الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الترهيب من النار أعاذنا الله منها بمنه وكرمه
5524 -
عن أنس رضي الله عنه قال كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: {رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ}
(1)
، رواه البخاري
(2)
.
قوله: "عن أنس" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "كان أكثر دعاء النبي صلى الله عليه وسلم: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار" الحديث، وهذا الدعاء من أجمع الأدعية للخير، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر منه، وروي أنه كان أكثر دعائه وكان صلى الله عليه وسلم إذا دعا بدعاء جعله معه فإنه يجمع خير الدنيا والآخرة. قال الحسن: الحسنة في الدنيا العلم والعبادة وفي الآخرة الجنة. وقال سفيان: الحسنة في الدنيا العلم والرزق الطيب وفي الآخرة الجنة.
5525 -
وعن عدي بن حاتم رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اتقوا النار قال وأشاح ثم قال اتقوا النار ثم أعرض وأشاح ثلاثًا حتى ظننا أنه ينظر إليها ثم قال اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة رواه البخاري
(3)
ومسلم
(4)
.
(1)
سورة البقرة، الآية:102.
(2)
صحيح البخاري (6389).
(3)
صحيح البخاري (1417).
(4)
صحيح مسلم (66)(1016).
أشاح بشين معجمة وحاء مهملة معناه حذر النار كأنه ينظر إليها وقال الفراء المشيح على معنيين المقبل إليك والمانع لما وراء ظهره قال وقوله أعرض وأشاح أي أقبل.
قوله: "وعن عدي بن حاتم" هو عدي بن حاتم بن عبد الله بن سعد الطائي، فذكره إلى أن قال: ابن طيء، وكان شريفًا خطيبًا فاضلًا كريمًا حاضر الجواب، يكنى أبا طريف بفتح المهملة وبكسر الراء، وأبوه هو حاتم المشهور بالكرم، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: ستة وستون حديثا، ذكر البخاري منها ثلاثة وكان إسلامه في سنة [تسع]. وقيل في سنة عشر. روي عنه أنه قال: ما دخلت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قطّ إلا وسَّع وتحرّك ولقد دخلت عليه يوما بيته وقد امتلأ من أصحابه فوسّع لي حتى جلستُ إلى جنبه. وروي عن عدي أنه قال: ما دخل عليّ وقت صلاة إلا وأنا مشتاق إليها، وثبت عدي على الإسلام في الردة أحسن ثبوت. وروى الشعبي أن عدي بن حاتم الطائي قال لعمر بن الخطاب إذ قدم عليه: ما أظنك تعرفني؟ فقال: كيف لا أعرفك وأول صدقة بَيَّضت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم صدقة طيء، أعرفك آمنتَ إذ كفروا وأقبلت إذ أدبروا ووفيتَ إذ [غدروا] وشهد فتوح العراق زمن عمر وكان يفتّ الخبز للنمل ويقول: إنهن جارات لنا ولهن حق، وكان يقال له: الجواد بن الجواد، ونزل عدي الكوفة وشهد مع علي وقعة الجمل وصفين والنهروان، مات بالكوفة زمن المختار الثقفي وهو ابن مائة وعشرين سنة، وتقدم الكلام على مناقبه في الصدقات.
قوله: "اتقوا النار. قال: وأشاح ثم قال: اتقوا النار. ثم أعرض وأشاح ثلاثا حتى ظننا أنه ينظر إليها"، الحديث. أشاح بشين معجمة وحاء مهملة مهملة معناه حذر النار كأنه ينظر إليها، وقال الفراء: المشيحُ على معنيين: المقبل إليك والمانع لما وراء ظهره، قال: وقوله: أعرض وأشاح أي أقبل، انتهى، قاله الحافظ ومعنى أعرض وأشاح هنا أي كأنه كان ناظرا إلى النار التي كان يذكرها قبل، فأعرض عنها [وهو معنى أشار باليد] [حذرا منها وهو معنى أشاح، قاله عياض
(1)
.
وقال الخطابي
(2)
أشاح بوجهه إذا صرفه عن الشيء فعل الحَذِر منه الكاره له كأنه صلى الله عليه وسلم كان يرها ويحذر وهَج سعيرها فنحى وجهه عنها، انتهى]
(3)
. والمشيح الحذر والجادّ في الأمر فيجوز أن يكون أشاح لأحد هذه المعاني أي حذر النار كأنه ينظر إليها أو جدّ على الإيصاء باتقائها أو أقبل إليك في خطابه ومنه في صفته إذا غضب أعرض وأشاح، قاله في النهاية
(4)
.
5526 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال لما نزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)}
(5)
دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشًا فاجتمعوا فعم وخص فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذوا أنفسكم من النار يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من
(1)
مشارق الأنوار على صحاح الآثار (2/ 74) إكمال المعلم بفوائد مسلم (3/ 539).
(2)
الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (21/ 177).
(3)
سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(4)
النهاية في غريب الحديث والأثر (2/ 517).
(5)
سورة الشعراء، الآية:214.
النار يا بني هاشم أنقذوا أنفسكم من النار يا بني عبد المطلب أنقذوا أنفسكم من النار يا فاطمة أنقذي نفسك من النار فإني لا أملك لكم من الله شيئًا. رواه مسلم
(1)
واللفظ له والبخاري
(2)
والترمذي
(3)
والنسائي
(4)
بنحوه.
قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "لما نزلت هذه الآية: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)}
(5)
دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشا فاجتمعوا فعمَّ وخصّ فقال يا بني كعب بن لؤي أنقذو أنفسكم من النار، يا بني مرة بن كعب أنقذوا أنفسكم من النار" الحديث، ذكر صلى الله عليه وسلم أولا جده الأعلى وهو كعب بن لؤي ولؤي بالهمز عند الأكثرين، ثم قال: يا بني عبد شمس وهم بنو جده الأدنى وهو عبد المطلب وعبد المطلب اسمه شيبة الحمد عند الجمهور، وسمي بذلك لأنه لما ولد كانت في رأسه شعرة بيضاء. وقال ابن [قتيبة] اسمه عامر وسمي عبد المطلب لأن عمه المطلب أردفه خلفه حين أتى به من المدينة صغيرا فكان يقال من هذا: فيقول عبدي ثم ذكر [صلى الله عليه وسلم][بني]
(6)
هاشم وهم قبيلته وهاشم اسمه عمرو وسمي به لأنه هشم الثريد لقومه في المجاعة ثم ذكر بني عبد المطلب وهم أعمامه وبنو أعمامه ثم ذكر فاطمة وهي ابنته فبدأ [بأصولهم]
(1)
صحيح مسلم (348 - 204).
(2)
صحيح البخاري (2753).
(3)
سنن الترمذي (3185) هذا حديث حسن غريب من هذا الوجه ..
(4)
سنن النسائي (6/ 248).
(5)
سورة الشعراء، الآية:214.
(6)
سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
وفصولهم ثم ذكر ما انفصل وهذا معنى العموم والخصوص، اهـ.
تنبيه في حديث آخر
(1)
: يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت عبد المطلب، هكذا وقع في بعض الأصول فاطمة وفي بعضها أو أكثرها يا فاطم بحذف الهاء على الترخيم، وعلى هذا يجوز ضم الميم وفتحها كما عُرف في نظائره فيجوز نصب فاطمة و [صفية] وضمهما والنصب أفصح وأشهر؛ وأما بنت وابن فمنصوب لا غير وهذا وإن كان ظاهرا معروفا [فلا] بأس به بالتنبيه عليه لمن لا يحفظه، قاله النووي
(2)
.
قوله صلى الله عليه وسلم: "فإني لا أملك لكم من الله شيئا" معناه لا تتكلوا على قرابتي فإني لا أقدر على دفع مكروه يريده الله تعالى بكم. قاله النووي أيضا في شرح مسلم. سؤال: فإن قيل ما الحكمة في أن الله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بإنذار عشيرته على الخصوص في قوله: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)}
(3)
بعد أن أرسله إلى كافة الخلق؟ الجواب عنه أن يقال: نزهه الله تعالى بذلك عن مواضع التهمة ولولا ذلك لكان للكفرة أن يقولوا: إنما يفعل ما يفعل بقوّة أقربائه فنصره الله تعالى بالأجانب وأمره بإنذار الأقارب من العشيرة إسقاطا للتهمة والله أعلم. [قاله النعيمي].
5527 -
وعن النعمان بن بشير رضي الله عنهما قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقول أنذرتكم النار أنذرتكم النار حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من
(1)
صحيح مسلم (350)(205) عن عائشة.
(2)
شرح النووي على مسلم (3/ 80).
(3)
سورة الشعراء، الآية:214.
مقامي هذا حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه. رواه الحاكم
(1)
وقال صحيح على شرط مسلم.
قوله: "وعن النعمان بن بشير" تقدم الكلام على مناقبه. قوله: "قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يخطب يقولن: أنذركم النار حتى لو أن رجلا كان بالسوق لسمعه من مقامي هذا، حتى وقعت خميصة كانت على عاتقه عند رجليه" الحديث. الخميصة كساء أسود مربع له علمان والعاتق وهو ما بين المنكب إلى أصل العنق هذا قول أبي عبيدة وقال الأصمعي وهو موضع [الرداء][من الجانبين]
(2)
.
5528 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارا فجعلت الدواب والفراش يقعن فيها فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقحمون فيها. رواه البخاري
(3)
ومسلم
(4)
.
(1)
الحاكم (1/ 287) وقال: صحيح على شرط مسلم، وأخرجه الطيالسي (ص 107) وأحمد (4/ 268 و 272) والدارمي (2815) والبزار (3214) وابن حبان (644 و 667) و البيهقي في الكبرى (3/ 207) وأبو القاسم الأصبهاني في الترغيب (1032) وأحمد (4/ 272) والواحدي في الوسيط (4/ 505) وابن أبي شيبة (13/ 158) وهناد في الزهد (239) وعبد الله بن أحمد في زيادات الزهد (ص 29) وقال الهيثمي: رجاله رجال الصحيح المجمع 2/ 187 - 188. وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3659).
(2)
سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية.
(3)
صحيح البخاري (3426).
(4)
صحيح مسلم (17)(2284).
5529 -
وفي رواية لمسلم
(1)
إنما مثلي كمثل رجل استوقد نارًا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب يقعن فيها وجعل يحجزهن ويغلبنه فيتقحمن فيها. قال فذلكم مثلي ومثلكم وأنا آخذ بحجزكم عن النار هلم عن النار هلم عن النار فيغلبوني ويقتحمون فيها.
قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم الكلام على ترجمته. قوله صلى الله عليه وسلم: "إنما مثلي ومثل أمتي كمثل رجل استوقد نارًا فجعل الدواب والفراش يقعن فيها. فأنا آخذ بحجزكم وأنتم تقتحمون فيها" الحديث. فقوله: "مثلي ومثل أمتي" هو بفتح الميم أي صفتي وصفة أمتي. وقوله: "كمثل رجل استوقد نار" بمعنى أوقد نارا [وقيل: استوقدها بمعنى أوقد] والسين والتاء زائدتان كما هو مذكور في الحديث الآخر وهو حديث جابر كمثل رجل أوقد نارا. قال الله تعالى: {كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا}
(2)
بمعنى أوقد.
قوله: "فجعل الدواب والفراش يقعن فيها"، الفراش دواب مثل البعوضة واحدتها فراشة وهي التي تطير وتتهافت في السراج أي تسقط فيه بسبب ضعف إبصارها فهي بسبب ذلك تطلب ضوء النهار فإذا رأت المسكينة السراج بالليل ظنت أنها في بيت مظلم وأن السراج كوة في البيت المظلم إلى الموضع المضيء [ما تزال تطلب الضوء وترمي نفسها إلى الكوة فإذا جاوزتها ورأت الظلام ظنت أنها لم تصب الكوة و] لم تقصدها على السداد
(1)
صحيح مسلم (18)(2284).
(2)
سورة البقرة، الآية:17.
فتعود إليها مرة أخرى حتى تحترق. قال الإمام الغزالي فلعلك تظن أن هذا لنقصانها وجهلها، فاعلم أن جهل الإنسان أعظم من جهلها بل صورة الإنسان في الإكباب على الشهوات في التهافت على النار فلا يزال يرمي نفسه فيها إلى أن ينغمس فيها ويهلك هلاكا مؤبدا فليت جهل الآدمي كان كجهل الفراش فإنها باغترارها بظاهر الضوء إن احترقت تخلصت في [الحال] والآدمي يبقى في النار أبدًا الآباد ومدة مديدة ولذلك كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:"إنكم تتهافتون في النار تهافت الفراش وأنا آخذ بحجزكم". وقال تعالى: {يَوْمَ يَكُونُ النَّاسُ كَالْفَرَاشِ الْمَبْثُوثِ (4)}
(1)
شبّههم بالفراش في الكثرة والانتشار والضعف والذلة والتطاير إلى الداعي من كل جانب كما يتطاير الفراش، اهـ.
قوله صلى الله عليه وسلم: "فأنا آخذ بحجزكم" قال النووي
(2)
: روي بوجهين أحدهما: اسم فاعل بكسر الخاء وتنوين الذال المعجمة. والثاني: فعل مضارع بضم الخاء بلا تنوين والأول أشهر وهما صحيحان. وقوله: "بحجزكم" بضم الحاء المهملة وفتح الجيم جمع حجزة بضم الحاء وإسكان الجيم وهو موضع الإزار والسراويل يقال: تحاجز القوم أخذ بعضهم بحجزة بعض وإذا أراد الرجل إمساك من يخاف سقوطه أخذ بذلك الموضع منه. قوله: "وأنتم تقتحمون فيها" أي تلقون أنفسكم فيها، والاقتحام الدخول في الشيء أو في
(1)
سورة القارعة، الآية:4.
(2)
شرح النووي على مسلم (15/ 50).
الأمر الضيق لجاجا ويعبر به عن الهلاك وإلقاء النفس في المهالك وتعريضها لها قصدا ولجاجا، قاله عياض
(1)
. قال النووي
(2)
: مقصود الحديث أنه صلى الله عليه وسلم شبه تساقط الجاهلين والمخالفين بمعاصيهم وشهواتهم في نار الآخرة وحرصهم على الوقوع في ذلك مع منعه إياهم وقبضه على مواضع المنع منهم بتساقط الفراش في نار الدنيا لهواه وضعف تمييزه فكلاهما حريص على هلاك نفسه ساع في ذلك بجهله. وقال أبو العباس القرطبي
(3)
: وهو مثل لاجتهاد نبينا صلى الله عليه وسلم في نجاتنا وحرصه على تخليصنا من الهلكات التي بين أيدينا ولجهلنا بقدر [ذلك] وغلبة شهواتنا علينا، اهـ. قوله صلى الله عليه وسلم في رواية مسلم:"إنما مثلي كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الفراش وهذه الدواب يقعن فيها" تقدم معنى ذلك.
وأما قوله: "فلما أضاءت" الإضاءة فرط الإنارة من الضوء وأضاء جاء متعديا ولازما. قوله: "فجعل يحجزهن ويغلبنه" الحجز المنع. قوله: "فيتقحمن فيها" يتقحمن بياء مثناة من تحت ثم مثناة من فوق ثم قاف مفتوحة ثم حاء مهملة مفتوحة مشددة والتقحم الإقدام والوقوع في الأمور الشاقة بغتة من غير تثبت ولا تروٍ. يقال: اقتحم الإنسان الأمر العظيم
(1)
انظر: مطالع الأنوار على صحاح الآثار (5/ 307) كشف المناهج والتناقيح في تخريج أحاديث المصابيح (1/ 131).
(2)
شرح النووي على مسلم (15/ 50).
(3)
المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (19/ 26).
وتقحَّمه إذا رمى نفسه فيه من غير رويّة وتثبت وأكثر ما يستعمل في الشدّة والأهوال المخيفة. قوله: "هلم عن النار هلم عن النار" وهلم بفتح الهاء وضم اللام وفتح الميم وتشديدها، هلم من أسماء الأفعال مركبة من ها وَلمَّ من لممت الشيء أي جمعته ويستوي فيه المذكر والمؤنث تقول هلم يا رجل ويا رجلان ويا رجال [ويا امرأة ويا نسوة، أي أقول لكم تعالوا وابعدوا عن النار، انتهى].
5530 -
وعن جابر رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذبهن عنها وأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تفلتون من يدي. رواه مسلم
(1)
.
الحجز بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجزة وهي معقد الإزار.
قوله: "وعن جابر" هو ابن عبد الله، تقدم الكلام على مناقبه. قوله صلى الله عليه وسلم:"مثلي ومثلكم كمثل رجل أوقد نارا فجعل الجنادب والفراش يقعن فيها وهو يذُبّهن عنها"، أما الجنادب فهو جمع جندب وفيها ثلاث لغات، جندب بضم الدال وفتحها والجيم مضمومة فيهما والثالث حكاها القاضي عياض
(2)
وجندب بكسر الجيم وفتح الدال والجنادب هذا الصرار الذي يشبه الجراد. وقال أبو حاتم الجندب على خلقة الجراد له أربعة أجنحة كالجرادة وأصغر منها يطير ويصر بالليل صرا شديدا وقيل غيره، وأما
(1)
صحيح مسلم (19)(2285).
(2)
شرح النووي على مسلم (15/ 50).
الفراش فقال الخليل: هو الذي يطير كالبعوض. وقال غيره: ما تراه كصغار البق تطير إلى ضوء الشعلة وتوقع نفسها فيها، واحدها فراشة وتقدم الكلام على الفراش. قوله:"وهو يذبّهن عنها" الذبّ الدفع. قوله صلى الله عليه وسلم: "وأنا آخذ بحجزكم عن النار"، الحجز بضم الحاء وفتح الجيم جمع حجزة [كبُرَق وبُرْقة، والحجزة] معقد الإزار، اهـ. قاله الحافظ، وقال بعض العلماء: الحجز جمع حجزة كبُرق وبرقة والحجزة معقد الإزار والسراويل واستعير الأخذ بالحجزة للمنع الشديد لأن الذي يمنع صاحبه عن الشيء يستمسك به ليكون المنع أقوى مع أن المأخوذ إذا أخذ بحجزته امتنع بما يمتنع منه حذرا من انحلال عقد الإزار وبدء وظهور السوءة. قوله: "تفتلتون" وفي نسخة تفلتون، والتفلت التخلص وأصل تفلتون تتفلتون فحذفت التاءين تخفيفا، وروي بوجهين أحدهما فتح التاء والفاء واللام المشددة والثاني ضم التاء وإسكان الفاء وكسر اللام المخففة وكلاهما صحيح، يقال أفلت مني وتفلت إذا نازعك الغلبة والهرب ثم غلب وهرب ومعنى التمثيل [أنكم]
(1)
في جرأتكم [على]
(2)
المعاصي الموبقة وجهلكم بما ترتب عليها وعدم التفاتكم إلى صنيعي معكم كالفراش في جرأتها على النار واغترارها بحسن منظرها ولطافة جوهرها وجهلها على ما يعود إليها من مضرتها، اهـ.
(1)
هكذا في الأصل وهو الصواب، وفي النسخة الهندية:(أنا).
(2)
سقطت هذه العبارة من النسخة الهندية، والصواب إثباتها.
5531 -
وروي عن كليب بن حزن رضي الله عنه قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول اطلبوا الجنة جهدكم واهربوا من النار جهدكم فإن الجنة لا ينام طالبها وإن النار لا ينام هاربها وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره وإن الدنيا محفوفة باللذات والشهوات فلا تلهينكم عن الآخرة رواه الطبراني
(1)
.
قوله: "وروي عن كليب بن حزن" هو كليب بن جزي بن معاوية بن خفاجة بن عمرو بن عقيل العقيلي وقيل: كليب بن حزن، كذا أخرجه أبو عُمر، وفي بعض نسخ كتابه: كليب بن جرز، بالجيم والراء والزاي.
قوله "اطلبوا الجنة جهدكم واهربوا من النار جهدكم" والطلب والهرب شيئان متضادان وهما معروفان والجهد كذا قوله صلى الله عليه وسلم: "وإن الآخرة اليوم محفوفة بالمكاره وإن الدنيا محفوفة باللذات والشهوات فلا تلهينكم عن الآخرة"، الحديث. المكاره كل ما شق على النفس فعله ويصعب عليها عمله كالطهارة في السبرات أي في شدة البرد وغيرها من أعمال الطاعات والصبر على المصائب والمصيبات وجميع المكروهات والشهوات كل ما يوافق النفس ويلائمها وتدعو إليه ويوافقها وأصل الجفاف الدائر بالشيء المحيط به الذي لا يتوصل إليه إلا بعد أن يُتخطى فمثّل النبي صلى الله عليه وسلم المكاره والصبر عليها والنار لا ينجى منها إلا بترك الشهوات وفطام النفس عنها، قاله القرطبي
(2)
.
(1)
الطبراني في المعجم الكبير (19/ 200) رقم (449) وفي الأوسط (3643)، وعنه أبو نعيم في صفة الجنة (30)، وقال الحافظ ابن حجر: ويعلى بن الأشدق: متروك (الإصابة 5/ 622) وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (2120).
(2)
التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: 801)، المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (23/ 26).
5532 -
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها. رواه الترمذي
(1)
وقال هذا حديث إنما نعرفه من حديث يحيى بن عبيد الله يعني ابن موهب التيمي.
قال الحافظ قد رواه عبد الله بن شريك عن أبيه عن محمد الأنصاري
(2)
والسدي عن أبيه عن أبي هريرة أخرجه البيهقي
(3)
وغيره.
قوله: "وروي عن أبي هريرة" تقدم الكلام على مناقبه. قوله صلى الله عليه وسلم: "ما رأيت مثل النار نام هاربها ولا مثل الجنة نام طالبها" تقدم معنى الهرب والطلب.
قوله: "من حديث يحيى بن عبيد الله" يعني ابن موهب التيمي وثقه القطان وضعفه جدا البقية. قوله: "وأخرجه البيهقي من رواية عبد الرحمن بن شريك" عبد الرحمن بن شريك بن عبد الله النخعي الكوفي قال أبو حاتم: واهي الحديث. وذكره ابن حبان في "كتاب الثقات"، وقال: ربما أخطأ.
(1)
سنن الترمذي (2601)، وأخرجه ابن المبارك في الزهد (27) وابن الجوزي في العلل المتناهية (1374) وأبو نعيم في صفة الجنة (29) وفي الحلية (8/ 178) وابن عدي في الكامل (7/ 203) والبيهقي في الشعب (383) والقضاعي في مسند الشهاب (791) وأخرجه الطبراني في الأوسط (1638) عن أنس، وأورده الهيثمي في المجمع (10/ 230)، وحسنه الألباني في الصحيحة (953)، وصحيح الترغيب والترهيب (3662)، وصحيح الجامع الصغير (5622).
(2)
مسند البزار = البحر الزخار (9719) وهذا الحديث لا نعلم رواه عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا أبو هريرة رضي الله عنه، ولا نعلم رواه عن السدي، عن أبيه إلا شريك ولا عن شريك إلا عبد الرحمن.
(3)
البيهقي في الشعب (384) عبد الرحمن بن شريك، حدثنا أبي، عن محمد الأنصاري، والسدي، عن أبيه، عن أبي هريرة قال.
5533 -
وعن أنس رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال يا معشر المسلمين ارغبوا فيما رغبكم الله فيه واحذروا مما حذركم الله منه وخافوا مما خوفكم الله به من عذابه وعقابه ومن جهنم فإنها لو كانت قطرة من الجنة معكم في دنياكم التي أنتم فيها حلتها لكم ولو كانت قطرة من النار معكم في دنياكم التي أنتم فيها خبثتها عليكم. رواه البيهقي ولا يحضرني الآن إسناده
(1)
.
قوله: "وعن أنس" هو ابن مالك تقدم. قوله: "يا معشر المسلمين ارغبوا فيما رغبكم الله فيه" واحذروا مما حذّركم الله منه، وخافوا مما خوفكم الله منه" المعشر الجماعة، وتقدم الكلام عليه مبسوطا في النكاح، والرغبة فيما رغب الله فيه هو كذا قوله: "واحذروا مما حذركم الله منه" التحذير هو كذا "وخافوا مما خوفكم الله منه" الحديث، الخوف هو عدم الإقدام على الشيء. قوله: "ومن جهنم" اسم علم لجميع النار سميت بذلك لبعد قعرها، يقال: بئر جهنام إذا كانت عميقة القعر. وقال بعض اللغويين هي مشتقة من الجهومة وهي الغلظ، سميت بذلك لغلظ أمرها في العذاب والله أعلم.
5534 -
وعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بفرس يجعل كل خطو منه أقصى بصره فسار وسار معه جبريل عليه السلام فأتى على قوم يزرعون في يوم ويحصدون في يوم كلما حصدوا عاد كما كان فقال يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء المجاهدون في سبيل الله تضاعف لهم الحسنة بسبعمائة ضعف
(1)
البعث والنشور للبيهقي (546)، وضعفه الألباني في السلسلة الضعيفة (6704)، وضعيف الترغيب والترهيب (2121).
وما أنفقوا من شيء فهو يخلفه ثم أتى على قوم ترضخ رؤوسهم بالصخر كلما رضخت عادت كما كانت ولا يفتر عنهم من ذلك شيء قال يا جبريل من هؤلاء قال هؤلاء الذين تثاقلت رؤوسهم عن الصلاة ثم أتى على قوم على أدبارهم رقاع وعلى أقبالهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع والزقوم ورضف جهنم قال ما هؤلاء يا جبريل قال هؤلاء الذين لا يؤدون صدقات أموالهم وما ظلمهم الله وما الله بظلام للعبيد ثم أتى على رجل قد جمع حزمة عظيمة لا يستطيع حملها وهو يريد أن يزيد عليها قال يا جبريل ما هذا قال هذا رجل من أمتك عليه أمانة الناس لا يستطيع أداءها وهو يريد أن يزيد عليها ثم أتى على قوم تقرض شفاههم وألسنتهم بمقاريض من حديد كلما قرضت عادت كما كانت لا يفتر عنهم من ذلك شيء قال يا جبريل ما هؤلاء قال خطباء الفتنة ثم أتى على جحر صغير يخرج منه ثور عظيم فيريد الثور أن يدخل من حيث خرج فلا يستطيع قال ما هذا يا جبريل قال هذا الرجل يتكلم بالكلمة العظيمة فيندم عليها فيريد أن يردها فلا يستطيع ثم أتى على واد فوجد ريحا طيبة ووجد ريح مسك مع صوت فقال ما هذا قال صوت الجنة تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثر غرسي وحريري وسندسي وإستبرقي وعبقريي ومرجاني وفضتي وذهبي وأكوابي وصحافي وأباريقي وفواكهي وعسلي ومائي ولبني وخمري ائتني بما وعدتني قال لك كل مسلم ومسلمة ومؤمن ومؤمنة ومن آمن بي وبرسلي وعمل صالحا ولم يشرك بي شيئا ولم يتخذ من دوني أندادًا فهو آمن ومن سألني
أعطيته ومن أقرضني جزيته ومن توكل علي كفيته إني أنا الله لا إله إلا أنا لا خلف لميعادي قد أفلح المؤمنون تبارك الله أحسن الخالقين فقالت قد رضيت ثم أتى على واد فسمع صوتا منكرا فقال يا جبريل ما هذا الصوت قال هذا صوت جهنم تقول يا رب ائتني بأهلي وبما وعدتني فقد كثرت سلاسلي وأغلالي وسعيري وحميمي وغساقي وغسليني وقد بعد قعري واشتد حري ائتني بما وعدتني قال لك كل مشرك ومشركة وخبيث وخبيثة وكل جبار لا يؤمن بيوم الحساب قالت قد رضيت فذكر الحديث في قصة الإسراء وفرض الصلاة وغير ذلك. رواه البزار
(1)
عن الربيع بن أنس عن أبي العالية أو غيره عن أبي هريرة.
قوله: "وعن أبي هريرة" تقدم. قوله: "ثم آتي على قوم ترضخ رءوسهم بالصخر" الرضخ عبارة عن كسر رأس الحية، والنوى وما يشبه ذلك وقيل الدق والكسر.
قوله: "ثم آتي على قوم على أدبارهم رقاع وعلى أقبالهم رقاع يسرحون كما تسرح الأنعام إلى الضريع والزقوم ورضف جهنم" الحديث، الدبر والقبل من الإنسان وغيره معروفان، والضريع نبت بالحجاز له شوك كبار، اهـ. والزقوم بفتح الزاي المعجمة شجرة تخرج في أصل الجحيم طلعها
(1)
مسند البزار = البحر الزخار (9518) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (1/ 72): رواه البزار، ورجاله موثقون، إلا أن الربيع بن أنس قال: عن أبي العالية أو غيره. فتابعيه مجهول. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (467).
كأنه رءوس الشياطين، والرضف الحجارة المحماة، وتقدم الكلام على جهنم في الحديث قبله، والله أعلم. قوله:"فذكر الحديث في قصة الإسراء وفرض الصلاة".
تنبيه: ذكر ابن سعد عن الواقدي عن أشياخه أن المعراج كان ليلة السبت لسبع عشرة خلت من رمضان قبل الهجرة إلى السماء وأن الإسراء كان ليلة سبع عشرة من ربيع الأول قبل الهجرة بسنة إلى بيت المقدس وهذا على قول من فرق بين المعراج والإسراء فجعل المعراج إلى السماء كما ذكر في سورة النجم والإسراء إلى بيت المقدس خاصة كما في سورة سبحان. قاله ابن رجب في اللطائف. وقال في موضع آخر منه، وقيل: كان الإسراء في رجب وضعّفه غير واحد، وقيل كان في ربيع الأول وهو قول إبراهيم الحربي وغيره. وقال في موضع آخر: وذكر كعب أن في الكتب السابقة محمد رسول الله ملكه بالشام فمن مكة بدت نبوة محمد صلى الله عليه وسلم وإلى الشام ينتهي ملكه ولهذا أُسري به صلى الله عليه وسلم إلى الشام إلى بيت المقدس كما هاجر إبراهيم من قبله إلى الشام، اهـ. وفرض الصلوات الخمس ليلة المعراج قبل الهجرة بسنة وقيل بستة عشر شهرا، والله أعلم [بالصواب].
قوله: رواه البزار عن الربيع بن أنس عن أبي العالية. البزار اسمه أبو بكر أحمد بن عمرو بن عبد الخالق بن خلاد بن عُبيد الله العتكي الحافظ والربيع بن أنس هو البكري ويقال: الحنفي البصري ثم الخراساني قال أبو حاتم: صدوق قيل: توفي سنة تسع وثلاثين ومائة وقيل: سنة أربعين. روى عن أنس
بن مالك وأبي العالية والحسن البصري كذا وأبو العالية اسمه رفيع بن مهران الرياحي، مولى آمنة، امرأة من بني رياح، بطن من بني تميم. أسلم بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم بسنتين، روى عن علي، وابن عباس، وابن مسعود، روى عنه قتادة، وخالد بن دينار، مات سنة ثلاث وتسعين.
5535 -
وعن أنس رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا، قالوا وما رأيت يا رسول الله قال رأيت الجنة والنار. رواه مسلم
(1)
وأبو يعلى
(2)
.
قوله: "وعن أنس" هو ابن مالك، تقدم. قوله:"والذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا. قالوا: "وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار" الحديث. قال العلماء: مذهب أهل السنة أن الجنة والنار مخلوقان الآن خلافا للمعتزلة في إنكار ذلك وتقدم الكلام على ذلك وسيأتي الكلام على ذلك أيضا والله أعلم.
5536 -
وروي عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم مر بقوم وهم يضحكون فقال تضحكون وذكر الجنة والنار بين أظهركم، قال فما رئي أحد منهم ضاحكًا حتى مات قال ونزلت فيهم {نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ (49) وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ (50)}
(3)
رواه
(1)
صحيح مسلم (112)(426).
(2)
مسند أبي يعلى (3952).
(3)
سورة الحجر، الآية:50.
البزار
(1)
وليس في إسناده من ترك ولا اتهم.
قوله: "وروي عن عبد الله بن الزبير" الصحابي ابن الصحابي أمير المؤمنين هو أول مولود ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة ولدته أسماء بنت الصديق وأتت به النبي صلى الله عليه وسلم فوضعه في حجره وكان رضي الله عنه أطلس لا لحية له، روي له عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثلاثة وثلاثون حديثًا، ذكر البخاري منها ستة وهو أحد العبادلة الأربعة [وكان] صواما قوّاما وصُولا للرحم عظيم المجاهدة قسم الدهر ثلاث ليال ليلة يصلي قائمًا وليلة راكعًا وليلة ساجدًا حتى الصباح وغزى إفريقية فأتاهم ملكهم في مائة ألف وعشرين ألفا والمسلمون عشرون ألفا فنظر ابن الزبير ملكهم قد خرج [في] عسكره فأخذ ابن الزبير جماعة وقصده فقتله وكان الفتح على يده، ولما مات يزيد بن معاوية بويع له بالخلافة سنة أربع وستين واجتمع عليه طائفة أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان ما عدا الشام وجدّد عمارة الكعبة وجعل لها بابين وحج بالناس ثماني حجج وبقي في الخلافة إلى أن حصره الحجاج بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة ثنتين وسبعين وحجّ الحجاج بالناس ولم يزل يُحاصره إلى أن أصابته رمية حجر فمات [وصلبت] جثته وحمل رأسه إلى
(1)
مسند البزار = البحر الزخار (2216) وهذا الحديث لا نعلم أحدا يرويه بهذا اللفظ، عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا ابن الزبير، ولا نعلم له طريقا إلا هذا الطريق، ولا نعلم أن مصعب بن ثابت سمع من ابن الزبير وقال ابن حجر في مختصر زوائد مسند البزار (2/ 925): وموسي ضعيف. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 307): رواه البزار، وفيه موسى بن عبيدة الربذي، وهو ضعيف. وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب والترهيب (2123).
خراسان رضي الله تعالى عنه ورحمه، ذكره الكرماني
(1)
.
قوله: "إن النبي صلى الله عليه وسلم مرّ بقوم وهم يضحكون فقال: تضحكون، وذكر الجنة والنار بين أظهركم؟ فما رئي أحد منهم ضاحكًا حتى مات"، الضحك جائز والأفضل الاقتصار على التبسم كما كان يفعل صلى الله عليه وسلم. قال العلماء: ويكره الإكثار من الضحك وهو في أهل العلم والمراتب أقبح والله أعلم.
5537 -
وَعَن ابْن عمر رضي الله عنهما عَن النَّبِي صلى الله عليه وسلم أَنه خطب فَقَالَ لَا تنسوا العظيمتين الْجنَّة وَالنَّار ثمَّ بَكَى حَتَّى جرى أَو بل دُمُوعه جَانِبي لحيته ثمَّ قَالَ وَالَّذِي نفس مُحَمَّد بِيَدِهِ لَو تعلمُونَ مَا أعلم من أَمر الْآخِرَة لمشيتم إِلَى الصَّعِيد ولحثيتم على رؤوسكم التُّرَاب رَوَاهُ أَبُو يعلى
(2)
.
5538 -
وروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حين غير حينه الذي كان يأتيه فيه فقام إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال يا جبريل ما لي أراك متغير اللون فقال ما جئتك حتى أمر الله عز وجل بمنافخ النار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا جبريل صف لي النار وانعت لي جهنم فقال جبريل إن الله تبارك وتعالى أمر بجهنم فأوقد عليها ألف عام حتى ابيضت ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى احمرت ثم أمر فأوقد عليها ألف عام حتى اسودت فهي سوداء مظلمة لا يضيء شررها ولا يطفأ لهبها والذي بعثك بالحق لو أن قدر
(1)
الكواكب الدراري في شرح صحيح البخاري (2/ 112).
(2)
أخرجه ابن أبى الدنيا في الرقة (102) وصفة النار (2)، وأبو يعلى كما في المطالب (3318). وضعفه الألباني في ضعيف الترغيب (2124) الضعيفة (6898). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.
ثقب إبرة فتح من جهنم لمات من في الأرض كلهم جميعا من حره والذي بعثك بالحق لو أن خازنا من خزنة جهنم برز إلى أهل الدنيا لمات من في الأرض كلهم من قبح وجهه ومن نتن ريحه والذي بعثك بالحق لو أن حلقة من حلق سلسلة أهل النار التي نعت الله في كتابه وضعت على جبال الدنيا لأرفضت وما تقارت حتى ينتهي إلى الأرض السفلى فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حسبي يا جبريل لا ينصدع قلبي فأموت قال فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جبريل وهو يبكي فقال تبكي يا جبريل وأنت من الله بالمكان الذي أنت به فقال وما لي لا أبكي أنا أحق بالبكاء لعلي أكون في علم الله على غير الحال التي أنا عليها وما أدري لعلي أبتلى بما ابتلي به إبليس فقد كان من الملائكة وما أدري لعلي أبتلى بما ابتلي به هاروت وماروت قال فبكى رسول الله صلى الله عليه وسلم وبكى جبريل عليه السلام فما زالا يبكيان حتى نوديا أن يا جبريل ويا محمد إن الله عز وجل قد أمنكما أن تعصياه فارتفع جبريل عليه السلام وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فمر بقوم من الأنصار يضحكون ويلعبون فقال أتضحكون ووراءكم جهنم فلو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلا ولبكيتم كثيرا ولما أسغتم الطعام والشراب ولخرجتم إلى الصعدات تجأرون إلى الله. رواه الطبراني في الأوسط
(1)
وتقدم
(1)
المعجم الأوسط (2583) أخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (157)، وقوام السنة في الترغيب والترهيب (1029)، وقال ابن كثير في البداية والنهاية (20/ 124): قال الضياء: قال الحافظ أبو القاسم - يعني إسماعيل بن محمد بن الفضل: هذا حديث حسن، وإسناده جيد. وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (10/ 387) رواه الطبراني في الأوسط، وفيه سلام الطويل، وهو مجمع على ضعفه. وقال الألباني في الضعيفة (5401)، وضعيف الترغيب والترهيب (2125): موضوع.
شرح بعض غريبه في حديث آخر في ذكر الموت.
قوله: "وروي عن عمر بن الخطاب" هو أمير المؤمنين عمر بن الخطاب بن نفيل بضم النون بن عبد العزى بن رياح بكسر الراء المهملة ثم الياء المثناة تحت وبعد الألف حاء مهملة ابن عبد الله بن قرط بضم القاف بن رزاح بفتح الراء المهملة ثم الزاي المعجمة بن عدي بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر، يلتقي مع النبي صلى الله عليه وسلم في كعب بن لؤي بالهمز وتركه ذكره ابن الفرات في تاريخه وتقدم الكلام عليه مبسوطا في سبب قتله. قوله:"جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم في حينٍ غير حينه الذي كان يأتيه فيه" الحديث، جبريل عليه [الصلاة و] السلام هو رسول رب العالمين إلى أنبيائه تقدم الكلام عليه مبسوطا في كتاب الجمعة، والحين الوقت ومعناه جاءه في وقت غير وقته الذي كان يأتيه فيه. قوله:"لو أن خازنا من خزنة جهنم برز إلى أهل الأرض لمات من في الأرض كلهم" الحديث، برز بمعنى ظهر. قوله:"لو أنّ حلقة من حلق أهل النار وضعت على جبال الدنيا لارفضت وما تقارَّت حتى ينتهي إلى الأرض السفلى" تقدم الكلام على الحلقة وأنها بسكون اللام. وقوله: "لارفضت وما تقارت" معناه كذا قوله: "حسبي يا جبريل" معناه كذا قوله: "ولخرجتم إلى الصعدات تجئرون إلى الله عز وجل" الصعدات الطرقات، وتجأرون معناه تضجون وتستغيثون، وتقدم ذلك.
5539 -
وَرُوِيَ عَن عمر أَيْضا رضي الله عنه أَن جِبْرِيل عليه السلام جَاءَ إِلَى النَّبِي صلى الله عليه وسلم حَزينًا لَا يرفع رَأسه فَقَالَ لَهُ رَسُول الله صلى الله عليه وسلم مَا لي أَرَاك يَا جِبْرِيل حَزينًا قَالَ إِنِّي
رَأَيْت نفحة من جَهَنَّم فَلم ترجع إِلَيّ روحي بعد رَوَاهُ الطَّبَرَانِيّ فِي [الأوسط]
(1)
5540 -
وعن أنس بن مالك رضي الله عنه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال لجبريل ما لي لا أرى ميكائيل ضاحكا قط قال ما ضحك ميكائيل منذ خلقت النار رواه أحمد
(2)
من رواية إسماعيل بن عياش وبقية رواته ثقات.
قوله: "وعن أنس" تقدم الكلام على مناقبه. قوله صلى الله عليه وسلم لجبريل: "ما لي لا أرى ميكال ضاحكا قط" الحديث، ميكائيل عليه السلام هو الملك الموكل كذا قوله:"رواه أحمد من رواية إسماعيل بن عياش".
5541 -
وَرُوِيَ عَن أنس أَيْضا رضي الله عنه قَالَ تَلا رَسُول الله صلى الله عليه وسلم هَذِه الْآيَة
(1)
أخرجه الطبراني في الأوسط (5/ 288 رقم 5340). وقال الهيثمي في المجمع 10/ 386: رواه الطبراني في الأوسط، وفيه علي بن خلف، وهو ضعيف. وضعفه الألباني جدا في الضعيفة (5402) وضعيف الترغيب (2126). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.
(2)
مسند أحمد (13343)، وفي الزهد (ص 88) وابن أبي الدنيا في صفة النار (219) والآجري في الشريعة (ص 395)، وأبو الشيخ في العظمة (384) وابن عبد البر في التمهيد (5/ 9) وعبد الغني المقدسي في ذكر النار (108) م ابن أبي الدنيا في الرقة والبكاء (408). قد ذكره الهيثمي في المجمع (10/ 385)، ثم قال: رواه أحمد من رواية إسماعيل بن عياش عن المدنيين، وهي ضعيفة، وبقية رجاله ثقات. وذكره الدارقطني في الأفراد والغرائب (رسالة المراغي ص 391)، ثم قال: غريب من حديث ثابت عن أنس، وغريب من حديث عمارة بن غزيه عن حميد بن عبيد، عن ثابت، تفرد به أبو اليمان، عن إسماعيل بن عياش. قال زين الدين العراقي: إنه جيد. انظر: تخريج أحاديث الإحياء (4/ 82). وصححه الألباني في صحيح الترغيب والترهيب (3664)، وفي السلسلة الصحيحة (2511) وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (5091).
وقودها النَّاس وَالْحِجَارَة التَّحْرِيم 7 فَقَالَ أوقد عَلَيْهَا ألف عَام حَتَّى احْمَرَّتْ وَألف عَام حَتَّى ابْيَضَّتْ وَألف عَام حَتَّى اسودت فَهِيَ سَوْدَاء مظْلمَة لَا يطفأ لهبها الحَدِيث رَوَاهُ الْبَيْهَقِيّ والأصبهاني
(1)
وَتقدم بِتَمَامِهِ فِي الْبكاء.
5542 -
وعن أنس بن مالك أيضا رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم ولولا أنها أطفئت بالماء مرتين ما استمتعتم بها وإنها لتدعو الله أن لا يعيدها فيها.
رواه ابن ماجه
(2)
بإسناد واه والحاكم
(3)
عن جسر بن فرقد وهو واه عن الحسن عنه وقال صحيح الإسناد.
قوله: "وعن أنس بن مالك" تقدم الكلام على مناقبه. قوله صلى الله عليه وسلم: "إن ناركم هذه جزء من سبعين جزءا من نار جهنم" الحديث، جهنم اسم للنار التي
(1)
أخرجه الأصبهاني في الترغيب (1029)، والبيهقي في البعث (506) والشعب (2/ 234 رقم 778). وقال الألباني: موضوع ضعيف الترغيب (1941) و (2127) و (2134). ولم يدرج الشارح تحته شرحا.
(2)
ابن ماجه (4318). وقال البوصيري في الزوائد: أخرجه الحاكم وقال صحيح الإسناد على شرط الشيخين. وبعضه في الصحيحين من حديث أبي هريرة.
(3)
الحاكم (4/ 593)، وأخرجه ابن أبي الدنيا في صفة النار (155)، وهناد في الزهد (234) موقوفًا. ونفيع هو ابن الحارث الكوفي قال ابن معين: يضع ليس بشيء، وقال الحاكم: روى عن أنس أحاديث موضوعة، وكذبه الجوزجاني والساجي. وقال الحاكم: صحيح الإسناد وتعقبه الذهبي فقال: قلت: جسر واه، وبكر قال النسائي: ليس بثقة وأخرجه البزار (كشف 3489)، من طريق آخر، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد 10/ 388: رجاله ضعفاء على توثيق لين فيهم. وضعفه الألباني في ضعيف الجامع الصغير (2018)، وفي السلسلة الضعيفة (3208)، وضعيف الترغيب والترهيب (2128).
يعذب بها في الآخرة، وهو أعجمي عند الأكثرين. وروى مالك عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: نار بني آدم التي يوقدون جزء من سبعين جزءا من نار جهنم. قالوا: يا رسول الله وإن كانت لكافية، قال: فإنها فضلت بتسعة وستين جزءا، ومعنى قوله:"ناركم هذه جزء من سبعين جزءا" يعني أنه لو جمع كل ما في الوجود من النار التي يوقدها بنو آدم لكان جزءا من أجزاء جهنم المذكورة وبيانه أنه لو جمع حطب الدنيا فأوقد كله حتى صار نارا لكان الجزء الواحد من أجزاء نار جهنم الذي هو من سبعين جزءا أشد من حر نار الدنيا.
تنبيه: معنى الاختصاص بالعدد المذكور راجع إلى علم النبوءة.
5543 -
وعن ابن مسعود رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها. رواه مسلم
(1)
والترمذي
(2)
.
قوله: "وعن ابن مسعود" تقدم الكلام على مناقبه. قوله صلى الله عليه وسلم: "يؤتى بالنار يوم القيامة لها سبعون ألف زمام مع كل زمام سبعون ألف ملك يجرونها" الحديث، ومعنى الحديث أنه يجاء بها من المحل الذي خلقها الله فيه فتدار بأهل المحشر حتى لا يبقى للجنة طريق إلا الصراط كما دل عليه الأحاديث الصحيحة، والزمام ما يُزَمُّ به الشيء أي يشد ويربط. وهذه الأمة التي تُساق جهنم بها أيضا يمنع من خروجها على أهل المحشر فلا يخرج منها إلا
(1)
صحيح مسلم (29)(2842).
(2)
سنن الترمذي (2573).
الأعناق التي أمرت بأخذ من شاء الله أخذه وملائكتها كما وصف الله تعالى: {غِلَاظٌ شِدَادٌ}
(1)
الآية.
تنبيه: قال العلماء: إنما خص النبي صلى الله عليه وسلم بردّها وقمعها وكفها على أهل المحشر دون غيره من الأنبياء لأنه رآها في مسراه وعرضت عليه في صلاته حسبما ثبت في الصحيح. قالوا: وفي ذلك فوائد تسع:
الأولى: أن الكفار لما كانوا يستهزئون به ويكذبون قوله ويؤذونه أشدّ الأذى أراه الله تعالى النار التي أعدها للمستخفين به تطييبا لقلبه وتسكينا لفؤاده.
الثانية الإشارة في ذلك إلى أن من طيب قلبه في شأن أعدائه بالإهانة والانتقام فأولى أن يطيب قلبه في شأن أوليائه وأحبابه بالتحية والشفاعة والإكرام.
الثالثة: ويحتمل أنه عرضها عليه ليعلم منة الله تعالى حين أنقذهم منها ببركته وشفاعته.
الرابعة: ويحتمل أنه عرضها عليه ليكون في القيامة إذا قال سائر الأنبياء نفسي نفسي يقول نبينا وشفيعنا أمتي أمتي وذلك حين تسجر جهنم ولذلك أمر الله تعالى محمدًا صلى الله عليه وسلم فقال جل من قائل: {يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ}
(2)
. قال الحافظ أبو الخطاب ابن دحية: [والحكمة] في
(1)
سورة التحريم، الآية:6.
(2)
سورة التحريم، الآية:8.
ذلك أن تفزع إلى شفاعته أمته ولو لم يؤمنه لكان مشغولًا بنفسه كغيره من الأنبياء.
الخامسة: أن سائر الأنبياء لم يروا قبل يوم القيامة شيئًا منها فإذا [رأوها] شغلتهم أنفسهم عن أممهم فأما نبينا وشفيعنا محمد صلى الله عليه وسلم فقد رأى جميع ذلك فلا يفزع منه مثل ما فزغوا ليقدر على الخطبة وهو المقام المحمود الذي وعده به ربه في القرآن وثبت في صحيح السنة.
السادسة: فيه دليل فقهي على أن الجنة والنار قد خلقهما الله خلافا للمعتزلة المنكرين لخلقهما وهو يجري على ظاهر القرآن في قوله تعالى: {أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ}
(1)
، {أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ}
(2)
والإعداد دليل الخلق.
الثامنة: ويحتمل أنه أراه إياها ليعلم خسة الدنيا في جنب ما أراه فيكون في الدنيا أزهد وعلى شدائدها أصبر حتى يؤديه إلى الجنة فقد قيل: حبذا محنة تؤدي بصاحبها إلى الرخاء وبؤسا لنعمة تؤدي بصاحبها إلى البلاء.
التاسعة: ويحتمل أن الله سبحانه وتعالى أراد ألا يكون لأحد كرامة لا تكون لمحمد صلى الله عليه وسلم مثلها ولما كان لإدريس عليه السلام كرامة الدخول إلى الجنة قبل يوم القيامة أراد الله سبحانه وتعالى أن يكون ذلك لصفيه ونجيه وحبيبه وأمينه على وحيه محمد صلى الله عليه وسلم وشرف وكرم وعظم وبجل ووقر، قاله الحافظ ابن دحية في كتاب الابتهاج في أحاديث المعراج، ذكره القرطبي في كتاب
(1)
سورة آل عمران، الآية:133.
(2)
سورة البقرة، الآية:24.
التذكرة
(1)
. والله أعلم. قولهم: "قالوا والله إن كانت لكافية" الحديث، إن في مثل هذه الموضع مخففة من الثقيلة عند البصريين وهذه اللام هي الفارقة بين إن النافية والمخففة من الثقيلة وهي عند الكوفيين بمعنى ما واللام بمعنى إلا، تقديره عندهم ما كانت إلا كافية، وعند البصريين إنها كانت كافية، نظيره قوله تعالى:{وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ}
(2)
أي إنها كافية فأجابهم النبي صلى الله عليه وسلم بأنها فضلت عليها في المقدار والعدد بتسعة وتسعين فضلت عليها أيضا في شدة الحر بتسعة وستين ضعفا، اهـ.
تنبيه: ولا يضر تأكد الكلام وتكرره فإنه عليه الصلاة والسلام لما ذكر تفضيل جهنم في الحر بهذه الأجزاء، وقال الصحابة أن حر نار الدنيا كافيا في العقوبة والانتقام أكد النبي صلى الله عليه وسلم ما أخبر به أوّلا بعد سؤال الصحابة وقال إنها فضلت عليها بهذا القدر في الحر والله أعلم.
والإشارة في قوله: "ناركم هذه" يحتمل أن يكون التقريب لحضورها ومشاهدتها ويحتمل أن يكون للتقليل والاحتقار وفيه ترجيح جانب الرحمة "وفي الحديث إن رحمتي تغلب غضبي هو إشارة إلى سعة الرحمة وشمولها الخلق كما يقال غلب على فلان الكرم أي هو أكثر خصاله وإلا فرحمة الله وغضبه صفتان راجعتان إلى إرادته الثواب والعقاب، وصفاته لا توصف بغلبة إحداهما الأخرى وإنما هو على سبيل المجاز للمبالغة والله أعلم. قاله في
(1)
التذكرة بأحوال الموتى وأمور الآخرة (ص: 850).
(2)
سورة البقرة، الآية:143.
النهاية
(1)
اهـ" لأن النار التي هي النقمة المعدة لأهل المخالفة مقدرة قد عرف نسبة زيادتها على نار الدنيا بخلاف الجنة التي هي النعمة المعدة لأهل الطاعة لا تقدير لها ولا نسبة من نعيم الدنيا ولم تحصر في قدر مخصوص كما تقدم والله أعلم، قاله العراقي في شرح الأحكام. فنار الدنيا جزء من سبعين جزءا من نار جهنم وغسلت بالبحرين مرتين حتى أشرقت [وخف] حرها ولولا ذاك ما انتفع بها أهل الدنيا، وهي تدعو إلى الله أن لا يعيدها إليها ومن أعظم ما يذكر بنار جهنم النار التي في الدنيا. قال الله تعالى:{نَحْنُ جَعَلْنَاهَا تَذْكِرَةً}
(2)
يعني أن نار الدنيا جعلها الله تذكرة تُذكر بنار جهنم. مرّ ابن مسعود رضي الله عنه بالحدادين وقد أخرجوا حديدا من النار فوقف ينظر إليه ويبكي.
ورُوي أنه مر على الذين ينفخون الكير فسقط، وكان أويس يقف على الحدادين فينظر إليهم كيف ينفخون الكير ويسمع صوت النار فيصرخ وكان كثير من السلف يخرجون إلى الحدادين ينظرون ما يصنعون بالحديد فيبكون ويتعوذون بالله من النار. رأى عطاء السلمي امرأة قد سجرت تنورها فغشي عليه. قال الحسن: كان عمر رضي الله عنه ربما توقد له النار ثم يُدني يده منها، ثمّ يقول: يا ابن الخطاب هل لك على هذا صبر، وكان الأحنف بن قيس يجيء إلى المصباح فيضع إصبعيه ويقول: حسّ ثم يعاتب نفسه على ذنوبه. أجّج
(1)
النهاية في غريب الحديث والأثر (3/ 377).
(2)
سورة الواقعة، الآية:73.
بعض العُبّاد نارا بين يديه وعاتب نفسه فلم يزل يُعاتبها حتى مات. سؤال: نار جهنم خير أم شر؟ الجواب: قال أبو جعفر النحاس في شرح الأسماء الحسنى ليس هو بخير ولا شر بل هو عذاب وحكمة. "انظر هذا مع قوله تعالى: {وَإِنَّ لِلطَّاغِينَ لَشَرَّ مَآبٍ (55) جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا}
(1)
الآية".
سؤال آخر: ما الحكمة في خلق النار؟ قال النيسابوري: [ليكون] الخلق على هيبة وحرمة لأن النبي صلى الله عليه وسلم علق السوط حيث يراه أهل البيت لئلا يتركوا الأدب. وروي أن الله تعالى قال لموسى عليه الصلاة والسلام: ما خلقت النار بُخلا مني ولكني أكره أن أجمع أعدائي وأوليائي في دار واحدة، وأيضا خلق النار حتى إذا نجوا منها علموا قدر الجنة لأن من لم يُقاس البلاء لم يدر قدر العافية، قاله ابن العماد في كتابه كشف الأسرار
(2)
.
تنبيه: نقل ابن الجوزي في أوائل روضة الناقل ونزهة العاقل
(3)
عن الأصمعي قال: سمعت أعرابيا يقول: [والله] ما خلق الله النار إلا من كرمه جعلها سوطا يسوق به المؤمنين إلى جنته [فيا أيها] الغافل عن نفسه المغرور بما هو فيه عن غده وأمسِه [دع التفكر] فيما أنت مرتحل عنه واصرف الفكر إلى موردك وما أنت ملاقيه فإنك أخبرت أن النار موعد الجميع وأنك قادم على الله وموافيه. قال الله تعالى: {وَإِنْ مِنْكُمْ إِلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّكَ
(1)
سورة ص، الآية:57.
(2)
كشف الأسرار (لوحة 18).
(3)
تهذيب الأسرار (ص 91) للخركوشي.
حَتْمًا مَقْضِيًّا (71)}
(1)
الآية، فأنت من الورود على يقين ومن النجاة على الشك فاستشعر في قلبك هول ذلك المولد. قوله:"وضربت بالبحر مرتين ولولا ذلك ما جعل الله فيها منفعة لأحد" الحديث، ضربت أي غمست غمستين حتى صارت هكذا. قوله في رواية البيهقي: هي أشد سوادا من القار. القار الزفت كما سيأتي. قوله أيضًا: "أو نيف وأربعون" النيف ما زاد على العقد فهو نيف حتى يبلغ العقد الثاني.
(1)
سورة مريم، الآية:71.