المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌بَابُ المُنَادَى أي هذا باب بيان حقيقة المنادى، وإن كان المنادى - فتح رب البرية في شرح نظم الآجرومية

[أحمد بن عمر الحازمي]

فهرس الكتاب

- ‌بَابُ الكَلَامِ

- ‌بَابُ الإِعْرَابِ

- ‌بَابُ عَلَامَاتِ الرَّفْعِ

- ‌بَابُ عَلَامَاتِ النَّصْبِ

- ‌بَابُ عَلَامَاتِ الخَفْضِ

- ‌بَابُ عَلَامَاتِ الجَزْمِ

- ‌بَابُ قِسْمَةِ الأَفْعَالِ وَأَحْكَامِهَا

- ‌ باب نواصب المضارع

- ‌بَابُ جَوَازِمِ المُضَارِعِ

- ‌المَرْفُوعَاتُ مِنَ الأَسْمَاءِ

- ‌بَابُ الفاعِلِ

- ‌باب النائب عن الفاعل

- ‌بَابُ المُبْتَدَا وَالخَبَرِ

- ‌بَابُ كَانَ وَأَخَوَاتِهَا

- ‌بَابَ إِنَّ وَأَخَوَاتِهَا

- ‌بَابُ ظَنَّ وَأَخَوَاتِهَا

- ‌التَّوَابِعُ

- ‌بَابُ النَّعْتِ

- ‌المَعْرِفَةُ وَالنَّكِرَةُ

- ‌بَابُ العَطْفِ

- ‌بَابُ التَّوكِيدِ

- ‌بَابُ البَدَلِ

- ‌المَنْصُوبَاتُ مِنَ الأَسْمَاءِ

- ‌بَابُ المَفْعُولِ بِهِ

- ‌بَابُ المَفْعُولِ المُطْلَقِ

- ‌بَابُ الظَّرْفِ

- ‌بَابُ الحَالِ

- ‌بَابُ التَّمْيِيزِ

- ‌بَابُ الاِسْتِثْنَاءِ

- ‌بَابُ لَا

- ‌بَابُ المُنَادَى

- ‌بَابُ المَفْعُولِ لأَجْلِهِ

- ‌بَابُ المَفْعُولِ مَعَهُ

- ‌المَخْفُوضَاتُ مِنَ الأَسْمَاءِ

- ‌بَابُ الإِضَافَةِ

- ‌خَاتِمَةٌ

الفصل: ‌ ‌بَابُ المُنَادَى أي هذا باب بيان حقيقة المنادى، وإن كان المنادى

‌بَابُ المُنَادَى

أي هذا باب بيان حقيقة المنادى، وإن كان المنادى في الأصل من باب المفعول به، ولذلك ابن هشام رحمه الله لما ذكر المفعول به في (قطر الندى) قال: ومنه المنادى، ومنه أي من المفعول به، فأصل المنادى أنه مفعول به، لأن قولك: يا زيدُ، أصله: أدعو زيدًا، حُذِفَ الفعل أدعو، وأُنيب مُنابه يا وهي حرف نداء، ثم بُني بعد ذلك، ولذلك نقول في إعراب: يا زيدُ، يا حرف نداء، وزيدُ منادى مبني على الضم في محل نصب، لأن أصله المفعول به. إذًا المنادى جزء من المفعول به، ولذلك بعضهم لا يذكره استقلالاً.

وسبق أن بعض النحاة يرى أنَّ المنادى: يا زيدُ، مما تألف الكلام فيه من اسم وحرف، وهذا منسوب لأبي علي الفارسي، لأنه كما سبق أن الكلام مُرَّكب إما من اسم وفعل، أو من اسمين، هذا أقل ما يتركب منه الكلام، من اسمين أو اسم وفعل، ولا يتركب من فعلين، ولا من حرفين، وهذا متفق عليه، ولا من حرف وفعل على الصحيح، ولا من حرف واسم كذلك، وأبوعلي الفارسي استثنى باب المنادى على جهة الخصوص، وقال: قد يتركب الاسم والحرف فيكون كلاماً مفيداً تاماً، ولا نفتقر هنا إلى مسند ومسند إليه، لأن قولك: يا زيدُ، أفاد فائدة تامة، وإذا أفاد فائدة تامة حينئذٍ يستلزم التركيب المعتبر في حد الكلام، فإذا وجدت الفائدة التامة حينئذٍ

ص: 591

نقول وجد التركيب، ولذلك نقول: الفائدة التامة تستلزم التركيب ولا عكس، قد يكون الكلام مركباً ولكنه ليس مفيداً فائدة تامة وإن أفاد بعض الفائدة، وهي الفائدة الناقصة أو الفائدة التركيبية، فنحو: إنْ قام زيد، هذا مفيد، لكنها فائدة ناقصة، فإن قلت: إن قام زيد قمت، صار مفيدًا فائدة تامة، والمعتبر في حد الكلام عند النحاة أن يفيد فائدة تامة، ولا يمكن أن توجد هذه الفائدة التامة إلا وهو مركَّب، فحينئذٍ كلما وجدت الفائدة التامة وجد التركيب ولا عكس، قد يوجد التركيب وتوجد الفائدة التامة، وقد يوجد التركيب وتنتفي الفائدة التامة، ولمَّا كان قوله: يا زيد مفيدًا فائدة تامة قال أبو علي الفارسي: قد يتركب الكلام من حرف واسم، وهذا خاص بباب النداء، لوجود الفائدة التامة، وهذه تستلزم التركيب المعتبر في حَدِّ الكلام، فلمَّا وجدت الفائدة التامة بقوله: يا زيد وهو منادى قال: إذًا يتركب الكلام من اسم وحرف، لكن أجيب بأن هذا فرع لا أصل، يا زيدُ أفاد فائدة تامة، نعم لكنه لا باعتبار ذاته وإنما باعتبار أصله، لأن التأصيل والتقعيد إنما يكون باعتبار الأصول لا باعتبار الفروع، فحينئذٍ قولك: أدعو زيداً، هو الأصل وهو جملة فعلية، وأفاد فائدة تامة، إذًا المنادى ليس كلاماً باعتبار كونه مركباً من حرف واسم، وإنما بالنظر إلى أصله وهو أنه مؤلف من فعل وفاعل ومفعول به.

[بَابُ المُنَادَى] المنادى اسم مفعول، من نُودي يُنادَى مناداة، والمنادى من أقسام المفعول به الذي حُذف عامله وجوباً، ولهذا كما

ص: 592

ذكرت أن بعضهم لا يخصه ببحث وإنما يجعله قسماً من أقسام المفعول به، لأنه من المفعول به الذي حُذف عامله وهو هنا أدعو، وأصله أدعو زيداً، حذف أدعو وأنيب منابه حرف النداء يا، وجوباً لأنه لا يجوز الجمع بين النائب وما أنيب عنه، لا يجوز الجمع بين النائب وهو يا وما أنيب عنه وهو أدعو، ولذلك وجب الحذف.

المنادى مشتق من النداء، وهو لغةً الطلب مطلقاً بحرف أو بغيره. واصطلاحاً عند النحاة: الطلب بيا أو إحدى أخواتها، وإن قلت: المطلوب إقباله بيا أو إحدى أخواتها، فلا بأس، المطلوب لأنه منادى والنداء هو الطلب، والمنادى هو المطلوب، إقباله بيا أو إحدى أخواتها، ويا أم الباب يعني هي التي تكون أصلاً في النداء، ولذلك تدخل على كل منادى، فكل منادى يصح أن تدخل عليه يا، وتتعين في نداء اسم الله عز وجل، يقال: يا الله، ولا يصح دخول غير يا على لفظ الجلالة، لذلك صارت أم الباب، ولذلك تحذف كما قال الحريري:

وحَذْفُ يَا يَجُوزُ في النِّدَاءِ

كَقَوْلِهِمْ رَبِّ اسْتَجِبْ دُعَائِي

وبعضهم خص الحذف بيا، ولكن الهمزة أيضًا على الصحيح قد تحذف.

أو إحدى أخواتها أي نظائرها في المعنى، ونقول: نظائرها في المعنى، ولا نقول: في العمل كما قلنا في باب إنَّ وأخواتها أي نظائرها

ص: 593

في العمل، وباب كان وأخواتها أي نظائرها في العمل، وهنا نقول يا وأخواتها أي نظائرها في المعنى لا في العمل لأنها ليست عاملة، الهمزة وأي وأيا وغيرها هذه في المعنى مثل يا ينادى بها، كما ينادى بيا، ولا عمل لها على الصحيح وإنما العامل هو الفعل المحذوف، فزيد من قولك: يا زيدُ في محل نصب، والذي أدَّى إلى كون المنادى المفرد العلم في محل نصب هو تعلقه بالفعل المحذوف وجوباً، وهو أدعو، والعرب إذا حذفت شيئا قد تجعله نسياً منسياً فلا يلتفت إليه، وقد تحذف الشيء وتعامله معاملة الموجود، فكأنه موجود فحينئذٍ يتعلق بالمعنى ويكون عاملاً.

وحروف النداء ثمانية: الهمزة، وأي مقصورتين، وممدودتين، نحو: أزيدُ، وآزيدُ، وأي زيْدُ، وآي زَيْدُ، بالمد والقصر وهذه أربعة، ويا، وأيا، وهيا، ووا، وإن كان المشهور أن وا تستعمل في الندبة على جهة الخصوص.

إِنَّ المُنَادَى فِي الكَلَامِ يَأْتِي

خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ لَدَى النُّحَاةِ

المنادى الذي يصح دخول يا عليه خمسةُ أنواع باستقراء كلام العرب، لا يخرج عنها، وله حالان من جهة الإعراب والبناء: حالة بناء، وحالة إعراب وهي النصب، [إِنَّ المُنَادَى] إنَّ حشوكما سبق بيانه، لأن إنَّ للتوكيد، وإنما يؤكد الكلام الذي يقع فيه إنكار أو تردد أو شك من المخاطب، أو ما نُزِّلَ مُنَزَّلَةَ المُتَردِّد أو الشاك، وما عدا ذلك فلا يصِحُّ دخول إنَّ عليه، لأنها للتأكيد، والتأكيد إنما يؤتى به لغرض لأنه زيادة في الكلام، والزيادة الأصل فيها أنها تأتي لمعنى،

ص: 594

والمعنى هنا غير مراد، [فِي الكَلَامِ] جملة النداء يا زيد هل هي كلام؟ نقول: نعم هي كلام؟ وهل هي كلام من جهة اللفظ أو من جهة المعنى أو من جهة اللفظ والمعنى؟ نقول: من جهة اللفظ والمعنى؛ لأنك لو قلت: من جهة اللفظ فقط (يا زيدُ) نقول: الكلام لا يتألف من حرف واسم، إذًا هو كلام لكن ليس من جهة تركُّبه من اسم وحرف فقط، بل لا بد من اعتبار المعنى، وهذا المعنى يكون مراداً من العامل المحذوف وجوباً.

[إِنَّ المُنَادَى] اسم إنَّ، وخبرها قوله:[خَمْسَةُ أَنْوَاعٍ لَدَى النُّحَاةِ] باستقراء كلام العرب لأنَّ البحث بحث النحاة.

المُفْرَدُ العَلَمُ ثُمَّ النَّكِرَهْ

أَعْنِي بِهَا المَقْصُودَةَ المُشْتَهِرَهْ

[المُفْرَدُ العَلَمُ] المفردُ بدل من خمسة، ويصح أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف، تقديره أوَّلها المفرد، ويصح أن يكون مبتدأ خبره محذوف أي منها المفرد، فهذه ثلاثة أوجه، كلها جائزة، والأولى أن يُعرَب بدل مُفَصَّلٍ من مُجمَل، لأن جَعْل الكلام متصلاً بعضُه ببعض كأنه جملة واحدة أولى من فصله وقطعه، لأن جعله خبرًا لمبتدأ محذوف، أو مبتدأ خبره محذوف يصيره جملة مستقلة وليس مرتبطاً بالجملة السابقة، وإذا أعربته بدل مفصل من مجمل، حينئذٍ صار كالجزء من الجملة السابقة، وربْط الكلام بعضه ببعض أولى من فصله، وهذه قاعدة عندهم. [المُفْرَدُ] هذا يُقيَّد بباب المنادى، لأنه ذكر المفرد تحت عنوان (باب المنادى)، وكل مصطلح ذُكر تحت باب معين عند النحاة أو عند غيرهم من أرباب الفنون، فإنما يحمل على

ص: 595

معناه في ذلك الفن إن كان له معنى عام بل وفي جميع الفنون، وإن كان له معنى خاص في باب مُعَيَّن يحمل على المعنى الخاص الذي اندرج تحت ذلك الباب، وهنا المفرد يتنوع عند النحاة باختلاف الأبواب، فهو في باب الإعراب له معنى خاص، وفي باب المثنى والجمع له معنى خاص، وفي باب الإضافة له معنى خاص، وهنا في باب المنادى المفرد هو عين المفرد في باب لا النافية للجنس وهو ما ليس مضافاً ولا شبيهاً بالمضاف. فالمضاف كقولك: غلام زيد، وسيأتينا أن الإضافة نسبة تقييدية توجب جرَّ الثاني منهما أبدا. وزيدٌ علما ليس بمضاف، غلامٌ ليس بمضاف، والزيدان ليس بمضاف، والزيدون ليس بمضاف، ورجال ليس بمضاف، إذًا دخل تحت قولنا: ما ليس مضافاً: المفرد، والمثنى، والجمع بأنواعه، سواء كان جمع تكسير، أو جمع تصحيح لمذكر أو لمؤنث. ولا شبيها بالمضاف: يعني ما أشبه المضاف وهو ما اتصل به شيء من تمام معناه: أن يكون عاملاً في اللفظ، يعني لا يتم معناه إلا بذكر ذلك المتعلِّق، نحو: يا طالعًا جبلاً، يا حرف نداء، وطالعًا اسم فاعل، منصوب لأنه منادى، وهو مفعول به في الأصل إذ أصله أدعو طالعًا جبلاً، واسم الفاعل يعمل فيما بعده، وهنا اعتمد على النداء فقد سبَقه حرف ندا فحينئذٍ يعمل، والفاعل ضمير مستتر تقديره هو، أي طالعًا هو، وجبلاً مفعول به، نقول: جبلاً تعلَّق بقوله: طالعاً، لو نظرت في حد الشبيه بالمضاف: ما تعلق به شيءٌ من تمام معناه، يعني لا يتم المعنى إلا بذكره، فإذا قيل: يا طالعًا، طالعاً ماذا؟ لا يتم المعنى هنا، وليس

ص: 596

كقولك: يا طالعَ جَبَلٍ مضاف ومضاف إليه، وإنما هو منفصل عن المضاف إليه بالتنوين تقول: يا طالعاً

يحتمل معانٍ فإذا قلت: طالعًا جبلاً تَمَّ المعنى، حينئذ صار جبلاً معمولا لطالعًا شبيها بالمضاف، لأنه لو حُذف التنوين وأضيف لصار مضافًا، فتقول: يا طالعَ جبلٍ صار من القسم الأول، ومثله يا ضاربًا زيداً، يا ضاربَ زيدٍ فلو حذف التنوين صار مضافًا، لذلك هو شبيه بالمضاف لأنه منفصل، وإلا لو نظرنا إلى المضاف نفسه نحو: غلامُ زيدٍ، هذا مضاف ومضاف إليه أيضًا المضاف تعلق به شيء من تمام معناه، فغلام لا يتم معناه إلا بكلمة زيد، إذًا تعلق به شيء من تمام معناه، لكن مرادهم هنا أن يكون ثَمَّ انفصال بين الكلمتين، والانفصال هنا حاصل بالتنوين، لأن التنوين يدل على كمال الكلمة وانفصالها عما بعدها، فإذا قيل: يا طالعًا، لا يمكن أن يكون ثَمَّ مضاف ومضاف إليه لأن التنوين قد وُجِدَ في آخر الكلمة الأولى، ومعلوم أنه إذا أضيف اسم إلى اسم وَجَب حذف التنوين من المضاف كما قال ابن مالك:

نُونًا تَلِي الإِعْرَابَ أَوْ تَنْوِينَا

مِمَّا تُضِيفُ احْذِفْ كَطُورِ سِينَا

فحينئذٍ يجب حذف التنوين؛ لأنه يدل على كمال الكلمة، وهنا غلام زيد نقول: زيد المضاف إليه تعلق بغلام المضاف، وهو شيء تَمَّم معنى المضاف، لأن المضاف لا يتم معناه إلا بالمضاف إليه، فحينئذٍ ما الفرق بين المضاف والشبيه بالمضاف؟ نقول: الفرق بينهما أن الجزء الأول من الشبيه بالمضاف يكون منفصلاً تامَّ الانفصال

ص: 597

عن الثاني من جهة اللفظ، وهو لُحوق التنوين به الذي يدل على الانفصال، وإلا لو نظرت إلى الحد: ما اتصل به شيء من تمام معناه. فهو ينطبق على النوعين. إذًا المفرد: ما ليس مضافاً ولا شبيها به. قال: [العَلَمُ] هذا نعت للمفرد، فحينئذٍ يختص هذا النوع الأول من الأنواع الخمسة بالأعلام، فيشمل: زيد، والزيدَان، والزيدون، والهندات، لأنه مفرد في هذا المقام. وإن خصَّ بعض النحاة - كالصبان وغيره -المفرد العلم هنا بزيد فقط، وأما الزيدان والزيدون فيدرجان في النكرة المقصودة، لأنه يقال: يا زيدان، ويا زيدون، فيا زيدان تثنية زيد، وزيد وهو علم إذا ثُنِّيَ وجب سلب العلمية عنه، فوجب تنكيره، لأنه لا يصح تثنية المعرفة، إذًا تُثنى النكرات، والمعارف لا تثنى، حينئذٍ إذا أردت تثنيةَ زيدٍ، أوجمعَ زيدٍ فلا بُدَّ أوَّلاً من سلبه العلمية، فتقدر في نفسك الشيوع وهو معنى النكرة، ثم بعد ذلك تُلحق به ألف الاثنين، أو واو الجماعة فتقول: زيدان، ولذلك صح دخول أل عليه، لأنه يرد أنَّ زيدًا لا يصح دخول أل عليه لأن المعرفة لا تُعرَّف، فلا يصح أن يقال: الزَّيدْ، ونقول: الزيدان، والزيدون، دخلت أل على المثنى وعلى الجمع، وهو جمعُ وتثنيةُ علمٍ مفرد، نقول: لأنه سُلب العلمية فصار نكرة، فزيد بالإجماع معرفة، الزَّيدان بأل معرفة، وزيدان بدون أل نكرة، والزيدان معرفة كزيد، لكن الزيدان معرفة بأل، وزيدٌ معرفة بالعلمية، ولذلك أخرج الصبان يا زيدان، ويا زيدون من المفرد العلم وجعله في النكرة المقصودة، نحو: يا رجلُ إذا أريد به معيَّن كما

ص: 598

سيأتي. والمفرد العلم كقوله سبحانه: ((((((((((يَا نُوحُ قَدْ جَادَلْتَنَا (32))) [هود:32] فنوح مفرد علم.

[ثُمَّ النَّكِرَهْ] ثم هنا ليست على بابها، يعني لا تفيد التراخي وإنما المراد بها الترتيب الذكري، وسبق بيان حقيقة النكرة، والنكرة في باب المنادى قسمان:

نكرة مقصودة، ونكرة غير مقصودة، [أَعْنِي بِهَا] لما كانت النكرة محتملة للنوعين، وهو قد أطلق اللفظ العام وأراد به الخاص، فلا بُدَّ من الاحتراز لدفع الوهم فأتى بالعناية، وكما سبق أن الأكثر في اصطلاح المؤلفين أنهم إذا أرادوا تفسير المفرد أتوا بأي التفسيرية، وقد تستعمل أي في تفسير الجمل، وإذا أرادوا الجمل أتوا بأعني أو يعني بالفعل المضارع وقد يأتون بأي، لكن الأكثر في المفرد أي، والأكثر في الجمل أعني أو يعني، إذًا [أَعْنِي بِهَا] أي أقصد بها أي بالنكرة، فالضمير يعود على النكرة، [المَقْصُودَةَ] أي النكرة المقصودة، [المُشْتَهِرَهْ] عند النحاة في هذا الباب، لأنهم لا يقَسمون النكرة إلى مقصودة وغير مقصودة إلا في هذا المقام، والمراد بالمقصودة هنا أنها معرفة، ولذلك ذكرناها فيما سبق أنها النوع السابع مما أضافه ابن مالك رحمه الله على أنواع المعارف، فهي تُعَدُّ من المعارف، وتعريفها عارض بسبب الإقبال والقصد والنية لأنه لما أقبل على الشخص فقال: يا رجلُ لمعين أراد هنا من اتصف بالرجولة لكنه عيَّن المخاطب، وإلا فاللفظ يصدق على كل من اتصف بمفهوم هذا اللفظ، فإذا أقبل على شخص معين فقال يا

ص: 599

رجل، فحينئذٍ نقول: هذه نكرة لكنها مقصودة، فالمخاطب مُعيَّن، لكنه لو قال: يا رجل، وكان أمامه جمع ولم يقصد بقلبه واحدًا بعينه فهذه نكرة لكنها غير مقصودة. والفرق بينهما يأتي من جهة اللفظ، ويأتي من جهة المعنى، أما من جهة اللفظ فإذا كان الإنسان مخاطَبا فقيل له: يا رجلُ وبناها على الضم، وأنا أسمع هذا الكلام أعلم أنه نكرة مقصودة، وإذا نصبها فقال: يا رجلاً فهي غير مقصودة، وأما المتكلم فحينئذٍ لا يتعين إلا بالنية والقلب فقط، إذا أراد أن يتكلم ثم يأتي بنكرة متى يبنيها ومتى ينصبها؟ نقول: القصد والإقبال هو الذي يعين. إذًا تعريفها عارض بسبب القصد والإقبال، وقيل: بأل محذوفة ونابت عنها يا لكنه ضعيف، والأول أرجح.

المنادى في هاتين الحالتين - المفرد العلم والنكرة المقصودة - يبنى على الضم، فإذا كان المنادى مفردًا علمًا فحكمه البناء على الضم، وإذا كان نكرة مقصودة فحكمه البناء على الضم، فحينئذٍ يستحق المنادى البناء بأمرين: إفراده وتعريفه، والمراد بتعريفه أن يكون المراد به معينًا سواء كان معرفة قبل النداء أو بعد النداء، مثال المعرفة قبل النداء وبعده زيد فهو علَم قبل النداء، وإذا نودي بيا فقيل: يا زيدُ بقي كما هو على حاله من العلمية، خلافًا لمن قال: سُلِبَ العلمية ثم رجعت عليه، والصواب أنه علم قبل دخول حرف النداء، وعَلَم بعد دخول حرف النداء. ومثال المعرفة بعد النداء رجل، فهو نكرة، فإذا قيل: يا رجلُ تعرفت النكرة بالنداء أي بعد النداء، وأما قبل النداء فهي نكرة، ومعرفة بعد النداء بسبب القصد والإقبال عليه، يا رجل تريد به معينًا، يبنى في

ص: 600

النوعين على ما يرفع به لو كان معربًا، حينئذٍ يا زيد، ويازيدان، ويا زيدون، ويامسلمات، وياهندات نقول هذا كله مبني على ما يُرفع به لو كان معربًا، فزيد لو أعربته رفعًا تعربه بالضمة فتقول: جاء زيدٌ حينئذٍ تبنيه على الضم في النداء، فتقول: يا زيدُ، وإعرابه يا حرف نداء، وزيدُ منادى مفرد علم، مبني على الضم في محل نصب مفعول به. وتقول: يازيدان، يا حرف نداء، وزيدان منادى مبني على الألف لأنك لو أعربته في حالة الرفع قبل دخول يا قبل البناء تعربه بالألف نيابة عن الضمة لأنه مثنى، فحينئذٍ زيدان منادى مبني على الألف في محل نصب، إذًا البناء قد يكون بحركة، وقد يكون بحرف. وتقول: يا زيدون منادى مبني على الواو في محل نصب، إذًا بُني في الأول على الضم، وفي الثاني على الألف، وفي الثالث على الواو، لأنه مفرد في هذا المقام، كذلك يا رجلُ، ويا رجلان، ويا رجال، فتقول: يا رجل، فرجل نكرة مقصودة منادى مبني على الضم في محل نصب مفعول به، بنيت على الضم لأنها نكرة مقصودة، وهي تبنى في باب المنادى. ويا رجلان قد يكون المثنى نكرة مقصودة، قد تُقْبِل على اثنين معيَّنين من دون الناس، إذًا صار معينًا، فرجلان منادى مبني على الألف لأنه مثنى، ولأنه نكرة مقصودة وبناؤه على ما يرفع به لو كان مُعْرَبًا، ويا رجال أيضًا يقال فيه ما قيل في رجل، ومنه قوله:((يَا جِبَالُأَوِّبِي مَعَهُ (10))) [سبأ:10] فجبال مفرد نكرة مقصودة. فهذا إذا كان في الأصل أنه مبني على الضم ثم قد يكون ظاهراً وقد يكون مقدرًا كما سيأتي.

ص: 601

ثُمَّتَ ضِدُّ هَذِهِ فَانْتَبِهِ

ثُمَّ المُضَافُ وَالمُشَبَّهُ بِهِ

هذه ثلاثة أقسام: ذكر في البيت الأول قسمين حكمهما البناء، [ثُمَّتَ] هي ثُمَّ زيدت عليها التاء، وهذه التاء تسمى تاء التأنيث، قد تُسَكَّن وقد تُفْتَح، وفتحها كما في قول الشاعر:

ولَقَدْ أَمُرُّ عَلَى اللّئِيمْ يَسُبُّنِي

فَمَضَيْتُ ثُمَّتَ قُلْتُ لَا يَعْنِيْنِي

[ثُمَّتَ] أي ثُمَّ بعد النكرة المقصودة [ضِدُّ هَذِهِ] هذه اسم إشارة يعود إلى النكرة المقصودة، وضد النكرة المقصودة غير المقصودة، لأن الكلام في النكرة وهي قسمان لا ثالث لهما إما أن تكون مقصودة، وإما أن تكون غير مقصودة، ضد المقصودة خلافها هو غير المقصودة، [فَانْتَبِهِ] لأنَّ النكرة غير المقصودة تمييزها عن المقصود يحتاج إلى إعمال ذهن وفكر، كقول الأعمى: يا رجلا خذ بيدي، وأعمى البصر كيف يميز ويقبل على شخص يعينه؟! فحينئذٍ إذا قال الأعمى: يا رجلاً، فرجلا نكرة لكنها غير مقصودة، كذلك قول الواعظ: يا غافلاً اذكر الموت، فالواعظ على منبر أمامه مئات فإذا قال: يا غافلاً نقول: هذه نكرة غير مقصودة، لأنه لم يُعيِّن شخصًا بعينه أقبل عليه بخلاف الأولى، وحكمها النصب. وكذلك قول الأعمى: يا رجلَين خُذا بيدي، إذا لم يقصد اثنين معينين، ويا مسلِمين خذوا بيدي، إذا لم يقصد جماعة معينة. [ثُمَّ المُضَافُ] القسم الرابع من أنواع المنادى المضاف، وسيأتي أن الإضافة نسبة تقييدية توجب جر الثاني منهما أبداً، نحو: يا غلامَ زيد.

ص: 602

[وَالمُشَبَّهُ بِهِ] يعني مشبه بالمضاف لأنه يمكن حذف التنوين من الأول الذي هو العامل فيضاف إلى معموله، فإذا قيل: يا محمودًا فعلُه، فهذا مشبه بالمضاف، ويصح أن تقول: يا محمودَ فعِْلهِِ. وإعراب المثال: يا محمودًا فعله، يا حرف نداء، ومحمودًا منادى منصوب، وفعله نائب فاعل، لأن محمودًا اسم مفعول فيحتاج إلى نائب فاعل، وفعلُه العامل فيه محمودًا، إذًا اتصل به شيء من تمام معناه، ويصح حذف التنوين وإضافته إلى ما بعده. ونحوه: يا طالعًا جبلاًً، فجبلا مفعول به لطالعًا، ويا حسنًا وجهه، فحسنًا صفة مشبهة، ويا رفيقًا بالعباد تعلق به شيء من تمام معناه وهو الجار والمجرور، لكن لا تصح الإضافة هنا.

إذًا ذكر لك خمسة أنواع للمنادى:-

المفرد العلم، ثم النكرة المقصودة، ثم النكرة غير المقصودة، ثم المضاف، ثم المشبه بالمضاف.

فَالأَوَّلَانِ ابْنِهِمَا بِالضَّمِّ

أَوْ مَا يَنُوبُ عَنْهُ يَا ذَا الفَهْمِ

تَقُولُ يَا شَيْخُ وَيَا زُهَيْرُ

وَالبَاقِي فَانْصِبَنَّهُ

لَا غَيْرُ

[فَالأَوَّلَانِ] اللذان هما: المفرد العلم، والنكرة المقصودة، والفاء هذه تسمى فاء الفصيحة، لأنها أفصحت عن جواب شرط مقدر، إذا أردت معرفة حكم كل مما ذكر من الأنواع الخمسة فأقول لك: الأولان، والأولان تثنية أول بمعنى الأسبق، وهنا الأسبق في الحقيقة هو العلم المفرد، وأما النكرة المقصودة فليست بأسبق لأنها

ص: 603

مسبوقة بالمفرد العلم، فحينئذٍ التثنية هنا من باب التغليب، لأنه ليس عندنا إلا أول واحد، الأول: المفرد العلم ثم الثاني النكرة المقصودة، والحاصل قوله: الأولان هذا ملحق بالمثنى، وليس مثنى حقيقة، لأنَّ شرط المثنى أن يكون له ثانٍ في الوجود، وهنا ليس له ثانٍ بل هو واحد، حينئذٍ يكون من باب التغليب كالقمرين. [فَالأَوَّلَانِ ابْنِهِمَا] لا بُدَّ من التقييد أي ابنهما على ما يرفعان به لو كانا معربين، فتنظر في المفرد العلم يرفع بماذا لو كان معربًا؟ تقول: يبنى على ما يرفع به لو كان معربًا، [بِالضَّمِّ] فيما إذا كان العلم المفرد مفردًا، وفيما إذا كانت النكرة المقصودة مفردة أيضًا، نحو: يا زيد، ويا رجل، [أَوْ مَا يَنُوبُ عَنْهُ] أي عن الضمِّ وهو الألف في المثنى، والواو في جمع المذكر السالم، فتقول: يا زيدان ويا زيدون، فيبنى في الأول المثنى بالألف، ويبنى في الثاني جمع التصحيح بالواو، كذلك في النكرة يا رجلُ، ويا رجلان، ويا رجال.

[فَالأَوَّلَانِ ابْنِهِمَا بِالضَّمِّ] ومحلهما النصب، فالبناء يكون تابعًا للفظ، وأما المحل فهذا للنصب، لأنَّ العامل المحذوف لم يُجْعل نَسيًا منسيًّا، فالعامل المحذوف وهو الفعل لم يُترك ويُهجر، بل له اعتبار وله معنى على القاعدة المطردة عند العرب أنهم إذا حذفوا الشيء في الغالب أنه يجعل له حظ في اللفظ أو في المعنى، وهنا في اللفظ يا زيدُ ليس له حظ وإنما في المعنى بأن يجعل المنادى مبنيًّا على الضمِّ في اللفظ في محل نصب في المعنى، لأنَّ أصله أدعو زيدا، وقوله:[بِالضَّمِّ] سواء كان الضم ظاهرًا أو مقدرًا، لأنه قد ينادى المعرب

ص: 604

فتقول: يا زيدُ بناؤه على ضم ظاهر، ولكن لو قلت: يا سيبويهِ، فسيبويهِ: قبل دخول يا هو مبني كما قال ابن مالك:

وجُملْةٌ، وما بِمَزْجٍ رُكِّبَا

ذَا إِنْ بِغَيْرِ وَيْهِ تَمَّ أُعْرِبَا

فإن تم بويه فهو غير معرب بل مبني على الكسر، فسيبويه مركب مزجي مبني على الكسر لأنه مختوم بويه، إذا قيل: يا سيبويهِ منادى علم مفرد فحينئذٍ يبنى على الضم، سيبويْه بالكسر على الأصل ونجعل الضم مقدرًا، فنقول: يا سيبويْهِ يا حرف نداء، وسيبويه مفرد علم مبني على ضمٍّ مقدر منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي وهو الكسر. ومثله يا حذامِ، فحذامِ مبني على الكسر أيضا فتقول: حذامِ مفرد علم منادى مبني على ضم مقدر على آخره منع من ظهوره اشتغال المحل بحركة البناء الأصلي وهو الكسر.

إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوْهَا

فَإِنَّ القَولَ مَا قَالَتْ حَذَامِ

[يَا ذَا الفَهْمِ] يعني يا صاحب الفهم، يا حرف نداء، وذا منادى منصوب بالألف لأنه من الأسماء الستة، وذا مضاف، والفهم مضاف إليه، والفهم هو إدراك معاني الكلام، يا صاحب الفهم، لأن المسائل تحتاج إلى فهم. وأما علة البناء هنا فقيل: لمشابهة العلم المفرد والنكرة المقصودة كاف الخطاب، أشبهت النكرة المقصودة كاف الخطاب، أصلها أناديك من حيث الإفراد والتعريف والخطاب ووقوعهما موقعهما، وهذا البناء

ص: 605

عارض وليس بأصلي، وبعض النحاة يجعل علة البناء مطردة في الأصلي والعارض وهي شبَه الحرف، وبعضهم يُفَصِّل - وهو أجود - بأن يجعل البناء الأصلي اللازم الذي هو من أصل الكلمة أن يكون لشبه الحرف كما قال ابن مالك: -

والاِسْمُ مِنْهُ مُعْرَبٌ وَمَبْنِي

لِشَبَهٍ مِنَ الحُرُوفِ مُدْنِيْ

وما عدا ذلك فلا نحتاج أن نقول: إنه لشبه الحرف كحذامِ وسيبويه وأحد عشر، حينئذٍ مثل هذه الألفاظ ليس البناء فيها أصليًا وإنما هو بناء عارض، فلا نحتاج التكلف فنجعل البناء هنا لشبه الحرف لكن المشهور البناء هنا في باب المنادى لشبه النكرة المقصودة والعلم المفرد بكاف الخطاب لوقوعهما موقعه، وأنهما مفردان كما أن كاف الخطاب مفردة، وأنهما معرفتان مثلها. [تَقُولُ] في المثال على ما سبق [يَا شَيْخُ] هل هذا نكرة مقصودة أو غير مقصودة؟ نقول: نكرة مقصودة، وكيف عرفنا أنها نكرة مقصودة؟ لأنها مبنية، إذا سمعت الكلام تستطيع أن تحكم، لكن يشترط أن يكون المتكلم نحويًا، فإذا قال: يا شيخُ بالبناء على الضم بعد يا النداء عرفت أنه نكرة مقصودة إن كان عالما بالنحو. وإن قال: يا شيخًا بالنصب لفظًا فهو نكرة غير مقصودة. وهنا قال: [يَا شَيْخُ] فهو مثال للنكرة المقصودة، يا حرف نداء، وشيخُ منادى مبني على الضمِّ في محل نصب. [وَيَا زُهَيْرُ] يا حرف نداء، وزهير مفرد علم مبني على الضم في محل نصب، إذًا هذان نوعان الحكم فيهما البناء. [وَالبَاقِي فَانْصِبَنَّهُ] الذي هو المضاف، والشبيه

ص: 606

بالمضاف، والنكرة غير المقصودة، فهذه الثلاثة الأشياء حكمها كما قال:[فَانْصِبَنَّهُ] هذا أمر مؤكد يعني حكمه النصب لفظًا، والفاء فاء الفصيحة، ويحتمل أنها واقعة في خبر المبتدأ، لأنَّ المبتدأ هنا اسم فاعل محلى بأل، والقاعدة عندهم أنَّ المبتدأ إذا كان من صيغ العموم أو ما فيه العموم جاز دخول الفاء في الخبر، فهنا الباقي أي الذي بقي، وأل هذه موصولية وهي من صيغ العموم، لأنَّ الموصولات من صيغ العموم، إذًا الباقي مبتدأ وهو عامٌّ فجاز دخول الفاء في خبره، ولذلك يصح أن يقال: الباقي انصبنَّه على قول الجمهور من صحة وقوع الجملة الإنشائية الطلبية خبرًا عن المبتدأ وهو الصواب. [فَانْصِبَنَّهُ] أي الباقي ومنه المضاف، ولكن يرد السؤال هل كل مضاف يصح نداؤه؟ استثنى النحاة نوعًا واحدًا وهو المضاف إلى كاف الخطاب، ولذلك قال بعضهم: جميع الأسماء المضافة يجوز أن تكون منادى إلا المضاف إلى ضمير الخطاب مطلقًا سواء كان مفردًا يعني ضميرًا للواحد، أو للاثنين، أو للجماعة، فلا يصح أن يقال: يا غلامَك، لأنَّ يا هذه تجعل الكلام للمخاطب فحينئذ صار غلام مخاطب، وإضافة غلام النكرة إلى حرف خطاب يدل على أنه غير مخاطب، وهذا تناقض، لأن الأصل في المضاف والمضاف إليه المغايرة، وهذا هو الأصل قال ابن مالك:

وَلَا يُضَافُ اسْمٌ لِمَا بِهِ اتَّحَدْ مَعْنًى وَأَوِّلْ مُوْهِمًا إِذَا وَرَدْ

هذه القاعدة ولا يضاف اسم لما به اتحد معنى أي لا يكون المضاف والمضاف إليه متحدين في المعنى، فإذا ورد من كلام العرب

ص: 607

ما ظاهره كذلك قال: وأوِّل موهما إذا ورد أي وجب تأويله عند البصريين، فغلامَك إذا نصبناه على النداء، صار غلام مضاف وهو مخاطب، وإضافته إلى الضمير ضمير الخطاب تدل على أنه غير مخاطب، إذًا هو مخاطَبٌ غيرُ مخاطَبٍ، للعلة السابقة من حيث إنه منادى صار غلام مخاطبًا ومن حيث إنه مضاف إلى ضمير الخطاب صار غير مخاطب، لأن غلامًا أضيف إلى ضمير الخطاب فلزم أن يكون غير مخاطب، فيلزم من ذلك التناقض.

[فَانْصِبَنَّهُ] والعامل فيه الفعل المحذوف على قول الجمهور، وقيل: يا النداء لسده مسد الفعل، والصواب الأول. [لَا غَيْرُ] يعني ليس غير، وغيرُ أي لا غَيْرَ النصب، أو لا غيره حذف المضاف إليه ونوي معناه فبينت على الضم مثل قبل وبعد.

والحاصل أنَّ المنادى خمسة أنواع: المفرد العلم، والنكرة المقصودة، وهذان حكمهما البناء على ما يرفعان به لو كانا مُعْرَبيْن، والمضاف والشبيه بالمضاف والنكرة غير المقصودة وحكمها النصب لفظًا ومعنى.

ص: 608