الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
تَقُولُ: لَوْ كُنْتَ حُرًّا لَاسْتَقْبَحْتَ مَا يَفْعَلُهُ الْعَبِيدُ إِذَنْ لَاسْتَحْسَنْتَ مَا يَفْعَلُهُ الْأَحْرَارُ اه. يَعْنِي يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ جُمْلَةُ: إِذَنْ لَقَامَ، بَدَلًا مِنْ جُمْلَةِ: لَمْ تَسْتَبِحْ. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى نَظِيرِهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَما كانَ مَعَهُ مِنْ إِلهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلهٍ بِما خَلَقَ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ [91] . وَالِارْتِيَابُ: حُصُولُ الرَّيْبِ فِي النَّفْسِ وَهُوَ الشَّكُّ.
وَوَجْهُ التَّلَازُمِ بَيْنَ التِّلَاوَةِ وَالْكِتَابَةِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ عَلَى نُزُولِ الْقُرْآنِ، وَبَيْنَ حُصُولِ الشَّكِّ فِي نُفُوسِ الْمُشْرِكِينَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَلِكَ وَاقِعًا لَاحْتَمَلَ عِنْدَهُمْ أَنْ يَكُونَ الْقُرْآنُ مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ يَتْلُوهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ كُتُبٍ سَالِفَةٍ وَأَنْ يَكُونَ مِمَّا خَطَّهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ كَلَامٍ تَلَقَّاهُ فَقَامَ الْيَوْمَ بِنَشْرِهِ وَيَدْعُو بِهِ. وَإِنَّمَا جَعَلَ ذَلِكَ مُوجِبَ رَيْبٍ دُونَ أَنْ يَكُونَ مُوجِبَ جَزْمٍ بِالتَّكْذِيبِ لِأَنَّ نَظْمَ الْقُرْآنِ وَبَلَاغَتَهُ وَمَا احْتَوَى عَلَيْهِ مِنَ الْمَعَانِي يُبْطِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ نَوْعِ مَا سَبَقَ مِنَ الْكُتُبِ وَالْقَصَصِ وَالْخُطَبِ وَالشِّعْرِ، وَلَكِنَّ ذَلِكَ لَمَّا كَانَ مُسْتَدْعِيًا تَأَمُّلًا لَمْ يَمْنَعْ مِنْ خُطُورِ خَاطِرِ الِارْتِيَابِ عَلَى الْإِجْمَالِ قَبْلَ إِتْمَامِ النَّظَرِ وَالتَّأَمُّلِ بِحَيْثُ يَكُونُ دَوَامُ الِارْتِيَابِ بُهْتَانًا وَمُكَابَرَةً.
وَتَقْيِيدُ تَخُطُّهُ بِقَيْدِ بِيَمِينِكَ لِلتَّأْكِيدِ لِأَنَّ الْخَطَّ لَا يَكُونُ إِلَّا بِالْيَمِينِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ:
وَلا طائِرٍ يَطِيرُ بِجَناحَيْهِ [الْأَنْعَام: 38] .
وَوَصْفُ الْمُكَذِّبِينَ بِالْمُبْطِلِينَ مَنْظُورٌ فِيهِ لِحَالِهِمْ فِي الْوَاقِعِ لِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا مَعَ انْتِفَاءِ شُبْهَةِ الْكَذِبِ فَكَانَ تَكْذِيبُهُمُ الْآنَ بَاطِلًا، فَهُمْ مُبْطِلُونَ مُتَوَغِّلُونَ فِي الْبَاطِلِ، فَالْقَوْلُ فِي وَصْفِهِمْ بِالْمُبْطِلِينَ كَالْقَوْلِ فِي وَصفهم بالكافرين.
[49]
[سُورَة العنكبوت (29) : آيَة 49]
بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَاّ الظَّالِمُونَ (49)
بَلْ إِبْطَالٌ لِمَا اقْتَضَاهُ الْفَرْضُ من قَوْله: إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ [العنكبوت: 48] ، أَيْ بَلِ الْقُرْآنُ لَا رَيْبَ يَتَطَرَّقُهُ فِي أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، فَهُوَ كُلُّهُ آيَاتٌ دَالَّةٌ عَلَى صدق
الرَّسُول صلى الله عليه وسلم وَأَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنَ الْإِعْجَازِ فِي لَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ وَلِمَا أَيَّدَ ذَلِكَ الْإِعْجَازَ مِنْ كَوْنِ الْآتِي بِهِ أُمِّيًّا لَمْ يَكُنْ يَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ كِتَابًا وَلَا يَخُطُّ، أَيْ بَلِ الْقُرْآنُ آيَاتٌ لَيْسَتْ مِمَّا كَانَ يُتْلَى قَبْلَ نُزُولِهِ بَلْ هُوَ آيَاتٌ فِي صَدْرِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم.
فَالْمُرَادُ مِنْ: صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ صدر للنبيء صلى الله عليه وسلم عُبِّرَ عَنْهُ بِالْجَمْعِ تَعْظِيمًا لَهُ.
والْعِلْمَ الَّذِي أُوتِيَهُ النبيء صلى الله عليه وسلم هُوَ النبوءة كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا داوُدَ وَسُلَيْمانَ عِلْماً [النَّمْل: 15] . وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنَّ كَوْنَهُ فِي صَدْرِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم هُوَ شَأْنُ كُلِّ مَا يُنَزَّلُ مِنَ الْقُرْآنِ حِينَ نُزُولِهِ، فَإِذَا أُنْزِلَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخُطَّهُ الْكَاتِبُونَ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم اتَّخَذَ كِتَابًا لِلْوَحْيِ فَكَانُوا رُبَّمَا كَتَبُوا الْآيَةَ فِي حِينِ نُزُولِهَا كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ [النِّسَاء: 95] وَكَذَلِكَ يَكُونُ بَعْدَ نُزُولِهِ مَتْلُوًّا، فَالْمَنْفِيُّ هُوَ أَنْ يَكُونَ مَتْلُوًّا قَبْلَ نُزُولِهِ. هَذَا الَّذِي يَقْتَضِيهِ سِيَاقُ الْإِضْرَابِ عَنْ أَنْ يَكُونَ النَّبِيءُ صلى الله عليه وسلم يَتْلُو كِتَابًا قَبْلَ هَذَا الْقُرْآنِ بِحَيْثُ يُظَنُّ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْقُرْآنِ مِمَّا كَانَ يَتْلُوهُ مِنْ قَبْلُ فَلَمَّا انْتَفَى ذَلِكَ نَاسَبَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْ حَالِ تَلَقِّي الْقُرْآنِ، فَذَلِكَ هُوَ مَوْقِعُ قَوْلِهِ: فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ كَمَا قَالَ: نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ عَلى قَلْبِكَ [الشُّعَرَاء: 193، 194] وَقَالَ: كَذلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤادَكَ [الْفرْقَان: 32] .
وَأَمَّا الْإِخْبَارُ بِأَنَّهُ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فَذَلِكَ تَمْهِيدٌ لِلْغَرَضِ وَإِكْمَالٌ لِمُقْتَضَاهُ، وَلِهَذَا فَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ فِي قَوْلِهِ: فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ خَبَرًا ثَانِيًا عَنِ
الضَّمِيرِ. وَيَلْتَئِمُ التَّقْدِيرُ هَكَذَا: وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ بَلْ هُوَ أُلْقِيَ فِي صَدْرِكَ وَهُوَ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِ صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ صُدُورَ أَصْحَابِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم وَحُفَّاظِ الْمُسْلِمِينَ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: فِي صُدُورِ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ تَتْمِيمًا لِلثَّنَاءِ عَلَى الْقُرْآنِ وَأَنَّ الْغَرَضَ هُوَ الْإِخْبَارُ عَنِ الْقُرْآنِ بِأَنَّهُ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ فَيَكُونُ الْمَجْرُورُ صِفَةً لِ آياتٌ وَالْإِبْطَالُ مُقْتَصِرٌ عَلَى قَوْلِهِ: بَلْ هُوَ آياتٌ بَيِّناتٌ.