الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
التَّرْهِيب من النِّيَاحَة على الْمَيِّت والنعي وَلَطم الخد وخمش الْوَجْه وشق الجيب
5344 -
عَن عمر بن الْخطاب رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم الْمَيِّت يعذب فِي قَبره بِمَا نيح عَلَيْهِ. رواه البخاري ومسلم وابن ماجه والنسائي
(1)
، وقال: بالنياحة عليه.
قوله: "عن عمر" تقدم الكلام على مناقبه وسبب قتله مبسوطا في أوائل هذا التعليق. قوله صلى الله عليه وسلم: "الميت يعذب في قبره بما نيح عليه " وفي رواية: ما نيح عليه
(2)
. وفي النسائي: بالنياحة عليه
(3)
. وعن ابن عمر
(4)
مرفوعًا إلى النبي صلى الله عليه وسلم: إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه. قال ابن عباس: فلما مات عمر ذكرت ذلك لعائشة [فقالت]: رحم الله عمر، والله ما حدث رسول الله صلى الله عليه وسلم أن [الله يعذب المؤمن] ببكاء أهله عليه ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه، وقالت: حكم القرآن {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى}
(5)
، فما قال ابن عمر شيئًا. وعنها أنه قيل لها: أن ابن عمر يقول الميت يعذب ببكاء
(1)
أخرجه البخاري (1292)، ومسلم (16 - 927)، وابن ماجه (1593)، والنسائي في المجتبى 4/ 30 (1869).
(2)
مسند أبي يعلى (179).
(3)
سنن النسائي (4/ 16).
(4)
صحيح البخاري (1286)، ومسلم (927، 928، 929).
(5)
سورة الأنعام، الآية:164.
الحي. فقالت يغفر الله لأبي عبد الرحمن إنه لم يكذب ولكنه نسي أو أخطأ، وقرأت:{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، وقالت: إنما مرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم على يهودية يبكى عليها فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذّب في قبرها. رواه البخاري ومسلم
(1)
فهذه الأحاديث وشبهها تدل على تعذيب الميت. واختلف العلماء في أحاديث [تعذيب الميت بالبكاء]
(2)
فتأولها [المزني وأصحابنا و]
(3)
الجمهور فقالوا: ليست على ظاهرها وإطلاقها، واختلفوا في تأويلها على أقوال أظهرها والله أعلم أنها محمولة على أن يكون للميت سبب في البكاء والنياحة بأن أوصى بأن يبكى عليه ويناح بعد موته فنفذت وصيته فهذا يعذب ببكاء أهله عليه ونوحهم لأنه سبب منسوب إليه. قالوا: فأما من بكى عليه أهله وناحوا عليه من غير وصية منه فلا يعذب ببكائهم ونوحهم لقوله تعالى: {وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} ، الوزر الحمل والثقل وأكثر ما يطلق في الحديث [على الذنب والإثم، قال: وزر يَزِر فهو وازر إذا حمل ما يثقل ظهره من الأشياء المثقلة ومن الذنوب] وجمعه أوزار ومنه الحديث "قد وضعت الحرب أوزارها"، أي انقضى أمرها وخفت أثقالها فلم يبق قتال، ومعنى الآية لا تحمل نفس حاملة حمل أخرى أي لا تؤاخذ نفس بغير ذنبها.
(1)
أخرجه البخاري (1289)، ومسلم (27 - 932).
(2)
سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(3)
سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
قال المزني: هذا كان من عادة العرب كان أحدهم إذا احتُضر أوصى بأن يبكى عليه ويناح، ومنه قول طرفة [العبدي]:
إذَا مِتُّ فَانْعِينِي بِمَا أَنَا أَهْلُهُ
…
وَشُقِّي عَلَيَّ الْجَيْبَ يَا ابْنَةَ مَعْبَدِ
(1)
وقال غيره من العرب:
فَقُومَا فَقُولَا بِالَّذِي تَعْرِفَانِهِ
…
وَلَا تَخْرِقَا جَيْبًا وَلَا تَحْلِقَا شَّعَرْ
إِلَى الْحَوْلِ ثُمَّ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمَا
…
وَمَنْ يَبْكِ حَوْلًا كَامِلًا فَقَدِ اعْتَذَرْ
(2)
قالوا فخرج الحديث مطلقا حملا على ما كان معتادا لهم وكان من عادة العرب الوصية بذلك وقالت طائفة: الأحاديت محمولة على من أوصى بالبكاء والنوح أو لم يوص بتركهما فمن أوصى بهما أو لم يوص بتركهما [أو أهمل الوصية بتركهما فيكره أو يحرم، وإن غلب البكاء لم يوصف بكراهة ولكن الأولى أن لا يبكي بحضرة المحتضر ويعذّب] بهما لتفريطه بإهماله الوصية بتركهما فأما من أوصى بتركهما فلا يعذب بهما إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط منه، وحاصل هذا القول إيجاب الوصية بتركهما ومن أهملهما عذِّب بهما. وقالت طائفة معنى الأحاديث أنهم كانوا ينوحون على الميت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذب بها كما كانوا يقولون: يا مُرمِل النسوان ومُؤْتِم الولدان ومخرب العمران ومفرق الإخوان، ونحو ذلك مما يرونه شجاعة وفخرا وهو حرام
(1)
معلقة طرفة ابن العبد: ديوان طرفة (ص 29) وشرح المعلقات التسع (ص 78) وشرح المعلقات السبع (ص 117)، وشرح القصائد العشر (ص 98).
(2)
البيتان للبيد بن ربيعة العامرى: انظر ديوان لبيد (ص 51).
شرعا. وقالت طائفة: معناه أنه يعذب بسماعه بكاء أهله ويرق لهم وإلى هذا ذهب محمد بن جرير الطبري وغيره.
قال القاضي عياض
(1)
: وهو أولى الأقوال: واحتجوا بحديث فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم زجر امرأة عن البكاء على أمها وقال إن أحدكم إذا بكى استعبر له صُوَيحبه فيا عباد الله لا تعذبوا إخوانكم
(2)
.
وقالت عائشة: معنى الحديث أن الكافر وغيره من أصحاب الذنوب يعذب في حال بكاء أهله عليه بذنبه لا ببكائهم
(3)
. [وذهبت عائشة رضي الله عنها إلى أن هذه الأحاديث في الكفار يعذبون زيادة على كفرهم بسبب ما نيح عليهم
(4)
ثم روت عائشة
(5)
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم مر على قبر يهودية فقال: إنهم ليبكون عليها وإنها لتعذّب في قبرها]
(6)
.
وذهب بعض العلماء إلى أن الميت يسمع بكاء الحي ونياحه فيتألم بذلك، ذكر ذلك أبو جعفر الطبري وروى فيه حديثًا موافقا لما تأوله
(7)
، وقال بعض أهل العلم هذا في رجل لم يؤدّب أهله ولم يعلمهم ما يحتاجون إليه
(1)
شرح النووي على مسلم (6/ 229)، المجموع شرح المهذب (5/ 309).
(2)
أخرجه ابن سعد في الطبقات (1/ 320)، وابن أبي خيثمة في التاريخ الكبير (2/ 838)، والطبراني في الكبير (25/ 8 - 9). قال الهيثمي في المجمع 6/ 12: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
(3)
المجموع (5/ 308 - 309).
(4)
شرح النووي على مسلم (6/ 229).
(5)
سبق.
(6)
سقطت هذه الفقرة من النسخة الهندية.
(7)
شرح الصحيح (3/ 274) لابن بطال، والتوضيح (9/ 527).
من الحلال والحرام فإذا مات فصرخوا عليه أو ناحوا كان هذا الفعل المحرم منسوبا إليه حيث لم يسبق منه تعليم مانع من الإقدام على هذا الفعل المحرم ويؤيده قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا}
(1)
(2)
، اهـ. قاله ابن عقيل في شرح الأحكام
(3)
.
قوله: "بما نيح عليه" والنياحة رفع الصوت بالندب، والندب تعديد النائحة بصوتها محاسن الميت. [وقيل هو البكاء على الميت مع تعديد محاسنه
(4)
]
(5)
وأصل النياحة اجتماع النساء [وتقابلهن] بعضهن لبعض للبكاء على الميت والتناوح التقابل ثم استعمل في صفة بكائهن وهو البكاء بصوت وندبة
(6)
، وأما البكاء فيمد ويقصر إذا مددت أردت الصوت الذي مع البكاء وإذا قصرت أردت الدموع وخروجها. قال حسان بن ثابت:
بكَتْ عَيْنِي وحُقَّ لَهَا بُكَاها
…
وَمَا يُغْنِي البُكَاءُ وَلَا العَويلُ
كذا قال الجوهري
(7)
والصواب أن قائل [ذلك] البيت كعب بن مالك لا حسان بن ثابت كما هو في سيرة ابن هشام
(8)
وغيرها فيجوز على الميت قبل
(1)
سورة التحريم، الآية:6.
(2)
انظر: التذكرة (ص 336 - 337) والمفهم (8/ 61)، والكواكب الدراري (7/ 79).
(3)
لم أجده في المطبوع.
(4)
الأذكار (ص 252).
(5)
سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(6)
مشارق الأنوار (2/ 31).
(7)
الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية (6/ 2284).
(8)
سيرة ابن هشام (2/ 162).
الموت بالإجماع لبكاء النبي صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم قبل الموت وعلى ولد ابنته قبل الموت، وفي صحيح مسلم
(1)
أن النبي صلى الله عليه وسلم عاد سعد بن عبادة فبكى وقال: إن الله لا يعذِّب بدمع العين ولا بحزن القلب ولكن يعذّب بهذا أو يرحم، وأشار إلى لسانه، رواه مسلم. [وفي الصحيحين
(2)
] عن أسامة بن زيد أن زيد رسول الله الله صلى الله عليه وسلم رفع إليه ابن لابنته وهو في الموت ففاضت عينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال له سعد ما هذا؟ قال: هذه رحمة، وإنما يرحم الله من عباده الرحماء.
ويجوز البكاء أيضا بعد الموت لما في صحيح مسلم
(3)
أن النبي صلى الله عليه وسلم زار قبر أمه فبكى وأبكى من حوله، وفي الشرح والروضة والشامل وغيره: أن البكاء بعد الموت خلاف الأولى، وينبغي أن يقال: إن كان البكاء لرقة على الميت وما يخشى عليه من عذاب الله وأهوال القيامة فلا يكره ولا يكون خلاف الأولى وإن كان للجزع [وعدم] التسليم للقضاء فيكره أو يحرم فإن غلب البكاء لم يوصف بكراهة لكن الأولى أن لا يبكي بحضرة المحتضر
(4)
. وقوله: "استعبر له"
(5)
أي
(1)
صحيح مسلم (12)(924).
(2)
صحيح البخاري (1284)، وصحيح مسلم (11)(923).
(3)
صحيح مسلم (108 - 976).
(4)
النجم الوهاج (3/ 88 - 89).
(5)
هو قطعة من حديث طويل أخرجه أبو عبيد في الأموال (730) والبخاري في الأدب المفرد المفرد (1178) وأبو داود (3070 و 4847) والترمذي (2814) وفي الشمائل (64 و 120) والحربي في الغريب (2/ 392 و 3/ 930) وابن أبي عاصم في الآحاد (3492) والطبراني في الكبير (3/ 343) وفي الأحاديث الطوال (25/ 7 - 11) ولفظه قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أيغلب أحدكم أنْ يصاحب صُوَيحبه في الدنيا معروفا وإذا مات استرجع، =
جرت عبرته وفيه دليل على أن الميت يبكي رقّة لبكاء الحي.
وقوله: "إن أحدكم إذا بكى" محمول على بكاء يسمعه الميت، فأما مجرد دمع العين فلا يُعذّب به الميت قطعا لأنه لا يسمعه ولا يشاهده وقد بكى النبي صلى الله عليه وسلم على ولده إبراهيم وقال: إن العين لتدمع وإن القلب ليحزن ولا نقول إلا ما يرضي ربنا، إنا لله وإنا إليه راجعون. وروى الطبراني في معجمه الكبير
(1)
أنه صلى الله عليه وسلم قال عند موت ولده إبراهيم لولا أنه وعد حق وموعد صدق وأن الأخير لاحق بالأول لحزنا أكثر من هذا وإنا بك يا إبراهيم لمحزونون. ففي هذا الحديث تسلية من ثلاثة وجوه: أحدها: أن الموت وعد حق كالدين على الإنسان وموعد صدق يعني في الاجتماع في الآخرة، وأن الأخير لا يبقى بعد الأول وعن قريب يلحق به. قال النووي
(2)
: والصحيح من هذه الأقوال ما قدّمناه عن الجمهور وأجمعوا كلهم على اختلاف مذاهبهم أن المراد
= فوالذي نفس محمد بيده إنّ أحدكم ليبكي فيستعبر إليه صويحبه، فيا عباد الله لا تعذبوا موتاكم".
قال الترمذي: حديث قيلة لا نعرفه إلا من حديث عبد الله بن حسان، وقال ابن السكن: لم يروه غير عبد الله بن حسان، وقال ابن عبد البر: حديث حسن الاستيعاب 13/ 140 قال الهيثمي في المجمع 6/ 12: رواه الطبراني، ورجاله ثقات.
(1)
أخرجه ابن ماجه (1589)، والطبراني في معجمه الكبير (24/ 171/ 432 و 433) المعجم الأوسط (8829)، وحسن هذا السند البوصيري في زوائد ابن ماجه 2/ 47، والألباني في السلسلة الصحيحة (1732)، وصحيح الجامع الصغير وزيادته (2932).
(2)
المجموع شرح المهذب (5/ 309)، شرح النووي على مسلم (6/ 229).
بالبكاء هنا البكاء بصوت ونياحة لا مجرد دمع العين.
5345 -
وَعَن الْمُغيرَة بن شُعْبَة رضي الله عنه قَالَ سَمِعت رَسُول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول من نيح عَلَيْهِ فَإِنَّهُ يعذب بِمَا نيح عَلَيْهِ يَوْم الْقِيَامَة، رَوَاهُ البُخَارِيّ وَمُسلم
(1)
.
5346 -
وَعَن النُّعْمَان بن بشير رضي الله عنهما قَالَ أُغمي على عبد الله بن رَوَاحَة فَجعلت أُخْته تبْكي واجبلاه واكذا واكذا تعدد عَلَيْهِ فَقَالَ حِين أَفَاق مَا قلت شَيْئا إِلَّا قيل لي أَنْت كذَلِك رَوَاهُ البُخَارِيّ وَزَاد فِي رِوَايَة فَلَمَّا مَاتَ لم تبك عَلَيْهِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير عَن الْأَعْمَش عَن عبد الله بن عمر بِنَحْوِهِ وَفِيه فَقَالَ يَا رَسُول الله أُغمي عَليّ فصاحت النِّسَاء واعزاه واجبلاه فَقَالَ ملك مَعَه مرزبة فَجَعلهَا بَين رجْلي فَقَالَ أَنْت كَمَا تَقول قلت لَا وَلَو قلت نعم ضَرَبَنِي بهَا وَالْأَعْمَش لم يدْرك ابْن عمر رواه البخاري
(2)
. وزاد في رواية: فلما مات لم تبك عليه.
ورواه الطبراني في الكبير
(3)
عن الأعمش عن عبد الله بن عمر بنحوه، وفيه: فقال يا رسول الله: أغمي علي فصاحت النساء: واعزاه واجبلاه، فقال ملك
(1)
البخاري (1291)، ومسلم (28 - 933). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.
(2)
صحيح البخاري (4267).
(3)
المعجم الكبير للطبراني جـ 13، 14 (ص: 414/ 14252 ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 14)، وقال:"رواه الطبراني في الكبير، والأعمش لم يسمع من عبد الله بن عمرو، ومحمد بن جابر الحنفي فيه كلام". كذا قال الهيثمي، وبين الأعمش وابن عمرو هنا: أبو صالح.
وعزاه السيوطي في الخصائص الكبرى (2/ 159) للطبراني، وكذا صنع في شرح الصدور (ص 291)، لكن وقع عنده:"ابن عمر" بدل: "ابن عمرو" ..
معه مرزبة فجعلها بين رجلي فقال: أنت كما تقول: قلت: لا، ولو قلت نعم ضربني بها. والأعمش لم يدرك ابن عمر.
قوله: "وعن النعمان بن بشير" تقدم ترجمته.
قوله: "أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكي واجبلاه وا كذا" فذكره، زاد في رواية: فلما مات لم تبك عليه، الحديث.
قال صاحب العاقبة: قال بعض العلماء أو أكثرهم إنما يعذب الميت ببكاء الحي عليه إذا كان البكاء من سنة الميت واختياره أو يكون قد وصى به وهذا أيضا لم يكن من سنة عبد الله بن رواحة ولا ومن اختياره ولا مما وصّى به، اهـ. وقيل: هو محمول على من تبكي عليه وتعدد أفعاله التي تستوجب العذاب من القتل والنهب ونحوهما. وقيل معنى العذاب التوبيخ: فإنهم إذا ذكروه في الندب بخصال حميدة فيقال له: أكنت كذلك؟ فسمى بذلك عذابا، ويؤيده أن عبد الله بن رواحة
(1)
أغمي عليه فقالت أخته: واجبلاه واكذا وكذا، فقال: حين أفاق ما قلت شيئا إلا قيل لي [أنت] كذلك؟ وقيل: معنى العذاب حزنه بسماع بكائهم فإنه يسوءه إتيانهم بما يكره ربه عز وجل، فقد روي أن أعمالكم تعرض على أقربائكم من موتاكم فإذا رأوا خيرا فرحوا به وإن رأوا [شرا] كرهوه فعلى هذا التوجيه التعذيب من الحي له لا من الله تعالى. وقال ابن بطال
(2)
: كل حديث أتى فيه النهي عن البكاء فمعناه النياحة
(1)
صحيح البخاري (4267).
(2)
شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/ 275)، والكواكب الدراري (7/ 80).
والله أعلم، قاله الكرماني، اهـ.
قال النووي
(1)
: قال أصحابنا: ويجوز البكاء قبل الموت وبعده ولكن قبله أولى للحديث الصحيح فإذا وجب فلا تبكينّ باكية، وقد نصّ الشافعي والأصحاب على أنه يكره البكاء بعد الموت كراهة تنزيه ولا يحرم وتأولوا حديث فلا تبكين باكية على الكراهة فأما البكاء من غير ندب ولا نياحة فقد روي فيه الإباحة وهو بكاء الرحمة والرقة التي لا يكاد يخلو منها البشر ولا يوجد [قلب] إلا وبها منه أثر، وقد قال عمر
(2)
: دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة، النقع ارتفاع الصوت واللقلقة تتابع ذلك.
وقال أبو عبيد
(3)
: قال بعضهم يريد عمر بالنقع وضع التراب على الرأس. قال أبو عبيد: وليس النقع عندي في هذا الحديث إلا الصوت الشديد واللقلقلة رفع الصوت. وأما حديث النبي صلى الله عليه وسلم في هذا الباب في إباحة البكاء من غير نياحة ولا صياح فصحيح مشهور تغني شهرته عن ذكره هنا والله أعلم.
تنبيه: يستحب للمريض أن يوصي أهله بالصبر على مصيبتهم بترك البكاء عليه ويقول لهم: صح عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال:
(4)
أن الميت يعذب ببكاء
(1)
المجموع شرح المهذب (5/ 307).
(2)
علقه البخاري في "الصحيح"(2/ 80) وقال عمر رضي الله عنه: "دعهن يبكين على أبي سليمان ما لم يكن نقع أو لقلقة" والنقع: التراب على الرأس، واللقلقة: الصوت ووصله ابن أبي شيبة في المصنف (11342).
(3)
غريب الحديث للقاسم بن سلام (3/ 276).
(4)
سبق.
أهله عليه فإياكم يا أحبابي والسعي في أسباب عذابي ويستحب له استحبابا متأكدا أن يوصي باجتناب ما جرت به العادة من البدع في الجنائز ويؤكد عليهم العهد بذلك
(1)
، اهـ.
لطيفة في المعنى: قال بلال بن سعد: لا ينبغي أن يُبكى على ميت خرج من السجن إلى البستان بل ينبغي أن يبكى على من خرج من البستان إلى السجن. فإن قيل: لم يبكي العارفون على الميت؟ قيل: للفراق والوحشة وللخوف عليه لأنهم لا يدرون عاقبته ولو علموا لما بكوا كما قال بلال رضي الله عنه: لا [تقولوا] واحزناه بل [قولوا] واطرباه.
5347 -
وَعَن الْحسن قَالَ إِن معَاذ بن جبل أُغمي عَلَيْهِ فَجعلت أُخْته تَقول واجبلاه أَو كلمة أُخْرَى فَلَمَّا أفاق قَالَ مَا زلت مؤذية لي مُنْذُ الْيَوْم قَالَت لقد كَانَ يعز عَليّ أَن أوذيك قَالَ مَا زَالَ ملك شَدِيد الِانْتِهَار كلما قلت واكذا قَالَ أكذاك أَنْت فَأَقُول لَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي الْكَبِير وَالْحسن لم يدْرك معَاذًا
(2)
.
قوله في رواية الطبراني: فصا حت النسواة واعِزّاه واجبلاه. قوله: "واجبلاه" أي كنت في عزة ومِنعَة من أجلك فكنت لي كالجبل. قاله عياض
(3)
.
وقوله: "فقال ملك معه مرزبة فجعلها بين رجليّ فقال أنت كما تقول؟ قلت:
(1)
الأذكار (ص 245 - 246).
(2)
أخرجه الطبراني في الكبير (20/ 25 رقم 50). وقال الهيثمي في المجمع 3/ 15: رواه الطبراني في الكبير، والحسن لم يدرك معاذا. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (2065).
(3)
مشارق الأنوار (1/ 138).
لا، ولو قلت نعم ضربني بها" الحديث. المرزبة بالتخفيف المطرقة الكبيرة التي تكون للحداد ويقال لها الأرزبة أيضا بالهمز والتشديد، قاله في النهاية
(1)
.
5348 -
وَعَن أبي مُوسَى رضي الله عنه أَن رَسُول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ: مَا من ميت يَمُوت فَيقوم باكيهم فَيَقُول واجبلاه واسيداه أَو نَحْو ذَلِك إِلَّا وكل بِهِ ملكان يلهزانه هَكَذَا كنت، رَوَاهُ ابْن مَاجَه
(2)
وَالتِّرْمِذِيّ
(3)
وَاللَّفْظ لَهُ وَقَالَ حَدِيث حسن غَرِيب.
[اللهز]: هو الدفع بجميع اليد في الصدر.
(1)
النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 219).
(2)
سنن ابن ماجه (1594)، والترمذي (1024)، وقال النووي في رياض الصالحين (ص: 466) رواه الترمذي، وقال:"حديث حسن". وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (3/ 14) رواه الطبراني في الكبير، والأعمش لم يسمع من عبد الله بن عمرو، ومحمد بن جابر الحنفي فيه كلام. وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (2/ 49): هذا إسناد حسن. وذكره الحافظ في التلخيص الحبير (2/ 321)، وقال: وشاهده في الصحيح عن النعمان بن بشير قال أغمي على عبد الله بن رواحة فجعلت أخته تبكي وتقول واجبلاه واكذا واكذا فلما أفاق قال ما قلت شيئا إلا قيل لي أنت كذا فلما مات لم تبك. وقال الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3/ 379): حسن لغيره. وفي صحيح الجامع الصغير وزيادته (5788).
(3)
وأخرجه مختصرا الترمذي (1024) وقال: حديث حسن غريب. وهو في مسند أحمد (19716). وأخرجه ابن عبد البر في الاستذكار (11707)، وأبو نعيم في أخبار أصبهان (1/ 61)، والبغوي شرح السنة (5/ 444)، وقال البغوي وروي بإسناد غريب، عن أبي موسى الأشعري، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: ما من ميت يموت، فيقوم باكيهم، فيقول: واجبلاه.