الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَعُبِّرَ عَنْهُمْ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ دُونَ الضَّمِيرِ الَّذِي هُوَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ لِتَمْيِيزِهِمْ أَكْمَلَ تَمْيِيزٍ، فَيُكَنَّى بِذَلِكَ عَنْ تَمْيِيزِ الْمَكْرِ الْمُضَافِ إِلَيْهِمْ وَوُضُوحِهِ فِي عِلْمِ اللَّهِ وَعِلْمِ رَسُولِهِ صلى الله عليه وسلم بِمَا أَعْلَمَهُ اللَّهُ بِهِ مِنْهُ، فَكَأَنَّمَا أُشِيرَ إِلَيْهِمْ وَإِلَى مَكْرِهِمْ بِاسْمِ إِشَارَةٍ وَاحِدٍ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَازِ.
وَالضَّمِيرُ الْمُتَوَسِّطُ بَيْنَ مَكْرُ أُولئِكَ وَبَيْنَ يَبُورُ ضَمِيرُ فَصْلٍ إِذْ لَا يُحْتَمَلُ غَيْرُهُ.
وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ هُوَ يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ [التَّوْبَة: 104] .
وَالرَّاجِحُ مِنْ أَقْوَالِ النُّحَاةِ قَوْلُ الْمَازِنِيِّ: أَنَّ ضَمِيرَ الْفَصْلِ يَلِيهِ الْفِعْلُ الْمُضَارِعُ، وَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ: وَمَكْرُ أُولئِكَ هُوَ يَبُورُ دُونَ غَيْرِ الْمُضَارِعِ، وَوَافَقَهُ عَبْدُ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيُّ فِي «شَرْحِ الْإِيضَاحِ» لِأَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ، وَخَالَفَهُمَا أَبُو حَيَّانَ وَقَالَ: لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ إِلَى ذَلِكَ فِيمَا عَلِمْنَا. وَأَقُولُ: إِنَّ وَجْهَ وُقُوعِ الْفِعْلِ الْمُضَارِعِ بَعْدَ ضَمِيرِ الْفَصْلِ أَنَّ الْمُضَارِعَ يَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ فَإِذَا اقْتَضَى الْمَقَامُ إِرَادَةَ إِفَادَةِ التَّجَدُّدِ فِي حُصُولِ الْفِعْلِ مِنْ إِرَادَةِ الثَّبَاتِ وَالدَّوَامِ فِي حُصُولِ النِّسْبَةِ الْحِكْمِيَّةِ لَمْ يَكُنْ إِلَى الْبَلِيغِ سَبِيلٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْقَصْدَيْنِ إِلَّا أَنْ يَأْتِيَ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ لِيُفِيدَ الثَّبَاتَ وَالتَّقْوِيَةَ لِتَعَذُّرِ إِفَادَةِ ذَلِك بِالْجُمْلَةِ الإسلامية. وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ: وَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الْبَقَرَة: 5] ، فَالْفَصْلُ هُنَا يُفِيدُ الْقَصْرَ، أَيْ مَكْرُهُمْ يَبُورُ دُونَ غَيْرِهِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ غَيْرَهُ هُنَا تَعْرِيضٌ بِأَنَّ اللَّهَ يَمْكُرُ بِهِمْ مَكْرًا يُصِيبُ الْمَحَزَّ مِنْهُمْ عَلَى حَدِّ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْماكِرِينَ [آل عمرَان: 54] .
وَالْبَوَارُ حَقِيقَتُهُ: كَسَادُ التِّجَارَةِ وَعَدَمُ نَفَاقِ السِّلْعَةِ، وَاسْتُعِيرَ هُنَا لِخَيْبَةِ الْعَمَلِ بِوَجْهِ الشَّبَهِ بَيْنَ مَا دَبَّرُوهُ مِنَ الْمَكْرِ مَعَ حِرْصِهِمْ عَلَى إِصَابَةِ النَّبِيءِ صلى الله عليه وسلم بِضُرٍّ وَبَيْنَ مَا يُنَمِّقُهُ التَّاجِرُ وَمَا يُخْرِجُهُ مِنْ عِيَابِهِ وَيَرْصِفُهُ عَلَى مَبْنَاتِهِ وَسَطَ اللَّطِيمَةِ مَعَ السِّلَعِ لِاجْتِلَابِ شَرَهِ الْمُشْتَرِينَ.
ثُمَّ لَا يُقْبِلُ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ السُّوقِ فَيَرْجِعُ مِنْ لَطِيمَتِهِ لَطِيمَ كَفِّ الْخَيْبَةِ، فَارِغَ الْكَفِّ وَالْعَيْبَةِ.
[11]
[سُورَة فاطر (35) : آيَة 11]
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَاّ بِعِلْمِهِ وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَاّ فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (11)
وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً.
هَذَا عَوْدٌ إِلَى سَوْقِ دَلَائِلِ الْوَحْدَانِيَّةِ بِدَلَالَةٍ عَلَيْهَا مِنْ أَنْفُسِ النَّاسِ بَعْدَ أَنْ قُدِّمَ لَهُمْ مَا هُوَ مِنْ دَلَالَةِ الْآفَاقِ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّياحَ [فاطر: 9] . فَهَذَا كَقَوْلِهِ:
سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ [فصلت: 53] وَقَوْلِهِ: وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ [الذاريات: 21] فَابْتَدَأَهُمْ بِتَذْكِيرِهِمْ بِأَصْلِ التَّكْوِينِ الْأَوَّلِ مِنْ تُرَابٍ وَهُوَ مَا تَقَرَّرَ عِلْمُهُ لَدَى جَمِيعِ الْبَشَرِ مِنْ أَنَّ أَصْلَهُمْ وَهُوَ الْبَشَرُ الْأَوَّلُ، خُلِقَ مِنْ طِينٍ فَصَارَ ذَلِكَ حَقِيقَةً
مُقَرَّرَةً فِي عِلْمِ الْبَشَرِ وَهِيَ مِمَّا يُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الْمَنْطِقِ «بِالْأُصُولِ الْمَوْضُوعَةِ» الْقَائِمَةِ مَقَامَ الْمَحْسُوسَاتِ.
ثُمَّ اسْتَدْرَجَهُمْ إِلَى التَّكْوِينِ الثَّانِي بِدَلَالَةِ خَلْقِ النَّسْلِ مِنْ نُطْفَةٍ وَذَلِكَ عِلْمٌ مُسْتَقِرٌّ فِي النُّفُوسِ بِمُشَاهَدَةِ الْحَاضِرِ وَقِيَاسِ الْغَائِبِ عَلَى الْمُشَاهَدِ، فَكَمَا يَجْزِمُ الْمَرْءُ بِأَنَّ نَسْلَهُ خُلِقَ مِنْ نُطْفَتِهِ يَجْزِمُ بِأَنَّهُ خُلِقَ مِنْ نُطْفَةِ أَبَوَيْهِ، وَهَكَذَا يَصْعَدُ إِلَى تَخَلُّقِ أَبْنَاءِ آدَمَ وَحَوَّاءَ.
وَالنُّطْفَةُ تَقَدَّمَتْ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [37] .
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْواجاً يُشِيرُ إِلَى حَالَةٍ فِي التَّكْوِينِ الثَّانِي وَهُوَ شَرْطُهُ مِنَ الِازْدِوَاجِ. فَ ثُمَّ عَاطِفَةُ الْجُمْلَةِ فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى التَّرْتِيبِ الرُّتَبِيِّ الَّذِي هُوَ أَهَمُّ فِي الْغَرَضِ أَعْنِي دَلَالَةَ التَّكْوِينِ عَلَى بَدِيعِ صُنْعِ الْخَالِقِ سُبْحَانَهُ فَذَلِكَ مُوَزَّعٌ عَلَى مَضْمُونِ قَوْلِهِ: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ.
وَالْمَعْنَى: ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ وَقَدْ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا لِتَرْكِيبِ تِلْكَ النُّطْفَةِ، فَالِاسْتِدْلَالُ بِدِقَّةِ صُنْعِ النَّوْعِ الْإِنْسَانِيِّ مِنْ أَعْظَمِ الدَّلَائِلِ عَلَى وَحْدَانِيَّةِ الصَّانِعِ. وَفِيهَا غُنْيَةٌ عَنِ النَّظَرِ فِي تَأَمُّلِ صُنْعِ بَقِيَّةِ الْحَيَوَانِ.
وَالْأَزْوَاجُ: جَمْعُ زَوْجٍ وَهُوَ الَّذِي يَصِيرُ بِانْضِمَامِ الْفَرْدِ إِلَيْهِ زوجا، أَي شفعا، وَقَدْ شَاعَ إِطْلَاقُهُ عَلَى صِنْفِ الذُّكُورِ مَعَ صِنْفِ الْإِنَاثِ لِاحْتِيَاجِ الْفَرْدِ الذَّكَرِ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ إِلَى أُنْثَاهُ مِنْ صِنْفِهِ وَالْعَكْسِ.
وَما تَحْمِلُ مِنْ أُنْثى وَلا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ.
بَعْدَ الِاسْتِدْلَالِ بِمَا فِي بَدْءِ التَّكْوِينِ الثَّانِي مِنَ التَّلَاقُحِ بَين النطفتين اسْتدلَّ بِمَا يَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ مِنَ الْأَطْوَارِ الْعَارِضَةِ لِلنُّطْفَةِ فِي الرَّحِمِ وَهُوَ أَطْوَارُ الْحَمْلِ مِنْ أَوَّلِهِ إِلَى الْوَضْعِ.
وَأُدْمِجَ فِي ذَلِكَ دَلِيلُ التَّنْبِيهِ عَلَى إِحَاطَةِ عِلْمِ اللَّهِ بِالْكَائِنَاتِ الْخَفِيَّةِ وَالظَّاهِرَةِ، وَلِكَوْنِ الْعِلْمِ بِالْخَفِيَّاتِ أَعْلَى قُدِّمَ ذِكْرُ الْحَمْلِ عَلَى ذِكْرِ الْوَضْعِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ عَطْفِ الْوَضْعِ أَنْ يَدْفَعَ تَوَهُّمَ وُقُوفِ الْعِلْمِ عِنْدَ الْخَفِيَّاتِ الَّتِي هِيَ مِنَ الْغَيْبِ دُونَ الظَّوَاهِرِ بِأَنْ يَشْتَغِلَ عَنْهَا بِتَدْبِيرِ خَفِيَّاتِهَا كَمَا هُوَ شَأْن عُظَمَاء الْعُلَمَاءِ مِنْ الْخَلْقِ، لظُهُور اسْتِحَالَةِ تَوَجُّهِ إِرَادَةِ الْخَلْقِ نَحْوَ مَجْهُولٍ عِنْدَ مُرِيدِهِ.
وَالِاسْتِثْنَاءُ مُفَرَّغٌ مِنْ عُمُومِ الْأَحْوَالِ. وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ. وَالْمَجْرُورُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ.
وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ.
لَا جَرَمَ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنِ التَّكْوِينِ يَسْتَتْبِعُ ذِكْرَ الْمَوْتِ الْمَكْتُوبِ عَلَى كُلِّ بَشَرٍ فَجَاءَ بِذِكْرِ عِلْمِهِ الْآجَالَ وَالْأَعْمَارَ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى سَعَةِ الْعِلْمِ الْإِلَهِيِّ.
وَالتَّعْمِيرُ: جَعْلُ الْإِنْسَانِ عَامِرًا، أَيْ بَاقِيًا فِي الْحَيَاةِ، فَإِنَّ الْعَمْرَ هُوَ مُدَّةُ الْحَيَاةِ يُقَالُ:
عَمِرَ فُلَانٌ كَفَرِحَ وَنَصِرَ وَضَرِبَ، إِذَا بَقِيَ زَمَانًا، فَمَعْنَى عَمَّرَهُ بِالتَّضْعِيفِ: جَعَلَهُ بَاقِيًا مُدَّةً زَائِدَةً عَلَى الْمُدَّةِ الْمُتَعَارَفَةِ فِي أَعْمَارِ الْأَجْيَالِ، وَلِذَلِكَ قُوبِلَ بِالنَّقْصِ مِنَ الْعُمُرِ، وَلِذَلِكَ لَا يُوصَفُ بِالتَّعْمِيرِ صَاحِبُهُ إِلَّا بِالْمَبْنِيِّ لِلْمَجْهُولِ فَيُقَالُ: عُمِّرَ فُلَانٌ فَهُوَ مُعَمَّرٌ. وَقَدْ غَلَبَ فِي هَذِهِ الْأَجْيَالِ أَنْ يَكُونَ الْمَوْتُ بَيْنَ السِّتِّينَ وَالسَّبْعِينَ فَمَا بَيْنَهُمَا، فَهُوَ عُمُرٌ مُتَعَارَفٌ، وَالْمُعَمَّرُ الَّذِي يَزِيدُ عُمُرُهُ عَلَى السَّبْعِينَ، وَالْمَنْقُوصُ عُمُرُهُ الَّذِي يَمُوتُ دُونَ السِّتِّينَ. وَلِذَلِكَ كَانَ أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ فِي تَعْمِيرِ الْمَفْقُودِ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ الْإِبْلَاغَ بِهِ سَبْعِينَ سَنَةً مِنْ تَارِيخِ وِلَادَتِهِ وَوَقَعَ الْقَضَاءُ فِي تُونُسَ بِأَنَّهُ مَا تَجَاوَزَ ثَمَانِينَ سَنَةً، قَالُوا: لِأَنَّ الَّذِينَ يَعِيشُونَ إِلَى ثَمَانِينَ سنة غَيْرُ قَلِيلٍ فَلَا يَنْبَغِي الْحُكْمُ بِاعْتِبَارِ الْمَفْقُودِ مَيِّتًا إِلَّا بَعْدَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْمِيرَاثُ وَلَا مِيرَاثَ بِشَكٍّ، وَلِأَنَّهُ بَعْدَ الْحُكْمِ بِاعْتِبَارِهِ مَيِّتًا تُزَوَّجُ امْرَأَتُهُ، وَشَرْطُ صِحَّةِ التَّزَوُّجِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ خَلِيَّةً مِنْ عِصْمَةٍ، وَلَا يَصِحُّ إِعْمَالُ الشَّرْطِ مَعَ الشَّكِّ فِيهِ. وَهُوَ تَخْرِيجٌ فِيهِ نَظَرٌ.
وَضَمِيرُ مِنْ عُمُرِهِ عَائِدًا إِلَى مُعَمَّرٍ عَلَى تَأْوِيلِ مُعَمَّرٍ بِ (أَحَدٍ) كَأَنَّهُ
قِيلَ:
وَمَا يُعَمَّرُ مِنْ أَحَدٍ وَلَا ينقص من عُمُرُهُ، أَيْ عُمُرُ أَحَدٍ وَآخَرَ. وَهَذَا كَلَامٌ جَارٍ عَلَى التَّسَامُحِ فِي مِثْلِهِ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَاعْتِمَادًا عَلَى أَنَّ السَّامِعِينَ يَفْهَمُونَ الْمُرَادَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَإِنْ كانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ واحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذلِكَ فَهُمْ شُرَكاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصى بِها أَوْ دَيْنٍ [النِّسَاء: 12] لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا يَنْقَلِبُ الْمَيِّتُ وَارِثًا لِمَنْ قَدْ وَرِثَهُ وَلَا وَارِثٌ مَيِّتًا مَوْرُوثًا لِوَارِثِهِ.
وَالْكِتَابُ كِنَايَةٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا يَغِيبُ عَنْهُ مَعْلُومٌ كَمَا أَنَّ الشَّيْءَ الْمَكْتُوبَ لَا يُزَادُ فِيهِ وَلَا يُنْقَصُ، وَيَجُوزُ أَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ مَوْجُودَاتٍ هِيَ كَالْكُتُبِ تُسَطَّرُ فِيهَا الْآجَالُ مُفَصَّلَةً وَذَلِكَ يَسِيرٌ فِي مَخْلُوقَاتِ اللَّهِ تَعَالَى. وَلِذَلِكَ قَالَ: إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ أَيْ لَا يَلْحَقُهُ مِنْ هَذَا الضَّبْطِ عُسْرٌ وَلَا كَدٌّ.
وَقَدْ وَرَدَ هُنَا الْإِشْكَالُ الْعَامُّ النَّاشِئُ عَنِ التَّعَارُضِ بَيْنَ أَدِلَّةِ جَرَيَانِ كُلِّ شَيْءٍ عَلَى مَا هُوَ سَابِقٌ فِي عِلْمِ اللَّهِ فِي الْأَزَلِ، وَبَيْنَ إِضَافَةِ الْأَشْيَاءِ إِلَى أَسْبَابٍ وَطَلَبِ اكْتِسَابِ الْمَرْغُوبِ مِنْ تِلْكَ الْأَسْبَابِ وَاجْتِنَابِ الْمَكْرُوهِ مِنْهَا فَكَيْفَ يَثْبُتُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلْأَعْمَارِ زِيَادَةٌ وَنَقْصٌ مَعَ كَوْنِهَا فِي كِتَابٍ وَعِلْمٍ لَا يَقْبَلُ التَّغْيِيرَ، وَكَيْفَ يرغّب فِي الصَّدَقَة مثلا بِأَنَّهَا تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ، وَأَنَّ صلَة الرَّحِم تزيد فِي الْعُمُرِ.
وَالْمُخَلِّصُ مِنْ هَذَا وَنَحْوِهِ هُوَ الْقَاعِدَةُ الْأَصْلِيَّةُ الْفَارِقَةُ بَيْنَ كَوْنِ الشَّيْءِ مَعْلُومًا لِلَّهِ تَعَالَى وَبَيْنَ كَوْنِهِ مُرَادًا، فَإِنَّ الْعِلْمَ يَتَعَلَّقُ بِالْأَشْيَاءِ الْمَوْجُودَةِ وَالْمَعْدُومَةِ. وَالْإِرَادَةُ تَتَعَلَّقُ بِإِيجَادِ الْأَشْيَاءِ عَلَى وَفْقِ الْعِلْمِ بِأَنَّهَا تُوجَدُ، فَالنَّاسُ مُخَاطَبُونَ بِالسَّعْيِ لِمَا تَتَعَلَّقُ بِهِ الْإِرَادَةُ فَإِذَا تَعَلَّقَتِ الْإِرَادَةُ بِالشَّيْءِ عَلِمْنَا أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ وُقُوعَهُ، وَمَا تَصَرُّفَاتُ النَّاسِ وَمَسَاعِيهِمْ إِلَّا أَمَارَاتٌ عَلَى مَا عَلِمَهُ اللَّهُ لَهُمْ، فَصَدَقَةُ الْمُتَصَدِّقِ أَمَارَةٌ عَلَى أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ تَعْمِيرَهُ، وَاللَّهُ تَعَالَى يُظْهِرُ مَعْلُومَاتِهِ فِي مَظَاهِرِ تَكْرِيمٍ أَوْ تَحْقِيرٍ لِيَتِمَّ النِّظَامُ الَّذِي أَسَّسَ اللَّهُ عَلَيْهِ هَذَا الْعَالَمَ وَيَلْتَئِمُ جَمِيعُ مَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ هَذَا التَّكْوِينِ عَلَى وُجُوهٍ لَا يُخِلُّ بَعْضُهَا بِبَعْضٍ وَكُلُّ ذَلِكَ مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ الْعَالِيَةِ. وَلَا مُخَلِّصَ مِنْ هَذَا الْإِشْكَالِ إِلَّا هَذَا الْجَوَابُ وَجَمِيعُ مَا سِوَاهُ وَإِنْ أَقْنَعَ ابْتِدَاءً فَمَآلُهُ إِلَى حَيْثُ ابْتَدَأَ الْإِشْكَال.