المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌باب إن وأخواتها - فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

- ‌بَابُ الكَلَامِ

- ‌بَابُ الإِعْرَابِ

- ‌بَابُ عَلَامَاتِ الرَّفْعِ

- ‌بَابُ عَلَامَاتِ النَّصْبِ

- ‌بَابُ عَلَامَاتِ الخَفْضِ

- ‌بَابُ عَلَامَاتِ الجَزْمِ

- ‌بَابُ قِسْمَةِ الأَفْعَالِ وَأَحْكَامِهَا

- ‌ باب نواصب المضارع

- ‌بَابُ جَوَازِمِ المُضَارِعِ

- ‌المَرْفُوعَاتُ مِنَ الأَسْمَاءِ

- ‌بَابُ الفاعِلِ

- ‌باب النائب عن الفاعل

- ‌بَابُ المُبْتَدَا وَالخَبَرِ

- ‌بَابُ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا

- ‌بَابَ إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا

- ‌بَابُ ظَنَّ وَأَخَوَاتِهَا

- ‌التَّوَابِعُ

- ‌بَابُ النَّعْتِ

- ‌المَعْرِفَةُ وَالنَّكِرَةُ

- ‌بَابُ العَطْفِ

- ‌بَابُ التَّوكِيدِ

- ‌بَابُ البَدَلِ

- ‌المَنْصُوبَاتُ مِنَ الأَسْمَاءِ

- ‌بَابُ المَفْعُولِ بِهِ

- ‌بَابُ المَفْعُولِ المُطْلَقِ

- ‌بَابُ الظَّرْفِ

- ‌بَابُ الحَالِ

- ‌بَابُ التَّمْيِيزِ

- ‌بَابُ الاِسْتِثْنَاءِ

- ‌بَابُ لَا

- ‌بَابُ المُنَادَى

- ‌بَابُ المَفْعُولِ لأَجْلِهِ

- ‌بَابُ المَفْعُولِ مَعَهُ

- ‌المَخْفُوضَاتُ مِنَ الأَسْمَاءِ

- ‌بَابُ الإِضَافَةِ

- ‌خَاتِمَةٌ

الفصل: ‌باب إن وأخواتها

‌بَابَ إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا

هذا هو الباب الثاني من أبواب النواسخ، وهو باب إن وأخواتها، وقدَّم كان على إن لأن كان وأخواتها أفعال، والأصل في العمل هو للأفعال، وإن وأخواتها حروف، والأصل في الحروف والأسماء أن لا تعمل، وإنما تعمل الحروف والأسماء حملاً لها على الأفعال، إذًا الأصل في العمل للأفعال، والحرف الأصل فيه أن لا يعمل، ولذلك إِنْ عمل الحرف فلا بد من سؤال لِمَ عمل؟ والأصل في الاسم أن لا يعمل، فإذا عمل الاسم لا بد من سؤال لِمَ عمل؟ ولذلك بابُ اسم الفاعل، واسم المفعول ونحوها من كل ما يعمل من المشتقات، تجد أن النحاة يذكرون شروطًا لإعمال اسم الفاعل، وشروطًا لإعمال اسم المفعول، وشروطًا لإعمال المصدر، لأن الأصل أن الاسم لا يعمل، فإذا عمل فحينئذٍ لا بد من شروط المراد بها أن يَقْرُب هذا الاسم من الفعل، فكل ما عمل بشرط فحينئذٍ نقول: الأصل فيه أنه لا يعمل، لأن الأصل في العمل هو الفعل، والفعل يعمل بلا شرط، لذلك قُدم باب كان وأخواتها على إن وأخواتها.

بَابَ إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا أي هذا باب بيان عمل إن وأخواتها، وهو النوع الثاني من النواسخ وهو ما ينصب الاسم ويرفع الخبر، فينصب المبتدأ على أنه اسم لإنَّ، وهذا متفق عليه بين البصريين

ص: 369

والكوفيين، على أن إن تدخل على المبتدأ فتنصبه على أنه اسم لها، فالأصل مثلا زيدٌ قائمٌ، فتدخل إنَّ فتقول: إن زيداً قائمٌ، صار المبتدأ منصوباً بعد أن كان مرفوعاً، وكان مرفوعاً بعامل معنوي، ثم صار منصوبًا بعامل لفظي، والعامل اللفظي عندهم أقوى من المعنوي، وقائمٌ خبر إن مرفوعٌ وعلى مذهب البصريين مرفوعٌ بإنَّ، فحينئذٍ إنَّ عاملٌ واحد أحدث النصب في المبتدأ، وأحدث الرفع في الخبر، وأما عند الكوفيين فلا، إنما إنَّ نصبت الاسم فقط، ولم ترفع الخبر، وقائمٌ مرفوع على ما رُفع به قبل دخول إن، فهو حينئذٍ مرفوع بالمبتدأ، وقائمٌ ليس مرفوعاً بإنَّ، وإنما هو مرفوعٌ بزيد، فهو قبل دخول إن كان خبراً ولا زال خبراً، والخبر مرفوع بالمبتدأ، فكذلك بعد دخول إنّ وهذا على مذهب الكوفيين، وهو مذهب ضعيف، لأنه يلزم عليه، أنَّ ثّمَّ عاملاً ينصب ولا يرفع وهذا لا نظير له، وحمل الشيء أو المختلف فيه على ماله نظير، أولى من حمله على ما لا نظير له، وهذه قاعدة قعَّدها السيوطي في الأشباه والنظائر أن حمل الشيء على ماله نظير أولى من حمله على ما لا نظير له، فحينئذٍ نقول كون إن عاملةً النصب، وعاملةً الرفع هذا أولى من القول بأن إنَّ عاملةٌ النصب دون الرفع، فإنَّ تنصب وترفع. سُمع من لغة العرب إنَّ حُراسَنا أُسدا بنصب الجزأين، ومعلوم أن إن ترفع وتنصب، نقول: هذا يُحفظ ولا يقاس عليه، فهو شاذ، وخرَّجه البصريون على أن الخبر محذوف، إن حُراسَنا اسم إن، وأُسدا ليس هو الخبر، وإنما الخبر مُقَدَّر وتقديره: إن حُراسنا يُشبهون أُسدا، فأَسداً هذا معمولٌ للخبر

ص: 370

المحذوف وليس هو

عين الخبر.

بَابَ إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا أي نظائرها في العمل، وهي ستة أحرف، وكلها حروف باتفاق، وعملها نصب المبتدأ على أنه اسم لها، ورفع الخبر على أنه خبر لها، فالرفع الذي أُحدث بعد دخول إن ليس هو عين الرفع قبل دخول إن، فالرفع إذا وجد في موضع ووجد في موضع آخر، فليس هو عين الأول، وإنما هو مغايرٌ له، فرفع الخبر من قولك: زيدٌ قائمٌ، ليس هو عين الرفع بعد دخول إنَّ. قال رحمه الله:

عَمَلُ كَانَ عَكْسُهُ لإِنَّ أَنْ

لَكِنَّ

لَيْتَ وَلَعَلَّ

وَكَأَنْ

تَقُولُ إِنَّ مَالِكًا لَعَالِمُ

وَمِثْلُهُ لَيْتَ الحَبِيبَ قَادِمُ

[عَمَلُ كَانَ] وهو رفع المبتدأ على أنه اسم لها، ونصب الخبر على أنه خبر لها، [عَكْسُهُ] أي خلافه، وهو نصب المبتدأ ورفع الخبر، فحينئذٍ قوله [عَكْسُهُ] المراد به العكس اللغوي لا الاصطلاحي المنطقي، والعكس اللغوي بمعنى خلاف الشئ، والمعنى عمل كان عكسه وخلافه ثابتٌ [لإِنَّ] وعملُ كان مضاف ومضاف إليه، وهو مبتدأ أول، وعكسه مبتدأ ثان، لإن جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر المبتدأ الثاني، والمبتدأ الثاني وخبره في محل رفع خبر المبتدأ الأول. فهذه الجملة جملة كبرى، خبرها جملة اسمية مؤلفة من مبتدأ وخبر، وهي عكسُه لإنَّ مبتدأ وخبر. هذا أحسن ما يُقَال في البيت. ومعنى البيت عمل كان وهو أنها ترفع المبتدأ وتنصب الخبر، عكسه

ص: 371

وهو كونها تنصب المبتدأ وترفع الخبر ثابتٌ لإن، والدليل هو النقل عن العرب، فالعرب نصبت بإن ورفعت بها، والقاعدة إنما تبنى على ما يُنقَل عن العرب، فإن نصبوا بإن ورفعوا بها نصبنا ورفعنا بها، وكل قاعدة مستنبطة عند النحاة فهي موضوعة وضعاً نوعياً لا باعتبار الآحاد، فالعرب نطقت: إن زيداً قائمٌ، فحينئذٍ إذا أردت أن تقول: إن بكراً عالمٌ، لا يشترط أن يكون منقولا عن لغة العرب، بل وضعت العرب إنَّ وأرادت بها التأكيد وتقرير الخبر والنسبة ثم نصبت الاسم ورفعت الخبر بها، فنقول: إذا أدرت أن تتكلم وتؤكد الخبر فتأتي به على هذا النمط، فقد وضعوا لك قاعدة عامة تسير عليها، وكل الذي يدرس تحت هذا الباب إنما هو دراسة للتقعيد والتأصيل، وهذا التقعيد والتأصيل منقول عن لغة العرب، لكن النقل يكون من جهة النوع لا الآحاد. إذًا نقول: إن وأخواتها هذه نصب بها العرب ورفعوا ووضعوها وضعاً نوعياً فنقيس عليه.

قوله: [لإِنَّ] اللام حرف جر، وإن ليست بحرف هنا، وإنما قصد لفظها فهي علم، حينئذٍ نقول الجار والمجرور متعلق بمحذوف خبر. [أَنْ] أي وأنْ على حذف حرف العطف لضرورة الوزن، أي وأنَّ بالتشديد وخففها من أجل الوزن، ولو قيل: أن بالتخفيف أيضاً جاز لأنَّ أنَّ وكذلك إنَّ تعملُ سواء كانت مثقلة أو مخففة بإسقاط إحدى النونين، فتصير على حرفين بعد أن كانت على ثلاثة، والمخففة تعمل لكن بشروط ذِكُرها في المطولات. [لَكِنَّ] أي ولكن يعني ينصب بلكن كما ينصب بإن، و [لَيْتَ] أسقط حرف العطف

ص: 372

للضرورة، [وَلَعَلَّ وَكَأَنْ] هذه ستة أحرف، يكون النصب والرفع بها، فهذه حروف والأصل في الحرف أن لا يعمل، فإذا أعمل لا بد من سؤال لِمَ أُعملت هذه الأحرف؟ والجواب: أنها أشبهت الفعل لفظاً ومعنىً، أما من جهة اللفظ فإن أقل ما يوضع عليه الفعل ثلاثة أحرف، وكذلك الاسم، الواضع فرق بين الحرف والاسم والفعل من حيث الوضع، فوضع الحرف على حرفٍ واحد كباء الجر ولامه أو على حرفين كمن وعن، وما زاد على ذلك فهو خلاف الأصل. وأقل ما يوضع عليه الاسم والفعل معاً ثلاثة أحرف، وما زاد فهو على حسب ما يكون هل هو أصل أو لا؟ فيختلف الاسم عن الفعل ومبحثه فنّ الصرف. إذًا الأصل في الحرف أن يوضع على حرف أو حرفين فإذا وُجد في الحرف أنه موضوع على ثلاثة أحرف مثلُ إن وليت، أو على أربعة مثلُ كأن ولعل، أو على خمسة مثلُ لكن، نقول: قد أشبه الحرف الفعل من جهة اللفظ. وأما من جهة المعنى فعلى ما سيذكره المصنف من معاني هذه الحروف، وهي إن وأن بمعنى الفعل أُأَكِّد، ولكنّ بمعنى أستدرك، وليت بمعنى أتمنى، ولعل بمعنى أترجى، وكأن بمعنى أُشبه، فحينئذٍ هي من جهة المعنى تدل على ما دلت عليه الأفعال، فلهاتين العلتين اللفظية والمعنوية عملت هذه الأحرف، وجدت المشابهة فحُملت على الفعل وهذا هو السر في كون هذه الأحرف مع اختصاصها بالأسماء خرجت عن الجر، لأن الحرف نوعان: مختص، وغير مختص، ما كان مختصاً بالفعل فالأصل فيه أن يعمل، وإذا عمل هل يعمل مطلق

ص: 373

العمل أو العمل الذي يختص به مدخوله؟ هذا فيه نزاع، فإذا اختص الحرف بالفعل المضارع مثلاً، هل الأصل أنه يعمل مطلق العمل، فينصب ويرفع أو نقول: لا، ما دام أن هذا الحرف اختص بالفعل فحينئذٍ يعمل ما اختص به الفعل من أنواع الإعراب وهو الجزم، فحينئذٍ ننظر في الفعل، الفعل اشترك مع الاسم في الرفع والنصب واختص بنوعٍ وهو الجزم، إذًا الأصل أن يعمل الحرف المختص بالفعل المضارع أن يعمل ما اختص به الفعل من أنواع الإعراب هذا هو المشهور، فإذا اختص حرفٌ بالفعل المضارع وعَمِلَ النصب فهذا خرج عن الأصل، وكذلك الأصل في ما اختص بالأسماء أن يعمل ما اختص الاسم به من أنواع الإعراب وهو الجر، كحروف الجر، هنا هذه الأحرف مختصة بالأسماء وخرجت عن الأصل وهو الجر لكونها أشبهت الفعل لفظاً ومعنىً، والفعل لا يجر، إذًا خرجت هذه الأحرف إلى الرفع والنصب للمشابهة المذكورة، والفعل يرفع وينصب ولا يجر.

لكن يُشترط لإعمال هذه الحروف شرطان: الأول: أن لا تقترن بهنَّ ما الحرفية، وتسمى ما الزائدة، وما الكافة، وما المهيئة وكلُّها أسماء لمسمى واحد، فإن اقترنت بهنَّ بطل عملها على المشهور في خمسة منها، ويبقى في ليت فقط، فإذا اتصلت ما الزائدة بإنَّ بطل عملها، تقول: إنَّ اللهَ غفورٌ، فإذا دخلت ما الزائدة تقول: إنما اللهُ غفور بالرفع لأن شرط إعمال إنَّ أن لا تتصل بها ما الحرفية، وتُسمى ما الكافة لأنها كفت إن عن النصب والرفع، ومنه

ص: 374

((إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ)) [النساء:171] اتصلت بها ما الحرفية فبطل عملها. لأن هذه الحروف إنما أُعملت لاختصاصها بالجملة الاسمية فإذا دخلت عليها ما الحرفية، رأينا العرب وكذلك هو في القرآن وهو أفصح، رأينا هذه الحروف قد دخلت على الجملة الفعلية، كقوله تعالى:(كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ)[الأنفال:6] ويساقون هذه جملة فعلية ودخلت عليها إن ولمَّا دخلت ما على إنَّ أزالت اختصاصها بالجملة الاسمية وهيأتها للدخول على الجملة الفعلية، فلما زال اختصاصها بطل عملها، وكذلك قوله:(قُلْ إِنَّمَا يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ)[الأنبياء:108] وأما ليت، فيجوز فيها الإعمال والإهمال وهو الإبطال، يعني يجوز أن تقول: ليتما زيداً قائمٌ، كما تقول: ليت زيداً قائمٌ، ويجوز أن تقول: ليتما زيدٌ قائمٌ بالإهمال، وهذا مذهب الجمهور، والمسألة فيها خلاف. وحجة الجمهور قالوا: باستقراء كلام العرب أن ليت إذا دخلت عليها ما الحرفية بقي اختصاصها بالجملة الاسمية، إذًا لم تُزِل ما الحرفية اختصاص ليت بالجملة الاسمية، فلما بقي الاختصاص، بقي العمل فالإعمال على الأصل، وأهملت حملاً على أخواتها، فالإهمال من باب القياس، ليكون الباب مطرداً، ولذلك لا يصح أن يقال: ليتما قام زيد، يعني إذا دخلت ما الحرفية على ليت ولو بطل إعمالها لا يجوز دخولها على الجملة الفعلية، لا تقول زال اختصاصها، لا بل بقي اختصاصها. قال الشاعر:

ص: 375

قَالَتْ أَلَا لَيْتَمَا هَذَا الحَمَامَُ لَنَا

إِلَى حَمَامَتِنَا أَوْ نِصْفَهُ فَقَدِ

روي بالوجهين. قالت ألا ليتما ليت اقترنت بها ما الحرفية، هذا الحمامَ فهذا اسم ليت، وهو في محل نصب بدليل نصب ما بعده الحمام وهو نعت أو عطف أو بدل، ونصبه دليل على أن هذا وهو مبني في محل نصب، وهذا دليل أن ليتما قد أُعملت مع اقتران ما بها. وروي قالت ألا ليتما هذا الحمامُ لنا بالرفع على الإهمال، ولذلك جاز فيه الوجهان. [تَقُولُ إِنَّ مَالِكًا لَعَالِمُ] تقول في مثال إعمال إن وأخواتها: إنَّ مالكاً لعالمُ، فإنَّ: حرف توكيد ونصب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، ومالكاً: اسمها منصوبٌ بها ونصبه فتحة ظاهرة على آخره لأنه اسم مفرد، لعالم: اللام هذه لام الابتداء وهي اللام المزحلقة المؤكدة، وعالمُ خبر إن، وهذا فيه تجوز وهو أن يقال: خبر إنَّ، لأنه إذا قيل: خبر إن كما لو قيل خبر المبتدأ، معناه أن ثم محكوما به ومحكوماً عليه، والمحكوم عليه لا يكون إلاّ اسما، وإذا قُلت خبر إن معناه إنّ مالكاً اسم إنَّ وقد كان مبتدأ في الأصل، وحينئذٍ عالمُ لا شك أنه خبر اسمها، لا خبر إن فإذا قلت: خبرُ إن فالمراد به خبر اسم إن وليس خبراً لإن، لأن إن ليست اسما محكوماً عليه، لأن المحكوم عليه لا يكون إلاّ اسما، بل هي حرف، فهذا فيه تجوز وتسامح فحينئذٍ يكون الكلام على حذف مضاف، وقوله: لَعالمُ هذه اللام تسمى لام الابتداء، وهي اللام المزحلقة، وفائدتها توكيد نسبة الخبر إلى المبتدأ. يَعدُّها أهل البيان من المؤكدات، وأصل التركيب لإن مالكًا عالم لأنها لها صدر الكلام يعني لا تقع إلاّ في

ص: 376

أول الكلام، فاجتمع مؤكدان، لأن إن للتوكيد واللام للتوكيد، وكلُّ منهما له الصدارة في الكلام، فزحلقوا اللام إلى الخبر، لأنهم لو أدخلوا اللام على الاسم، فقيل: إن لمالكاً اجتمعا أيضًا سواءٌ تقدمت اللام أم تأخرت، لأن اجتماع حرفين بمعنى واحد في مكان واحد لا نظير له، فحينئذٍ قالوا: لابد من زَحْلَقَةِ هذه اللام، فلذلك سُميت المزحلقة، زحلقوها من لإن إلى الخبر، هذه تُسمى لام ابتداء وهي تختص بإن، لذلك قال ابن مالك:

وَبَعْدَ ذَاتِ الكَسْرِ تَصْحَبُ الخَبَرْ

لَامُ ابْتِدَاءٍ نَحْوُ إِنَّي لَوَزَرْ

إذًا لابد أن تكون بعد ذاتِ الكسر، ثم قد تدخل على الخبر المتأخر، كما في مثال الناظم، وقد تدخل على معمول الخبر نحو: إن زيداً لَطعامَكَ آكلٌ، فآكلٌ خبرُ إن، وطعامَك مفعولٌ به منصوب بالخبر، يجوز دخول اللام على معمول الخبر إذا توسط بين الاسم والخبر. وقد تدخل على ضمير الفصل إذا توسط بين المبتدأ والخبر، نحو قوله تعالى:(إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ)[آل عمران:62] هذا اسم إن، والقصصُ خبرها، ودخلت اللام على ضمير الفصل الذي وقع بين اسم إن وخبرها، وقد تدخل اللام على الاسم المُتأخر، نحو قوله تعالى:(إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً)[آل عمران:13] فعبرةً اسم إن مؤخر، وفي ذلك خبر مقدم، فدخلت اللام على الاسم بشرط أن يكون متأخرًا، أما لوكان متقدماً فلا يجوز. وإذا كان الخبر ظرفاً أو جارًا ومجروراً جاز توسطه، فإذا جاز توسطه حينئذٍ يتأخرُ الاسم، فإذا تأخر الاسم، جاز أن تدخل عليه لام الابتداء.

ص: 377

والحاصل: أن لام الابتداء تدخل على واحد من أربعة أمور: الخبر المتأخر، والاسم المتأخر، هذان اثنان متأخران، ومعمول الخبر إذا توسط، وضمير الفصل إذا توسط أيضًا. والأمثلة كما سبق بيانه. [تَقُولُ إِنَّ مَالِكًا لَعَالِمُ] نأخذ منه أيضاً أنه لابد من الترتيب، وهذا هو الشرط الثاني لإعمال إن وأخواتها أن يتقدم الاسم على الخبر، ولا يجوز أن يقال: إن قائمٌ زيدًا، وإن جاز في باب كان، كما في قوله تعالى:(وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ)[الروم:47] وقوله: قائماً كان زيدٌ، فجاز أن يتقدم الخبر على الاسم بل على كان نفسها، لأن العامل إذا كان فعلاً فمعمولاته يتوسع فيها من جهة التقديم والتأخير لقوة العامل، أما إذا كان حرفاً فحينئذٍ إعماله ضعيف، كل حرف إذا أُعمل ففيه ضعف، ووجه ضعفه أن الأصل فيه ألاّ يعمل. فحينئذٍ يبقى الترتيب كما هو، إن زيداً عالمُ، لا يُقال: زيداً إن عالمٌ، ولا يقال: إنَّ عالمٌ زيداً، واستثنى الظرف والجار والمجرور إذا وقعا خبرا، كما قال ابن مالك:

وَرَاعِ ذَا التَّرْتِيبَ إِلَاّ فِي الَّذِي كَلَيتَ فِيهَا أَوْ هُنَا غَيرَ البَذِي

ومنه قوله تعالى: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً)[آل عمران:13] إن حرف توكيد ونصب، وفي ذلك جار ومجرور متعلق بمحذوف خبر مقدم، ولعبرةً اسم إن منصوب بها وهو متأخر، والذي جوز هنا تقديم الخبر على المبتدأ، كون الخبر جاراً ومجروراً، لأنهم يتوسعون في المجرورات والظروف ما لا يتوسعون في غيرها. ومنه

ص: 378

قوله تعالى: (إِنَّ لَدَيْنَا أَنكَالًا)[المزمل:12] أنكالاً اسم إن منصوب بها متأخر، ولدينا متعلق بمحذوف خبر إن، وهو ظرف، ولدى بمعنى عند. فحينئذٍ نقول: لدى منصوب على الظرفية متعلق بمحذوف خبر مقدم، والذي جوَّز الفصل بين العامل واسمه بلدينا كونه ظرفاً، وهم يتوسعون في الظروف ما لا يتوسعون في غيرها. إذًا القاعدة العامة يجب التزام الترتيب في معمولي إن، كما مثل الناظم: إن مالكاً لعالمُ، فالترتيب واجب. قال رحمه الله:[وَمِثْلُهُ لَيْتَ الحَبِيبَ قَادِمُ] ومثله في الحكم على ما سبق من كونه ينصب ويرفع، مع لزوم الترتيب، ليت الحبيب قادم، ليت حرف تمنى ونصب مبني على الفتح لا محل له من الإعراب، والحبيبَ اسم ليت منصوب بها ونصبه فتحه ظاهره على آخرة، وقادمُ خبر ليت.

أَكِّدْ بِإِنَّ أَنَّ شَبِّهْ بِكَأَنْ

لَكِنَّ يَا صَاحِ لِلاِسْتِدْرَاكِ عَنْ

وَلِلتَّمَنِّي لَيْتَ عِنْدَهُمْ حَصَلْ

وَلِلتَّرَجِّي

وَالتَّوَقُّعِ

لَعَلْ

شرع في بيان معاني هذه الحروف، فقال:[أَكِّدْ بِإِنَّ أَنَّ] أي لتأكيد الخبر وتقريره، إذا أردت أن تؤكد الخبر فأكده بإن وأن ولم يتعرض لغيرها من المؤكدات لأن المقام مقام بحث في باب إن، فحينئذٍ ذكر إن من المؤكدات مع كثرة المؤكدات، فإن وأن للتأكيد أي تأكيد النسبة، لأن إن لتأكيد الجمل وليست لتأكيد المفردات، فحينئذٍ إذا قيل: إن زيداً عالمُ، فإن ليست لتأكيد زيد الذي هو اسم فقط، ولا لتأكيد عالمُ الذي هو خبر فقط، بل لتأكيد النسبة التي هي

ص: 379

ثبوت العلم لزيد، لأن عندنا في الجملة أربعة أشياء - قبل دخول إن - إذا قيل: زيدٌ قائم، الأول: تصور الموضوع الذي هو زيد المبتدأ أي إدراك معناه، لأنه محكوم عليه، والحُكم على الشيء فرع عن تصوره. والثاني: تصور المحمول الذي هو قائمٌ الخبر أي إدراك معناه، إذ كيف تحكم بشيء وأنت لا تعرفه؟!. والثالث: تصور النسبة بين الموضوع والمحمول الذي هو مضمون الجملة، هل يمكن أن يتصف زيد بالقيام أولا؟ أي ارتباط القيام بزيد يسمى تصور النسبة الحُكمية. والرابع: تصور الوقوع واللاوقوع، وهذه النسبة الحكمية هل هي واقعة بالفعل أو ليست بواقعة؟ يعني هل زيد قائم بالفعل أولم يقم؟. هذه أربعة أشياء، ثم التصور الرابع هو الذي تدخل عليه إن لتوكيده بمعنى ثبوت القيام لزيد في الخارج هو المؤَكد، وليس زيداً فقط، ولا قائماً فقط، ولا النسبة الحكمية، وإنما التصور الرابع الذي يُعبر عنه المناطقة بالتصديق. قال في السلم:

إِدْرَاكُ مُفْرَدٍ تَصَوُّرًا عُلِمْ

وَدَرْكُ نِسْبَةٍ بِتَصْدِيقٍ وُسِمْ

[أَكِّدْ بِإِنَّ أَنَّ] إن وأن يتفقان في أنهما موضوعان لتأكيد الحكم المقترن بأحدهما ونفي الشك عنه، والانكار له، ولذلك اتفق البيانيون على أن خالي الذهن لا يؤكد له الحكم ولو بمؤكد واحد، قال في عقود الجمان:

فَإِنْ تُخَاطِبْ خَالِيَ الذِّهْنِ مِنِ

حُكْمٍ وَمِنْ تَرَدُّدٍ فَلْتَغْتَنِ

عَنِ المُؤَكِّدَاتِ ...............

....................

ص: 380

حينئذٍ إن وأنّ من العبث أن يؤتى بهما في كلام تخاطب به من لا إنكار ولا شك عنده ولا تردد، وإنما يؤتى بمؤكد واحد فأكثر استحسانا أو وجوباً إذا كان المخاطب عنده نوع إنكاركما هو موضح في محله. إذًا يتفقان في أنهما موضوعان لتأكيد النسبة، ويفترقان أنّ إنّ تأتي في أول الكلام، وأنّ لا تأتي في أول الكلام بل لا بد من كلامٍ يسبقها، تقول: أعجبني أنّ زيداً قائمٌ، ولا يصح أن تقول: أن زيداً قائمٌ، لأن أن بالفتح تعد من الحروف المصدرية، يعني التي تسبك مع ما بعدها بمصدر، فحينئذٍ أن مع مدخولها في قوة المفرد لأنه يؤول بمصدر، فإذا أُوِّل بمصدر فحينئذٍ لا بد له من عامل يقتضيه. ولذلك أنَّ وما بعدها تأتي فاعلا ونائب فاعل، وتُجرُّ بحرف الجر وتضاف، لأنها في قوة المفرد فامتنع أن يؤتى بها هو أول الكلام بل لا بد من أن تسبق بكلام، فتقول: أعجبني أنك قائمٌ أي قيامك، ومنه قوله تعالى:(أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنْزَلْنَا)[العنكبوت:51] الآية أي أولم يكفهم إنزالنا فهي فاعل هنا، وقوله تعالى:(قُلْ أُوحِيَ إِلَيَّ أَنَّهُ اسْتَمَعَ نَفَرٌ)[الجن:1] الآية أي قل أُوحي إلي استماع نفر، فهي هنا نائب فاعل.

إذًا إن وأن للتوكيد، والتوكيد عندهم كأنك كررت الجملة مرتين على أقل تقدير، فإذا قلت: إن زيداً عالمٌ أصل التركيب: زيدٌ عالمٌ، زيدٌ عالمٌ فالتأكيد هنا حصل بتكرار الجملة، قيل: مرتين أو ثلاث مرات على الخلاف، زيدٌ عالمٌ ، زيدٌ عالمٌ فَحذفت الجملة الثانية أو الثالثة وجئت بإنّ ، فهي قائمة مقام جملة أُخرى أو جملتين،

ص: 381

ولذلك يقول المفسرون في قوله تعالى:

(لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ)[الشورى:11] كمثله الكاف هنا على الأصح أنها صلة، زائدة فحينئذٍ ليس كمثله شيء في قوة قوله: ليس مثلهَ شيءُ، ليس مثله شيء، ليس مثله شيء، فالجملة مؤكدة ثلاث مرات بتكرارها، فحذفت الجملة الثانية والثالثة أو الثانية فقط فجيء بالكاف صلة. إذًا الجملة المؤكدة بحرفٍ سواء كانت إنّ أو غيرها في قوة تكرار الجملة مرتين أو ثلاث. [شَبِّهْ بِكَأَنْ] أي كأن للتشبيه، والتشبيه: مشاركة أمر لأمر في المعنى سواءٌ كان شريفاً أو خسيساً، فالأول نحو: ليلى كالبدر، والثاني نحو: زيدٌ كالحمار، [شَبِّهْ بِكَأَنْ] فتقول: كأن زيداً أسد، وتأتي للظن كأن زيداً كاتبٌ، ويُفرَّق بين التشبيه والظن في باب كأنَّ بأن تنظر للخبر فإن كان الخبر جامداً كأسد في قولك: كأن زيداً أسدٌ فهي للتشبيه، وإن كان مشتقاً أو فعلا ككاتب في قولك: كأن زيداً كاتبٌ، فهي للظن. [لَكِنَّ يَا صَاحِ لِلاِسْتِدْرَاكِ عَنْ] ياصاح قد سبق بيانه، [لِلاِسْتِدْرَاكِ] الاستدراك هو تعقيب الكلام برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه، وتعقيب الكلام أي أن يعقب الكلام بمعنى يُردف الكلام، تأخذ من هذا أن لكن لا تقع في أول الكلام مثل أن، فلا يصح أن يقال: لكنَّ زيداً قائمٌ، هكذا ابتداءًا بل لابد أن تكون مسبوقةً بكلام، برفع ما يتوهم ثبوته أو نفيه فمثلا تقول: زيدٌ عالمٌ، فيتوهم السامع أنه عامل، وليس كل عالم عاملا فتقول: زيدٌ عالمٌ لكنه فاسق، فرفعت ما يُتوهم ثبوته وهو العمل بالعلم. وتقول: ما زيدٌ شجاعٌ فيتوهم أنه بخيل أو كريم. فتقول: لكنه كريمٌ، يعني نفي

ص: 382

الشجاعة لا يلزم منه نفي الكرم، فتثبت له الكرم، [لَكِنَّ يَا صَاحِ لِلاِسْتِدْرَاكِ عَنْ] بتخفيف النون وأصله عنَّ أي ظهر كون لكن للاستدراك. [وَلِلتَّمَنِّي لَيْتَ عِنْدَهُمْ حَصَلْ] وللتمني جار ومجرور متعلق بقوله حصل، وعندهم عند منصوب على الظرفية، والعامل فيه حصل، أي وليت حصل عندهم للتمني، فليت مبتدأ قُصد لفظه، وحصل بمعنى ثبت للتمني عندهم، والجملة من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ، [عِنْدَهُمْ] أي في حكمهم أي النحاة، فعند هنا بمعنى حُكم لأن الأصل في عند أنها ظرف إما زماني أو مكاني، وفي مثل هذا التركيب -كما سبق ذكره - لا يمكن أن تكون ظرفية لا زمانية ولا مكانية، ولكن ذكر صاحب مختار الصحاح أن التركيب الذي تكون فيه عند ولا يمكن حمله على الظرفية الزمانية أو المكانية تكون بمعنى حكم، فإذا قال: زيدٌ عندي أفضلُ من عمرو، فحينئذٍ زيدٌ عندي يعني في حكمي، [وَلِلتَّمَنِّي لَيْتَ عِنْدَهُمْ حَصَلْ] والأصل: ليت حصل عندهم يعني في حكم النحاة حكموا على ليت بأنها للتمني، و [لِلتَّمَنِّي] جار ومجرور متعلق بـ[حَصَلْ] بمعنى وُجد وثبت، و [لَيْتَ] قُصد لفظها مبتدأ، وجملة حصل من الفعل والفاعل في محل رفع خبر المبتدأ. والتمني طلب ما لا طمع فيه أو ما فيه عُسر. فالأول نحو قول الشاعر:

أَلَا لَيْتَ الشَّبَابَ يَعُودُ يَومًا

فَأُخْبِرَهُ بِمَا فَعَلَ المَشِيبُ

قوله: ليت الشبابَ طلب ما لا طمع فيه في الدنيا. والثاني نحو قول الفقير المُعدِم: ليت لي قنطاراً من ذهب، إذًا التمني طلب ما لا

ص: 383

طمع فيه فهذا غير ممكن أو يكون ممكنا لكن فيه عُسرٌ. [وَلِلتَّرَجِّي وَالتَّوَقُّعِ لَعَلْ] يعني لعل تكون للترجي والتوقع، ولَعلَ مبتدأ مؤخر، قُصد لفظها، وللترجي متعلق بمحذوف خبر مقدم، والتوقع معطوف عليه، وفيها أربع لغات: لعلَّ وعلَّ بإثبات اللام الأولى وفتح اللام الثانية، ولعلِّ بإثبات اللام الأولى وكسر اللام الثانية، وعلِّ بحذف اللام الأولى وكسر اللام الثانية، فهذه أربع لغات، واللغة المشهورة الفُصحى لعلَّ. تأتي لعل للترجي وللتوقع، والترجي: هو طلب المحبوب المُستقرَب حصوله. تقول: لعل الله يرحمني، والتوقع المراد به هنا الإشفاق وهو توقع المكروه. تقول: لعل زيداً هالكٌ. وتأتي أيضاً للتعليل كقوله تعالى: (فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّنًا لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ)[طه:44] أي لكي يتذكر. والفرق بين التمني والترجي أن التمني يكون في الممكن وفي غيره، بخلاف الترجي فإنه لا يكون إلَاّ في الممكن. لذلك نقول: هو طلب المحبوب المُستقرب حصوله، إذن لابد أن يكون ممكناً. والتمني يكون في الممكن فيشارك الترجي، وفي غير الممكن الذي هو المستحيل فيفارق الترجي.

ص: 384