الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ ظَنَّ وَأَخَوَاتِهَا
هذا هو النوع الثالث من أبواب النواسخ التي ذكرها الناظم رحمه الله تعالى، وهو ظن وأخواتها وكلها أفعال باتفاق، وأخرها عن باب إنَّ مع كون إنَّ وأخواتها حروفا، لكون إنَّ بقي معها أحد ركني الإسناد وهو الرفع للخبر، كقولك: إنَّ زيداً قائمٌ، فقائمٌ مرفوع، والرفع إعراب العمد، وأما نحو: ظننت زيداً قائماً، هذا منصوب، والنصب في الأصل إعراب للفضلات، إذاً لما بقي أحد ركني الإسناد في باب إنَّ وهو أولى بالاعتبار من كون العامل فعلاً أو حرفاً، قدَّم باب إنَّ على باب ظن وأخواتها. وظن وأخواتها من النواسخ التي تدخل على المبتدأ والخبر فتنصبهما على أنهما مفعولان لظن وأخواتها، والأصل: زيدٌ قائمٌ، فدخلت ظنَّ فنصبت المبتدأ على أنه مفعول أول لظن، ونصبت الخبر على أنه مفعول ثان لظن. والأصل في العوامل التي تدخل على الجُمَل أنها لا تعمل ولا تؤثر، هذا هو الأصل لكن قيل: نصبت ظن وأخواتها مفعولين على التشبيه بأعطيت؛ لأن أعطى وكسى تنصب مفعولين، والفرق بين البابين أن باب كسى وأعطى لا يختص بجملة المبتدأ والخبر يعني لا يكون المفعول الأول مبتدأ في الأصل، ولا المفعول الثاني خبراً في الأصل، نحو قولك: أعطيت زيداً ديناراً، فزيداً مفعول أول، وديناراً مفعول ثان، إذا حذفت العامل أعطيت هل يصح رفع الجزئيين على أنهما مبتدأ وخبر فتقول: زيدٌ دينارٌ؟ نقول: لا يصح ذلك أبدا. إذًا أعطى
تنصب مفعولين لكن ليس أصلهما المبتدأ والخبر، لكن قولك: ظننت زيداً قائماً، إذا حذفت العامل ظن تقول: زيدٌ قائمٌ، إذًا أصل المفعولين في باب ظن المبتدأ والخبر، شُبهت ظن بأعطى، والأصل في أعطى أنها تنصب مفعولين لأنها لم تدخل على الجملة، كما مثلنا بنحو: أعطيت زيداً ديناراً، فحينئذٍ نصبت مفعولين شُبهت بها ظن فنصبت مفعولين أيضًا. إذاً تفتقر ظن إلى مفعولين المفعول الأول وهو المبتدأ في الأصل، والمفعول الثاني وهو الخبر في الأصل، ولذلك سميت ناسخاً لأنها نسخت حكم المبتدأ والخبر من الرفع إلى النصب، والعامل ظن. قد تسدُّ أنَّ الثقيلة مقام المفعولين، نحو: ظنت أنَّ زيداً قائم، فظننت فعل وفاعل، وهي تدخل على المبتدأ والخبر في الأصل، ولكن ليس عندنا هنا مبتدأ ولا خبر، نقول: أنَّ في قوة المفرد لأنها تؤول مع ما بعدها بمفرد، فأقيم أنّ ومدخولها مُقام المفعولين، فحينئذٍ تقول: أنَّ وما دخلت عليه من اسمها وخبرها في تأويل مصدر سدَّ مسدَّ مفعولي ظن، وفي الحقيقة ليس عندنا مفعولان بل هو مفعول واحد لأنها كلمة واحدة وهي مصدر، تقديره: ظننت قيام زيد، وهذا ليس بمفعولين إنما هو مفعول واحد. كذلك أنِ المصدرية التي تدخل على الفعل المضارع نحو قوله تعالى:((الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا (2))) [العنكبوت:1، 2] فالناس فاعل، وأن يتركوا أن وما دخلت عليه في تأويل مصدر، سدَّ مسد مفعولي حسب. إذاً ظن وأخواتها تنصب مفعولين أصلهما المبتدأ والخبر، وقد يسُدُّ مسد المفعولين أنَّ المثقلة، وأنْ المصدرية التي تدخل على الفعل المضارع، فيكون معها في تأويل مصدر سد مسد مفعولي ظن.
ظن وأخواتها بالاستقراء قسمان أي من حيث المعنى، أما من حيث العمل فإنها تنصب المبتدأ والخبر على أنهما مفعولان لها، فهي قسمان: أفعال القلوب، وأفعال التحويل والتصيير، فأفعال القلوب سميت أفعال القلوب لأن معانيها قائمة بالقلب، كالعلم والظن والحسبان، فهذه محلها القلب. وأفعال التحويل والتصيير سميت بذلك لأنها تُفهِم تحولاً وانتقالاً من صفة إلى صفة أخرى. وأفعال القلوب أيضا بالاستقراء قسمان: الأول: منها ما يدل على اليقين بمعنى أنها تفيد في الخبر يقينا، وذَكَرَ الناظم منها ثلاثة أفعال فقط، وهي وجد ورأى وعلم. والثاني: أفعال الرجحان والشك بمعنى أنها تفيد في الخبر شكًا، وذكر الناظم منها خمسة أفعال فقط، وهي ظن وحسب وجعل وزعم وخال. وأما أفعال التصيير والتحويل فذكر منها اتخذ فقط، وقد تأتي جعل أيضًا بمعنى صيَّر، كما تأتي بمعنى علم. قال الناظم - رحمه الله تعالى -:
اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ مُبْتَدَا
…
وَخَبَرًا وَهْيَ ظَنَنْتُ وَجَدَا
رَأَى حَسِبْتُ وَجَعَلْتُ زَعَمَا
…
كَذَاكَ خِلْتُ وَاتَّخَذْتُ
…
عَلِمَا
تَقُولُ قَدْ ظَنَنْتُ زَيدًا صَادِقَا
…
فِي قَوْلِهِ وَخِلْتُ عَمْرًا
…
حَاذِقَا
قوله: [اِنْصِبْ] هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب، لكن هنا يحتمل أنه للوجوب في حال، وأنه لغير الوجوب في حال أخرى، وإذا أردنا تخصيصه بالوجوب فلا بد من تقييده فنقول:[اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ] إذا لم تلغ أو تعلق - وسيأتي معنى الإلغاء والتعليق- لأنه إذا تقدم العامل وتأخر المفعولان نحو: ظننت زيداً
قائماً، فمذهب البصريين وجوب الإعمال حينئذٍ، وأما إذا توسطت ظن بين المعمولين فقلت: زيداً ظننت قائماً، فيجوز الإعمال والإهمال ولا يجب نصب المعمولين، فنحمل قوله:[اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ] على الوجوب إذا تقدم العامل على المعمولين، وأما إذا توسط فيستحب الإعمال وهو النصب، ويجوز الإهمال، وإذا تأخر جاز الوجهان: الإعمال والإهمال، والوجوب والاستحباب المراد بهما الصناعي وليس الشرعي.
[اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ] أي بواحد منها لا كلها، لأنه قال بأفعال القلوب، وأفعال جمع فعل، وأقل الجمع ثلاثة، إذًا لا تنصب المبتدأ والخبر إلا إذا دخلت على الجملة الاسمية أقل ما يصدق عليه أنه أفعال القلوب وهو ثلاثة، فإذا دخل عامل واحد فلا تنصب، وإذا دخل عاملان فلا تنصب، وإذا دخل ثلاثة عوامل نصبت، والجواب أن الإضافة جنسية، والإضافة الجنسية تُبطل معنى الجمعية، فحينئذٍ قوله أفعال القلوب أي بجنس أفعال القلوب الصادق بالواحد.
[اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ مُبْتَدَا وَخَبَرًا] إذاً هذه الأفعال تختص بالدخول على الجملة الاسمية المكونة من المبتدأ والخبر، لكن لا بد من استيفاء الفاعل لما تقرر أن كل فعل لا بد له من فاعل، إذاً [اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ مُبْتَدَا وَخَبَرًا] بعد استيفاء فاعلها فتعطيها أولاً الفاعل ثم تمكنها من نصب المبتدأ والخبر.
ثم شرع في بيان هذه الأفعال، ومثل لها بمثالين فقط، فقال:[وَهْيَ ظَنَنْتُ] الواو واقعة في جواب سؤال مقدر، كأن سائلاً قال: ما هي أفعال القلوب، خبِّرنا بها؟ قال: وهي ظننت، فحينئذ تكون الواو للاستئناف البياني، وهو ما كان واقعاً في جواب سؤال مقدر، لأنه قال أولا [اِنْصِبْ بِأَفْعَالِ القُلُوبِ] هذا إجمال ثم يأتي بعد ذلك ما هي هذه الأفعال؟ فيأتي التفصيل.
[وَهْيَ ظَنَنْتُ] وهي أي أفعال القلوب، مبتدأ، وظننت خبر مفرد قصد لفظه، راعى العطف قبل الحمل أي ظننت وما عطف عليه خبر، لئلا يرد أن الضمير يعود على أفعال القلوب، وعدَّ الناظم منها ثمانية، فحينئذ يصدق قوله: أفعال القلوب على الثمانية الأفعال، وأخبر عنها بظننت وهو واحد فلم يوجد التطابق بين المبتدأ والخبر. [ظَنَنْتُ] الأصل في ظن أنها تدل على الرجحان أي رجحان الخبر في الأصل، فهي موضوعة للدلالة على ترجيح وقوع المفعول الثاني، تقول: ظننت زيداً قائماً، يعني أدركت إدراكاً راجحاً قيام زيدٍ. فالإدراك هنا للخبر الذي اتصف به المبتدأ؛ لأن الأصل في المفعول الأول أنه مبتدأ والأصل في المفعول الثاني أنه خبر. والأصل في الجملة الاسمية الدلالة على اتصاف المبتدأ بمضمون الخبر، فالأصل في ظن أنها تدل على الرجحان، والمراد بالرجحان: إدراك الشيء إدراكًا غير جازم، ثم غير الجازم قد يكون مرجوحا وهو الوهم، وقد يكون راجحا وهو الظن، قال العمريطي في نظم الورقات:
وَالظَّنُّ تَجْوِيزُ امْرِئٍ أَمْرَينِ
…
مُرَجِّحًا
…
لأَحَدِ
…
الأَمْرَينِ
فَالرَّاجِحُ المَذْكُورُ ظَنًّا يُسْمَى
…
وَالطَّرَفُ المَرْجُوحُ يُسْمَى وَهْمَا
وقال في المراقي:
وَالوَهْمُ وَالظَّنُّ وَشَكٌّ مَا احْتَمَلْ
…
لِرَاجِحٍ أَوْ ضِدِّهِ أَوْ مَا اعْتَدَلْ
وقد تأتي ظن لليقين، يعني تستعمل في اليقين، لكنه ليس هو الأصل فيها، نحو:((* إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلَاقٍ حِسَابِيَهْ (20))) [الحاقة:20] وظننت هنا بمعنى اليقين، ولا يجوز حمله على الرجحان. ومنه ((وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ (118))) [التوبة:118] يعني وأيقنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه.
[وَجَدَا] الألف للإطلاق، وهي موضوعة للدلالة على اليقين كقوله تعالى:((تَجِدُوهُعِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرًا وَأَعْظَمَ أَجْرًا ((20))) [المزمل:20] تجدوه الضمير هو المفعول الأول، وخيرًا هو المفعول الثاني، وتجد فعل مضارع لأن هذه الأفعال كما سيأتي تعمل مطلقا سواء كانت بصيغة الماضي وما تصرف منها، ولكن يذكرون الماضي لأنه هو الأصل في الأفعال أن يكون ماضياً ثم يكون مضارعاً ثم يكون أمراً. قال تعالى:((وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ (102))) [الأعراف:102] فأكثر هو المفعول الأول، وفاسقين هو المفعول الثاني، وإن وجدنا: إن مخففة من الثقيلة، فإذا أعملت لا تحتاج إلى علامة ظاهرة، فتقول: إنْ زيداً عالم، وإن أهملت وجب دخول اللام على خبرها، فقيل: لام الابتداء، وقيل: لام زائدة للتأكيد، وقيل:
لام الفرق فرقاً بين إن المخففة من الثقيلة وإن النافية، لأن قولك: إن زيدٌ قائم هل هو إثبات أو نفي؟ لأن إن تأتي نافية بمعنى ما كقوله: ((إِنِالْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ (40))) [يوسف:40] فإن هنا بمعنى ما النافية بدليل وقوع إلا في جوابها، لكن إن زيدٌ قائمٌ هل هو نفي أو إثبات؟ نقول: نفي وإن هذه نافيه وليست هي المخففة من الثقيلة، لأن إن المخففة من الثقيلة إذا أهملت وجب دخول اللام على خبرها، فتقول: إن زيد لقائم، فاللام هي التي فرقت بين كون إن نافية أو مخففه من الثقيلة وهنا قال:((وَإِنْوَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ)) فأكثر هو المفعول الأول، وفاسقين هو المفعول الثاني لوجد. وجملة وجدنا أكثرهم لفاسقين في محل رفع خبر إن المخففة من الثقيلة؛ بدليل دخول اللام على الخبر، واسمها ضمير الشأن. أما إذا كانت وجد من الوجد وهو الحزن أو الحقد فهذه لا تنصب بل تكون لازمة تقول: وجد زيد في نفسه.
[رَأَى] أي ورأى على حذف حرف العطف، ورأى الأصل فيها أنها تدل على اليقين، فهي قلبية بمعنى علم، قال الشاعر:
رَأَيْتُ اللهَ أَكْبَرَ كُلِّ شَيءٍ مُحَاوَلَةً وَأَكْثَرَهُمْ جُنُودًا
رأيت فعل وفاعل، ولفظ الجلالة منصوب على أنه مفعول أول، وأكبرَ بالنصب على أنه مفعول ثان، فرأى هنا بمعنى اليقين. وقد
تأتي بمعنى الظن نحو قوله تعالى: ((* إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6))) [المعارج:6] قيل: يظنونه بعيداً. ((* وَنَرَاهُ قَرِيبًا (7))) [المعارج:7] هذه بمعنى اليقين، أي نعلمه قريباً، إذاً اجتمعت في الآيتين (رأى) بمعنى اليقين، ورأى بمعنى الظن.
[حَسِبْتُ] أي وحسبت على حذف حرف العطف، وحسب الأصل فيها أنها تدل على الرجحان كظن، ومنه ((لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ (11))) [النور:11] تحسبوه الضمير مفعول أول، وشرا مفعول ثان أي لا تظنونه شرا لكم. وتقول: حسبت زيداً تقياً، أي أدركت تقوى زيدٍ إدراكاً راجحاً، وهذا من باب الحسبان، وهو الرجحان وقد تأتي بمعنى اليقين، ومنه قول الشاعر:
حَسِبْتُ التُّقَى وَالجُودَ خَيْرَ تِجَارَةٍ
…
رَبَاحًا إِذَا مَا المَرْءُ أَصْبَحَ ثَاقِلَا
حسبت التقى أي أيقنت أن التقوى والجود خير تجارة. وهذا مما لا شك فيه.
[وَجَعَلْتُ] جعلَ تأتي بمعنى اعتقد، ومنه (وجعلوا الْمَلَائِكَةَ الَّذِينَ هُمْ عِبَادُ الرَّحْمَنِ إِنَاثًا (19))) [الزخرف:19] وجعلوا الواو فاعل، والملائكة منصوب على أنه مفعول أول، وإناثاً مفعول ثان، يعني اعتقدوا أن الملائكة إناثاً. وقد تأتي جعل بمعنى صيّر، فتكون من أفعال التحويل، ومنه قوله تعالى:(فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا)[الفرقان:23] أي صيّرناه هباءً منثوراً. فحينئذ جعل تضم إلى أفعال التحويل والتصيير، وإن كان الأصل فيها أنها من أفعال القلوب.
[زَعَمَا] أي وزعم على حذف حرف العطف، والألف للإطلاق، والأكثر في زعم أنها من باب ظن، حينئذ تدل على الرجحان، ويطلق على الحق والباطل يعني يقال على الحق أنه زعم، ولذلك قال أبو طالب:
وَدَعَوْتَنِي وَزَعَمْتَ أَنَّكَ نَاصِحِي
…
وَلَقَدْ صَدَقْتَ وَكُنْتَ ثَمَّ أَمِينَا
زعم هنا بمعنى الحق والصدق مقابل الباطل، وقد تطلق على القول الذي شُك فيه، ولم يقم عليه دليل، لكن مراد الناظم هنا والنحاة أن الأكثر فيها أن تكون بمعنى الظن، وهو الرجحان، والأكثر في زعم أن تتعدى إلى معموليها بواسطة أنَّ المؤكدة سواء كانت مخففة من الثقيلة أو الثقيلة، فالأول نحو:((* زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا (7))) [التغابن:7]. والثاني نحو قول الشاعر:
وَقَدْ زَعَمَتْ أَّنِّي تَغَيَّرْتُ بَعْدَهَا وَمَنْ ذَا الَّذِي يَا عَزَّ لَا يَتَغَيَّرُ
هذا هو الغالب والأكثر أن يفصل بين زعم ومعموليها بأنّ مخففة كانت أو ثقيلة. وقد تتعدى إلى معموليها بنفسها بلا واسطة، كقول الشاعر:
زَعَمَتْنِي شَيْخًا وَلَسْتُ بِشَيْخٍ
…
إِنَّمَا الشَّيْخُ مَنْ يَدِبُّ دَبِيبَا
زعمتني الياء هي المفعول الأول، وشيخاً هو المفعول الثاني، وتعدت زعم بنفسها.
[كَذَاكَ خِلْتُ] خلت مبتدأ مؤخر، وكذاك خبر مقدم، أي مثل ذاك والمشار إليه ظننت وجد رأى حسبت وجعلت زعما في كونها
تنصب مفعولين خلت، والأصل في خلت أنها تدل على الرجحان فهي من أخوات ظن، يعني تدل على رجحان اتصاف الاسم الذي هو المفعول الأول بمضمون الخبر الذي هو المفعول الثاني. نحو: خلت زيداً أخاك، وقال في النظم: خلت زيداً حاذقاً أي ماهراً. وقد تدل على اليقين، قال الشاعر:
دَعَانِي الغَوَانِي عَمَّهُنَّ وَخِلْتُنِي
…
لِيَ اسْمٌ فَلَا أُدْعَى بِهِ وَهْوَ أَوَّلُ
ولا شك أن الإنسان على يقين من اسمه، وخلتني الياء هي المفعول الأول، واسم مبتدأ مؤخر، ولي خبر مقدم، والجملة في محل نصب المفعول الثاني.
[وَاتَّخَذْتُ] اتخذ بمعنى صير، وهي من أفعال التحويل والتصيير، ومنه (((((((((((((اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا (125))) [النساء:125] فلفظ الجلالة فاعل، وإبراهيم مفعول أول، وخليلا مفعول ثان.
[عَلِمَا] على حذف حرف العطف، والألف للإطلاق، والأصل في علم أنها لليقين، ومنه (((عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ (235))) [البقرة:235]، ((*قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الْمُعَوِّقِينَ مِنْكُمْ (((((((((((((((((لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إِلَيْنَا (18))) [الأحزاب:18]
وقد تأتي بمعنى الظن، ومنه ((* فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ (10))) [الممتحنة:10] أي ظننتموهن مؤمنات؛ لأن الإيمان لا يقطع به، فالإيمان أصله في القلب والاطلاع عليه لا يمكن الوصول إليه بيقين وإنما هو ظن.
تَقُولُ قَدْ ظَنَنْتُ زَيدًا صَادِقَا
…
فِي قَوْلِهِ وَخِلْتُ عَمْرًا حَاذِقَا
[تَقُولُ قَدْ ظَنَنْتُ زَيدًا صَادِقَا فِي قَوْلِهِ] أي تقول في المثال لبعض ما سبق، وتقيس عليه ما بقي، تقول في التمثيل لظن: ظننت زيداً صادقاً في قوله، ظننت فعل وفاعل، وزيداً مفعول أول لظن، وصادقاً المفعول الثاني. وظننت هذا فعل ماض، ونقول: غير الماضي مثله، تقول: أظن زيداً صادقاً، أظن فعل مضارع، والفاعل ضمير مستتر وجوباً تقديره أنا، وزيداً مفعول أول، وصادقا مفعول ثان. وتقول: ظُن زيداً قائماً، وأنا ظآنٌ زيداً قائماً، وزيد مظنون أبوه قائماً، رُفع المفعول الأول وهوأبوه على أنه نائب فاعل، ونُصب الثاني على أنه مفعول ثان، فأقيم المفعول الأول مقام الفاعل، وبقي الثاني على حاله، وعجبت من ظنِّك زيداً قائماً، ظن مصدر، والكاف لها حالان: باعتبار كونها مضافاً إليه فهي في محل جر، وباعتبار كونها فاعلاً فهي في محل رفع، وزيداً قائماً مفعولان للمصدر.
الحاصل أن غير الماضي من باب ظن وأخواتها يعمل عمل الماضي، كما هو الحال في باب كان، فكل ما تصرَّف من ظن وعلم وحسب ووجد وغيرها يعمل عمل الفعل الماضي.
[فِي قَوْلِهِ] جار ومجرور متعلق بقوله: صادقا، [وَخِلْتُ عَمْرًا حَاذِقَا] خلت فعل وفاعل، وعمراً بالنصب على أنه مفعول أول لخال، وحاذقاً أي ماهراً من الحِذْق، وهو مفعول ثان لخال. فهذه الأفعال تدخل على المبتدأ والخبر بعد استيفاء فاعلها فتنصبهما.
من أحكام هذه الأفعال أفعال القلوب الإلغاء والتعليق، فهما حكمان:
والإلغاء من حيث المعنى يخالف التعليق من حيث المعنى، ويختلفان من حيث الحكم أيضاً، لأن الإلغاء جائز، والتعليق واجب. أما من حيث المعنى فالإلغاء هو: إبطال عملها في اللفظ والمعنى، إبطال عمل هذه الأفعال كلها في اللفظ والمعنى، إذاً لا يجب إعمال أفعال القلوب مطلقاً. ويجوز الإلغاء فيما إذا توسطت هذه الأفعال بين معموليها، ويجب فيما إذا تأخرت.
وأحوال هذه الأفعال مع معموليها ثلاثة: إما أن تقول: ظننت زيداً قائماً، وإما أن تقول: زيداً ظننت قائماً، وإما أن تقول: زيداً قائماً ظننت. ولا رابع لها. إذا تقدمت ظن على معموليها وجب إعمالها عند البصريين، ولا يجوز الإلغاء، تقول: ظننت زيداً قائماً، إذاً تقدم العامل ثم المعمول الأول ثم الثاني، فعند البصريين لا يجوز الإلغاء، كما قال ابن مالك:
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لَا فِي الاِبْتِدَا
…
.....................
فاستثنى حالة الابتداء، وأما حالة التوسط، كما إذا قلت: زيداً ظننت قائماً، جاز الإعمال وجاز الإلغاء، الإعمال أي نصب مفعولي ظن بها، فتقول: زيداً ظننت قائماً، زيداً مفعول أول مقدم على عامله، وظننت فعل وفاعل، وقائما مفعول ثان. ويجوز الإلغاء، فتقول: زيدٌ ظننت قائمٌ، فزيد مبتدأ مرفوع بالابتداء، ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، وظننت فعل وفاعل، والجملة معترضة لا محل لها من الإعراب، وقائم خبر المبتدأ مرفوع بالمبتدأ، ورفعه ضمة ظاهرة
على آخره. إذاً جاز الوجهان فيما إذا توسطت بين معموليها، وأيهما أرجح: الإعمال وهو النصب بها، أو الإهمال وهو ترك النصب بها؟ جمهور النحاة على استواء الوجهين بدون ترجيح، وذهب بعضهم ومال إليه ابن هشام في أوضح المسالك إلى أن الإعمال أرجح إذا توسطت هذه الأفعال بين معموليها، فالإعمال أرجح، وهذا هو الأظهر لسببين:
أولاً: أن الإعمال هو الأصل، لأن الأصل في هذه الأفعال أنها تنصب، وليس الإهمال هو الأصل، وإذا اختُلف في الشيء فحمله على الأصل أولى من حمله على خلافه وهو الإهمال، فإعمالاً للأصل تقول: الأرجح الإعمال.
ثانيا: عند إعمالها تكون قد أعملت عاملاً لفظياً وهو ظن، وهو فعل، وعند الإهمال تكون قد قدمتَ العامل المعنوي على اللفظي، لأنك لو رفعته فهو مبتدأ مرفوع بالابتداء، والابتداء عامل معنوي، ومعلوم أن العامل المعنوي أضعف من العامل اللفظي، والعامل اللفظي أقوى من العامل المعنوي، فحينئذ ترجح الإعمال فيما إذا توسطت هذه الأفعال بين معموليها.
الحالة الثالثة: وهي إذا تأخرت، نحو: زيداً قائماً ظننت، فيجوز الإعمال ويجوز الإهمال، فتقول: زيداً قائماً ظننت، فزيداً مفعول به أول لظن مقدم عليه، وقائماً مفعول ثان مقدم وظننت فعل وفاعل. وتقول: زيدٌ قائمٌ ظننت، فزيد مبتدأ، وقائم خبر، وظننت فعل وفاعل، والجملة لا محل لها من الإعراب. وأيهما أولى؟ قالوا:
الإهمال أرجح من الإعمال؛ لأن القاعدة عندهم في الفعل أنه وإن كان أقوى في العمل، بل هو الأصل في العمل، لكن قوته تكون فيما إذا تقدم على المعمول، وأما إذا تأخر فإنه يضعف، ولذلك لما توسط العامل بين معموليه استوى الأمران عند الجمهور، ولم يترجح النصب مع كون العامل فعلاً، لأنه لم يتقدم على معموليه، بل توسط فحينئذ ضعف، فلما تأخر ازداد ضعفاً، فصار الإهمال أولى.
ولذلك قوله تعالى: (إن كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43))) [يوسف:43] الأصل: تعبرون الرؤيا، لكن لما تقدم المعمول على عامله زيدت اللام، وهذه اللام تسمى لام التقوية، زيدت اللام لأن العامل لما تأخر عن معموله ضعف تسلطه عليه، فلا بد من واسطة تقوي عمله، ولذلك قولك: ضربت زيداً، فعل وفاعل ومفعول به، ولا يصح أن يقال: ضربت لزيد، على أن اللام هذه تقوية للعامل ليصل إلى المعمول، هذا وإن سمع في لغة العرب لكنه ليس بقياس، فيحفظ ولا يقاس عليه. أما إذا تقدم المفعول به على العامل يجوز حينئذٍ زيادة اللام، وهذا جائز قياساً مطرداً، فتقول: لزيد ضربت، وإعرابه: لزيد اللام حرف جر زائد وصلة وتوكيد، وزيدٍ مفعول به منصوب ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة حرف الجر الزائد، وزِيد الحرفُ تقويةً للعامل، لأنه لما تقدم عليه معموله، وتأخر هو ضعف تأثيره، فحينئذ لا بد من واسطة، فليس هو كما لو تأخر المعمول في نحو: ضربت زيداً فلا
يحتاج إلى واسطة، زيداً ضربت لا بأس بالإتيان بالواسطة. ولذلك جاء في القرآن:((إِنْكُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ (43))) [يوسف:43] للرؤيا اللام صلة زائدة، والرؤيا مفعول به، وتعبرون فعل مضارع. ومثله الوصف ((* فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ (16))) [البروج:16] الأصل فعال ما يريد، لكن لما أعمل اسم الفاعل، والأصل في الاسم أنه لا يعمل، فحينئذ لما أُعمل عمِل بضعف فاحتاج إلى تقوية. وهنا زيدٌ قائمٌ ظننت، الإهمال أرجح من الإعمال.
إذاً هذا ما يسمى بالإلغاء، لا عمل لها لا في اللفظ ولا في المحل. فإذا تقدمت وجب الإعمال على مذهب البصريين؛ ولذلك لو سمع من لغة العرب ما ظاهره تقدم العامل ثم عدم الأثر وهو نصب المعمولين قالوا: وجب تقدير شيء يجعل الموضع موضع تعليق لا إلغاء، قال ابن مالك:
وَجَوِّزِ الإِلْغَاءَ لَا فِي الاِبْتِدَا
…
وَانْوِ ضَمِيرَ الشَّانِ أَوْ لَامَ ابْتِدَا
فِي مُوهِمٍ إِلْغَاءَ مَا تَقَدَّمَا
…
.........................
يعني إذا سمع من لغة العرب: ظننت زيدٌ قائمٌ، قالوا: نجعل التركيب من التعليق لا من الإلغاء، لأن الإلغاء هنا لا يجوز. هذا هو الحكم الأول وهو الإلغاء، وهو جائز. وكل موضع جاز فيه الإلغاء جاز الإعمال. وإنما يجوز الإلغاء في التوسط والتأخير.
وأما التعليق فهو: إبطال عملها لفظاً لا محلاً، يعني في اللفظ لا تنصب، وإنما يكون النصب في المحل، وذلك فيما إذا توسط بين العامل والمعمول ماله حق الصدارة في الكلام، لأن بعض الحروف والأسماء لها الصدارة في الكلام، فلا يتقدم عليها شيء أبداً، كالاستفهام، ولام الابتداء، وما النافية، وإن النافية كما سيأتي، فهذه لها صدر الكلام فإذا وقعت بين العامل والمعمولين ألغي العمل في اللفظ، وبقي العمل في المحل، وهذا هو حقيقة التعليق إبطال عملها لفظاً لا محلا. إذاً التعليق ليس كالإلغاء، الإلغاء عدم العمل مطلقاً، لا في اللفظ ولا في المحل، وهنا عدم العمل في اللفظ فقط، وأما في المحل فهي عاملة النصب؛ وذلك لاعتراض ماله صدر الكلام بينها وبين معموليها، والمراد بما له صدر الكلام هو ما النافية، نحو: ظننت ما زيدٌ قائمٌ الأصل ظننت زيداً قائماً، فلما توسط بين العامل والمعمولين ما النافية وهي لها صدر الكلام لم يستطع العامل أن يؤثر في لفظ المعمولين، فلم يستطع أن يتجاوز ما النافية فينصب المبتدأ على أنه مفعول أول، وينصب الخبر على أنه مفعول ثان لفظًا، وإنما عمل في المحل دون اللفظ، لكون ما النافية لها صدر الكلام، وإعراب ظننت ما زيدٌ قائمٌ، ظننت فعل وفاعل، وما حرف نفي، وزيد قائم: مبتدأ وخبر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب مفعولي ظننت، فأثر العامل في المحل، ولم يؤثر في اللفظ، لأنه وجد أمامه عَقَبَةً لم يستطع أن يتجاوزها، وإنما استطاع أن يتسلل إلى المحل فقط. ومنه قوله تعالى:(لقد عَلِمْتَ مَا هَؤُلَاءِ يَنْطِقُونَ (65)
[الأنبياء:65] ما نافية، وهؤلاء ينطقون هؤلاء مبتدأ، وينطقون الجملة خبر، والجملة من المبتدأ والخبر في محل نصب معمولي علمت.
كذلك لا النافية، نحو: علمت لا زيدٌ قائمٌ ولا عمرو. فلا النافية لها حق الصدارة، وإعرابه علمت فعل وفاعل، ولا نافية، وزيدٌ قائمٌ مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب مفعولي علم.
وإن النافية، نحو:(وتظنون إِنْ لَبِثْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا (52))) [الإسراء:52] وتظنون فعل مضارع، وإن حرف نفي، وجملة لبثتم إلا قليلا في محل نصب معمولي تظنون.
ولام الابتداء، نحو: علمت لزيد قائمٌ، لزيد اللام لام الابتداء ولها حق الصدارة في الكلام، زيد قائم مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب معمولي علمت.
ولام القسم، مما له صدر الكلام، قال الشاعر:
وَلَقَدْ عَلِمْتُ لَتَأْتِيَنَّ مَنِيَّتِي
…
إِنَّ المَنَايَا لَا تَطِيشُ سِهَامُهَا
قوله: لتأتينَّ منيتي اللام لام قسم، وجملة تأتينَّ منيتي في محل نصب معمولي علمت.
والاستفهام، نحو: علمت أزيد قائم، علمت فعل وفاعل، والهمزة للاستفهام، زيد قائم مبتدأ وخبر، والجملة في محل نصب معمولي علمت.
هذه المذكورات تعد مما له صدر الكلام، يعني لا تقع إلا في أول الكلام، فإذا وقعت بعد أفعال القلوب أبطلت عملها في اللفظ، وبقي عملها في المحل، وهي:
ما النافية، وإن النافية، ولا النافية، ولام الابتداء، ولام القسم، وهمزة الاستفهام.
والدليل على أنها عملت في المحل لا في اللفظ، قول الشاعر:
وَمَا كُنْتُ أَدْرِي قَبْلَ عَزَّةَ مَا البُكَى
…
وَلَا مُوجِعَاتِ القَلْبِ حَتَّى تَوَلَّتِ
والذي ينبني عليه أنك إذا عطفت عليه يجوز أن تعطف عليه بالنصب مراعاة للمحل، فإذا قلت: علمت لزيدٌ قائمٌ وعمراً منطلقاً، يجوز العطف بالنصب، ويجوز وعمروٌ منطلق بالرفع، فلك أن تراعي اللفظ، ولك أن تراعي المحل. فحينئذ لما ظهر أثر المحل في العطف علمنا أن الفعل قد عمل في المحل.
وتقرير الدليل أن يقال: أدري من أفعال القلوب، ما البكى ما استفهامية، وما البكى مبتدأ وخبر، فوقع المبتدأ استفهاماً، وهو مما له صدر الكلام، ثم قال: ولا موجعاتِ هذا معطوف على قوله: ما البكى، وموجعاتِ منصوب، وعلامة نصبه الكسرة نيابة عن الفتحة، لأنه جمع مؤنث سالم، وهو معطوف على محل جملة ما البكى، والعامل في محل ما البكى هو العامل في موجعاتِ. إذًا لما عطف على محل ما البكى بالنصب علمنا أن أدري قد عُلِّق عن العمل في لفظ المفعولين، ولم يعلق عن العمل في المحل؛ ولذلك سمي تعليقاً، قيل:
كالمرأة المعلقة لأن العاملَ عاملٌ وليس بعاملٍ، عامل في المحل، وليس بعامل في اللفظ، يعني كالمرأة المعلقة لا مزوجة ولا مطلقة فلذلك سمي تعليقاً.
إذاً الفرق بين الإلغاء والتعليق من حيث الحقيقة، ومن حيث الحكم. فمن حيث الحقيقة الإلغاء: هو إبطال عملها لفظاً ومحلاً. ومن حيث الحكم: الإلغاء جائز وليس بواجب. والتعليق: هو إبطال عملها لفظاً لا محلاً. والحكم: أنه واجب.