي أَوَاخِرِ هَذِهِ السُّورَةِ.
وَرُوِيَ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَرَأَ بَعْدَهَا: وَهُوَ أَبٌ لَهُمْ. وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ أَبِيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. وَرُوِيَ عَنْ عِكْرِمَةَ: كَانَ فِي الْحَرْفِ الأول «وَهُوَ أبوهم» .
وَمَحْمَلُهَا أَنَّهَا تَفْسِيرٌ وَإِيضَاحٌ وَإِلَّا فَقَدْ أَفَادَ قَوْلُهُ تَعَالَى: النَّبِيءُ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ أَكْثَرَ مِنْ مفَاد هَذِه الْقُرَّاء.
وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً.
أَعْقَبَ نَسْخَ أَحْكَامِ التَّبَنِّي الَّتِي مِنْهَا مِيرَاثُ الْمُتَبَنِّي مَنْ تَبَنَّاهُ وَالْعَكْسُ بِإِبْطَالِ
نَظِيرِهِ وَهُوَ الْمُوَاخَاةُ الَّتِي كَانَتْ بَيْنَ رِجَالٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ رِجَالٍ مِنَ الْأَنْصَارِ وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيءَ صلى الله عليه وسلم لَمَّا نَزَلَ بِالْمَدِينَةِ مَعَ مَنْ هَاجَرَ مَعَهُ، جَعَلَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ رَجُلًا أَخًا لَهُ مِنَ الْأَنْصَارِ فَآخَى بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَبَيْنَ خَارِجَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَبَيْنَ الزُّبَيْرِ وَكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ، وَبَين عبد الرحمان بْنِ عَوْفٍ وَسَعْدِ بْنِ الرَّبِيعِ، وَبَيْنَ سَلْمَانَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ، وَبَيْنَ عُثْمَانَ بْنِ مَظْعُونٍ وَأَبِي قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيِّ فَتَوَارَثَ الْمُتَآخُونَ مِنْهُمْ بِتِلْكَ الْمُؤَاخَاةِ زَمَانًا كَمَا يَرِثُ الْإِخْوَةُ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِهَذِهِ الْآيَةِ، كَمَا نُسِخَ التَّوَارُثُ بِالتَّبَنِّي بِآيَةِ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الْأَحْزَاب: 5] ، فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ الْقَرَابَةَ هِيَ سَبَبُ الْإِرْثِ إِلَّا الِانْتِسَابَ الْجَعْلِيَّ.
فَالْمُرَادُ بِأُولِي الْأَرْحَامِ: الْإِخْوَةُ الْحَقِيقِيُّونَ. وَعَبَّرَ عَنْهُمْ بِأُولِي الْأَرْحَامِ لِأَنَّ الشَّقِيقَ مُقَدَّمٌ عَلَى الْأَخِ لِلْأَبِ فِي الْمِيرَاثِ وَهُمُ الْغَالِبُ، فَبَيَّنَتِ الْآيَةُ أَنَّ أُولِي الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي الْمِيرَاثِ مِنْ وِلَايَةِ الْمُتَآخِينَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فَعَمَّ هَذَا جَمِيعَ أُولِي الْأَرْحَامِ وَخَصَّصَ بِقَوْلِهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ فِي الْآيَتَيْنِ فِي مَعْنَى مِنْ. وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِّ الْوَارِدِ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ وَهُوَ مُطْلَقٌ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ وَالْمُطْلَقُ مِنْ قَبِيلِ الْمُجْمَلِ، وَإِذْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ بَيَانٌ فَمَحْمَلُ إِطْلَاقِهِ مَحْمَلُ الْعُمُومِ، لِأَنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ حَالٌ مِنْ أَحْوَالِ أُولِي الْأَرْحَامِ وَعُمُومِ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَحْوَالِ، فَالْمَعْنَى: أَنَّ أُولِي الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي جَمِيعِ الْوِلَايَاتِ إِلَّا مَا خَصَّصَهُ أَوْ قَيَّدَهُ الدَّلِيلُ.
وَالْآيَةُ مُبَيَّنَةٌ فِي أَنَّ الْقَرَابَةَ الْحَقِيقِيَّةَ أَرْجَحُ مِنَ الْأُخُوَّةِ الْجَعْلِيَّةِ، وَهِيَ مُجْمَلَةٌ فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ أُولِي الْأَرْحَامِ، وَذَلِكَ مُفَصَّلٌ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ فِي أَحْكَامِ الْمَوَارِيثِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى لَفْظِ أُولُوا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبابِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [197] .
وَمَعْنَى فِي كِتابِ اللَّهِ فِيمَا كَتَبَهُ، أَيْ: فَرَضَهُ وَحَكَمَ بِهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقُرْآنُ إِشَارَةً إِلَى مَا تَضَمَّنَتْهُ آيَةُ الْمَوَارِيثِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي آخِرِ سُورَةِ الْأَنْفَالِ. وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ فِي تَوْرِيثِ ذَوِي الْأَرْحَامِ إِنْ لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَارِثٌ مَعْلُومٌ سَهْمُهُ.
وأُولُو الْأَرْحامِ مُبْتَدَأٌ، وبَعْضُهُمْ مُبْتَدَأٌ ثَانٍ وأَوْلى خَبَرُ الثَّانِي وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ الْأَوَّلِ، وفِي كِتابِ اللَّهِ مُتَعَلِّقٌ بِ أَوْلى.
وَقَوْلُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِاسْمِ التَّفْضِيلِ وَهُوَ أَوْلى فَتَكُونَ مِنْ تَفْضِيلِيَّةً. وَالْمَعْنَى: أُولُوا الْأَرْحَامِ أَوْلَى بِإِرْثِ ذَوِي أَرْحَامِهِمْ مِنْ إِرْثِ
أَصْحَابِ وِلَايَةِ الْإِيمَانِ وَالْهِجْرَةِ بِتِلْكَ الْوِلَايَةِ، أَيِ: الْوِلَايَةِ الَّتِي بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ.
وَأُرِيدَ بِالْمُؤْمِنِينَ خُصُوصُ الْأَنْصَارِ بِقَرِينَةِ مُقَابَلَتِهِ بِعَطْفِ وَالْمُهاجِرِينَ عَلَى مَعْنَى أَصْحَابِ الْإِيمَانِ الْكَامِلِ تَنْوِيهًا بِإِيمَانِ الْأَنْصَارِ لِأَنَّهُمْ سَبَقُوا بِإِيمَانِهِمْ قَبْلَ كَثِيرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَهُمْ فَإِنَّ الْأَنْصَارَ آمَنُوا دُفْعَةً وَاحِدَةً لَمَّا أَبْلَغَهُمْ نُقَبَاؤُهُمْ دَعْوَةَ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم إِيَّاهُمْ بَعْدَ بَيْعَةِ الْعَقَبَةِ الثَّانِيَةِ. قَالَ تَعَالَى: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ [الْحَشْر: 9] أَيْ:
مِنْ قَبْلِ كَثِيرٍ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ عَدَا الَّذِينَ سَبَقَ إِيمَانُهُمْ. فَالْمَعْنَى: كُلُّ ذِي رَحِمٍ أَوْلَى بِإِرْثِ قَرِيبِهِ مِنْ أَنْ يَرِثَهُ أَنْصَارِيٌّ إِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مُهَاجِرًا، أَوْ أَنْ يَرِثَهُ مُهَاجِرٌ إِنْ كَانَ الْمَيِّتُ مِنَ الْأَنْصَارِ، فَيَكُونُ هَذَا نَاسِخًا لِلتَّوَارُثِ بِالْهِجْرَةِ الَّذِي شُرِعَ بِآيَةِ الْأَنْفَالِ [72] : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا، فَتَوَارَثَ الْمُسْلِمُونَ بِالْهِجْرَةِ فَكَانَ الْأَعْرَابِيُّ الْمُسْلِمُ لَا يَرِثُ قَرِيبَهُ الْمُهَاجِرَ، ثُمَّ نُسِخَ بِآيَةِ هَذِهِ السُّورَةِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ظَرْفًا مُسْتَقِرًّا فِي مَوْضِعِ الصِّفَةِ، أَيْ: وَأُولُوا الْأَرْحَامِ الْكَائِنُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ، بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ، أَيْ: لَا يَرِثُ ذُو الرَّحِمِ ذَا رَحِمَهُ إِلَّا إِذَا كَانَا مُؤْمِنَيْنِ وَمُهَاجِرَيْنِ، فَتَكُونَ الْآيَةُ نَاسِخَةً لِلتَّوَارُثِ بِالْحِلْفِ وَالْمُؤَاخَاةِ الَّذِي شُرِعَ عِنْدَ قُدُومِ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ رَجَعُوا إِلَى مَوَارِيثِهِمْ فَبَيَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ أَنَّ الْقَرَابَةَ أَوْلَى مِنَ الْحِلْفِ وَالْمُوَاخَاةِ، وَأَيًّا مَا كَانَ فَإِنَّ آيَاتِ الْمَوَارِيثِ نَسَخَتْ هَذَا كُلَّهُ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ مِنْ بَيَانِيَّةً، أَيْ: وَأُولُوا الْأَرْحَامِ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُهَاجِرُونَ، أَيْ:
فَلَا يَرِثْ أُولُوا الْأَرْحَامِ الْكَافِرُونَ وَلَا يَرِثْ مَنْ لَمْ يُهَاجِرْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ [الْأَنْفَال: 73] ثُمَّ قَالَ: وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا [الْأَنْفَال: 72] .
وَالِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً مُنْقَطِعٌ، وإِلَّا بِمَعْنَى (لَكِنْ) لِأَنَّ مَا بَعْدَ إِلَّا لَيْسَ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهَا فَإِنَّ الْأَوْلَوِيَّةَ الَّتِي أُثْبِتَتْ لِأُولِي الْأَرْحَامِ أَوْلَوِيَّةٌ خَاصَّةٌ وَهِيَ أَوْلَوِيَّةُ الْمِيرَاثِ بِدَلَالَةِ السِّيَاقِ دُونَ أَوْلَوِيَّةِ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَبَذْلِ الْمَعْرُوفِ. وَهَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا قَدْ يُتَوَهَّمُ مِنْ قَطْعِ الِانْتِفَاعِ بِأَمْوَالِ الْأَوْلِيَاءِ عَنْ أَصْحَابِ الْوِلَايَةِ بِالْإِخَاءِ وَالْحِلْفِ فَبَيَّنَ أَنِ الَّذِي أُبْطِلَ وَنُسِخَ هُوَ انْتِفَاعُ الْإِرْثِ وَبَقِيَ حُكْمُ الْمُوَاسَاةِ وَإِسْدَاءُ الْمَعْرُوفِ بِمِثْلِ الْإِنْفَاقِ وَالْإِهْدَاءِ وَالْإِيصَاءِ.
وَجُمْلَةُ كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً تَذْيِيلٌ لِهَذِهِ الْأَحْكَامِ وَخَاتِمَةٌ لَهَا مُؤْذِنَةٌ بِانْتِهَاءِ الْغَرَضِ مِنَ الْأَحْكَامِ الَّتِي شُرِعَتْ مِنْ قَوْلِهِ ادْعُوهُمْ لِآبائِهِمْ [الْأَحْزَاب: 5] إِلَى هُنَا،
فَالْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ ذلِكَ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنَ الْأَحْكَامِ الْمَشْرُوعَةِ فَكَانَ هَذَا التَّذْيِيلُ أَعَمَّ مِمَّا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ. وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَمْ يَكُنْ تَكْرِيرًا لَهُ وَلَكِنَّهُ يَتَضَمَّنُهُ وَيَتَضَمَّنُ غَيْرَهُ فَيُفِيدُ تَقْرِيرَهُ وَتَوْكِيدَهُ تَبَعًا وَهَذَا شَأْنُ التَّذْيِيلَاتِ.
وَالتَّعْرِيفُ فِي الْكِتابِ لِلْعَهْدِ، أَيْ: كِتَابِ اللَّهِ، أَيْ: مَا كَتَبَهُ عَلَى النَّاسِ وَفَرَضَهُ كَقَوْلِهِ كِتابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ [النِّسَاء: 24] ، فَاسْتُعِيرَ الْكِتَابُ لِلتَّشْرِيعِ بِجَامِعِ ثُبُوتِهِ وَضَبْطِهِ التَّغْيِيرَ وَالتَّنَاسِيَ، كَمَا قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
حَذَرَ الْجَوْرِ وَالتَّطَاخِي وَهَلْ يَنْ
…
قُضُ مَا فِي الْمَهَارِقِ الْأَهْوَاءُ
وَمَعْنَى هَذَا مِثْلَ قَوْله تَعَالَى: وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [75] . فَالْكِتَابُ: اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ وَحَرْفُ الظَّرْفِيَّةِ تَرْسِيخٌ لِلِاسْتِعَارَةِ.
وَالْمَسْطُورُ: الْمَكْتُوبُ فِي سُطُورٍ، وَهُوَ تَرْشِيحٌ أَيْضًا لِلِاسْتِعَارَةِ وَفِيهِ تَخْيِيلٌ لِلْمَكْنِيَّةِ.
وَفِعْلُ كانَ فِي قَوْلِهِ كانَ ذلِكَ لِتَقْوِيَةِ ثُبُوتِهِ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا، لِأَنَّ كانَ إِذَا لَمْ يُقْصَدُ بِهَا أَنَّ اسْمَهَا اتَّصَفَ بِخَبَرِهَا فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي كَانَتْ لِلتَّأْكِيدِ غَالِبًا مِثْلَ وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً [الْأَحْزَاب: 4] أَيْ: لَمْ يزل كَذَلِك.