الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
بَابُ عَلَامَاتِ الخَفْضِ
أي هذا باب بيان ومعرفة علامات الخفض، وثلَّث به لأنه مختص بالاسم، وهو أشرف من الجزم، يعني لِمَ ذكر الخفض ثالثًا ولم يقدم عليه الجزم؟ لأنه قد يرد أن الرفع قدمه لأنه مشترك بين الاسم والفعل، والنصب أيضًا ثنى به لأنه مشترك بينهما، وحَقُّ المشترك في الرفع والنصب مقدَّم على ما اختص بواحد منهما، والخفض مختص بالأسماء، والجزم مختص بالأفعال، إذًا كل منهما مختص، لم قدم ما اختص به الاسم على ما اختص به الفعل؟ نقول: قدمه لأنه مختص بالاسم، والاسم أشرف من الفعل، فقُدِّم ما يتعلق بالأشرف على غيره وهو الفعل، وحينئذٍ يرد السؤال: لماذا اختص الخفض بالاسم؟ قالوا: لأن الخفض بالكسرة ثقيل، والاسم خفيف، والجزم خفيف، والفعل ثقيل، فأعطي الخفيفُ الثقيلَ، والثقيلُ الخفيفَ، طردًا لقاعدة التعادل والتناسب، هكذا قيل: فالاسم خفيف لأنه بسيط يعني مدلوله شيء واحد إما ذات وإما معنى، والفعل مدلوله مركب من زمن وحدث، إذًا الفعل ثقيل، والكسر ثقيل لأنه حركة، والجزم خفيف لأنه عدم حركة، وأيهما أنسب: أن نعطي الخفيف الخفيف، الاسم الخفيف نعطيه الجزم فيزداد خفة؟ أو نعطي الخفيف الثقيل ليتعادل، ونعطي الثقيل -الذي هو الفعل- الخفيفَ ليتعادل؟ لا شك أن الثاني هو الأولى، فحينئذٍ أعطي الاسمُ الخفيفُ الثقيلَ وهو الكسرة أي الخفض، لأن الكسرة حركة وهي
ثقيلة، ليزداد الاسم ثقلا بالحركة فيتزن، وأعطي الفعلُ الثقيلُ الخفيفَ وهو الجزم ليصير خفيفًا فصار تعادلٌ بينهما طردًا لقاعدة التعادل والتناسب. إذًا قدم ما يختص بالاسم على ما يختص بالفعل لأن الاسم أشرف من الفعل. وشرفه في كونه يقع مسندًا إليه، بخلاف الفعل. [بَابُ عَلَامَاتِ الخَفْضِ] أي هذا باب بيان علامات الخفض. والخفض لغة: الخضوع والتذلل. واصطلاحًا على مذهب البصريين: الكسرة وما ناب عنها. وعلى مذهب الكوفيين: تغيير مخصوص علامته الكسرة وما ناب عنها. وعامل الخفض اثنان لا ثالث لهما: إما حرف، وإما اسم. الحرف مثل قولك: مررت بزيدٍ، زيد: اسم مجرور بالباء وعلامة جره كسرة ظاهرة على آخره، فالذي أحدث الكسرة في زيد هو الباء وهي حرف جر، لأنها تُحْدِثُ الكسرة فقُيِّد اللفظ بعمله فقيل: حرف الجر، لأنه يعمل الجر، كما قيل حرف نصب، لأنه يعمل النصب، وأداة جزم لأنها تعمل الجزم، وهذا من جهة العمل، وإما لأنها تجر معاني الأفعال إلى الأسماء. الثاني: الاسم. وهو المضاف على الصحيح، إذا قلت: جاء غلامُ زيدٍ، فغلام: فاعل مرفوع ورفعه ضمة ظاهرة على آخره، وهو مضاف، وزيد مضاف إليه مجرور، وكل مضاف إليه مجرور بالكسرة الظاهرة أو المقدرة، أو ما ناب عنها.
والعامل فيه قيل: الإضافة، وقيل: حرف الجر المقدر، وقيل: المضاف، ثلاثة أقوال: وأصحها أنه المضاف يعني نفس اللفظ غلام هو الذي عمل في المضاف إليه الجر، كما قيل: إن المبتدأ هو عينه عامل الرفع في الخبر على الصحيح، ولا مانع أن
يكون الاسم جامدًا ويعمل فيما بعده إذا كان مقتضيًا له اقتضاءً تامًّا، كذلك هنا غلام زيد، غلام: هذا مضاف ولا يُتمِّمُ معناه إلا المضاف إليه، فحينئذٍ لاقتضاء وافتقار المضاف إلى المضاف إليه عمل فيه، لأن علة العمل في الأفعال وفي الأسماء وفي الحروف هي: الافتقار، وهنا المضاف مفتقر للمضاف إليه، لا يتمم معناه إلا هو، فحينئذٍ نقول: غلام زيد، زيد: مضاف إليه مجرور بالمضاف، وجره كسرة ظاهرة على آخره. زاد بعضهم من عوامل الخفض: الجر بالتوهم، وقيل: الجر بالتبعية، وقيل: الجر بالمجاورة، وكلها ضعيفة وقد يأتي بيانها في باب المخفوضات.
عَلَامَةُ الخَفْضِ الَّتِي بِهَا يَفِي
…
كَسْرٌ وَيَاءٌ ثُمَّ فَتْحٌ فَاقْتَفِ
[عَلَامَةُ الخَفْضِ] أي علامات الخفض، يقال فيها ما قيل في علامة النصب، وعلامة الرفع، [عَلَامَةُ الخَفْضِ] مبتدأ، وكسرٌ وما عطف عليه خبر، [عَلَامَةُ الخَفْضِ الَّتِي بِهَا يَفِي] يفي أي الخفض، الضمير هنا عائد على الخفض وهو فاعل، ويَفِي أي يتم ويكمل ما للاسم من أنواع الإعراب، فعل مضارع، و [بِهَا] جار ومجرور متعلق بيَفِي، والجملة لا محل لها من الإعراب صلة الموصول الَّتِي، [كَسْرٌ] أي الكسرة، لأن ثم فرقًا بينهما فالكسر لقب من ألقاب البناء ولذا تقول: مبني على الكسر. والكسرة من أنواع الإعراب تقول: مجرور وعلامة جره الكسرة، وهذا أحسن، [كَسْرٌ] أي مسمى الكسر، وقدمها لأصالتها، لأنها الأصل أي الكثير والغالب في المجرورات أنه يجر بالكسرة، ولذلك لا يعدل عنها إلا عند تعذرها، متى ما
أمكن أن يلفظ بها أو أن تقدر لا يُعدل إلى غيرها البتة، [وَيَاءٌ] أي مسمى الياء، عطف على [كَسْرٌ] وهو فرع عنه، لأن الكسرة إذا أشبعت تولدت عنها الياء، [ثُمَّ فَتْحٌ] ثُمَّ للترتيب الذكري. [فَتْحٌ] أي مسمى الفتحة، أي الفتحة تكون نائبة عن الكسرة، كما أن الياء تكون نائبة عن الكسرة، وثلَّث بالفتحة لأنها تنوب عن الكسرة في الاسم الذي لا ينصرف. [فَاقْتَفِ] يعني فاتَّبِع، أمر بالاقتفاء وهو الإتباع. إذًا للخفض ثلاث علامات: الأولى: الكسرة وهي الأصل، واثنتان فرعيتان: الياء، والفتحة، ثم قال:
فَالخَفْضُ بِالكَسْرِ لِمُفْرَدٍ وَفَا
…
وَجَمْعِ تَكْسِيرٍ إِذَا مَا انْصَرَفَا
وَجَمْعِ تَأْنِيثٍ سَلِيمِ المَبْنَى
…
..........................
[فَالخَفْضُ] الفاء فاء الفصيحة، [بِالكَسْرِ] أي بالكسرة ظاهرة كانت أو مقدرة، [لِمُفْرَدٍ] منصرفٍ سواء كان مذكرًا أو مؤنثًا [وَفَا] أي المفرد وفا بمعنى تَمَّ وكمَّله. [وَجَمْعِ تَكْسِيرٍ إِذَا مَا انْصَرَفَا][وَجَمْعِ تَأْنِيثٍ سَلِيمِ المَبْنَى] فهذه ثلاثة مواضع تكون للكسرة على الأصل، إذًا المواضع التي تكون الكسرة فيها علامة للخفض ثلاثة: الأول: الاسم المفرد، نحو: مررت بزيدٍ والفتى والقاضي وغلامِي. مررت: فعل وفاعل. بزيد: الباء حرف جر، زيدٍ: اسم مجرور بالباء وجره كسرة ظاهرة على آخره، لماذا جرَّ بالكسرة؟ لأنه اسم مفرد، والاسم المفرد يجر بالكسرة على الأصل، والفتى، الواو: حرف عطف، الفتى: معطوف على زيد، والمعطوف على المجرور مجرور، وجره كسرة مقدرة على آخره، منع من ظهورها التعذر، وإذا قلت
فتىً: حينئذٍ تكون الكسرة مقدرة على الألف المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين. وفتىً: بدون ألف، لأن الألف والتنوين لا يجتمعان، إذا قلت الفتى: بأل، فحينئذٍ لُفظ بالألف لأن علة حذف الألف هو التنوين، فإذا حذف التنوين حينئذٍ رجعت الألف، فتكون الكسرة مقدرة على الألف الملفوظ بها، وإذا حذفت أل رجع التنوين، فتقول مررت بزيد وفتىً، إذًا التقى ساكنان: الألف والتنوين، فتحذف الألف، وتقدر الكسرة على الألف المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، والقاضي: معطوف على زيد، والمعطوف على المجرور مجرور، وجره كسرة مقدرة على آخره- الياء الملفوظ بها - منع من ظهورها الثقل لأنه اسم منقوص، لكن لو حذفت أل وجئت بالتنوين: التقى ساكنان: الياء والتنوين فتحذف الياء وجوبًا، فحينئذٍ محل تقدير الحركة صار محذوفًا فتقول: وقاضٍ، معطوف على زيد والمعطوف على المجرور مجرور، وجره كسرة مقدرة على الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين. وغلامي: مضاف ومضاف إليه. غلامي: معطوف على زيد، والمعطوف على المجرور مجرور، وجره كسرة مقدرة على آخره. غلامي: هو مكسور آخره في اللفظ، ولذلك اتفقوا في المضاف إلى ياء المتكلم أنه إذا رفع أو نصب كانت الضمة والفتحة مقدرة باتفاق، فنحو: جاء غلامي: الضمة مقدرة باتفاق - عند من قال بإعرابه وبعضهم يرى أنه مبنى وليس بصواب - ورأيت غلامي: الفتحة مقدرة باتفاق، عند من قال بإعرابه، أما نحو: مررت بغلامي، أو كما في
مثالنا معطوف على اسم مجرور، فهذا فيه خلاف هل هذه الكسرة كسرة المناسبة أو كسرة أحدثها العامل؟ الأصح أنها كسرة المناسبة، لأن تسليط العامل إنما يكون بعد التركيب الإضافي، فلم يسلط العامل أوَّلا ثم رُكِّب تركيبًا إضافيًا، وإنما أضمر المركب الإضافي فهو سابق على العامل فحينئذٍ وجدت الكسرة أولاً ثم سلط عليه عامل يقتضي الكسرة، فأين تظهر والمحل قد شُغِلْ؟ حينئذٍ يتعين أن نقول: هذه كسرةٌ مقدرةٌ. غلامي معطوف على زيد والمعطوف على المجرور مجرور، وجره كسرة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة وهو مضاف، والياء: ضمير متصل مبني على السكون في محل جر مضاف إليه. هذا هو الموضع الأول التي تكون الكسرة فيه علامة للخفض.
[وَجَمْعِ تَكْسِيرٍ] أي المجموع المكسر، وهو نوعان: قد يكون مصروفًا، وقد يكون ممنوعًا من الصرف، [إِذَا مَا انْصَرَفَا] هذا قيد عامٌّ للمفرد وجمع التكسير، [فَالخَفْضُ بِالكَسْرِ لِمُفْرَدٍ] [إِذَا مَا انْصَرَفَا] يعني: إذا كان منصرفًا، إذًا نأخذ من هذا أن المفرد قسمان: مصروف، وممنوع من الصرف. والكسرة تكون علامة للخفض في الاسم المفرد المنصرف، والمنصرف مأخوذ من الصرف، والصرف هو التنوين كما قال ابن مالك:
الصَّرْفُ تَنْوِينٌ أَتَى مُبَيِّنَا
…
مَعْنىً بِهِ يَكُونُ الاسْمُ أَمْكَنَا
أنواع التنوين التي تكون في الاسم أربعة، أولها وأشهرها وهو الذي إذا أطلق التنوين انصرف إليه: تنوين التمكين، وتنوين
التمكن، وتنوين الأمكنية، وتنوين الصرف، هذه أربعة أسماء لمسمى واحد. وهو اللاحق للأسماء المعربة دالاً على تمكنها في باب الاسمية، بحيث لم تشبه الحرف فتبنى ولا الفعل فتمنع من الصرف، هذا التنوين يسمى الصرف، فإذا أطلق انصرف إليه هنا قال:[لِمُفْرَدٍ][إِذَا مَا انْصَرَفَا] أي لمفرد منصرف: يعني لمفرد دخله تنوين الصرف الدال على تمكنه في باب الاسمية، فحينئذٍ استوفى الأنواع الثلاثة: الرفع بالضمة، والنصب بالفتحة، والخفض بالكسرة، أما الذي أشبه الحرف فقد سُلب عنه الرفع والنصب والخفض لأنه انتقل إلى البناء، وأما الذي أشبه الفعل، فقد سُلِبَ عنه نوعٌ واحدٌ وهو الجر بالكسرة، فحينئذٍ رُفع بالضمة، ونُصب بالفتحة، ولم يُكسر على الأصل وإنما أُعطي الفتحة نيابة على الكسرة - وهذا هو الاسم المفرد الممنوع من الصرف - فإذا قيل: اسم ممنوع من الصرف أي: ممنوع من التنوين، والمشهور أن الممنوع من الصرف هو الممنوع من التنوين والكسرة معًا- وسيأتي تفصيله في موضعه-[وَجَمْعِ تَكْسِيرٍ] منصرف [إِذَا مَا انْصَرَفَا] الألف فاعل، لأنه يرجع إلى المفرد وجمع التكسير، ومَا زائدة.
يَا طَالِبًا خُذْ فَائِدَهْ
…
مَا بَعْدَ إِذَا زَائِدَهْ
[وَجَمْعِ تَأْنِيثٍ سَلِيمِ المَبْنَى] أي والثالث الذي يخفض بالكسرة على الأصل: جمع المؤنث السالم، و [سَلِيمِ المَبْنَى] أي سَلِمَ مبناه، أي سلم مبنى واحده، كمسلمة ومسلمات، وضخمة وضخمات، جُمع بألف وتاء وسلم فيه واحده، لكن هذا القيد لا للاحتراز، لأنه قد
يسلم كالمثال السابق، وقد لا يسلم، كسجْدة وسجَدات، وحبلى وحبليات، وصحراء وصحراوات، كما أن قوله:[جَمْعِ تَأْنِيثٍ] لا للاحتراز؛ لأنه قد يكون جمع مذكر، كطلحة وطلحات، وحمام وحمامات، واصطبل واصطبلات، فأجيب: بأن كلاً من القيدين لا للاحتراز وإنما صار علمًا ولقبًا، كالأعلام الجامدة. لأنه لو سمي رجل بصالح، وصالح: اسم فاعل يدل على ذات متصفة بالصلاح، فإذا قيل: فلان اسمه صالح. هل كل من اسمه صالح فالاسم وقع على مسمّاه كما هو؟ الجواب: لا، وإنما يقال: هذا جامد، يعني سُلب المعنى الذي دل عليه قبل العلمية، إذًا لا يُفهم من هذا العلَم أنه صالح بمعنى الصلاح، بل قد يكون فاسقًا واسمه صالح، حينئذٍ نجيب بأن هذا علم جامد لا دلالة له على معنى، فجمع المؤنث السالم صار لقبًا وعلمًا، فحينئذٍ لا تأتي وتقول: يعترض عليه بالمذكر أو يعترض عليه بكون بعضه لم يسلم واحده في الجمع. قوله: [وَجَمْعِ تَأْنِيثٍ سَلِيمِ المَبْنَى] لم يقيده بالمنصرف كما قيد المفرد وجمع التكسير؛ لأن جمع المؤنث السالم كله منصرف، فلا يكون إلا منصرفًا ما لم يكن علمًا، أما العلم فيجوز فيه الوجهان الصرف والمنع. إذًا هذه ثلاثة مواضع تكون الكسرة فيها علامة للخفض.
...........................
…
وَاخْفِضْ بِيَاءٍ يَا أَخِي المُثَنَّى
وَالجَمْعَ وَالخَمْسَةَ فَاعْرِفْ وَاعْتَرِفْ
…
.........................
[وَاخْفِضْ بِيَاءٍ يَا أَخِي المُثَنَّى] وَاخْفِضْ فعل أمر أي واخفض خفضًا مصورًا بياء، أي بمسمى ياء، نيابة عن الكسرة في ثلاثة مواضع: المثنى، والجمع، والخمسة. [يَا أَخِي] فيه تلطف للطالب، ويَا حرف نداء، وأَخِي منادى مضاف منصوب وعلامة نصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة المناسبة. [المُثَنَّى] سواء كان مذكرًا أو مؤنثًا نحو: مررت بالزيدَين والهنديَن، مررت: فعل وفاعل، بالزيدين: الباء: حرف جر، والزيدين: اسم مجرور بالباء، وجره الياء المفتوح ما قبلها المكسور ما بعدها نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، والنون: عوض عن التنوين في الاسم المفرد. والهندين الواو: حرف عطف، والهندين: معطوف على الزيدين، والمعطوف على المجرور مجرور، وجره الياء المفتوح ما قبلها المكسور ما بعدها نيابة عن الكسرة لأنه مثنى، والنون عوض عن التنوين في الاسم المفرد. [وَالجَمْعَ] أي جمع المذكر السالم، لأنه يقابل المثنى، فجمع بينهما في سياق واحد، فإذا جمع بينهما في سياق واحد وأطلق الجمع، حُمِلَ على جمع المذكر السالم، لأنه يعرب بحرفين كالمثنى، ولذلك من أسمائه: الجمع على حد المثنى، يعني على طريقة وسبيل المثنى، لأنه يعرب بحرفين: الألف والياء، والجمع يعرب بحرفين: الواو والياء، هذا عند الاختصار وإلا عند التفصيل: أن ياء النصب ليست هي عين ياء الجر، فحينئذٍ لما كان جمع المذكر السالم يجري مجرى المثنى، إذا أُطلق حمل عليه، وتكون أل فيه للعهد الذكري، [وَالجَمْعَ] أي جمع المذكر السالم يجر بالياء تقول:
مررت بالزيدِينَ، الزيدين: اسم مجرور بالباء وجره الياء المكسور ما قبلها المفتوح ما بعدها نيابة عن الكسرة لأنه جمع مذكر سالم، وقد تكون هذه الياء مقدرة، لو قيل: مررت بالمقيمي الصلاة، فالمقيمي: مجرور بالباء، وجره الياء المحذوفة للتخلص من التقاء الساكنين، لأن النون حذفت للإضافة، ثم التقى ساكنان الياء واللام فحذفت الياء، فحينئذٍ تكون الياء مقدرة. [وَالخَمْسَةَ] أي والخمسة الأسماء، يكون الجر فيها بالياء نيابة عن الكسرة، نحو:{ارْجِعُوا إِلَى أَبِيكُمْ} (يوسف:81) أبيكم: اسم مجرور بإلى وجره الياء نيابة عن الكسرة، لأنه من الأسماء الخمسة، [وَالخَمْسَةَ] أي بشروطها السابقة، [فَاعْرِفْ وَاعْتَرِفْ] أي فاعلم ما قد ذُكر لك أولاً، وأنه من القواعد العامة، واعترف به يعني لأهله وأصحابه، واشكر النحاة على ما قد يسروا لك هذا العلم بالتقعيد والتأصيل والتتبع والاستقراء.
...................
…
وَاخْفِضْ بِفَتْحٍ كُلَّ مَالَا يَنْصَرِفْ
عرفنا أن علامة الخفض تكون بالكسرة وبالياء وبالفتحة، والكسرة تكون في ثلاثة مواضع: في الاسم المفرد المنصرف، وجمع التكسير المنصرف، وجمع المؤنث السالم. والياء تكون في ثلاثة مواضع: في المثنى، وجمع المذكر السالم، والأسماء الخمسة أو الستة. وأما الفتحة فتكون نائبة عن الكسرة في موضع واحد: وهو الاسم الممنوع من الصرف، أي الممنوع من التنوين والجر معا، قال ابن مالك:
وَجُرَّ بِالفَتْحَةِ مَا لَا يَنْصَرفْ
…
......................
الأصل في الاسم المعرب بالحركات أن يكون مصروفًا أي منونًا، والأصل فيه أن يجر بالكسرة، ولذلك قال في الملحة:
هَذَا وَفِي الأَسْمَاءِ مَا لَا يَنْصَرِفْ
…
فَجَرُّهُ كَنَصْبِهِ لَا يَخْتَلِفْ
هذا: المشار إليه الذي ذَكر لك أولاً، وفي الأسماء ما لا ينصرف: يعني ليس هو الكثير، وإنما الكثير الذي يكون مصروفًا، فنصبه: الذي هو الاسم المفرد وجمع التكسير يكون بالفتحة، فجره أيضًا يكون بالفتحة كنصبه، إذًا استوى الجر والنصب من حيث اللفظ، فيكونان بالفتحة،
وَلَيسَ للتَّنْوِينِ فِيهِ مَدْخَلُ
…
لِشَبَهِ الفِعْلِ الَّذِي يُسْتَثقَلُ
لأنه لما أشبه الفعل في وجود علتين: إحداهما ترجع إلى اللفظ، والأخرى ترجع إلى المعنى، أو علة تقوم مقام علتين، مُنع الاسم من الجر بالكسرة ومن التنوين كما أن الفعل لا يدخله جر ولا تنوين، [وَاخْفِضْ بِفَتْحٍ] وَاخْفِضْ هذا أمر، والأمر للوجوب، [بِفَتْحٍ] أي بمسمى فتح، والمراد به الفتحة ظاهرةً أو مقدرةً، لأن الباب باب إعراب لا بناء، فالفتح من ألقاب البناء، والفتحة من ألقاب الإعراب. [كُلَّ مَا لَا يَنْصَرِفْ][كُلَّ] هذا ضابط، فحينئذٍ يكون كلية، قال في السلم:
وَحَيثُمَا لِكُلِّ فَرْدٍ حُكِمَا
…
فَإِنَّهُ كُلِيَّةٌ قَدْ عُلِمَا
كلية أي أن مدخولها كل فرد منه يصدق عليه الحكم فإذا قيل: كل طالب مجتهد، فحينئذ يصدق الحكم وهو الاجتهاد على
جميع أفراد الطلاب، لا يخرج عن الحكم أيُّ فرد كان. و [كُلَّ] مفعول به منصوب بـ[اخْفِضْ] وهو مضاف و [مَا] اسم موصول بمعنى الذي مضاف إليه، وهو للعموم، وكل أيضًا للعموم، فمَا اسم موصول بمعنى الذي يصدق على الاسم المفرد، وجمع التكسير؛ لأن الذي يوصف بكونه منصرفًا أو غير منصرف هو المفرد وجمع التكسير فقط، فالاسم المفرد نوعان: منصرف وغير منصرف -كما ذكرناه في باب الإعراب - وجمع التكسير نوعان: منصرف، وغير منصرف، فحينئذٍ [مَا] يصدق على المفرد غير المنصرف، وجمع التكسير غير المنصرف، و [يَنْصَرِفْ] هذا فعل مضارع مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الوقف، [كُلَّ مَا لَا يَنْصَرِفْ] يعني ما لا يقبل التنوين والجر، تقول: مررت بأحمدَ، بأحمدَ: ممنوع من الصرف للعلمية ووزن الفعل، والباء حرف جر، أحمدَ: ممنوع من الصرف اسم مجرور بالباء وجره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف، ولِمَ مُنع من الصرف؟ لأنه أشبه الفعل في وجود علتين اثنتين: إحداهما ترجع إلى اللفظ والأخرى ترجع إلى المعنى وأحمد فيه علتان: كونه على وزن الفعل، هذه علة ترجع إلى اللفظ، وكونه علمًا هذه ترجع إلى المعنى فحينئذٍ وجد في الاسم المفرد علتان: فأشبه الفعل فأخذ حكمه، وهو أن الفعل لا يدخله تنوين ولا كسر، كذلك جمع التكسير تقول:{وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ} (الحج:40) لا يشترط في الاسم الممنوع من الصرف أن لا يمثل له إلا بحالة الجر، وإنما يمثَّل بحالة الجر لمناسبة المقام فقط،
وإلا تقول: مررت بمساجدَ كثيرة، الباء: حرف جر، ومساجد: اسم مجرور بالباء، وجره الفتحة نيابة عن الكسرة، لأنه ممنوع من الصرف وهو جمع تكسير على صيغة منتهى الجموع.
وقد ذكرنا أن الصرف هو تنوين التمكين، وهو اللاحق للأسماء المعربة دالا على تمكنها في باب الاسمية بحيث لم يشبه الحرف فيبنى ولا الفعل فيمنع من الصرف، إذًا الاسم نوعان: إما مبني وهو غير المتمكن، وإما معرب وهو المتمكن وهذا نوعان: متمكن أمكن وهو المعرب المنصرف الذي يدخله الجر والتنوين، ومتمكن غير أمكن وهو المعرب الممنوع من الصرف يعني الذي لا يدخله تنوين الصرف فقط، وقيل: الممنوع من الصرف ممنوع من شيئين: من التنوين ومن الجر بالكسرة معًا. ومحل الخلاف يظهر في نحو قوله تعالى: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} (البقرة:187) فمساجد: ممنوع من الصرف، ولذلك لم ينون في قوله:{وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً} (الحج:40) ومحل الخلاف إذا قلنا: مساجد ممنوع من الصرف حينئذٍ لو دخلت عليه أل كقوله: {فِي الْمَسَاجِدِ} المساجد: هل هو ممنوع من الصرف أو لا؟ من جعل الممنوع من الصرف ممنوعًا من التنوين والجر معًا فعنده أنه رجع إلى أصله فهو مصروف. ومن قال: إنه ممنوع من الصرف فقط، جعله ممنوعا من الصرف حكمًا، لأنه ممنوع من الصرف الذي هو التنوين، والتنوين غير موجود، ووجود الكسرة لا يستلزم صرفه، والأصح أنه ممنوع
من الصرف والكسرة معًا. وأما قوله: {وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} فهذه الكسرة هي إعراب على الأصل، ومُنع التنوين لعارضٍ، وهو أن التنوين - تنوين الصرف - لا يجامع أل، فإذا دخلت أل على الاسم الممنوع من الصرف أو أضيف رجع إلى أصله وهو الجر بالكسرة ودخول التنوين، كما قال ابن مالك:
وَجُرَّ بِالفَتْحَةِ مَا لَا يَنْصَرفْ
…
مَا لَمْ يُضَفْ أَوْ يَكُ بَعْدَ أَلْ رَدِفْ
يقال: مررت بمساجدَ، ثم يقال في المساجد والفرق بينهما: بمساجد هذا أشبه الفعل -لما سيأتي- والفعل لا تدخل عليه أل، فلما أشبه مساجد الفعل ولم تدخل عليه أل كان الشبه قويًا، ولما دخلت عليه أل وأل من خصائص الأسماء ضَعُف الشبه؛ لأن الممنوع من الصرف إنما منع من الصرف لكونه أشبه الفعل ما لم يدخل عليه ما يبعد شبهه من الفعل فحينئذٍ يعود إلى أصله، كذلك الإضافة من خصائص الأسماء، فإذا أضيف الاسم الممنوع من الصرف بعُد شبهه بالفعل المضارع، فحينئذٍ رجع إلى أصله. إذًا قوله:[وَاخْفِضْ بِفَتْحٍ كُلَّ مَا لَا يَنْصَرِفْ] ليس على إطلاقه وإنما يقال ما لم تدخل عليه أل، أو يضف، فإن دخلت عليه أل كما في قوله تعالى:{وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} نقول: رجع إلى أصله فحينئذٍ يخفض بالكسرة على الأصل، كذلك ما لم يضف، فإن أضيف كما في قول تعالى:{فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ} (التين:4) نقول: رجع إلى أصله فحينئذٍ يخفض بالكسرة على الأصل.
نقول: الأصل في الاسم المعرب الإعراب بالحركات والصرف، وهذا هو الغالب في الأسماء أنها مصروفة، وإن كان المنع من الصرف قليلاً، فإن النحاة قد وضعوا له قواعد وضوابط يمكن بواسطتها معرفة الممنوع من الصرف، أولاً: عرفنا أن الممنوع من الصرف هو الذي لا يُنوَّن ولا تدخله الكسرة وإنما يجر بالفتحة. ثانيًا: ما هي علة الممنوع من الصرف؟ نقول: عرَّف بعض النحاة الممنوع من الصرف فقال: الاسم الممنوع من الصرف هو الذي أشبه الفعل في وجود علتين فرعيتين، إحداهما ترجع إلى اللفظ والأخرى ترجع إلى المعنى أو وجد فيه علة واحدة تقوم مقام العلتين. وإذا أردنا فلسفة هذا الكلام وذكر العلل والحكمة نقول باختصار: الاسم -كما سبق- على ثلاثة أنحاء: الأول: اسم أشبه الحرف، وهذا الذي عنون له النحاة بالمبني، وعلة البناء عند ابن مالك شبه الاسم بالحرف شبه قويًا إما في الوضع، أو في المعنى، أو في الاستعمال، أو في الافتقار. إذا أشبه الاسم الحرف في واحد من هذه الأسباب فقاعدة العرب أن المشبَّه يُعطى حكم المشبَّه به، والاسم معرب بالأصالة، والحرف مبني بالأصالة، فحينئذٍ لما أشبه الاسمُ الحرفَ أخذ حكمه وهو البناء. الثاني: اسم أشبه الفعل في وجود علتين فرعيتين - في الفعل- إحدى هاتين العلتين ترجع إلى اللفظ، والأخرى ترجع إلى المعنى، فلما أشبه الاسم الفعل شبه قويًا أَعطى العرب المشبه حكم المشبه به، والفعل لا ينون ولا يدخله الكسر، فحينئذٍ نُقل هذا الحكم -حكم الفعل- إلى الاسم فصار الاسم غير
منون وغير مجرور بالكسرة، فنقول: أُعطي المشبَّهُ -الذي هو الاسم- حكمَ المشبه به -وهو الفعل- وهذا الحكم أمران: الأول: المنع من الصرف، لأن الفعل لا يدخله التنوين، ولذلك جعل التنوين من علامات الأسماء. الثاني: المنع من الخفض لأن الفعل لا يدخله الخفض، ولذلك جعل من علامات الأسماء، فحينئذٍ نُقل هذا الحكم - وهو عدم قبول الفعل للتنوين والكسر- إلى الاسم فجعل الاسم كالفعل لا يقبل التنوين ولا الكسر، فأخذ الاسم حكم المشبه به وهو الفعل، وهذا الذي يسمى بالممنوع من الصرف. وحينئذٍ يرد السؤال: ما هاتان العلتان الفرعيتان اللتان تكونان في الفعل إحداهما ترجع إلى اللفظ، والأخرى ترجع إلى المعنى؟ قال النحاة: الفعل مشتق من المصدر على مذهب البصريين، كما قال الحريري:
وَالمَصْدَرُ الأَصْلُ وَأَيُّ أَصْلِ
…
وَمِنْهُ يَا صَاحِ اشْتِقَاقُ الفِعْلِ
فالمصدر الأصل، والفعل مطلقًا سواء كان ماضيًا أو مضارعًا أو أمرًا مشتق من المصدر فهو فرع، وهذه العلة ترجع إلى اللفظ فهي علة لفظية، لأن ضَرَبَ مشتق من الضرب، فالفعل مشتق من المصدر، والمصدر الذي هو الاسم مشتَق منه، ومعلوم قطعًا أن ما كان مشتقا فرع عما هو مشتق منه، فثبت أن الفعل فرع عن الاسم من حيث اللفظ على مذهب البصريين القائلين بأن الفعل مشتق من المصدر. وأما على مذهب الكوفيين القائلين أن المصدر مشتق من الفعل، فالعلة اللفظية عندهم أن الفعل مركب من شيئين: الحدث،
والزمن. والمصدر بسيط لأنه يدل على الحدث فقط، وهو شيء واحد، وما لا تركيب فيه - الذي هو المصدر - فرع عما هو مركب - الذي هو الفعل- فإذا قيل: ضرب فعل ماض يدل على شيئين: الضرب، والزمن أي كونه واقعًا في زمن مضى وانقطع، ويضرب فعل مضارع يدل على شيئين: الضرب الذي هو المصدر وكونه واقعًا في الحال أو الاستقبال، واضرب فعل أمر يدل على شيئين: طلب حصول الحدث وإيقاعه في الزمن المستقبل، فأما المصدر فهو دال على الحدث فقط، وهو أحد جزئي الفعل، وحينئذٍ يكون المصدر أصلاً باعتبار دلالته على الحدث فقط، والفعل يكون مركبًا فهو فرع لأن ما لا تركيب فيه أصل لما هو مركب. فهذه علة ترجع إلى اللفظ كون الاسم أصلاً للفعل؛ لأنه مصدر، والمصدر هو أصل الاشتقاق، والفعل مشتق والمصدر مشتق منه. أما العلة التي تكون في الفعل - وهي فرع عن الاسم - وهي راجعة إلى المعنى، فهي أن الفعل متضمن للحدث، وكل حدث لابد له من محدث من فاعل له، لأن الحدث لا يمكن أن يوجد بلا فاعل بدلالة العقل، فالفعل يدل على الفاعل بدلالة الالتزام وهي دلالة عقلية، فنحو: قام، هذا فعل ولابد له من فاعل، لأن قام يدل على القيام، ولا يمكن أن يوجد قيام بلا قائم، وهذا هو الفاعل، والفاعل من علامات الأسماء، فحينئذٍ كل فعل يفتقر إلى فاعل، والفاعل لا يكون إلا اسمًا، فصار الفعل مفتقرًا إلى الاسم، والمفتقَر إليه أصل للمفتقِر. حينئذٍ نقول: الفعل وُجِد فيه علتان فرعيتان عن الاسم
إحداهما ترجع إلى اللفظ، وهي كونه مشتقا من المصدر، والأخرى ترجع إلى المعنى، وهي كونه مفتقرًا إلى فاعل. فإذا كان في الاسم علتان فرعيتان إحداهما ترجع إلى اللفظ والأخرى ترجع إلى المعنى، حينئذٍ وقع الشبه بين الاسم وبين الفعل، لكن هل يشترط في كون الاسم يشبه الفعل أن يكون الشبه في عين العلتين أو في مطلق العلتين؟ نقول: يتعذر أن يكون الشبه في عين العلتين لأن العلتين الموجودتين في الفعل هي كونه مشتقًا من المصدر، والاسم لا يمكن أن يكون مشتقًا من المصدر، وكون الفعل مفتقرًا إلى الفاعل، ولا يمكن أن يكون الاسم مفتقرًا إلى الفاعل، فليست المشابهة هنا في عين العلتين، بل في مطلق علتين فرعيتين مع قطع النظر عن العلتين الفرعيتين الموجودتين في الفعل، فتوجد علتان فرعيتان في الاسم لكنهما مغايرتان لهاتين العلتين، فحينئذٍ نقول: وجه الشبه بين الاسم والفعل هو مطلق المشابهة، والفعل لا يدخله التنوين ولا الخفض بالكسر، فلما أشبه الاسم الفعل أخذ حكمه فمُنع من التنوين ومنع من الكسر.
والعلل التي توجد في الاسم وهي فرعية، وإذا وجدت قلنا: يوجد في الاسم علتان فرعيتان فنحكم على الاسم بأنه أشبه الفعل، مجموعها تسعة، سبعة لفظية، واثنتان معنوية. فالعلمية والوصفية معنوية، وما عداها فهي لفظية، مجموعة في قول الناظم:
اجْمَعْ وَزِنْ عَادِلاً أَنِّثْ بِمَعَرِفَةٍ
…
رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالوَصْفُ قَدْ كَمُلَا
هذه العلل التسع فرعية لا أصلية، وبيان ذلك قوله: اجمع، هذه علة فرعية لأن الجمع فرع المفرد، فإذا كان الاسم مفردًا نقول: جاء على أصله لأنه هو الأصل فيه، وإذا جاء جمعًا - أي أنواع الجمع- نقول: هذا فرعٌ في الاسم لأن الأصل في الاسم أن يكون مفردًا، فحينئذٍ وجدت في الاسم علة فرعية وهي الجمع. قوله: وزِنْ المراد به وزن الفعل، الاسم له وزن خاص به، والفعل له وزن خاص به، وثَّم أوزانٌ مشترَكة بين الاسم والفعل، فإذا جاء الاسم على وزنه الخاص، فقد جاء على الأصل فيه، وإذا جاء الاسم على وزن خاص بالفعل فقد وجد في الاسم علة فرعية، مثلاً نقول: قَتَّل على وزن فَعَّل وهذا وزنٌ خاص بالفعل، فإذا سمي به رجل فصار اسمه قَتَّل نقول: هذا وزن خاص بالفعل، والأصل في الاسم أن يأتي على وزنه الخاص به. إذًا العلة الثانية الفرعية التي تكون في الاسم هي وزن الفعل؛ لأن الأوزان باعتبار الأسماء والأفعال ثلاثة أقسام: وزن خاص بالاسم، ووزن خاص بالفعل، وثمة أوزان مشتركة بينهما. إذا جاء الاسم على وزنه الخاص فلا إشكال، وإذا جاء الاسم على وزن خاص بالفعل نقول: جاء الاسم على غير أصله. فنحكم عليه بأنه وجد فيه علة فرعية. قوله: عادلاً، بمعنى العدل: وهو تحويل الاسم من حالة إلى حالة أخرى، فالمعدول فرع المعدول عنه فإذا قيل: عامر عُدِل به إلى عمر صار عمر فرعًا وعامر أصلاً، فحينئذٍ نقول: الاسم المعدول فرع عن الاسم المعدول عنه سواءٌ كان العدل حقيقيًا أو تقديريًّا، فالعدل علة فرعية لأن الأصل في الاسم أن لا
يكون معدولاً. قوله: أنّث، الأصل في الأسماء التذكير، والتأنيث فرع التذكير، بدليل أن التأنيث لابد أن يكون بعلامة تدل عليه بخلاف التذكير، وما لا يفتقر إلى علامة أصل لما افتقر إلى علامة، لذا قال ابن مالك:
عَلَامَةُ التَّأْنِيثِ تَاءٌ أَوْ أَلِفْ
…
وَفِي أَسَامٍ قَدَّرُوا التَّا كَالكَتِفْ
إذًا التأنيث فرع التذكير، فإذا وجد الاسم مؤنثًا فقد وجدت فيه علة فرعية. قوله: بمعرفة، المعرفة المراد بها هنا العلمية، الأصل في الاسم التنكير، والمعرفة فرع عنه. لأن المعرفة لابد لها من علامة تدل عليها بخلاف النكرة، وما افتقر إلى علامة فرعٌ عما لا يفتقر إلى علامة. فإذا وجدت العلمية في الاسم قلنا: هذا فرعٌ بدليل أن الأصل في الاسم أن يكون نكرة. قوله: ركب، التركيب فرع ما لا تركيب فيه، فالأصل في الاسم عدم التركيب، فإذا جاء الاسم مركبًا نحو: عبد الله، وتأبط شرًا، وامرؤ القيس، وسيبويه، وبعلبك، وحضرموت، هذه كلها مركبات، فقد وجدت فيه علة فرعية وهي كونه مركبًا. قوله: وزد، المراد به زيادة الألف والنون، لاشك أن المزيد فيه فرع ما لا زيادة فيه، والاسم يكون ثلاثيا أو رباعيا أو خماسيًا وحينئذٍ يكون أصلاً، فإذا زيد على أصله ألف ونون فقد وجدت فيه علة فرعية. قوله: عجمةً، والمراد بها أن تكون الكلمة على الأوضاع العجمية، أي كلمة أعجمية دخلت على اللسان العربي، والمتكلم العربي الأصل فيه أن يتكلم بلسانه هو، لا بلسان غيره، فإذا جاءت الكلمة عربية نقول: هذا أصلها، وإذا جاءت أجنبية نقول: استعمَل
ذو اللسان العربي كلمةً ليس عليها لسانه وهذا فرع، والكلمة الأعجمية كإبراهيم ونحوه، فهذه مشتملة على علة فرعية وهي كونها أعجمية. قوله: فالوصف قد كملا، وكملا مثلث الميم، والوصف المراد به الصفة، والاسم المشتمل على الصفة فرعُ ما لا صفة فيه، لأن لأصل في الاسم أنه مجرد إما أن يدل على معنى فقط أو يدل على ذات فقط.
هذه علل تسع، منها اثنتان معنويتان، وهما العلمية والوصفية، وست علل منها راجعة إلى اللفظ وهي: التأنيث بغير ألف، والعجمة، والتركيب، وزيادة الألف والنون، ووزن الفعل، والعدل. هذه ست ولابد من وجود إحدى هذه العلل الستة مع العلمية أو الوصفية، فمثلا تقول: زينب ممنوع من الصرف لأنه أشبه الفعل في وجود علتين فرعيتين إحداهما ترجع إلى اللفظ والأخرى ترجع إلى المعنى، وهاتان العلتان هما: التأنيث، والعلمية. فالتأنيث هذه علة فرعية ترجع إلى اللفظ، لأن الأصل في اللفظ أن يكون مذكرا، والعلمية هذه علة معنوية لأن الأصل في الاسم التنكير، فوجد في الاسم علتان: الأولى: التأنيث بغير ألف، والثانية: العلمية، إذًا أشبه الفعل في وجود علتين فرعيتين، فمنع من الصرف. إذًا عرفنا حقيقة الممنوع من الصرف إجمالا، ونأتي الآن على شرح تلك العلل.
اجْمَعْ وَزِنْ عَادِلاً أَنِّثْ بِمَعَرِفَةٍ رَكِّبْ وَزِدْ عُجْمَةً فَالوَصْفُ قَدْ كَمُلَا
(اجمع) المراد بالجمع هنا ما يسمى بالجمع المتناهي، أو بصيغة منتهى الجموعِ بإضافة الصفة إلى الموصوف أي الجمع المتناهي يعني الذي بلغ النهاية، ويسمى بالجمع الأقصى أي الجمع الذي تناهى في الجمع فلا يجمع مرة أخرى، فالمفرد كمسجد يجمع على مساجد، فهل مساجد يجمع مرة أخرى بعد جمعه؟ نقول: لا، فمساجد هو الجمع الأقصى، لأنه وقف عنده جمع مسجد، وهو صيغة منتهى الجموع - مساجد على وزن مفاعل - وهذه الصيغة انتهى ووقف عندها الجمع فلا يجمع مرة أخرى؛ لأن من أساليب العرب أن اللفظ المفرد قد يجمع، ثم الجمع قد يجمع مرة أخرى، فالجمع الأول الذي هو جمع للمفرد لا يمنع من الصرف لأنه ليس صيغة منتهى الجموع، أما الجمع الثاني إن لم يكن قد جمع مرة أخرى فحينئذٍ يكون صيغة منتهى الجموع قد وقف عنده الجمع فيكون ممنوعا من الصرف، فنحو: كلب يجمع على أكلب. وأكلب ليس ممنوعا من الصرف لأن أكلبا يجمع على أكالب. وأكالب جمع الجمع وليس جمع المفرد الذي هو كلب وإنما جمع الجمع، فحينئذٍ نقول: وقف الجمع عند أكالب فيمنع من الصرف لأنه على صيغة منتهى الجموع. كذلك أَصيل يجمع على أُصُل، وأُصُل يجمع على آصال، وآصال يجمع على أصايل، هذه جموع ثلاثة، الممنوع من الصرف أصايل فقط لأنه وقف عنده الجمع، أما أُصُل وآصال فليست ممنوعة من الصرف لأنها لم يقف عندها الجمع بل بقي لها جمع آخر. هذه العلة - وهي صيغة منتهى الجموع- مما يمنع اللفظ الصرف لعلة واحدة، فهذه العلة
تقوم مقام علتين، لأن هذه العلل منها ما يستقل بالمنع بنفسه دون اشتراط ضميمة علة أخرى، يعني علة واحدة كصيغة منتهى الجموع إذا وجدت حكمنا على اللفظ بأنه ممنوع من الصرف، لكن النحاة تكلفوا قالوا: لابد أن نجعل هذه العلة التي قامت مقام علتين أن تكون في حكم العلتين طردًا للباب، لأن الممنوع من الصرف إنما منع لكونه أشبه الفعل في وجود علتين، وما مُنع لعلة كيف يقال بأنه أشبه الفعل في وجود علتين فرعيتين؟ قالوا: بدلاً من أن ننقض هذا فتقول: قد يشبه الاسم الممنوع من الصرف الفعل في علة واحدة، لأن الحكم إنما انتقل من الفعل إلى الاسم لوجود علتين فإذا نقص عنها بَعُد عن المشابهة وحينئذٍ لا يمنع من الصرف قالوا: إذًا لابد من التكلف، فنجعل للعلة الواحدة جهتين: جهة ترجع إلى اللفظ، وجهة ترجع إلى المعنى، فلذا حكموا عليها بأنها علة تقوم مقام العلتين. فقالوا: في مثل صيغ الجموع، لابد أن توجد علة ترجع إلى اللفظ، وعلة أخرى ترجع إلى المعنى، فتكون هذه العلة قامت مقام علتين من جهتين مختلفتين، فاختلفوا في تحديد هاتين الجهتين، فالبعض يرى أن كونه أقصى بمنزلة علة، وهي من جهة اللفظ فهذه علة فرعية لفظية، لكونه خرج عن صيغ الآحاد آحاد الألفاظ العربية لأنه لا يوجد مفرد على هذا الوزن مفاعل ومفاعيل، ولذلك ضبطه بعضهم بالوزن فيقول: هو نوعان: مفاعل، ومفاعيل، ولكن مفاعل ومفاعيل لا ينضبط وإنما يقال: كل جمع بعد ألف تكسيره حرفان، أو ثلاثة أحرف وسطها ساكن،
فحينئذٍ مساجد ودراهم بعد ألف تكسيره حرفان فهو خماسي كما قال في الملحة:
وَكُلُّ جَمْعٍ بَعْدَ ثَانِيهِ أَلِفْ
…
وَهْوَ خُمَاسِيٌّ فَلَيسَ يَنْصَرِفْ
وَهَكَذَا إِنْ زَادَ فِي المِثَالِ
…
نَحْوُ دَنَانِيرَ بِلَا إَشْكَالِ
ومصابيح وطواويس وجد بعد ألف تكسيره ثلاثة أحرف وسطها ساكن، لكن هل لهذه الأوزان مفاعل ومفاعيل نظير في الآحاد في اللفظ المفرد؟ لا يوجد لها نظير، هذه ننزلها منزلة علة ترجع إلى اللفظ، وكونه جمعًا علة ترجع إلى المعنى، إذًا صيغة منتهى الجموع علة تقوم مقام علتين إحداهما ترجع إلى اللفظ وهي كونه أقصى ولا نظير له، وأخرى ترجع إلى المعنى وهي كونه جمعًا. قوله: وزن المراد به وزن الفعل وهو كون الاسم على وزن خاص بالفعل أو يكون في الاسم زيادة لا تكون إلا في الفعل، وبهذه الزيادة يصير الاسم مساويًا للفعل، أن يكون الاسم على وزن خاص بالفعل، والأوزان الخاصة بالفعل نحو: قَتَّل وانطلق، وزنه فعَّل وانفعل، وكل ما كان على وزن فعَّل فهو فعل في الأصل، وكذلك كل ما كان مغير الصيغة كضُرِب، وكل فعل ماضٍ مبدوءٍ بهمزة وصل فهو خاص بالفعل. فحينئذٍ إذا جاء الاسم على وزن خاص بالفعل -كأن يكون هذا الفعل نُقل من الفعلية إلى العلمية- إذا قيل هذا وزن خاص بالفعل كفعّل وانطلق وضُرِب هل يتصور أن يوجد اسم على وزن فعل؟ لا. لأنه إذا وجد اسم على وزن الفعل لما كان الوزن خاصا بالفعل، ففعَّل هذا خاص بالفعل، فلو جاء الاسم في الأصل على وزن فعّل هل صار فعَّل خاصا
بالفعل؟ الجواب: لا، وليس عندنا إلا أن يُنقل الفعل إلى العلمية. إذًا ضُرِب وقتَّل مثلا نُقل وجُعل علمًا على رجل، فلو سَمَّى رجل ولده قتَّل، نقول: قتّل علم ممنوع من الصرف فتقول: جاء قتَّلُ، ورأيت قتلَ، ومررت بقتلَ، تمنعه من الصرف لأن هذا الفعل صار علمًا يعني اسمًا، وهل يوجد في الاسم ما هو على وزن فعَّل؟ تقول: لا، وهذا جاء على وزن خاص بالفعل لأنه منقول عن الفعل، فحينئذٍ يمنع من الصرف للعلمية ووزن الفعل. هذا مما جاء على وزن خاص بالفعل، أيضًا أن يكون في أول الاسم زيادة خاصة بالفعل، وبهذه الزيادة يكون قد ساوى الاسمُ الفعلَ، مثل: الحمد هذا مصدر حَمِدَ على وزن فَعِل، وفَعِل ليس وزنا خاصا بالفعل، لكن لو زيد في أوله همزة، فصار بهذه الهمزة موازيًا للفعل المضارع، لأنه هو الذي تزاد في أوله الهمزة فقيل: أَفْعَل فلو قال من الحمد: أحمد، فالهمزة زائدة والأصل هي الحاء والميم والدال، إذًا زيد على الاسم حرف أو زيادة في أوله صار بهذه الزيادة مشابهًا للفعل، وليس هو وزنًا خاصًّا بالفعل، وإنما كونه بهذه الزيادة صار مساويًا للفعل حينئذٍ أخذ حكمه، كذلك يزيد وتغلب وتشكر، نقول: هذه في الأصل كلها أسماء زِيد في أولها حرف خاص بالفعل وهو التاء، وهو حرف المضارعة فبهذه الزيادة صار الاسم موازيًا ومساويًا للفعل فأخذ حكمه. قوله: عادلاً المراد بالعدل هنا: تحويل الاسم الواحد من حالة إلى حالة أخرى، وكثير من النحاة يرون أن هذا القسم على نوعين: تقديري، وتحقيقي.
والتقديري هذا متكلف،
قالوا: لابد من إيجاد علة ولو متكلفة من أجل طرد الباب على وتيرة واحدة، لأنهم وجدوا أن عُمَرَ ممنوع من الصرف، وما هي العلة؟ قالوا: وجدت فيه العلة المعنوية وهي العلمية، وما هي العلة الأخرى؟ جاء النحاة بعلة متكلفة قالوا: عمر هذا معدول عن عامر، قالوا: طردا للباب من أجل أن نوجد علة أخرى فرعية؛ لأن المعدول إليه فرع عن المعدول عنه، وعمر فرع عامر، إذًا وجدت علة لفظية فرعية، والعلمية معنوية، إذًا وجد في عمر علتان لذا منعناه من الصرف.
العدل هو تحويل الاسم من حالة إلى حالة أخرى مع بقاء المعنى الأصلي. وهذا يقع في المعارف في الأعلام خاصة، ويقع في الصفات. أما في المعارف فيأتي على وزنين اثنين لا ثالث لهما: الأول: فُعَل علم للمذكر معدولا عن فاعل، كعمر، وزحل، وهبل، وقثم، هذه كلها ممنوعة من الصرف لأنها أعلام لمذكر على وزن فُعَل، وهي معدولة عن فاعل. الوزن الثاني: فَعَالِ علما لمؤنث، معدولا عن فاعلة كحذامِ، ورقاشِ، وحضارِ، قالوا: حذامِ معدول عن حاذمة، هذا عند بني تميم خاصة - في غير المختوم براء - أن حذامِ وبابه ممنوع من الصرف. أما عند الحجازيين فهو مبني على الكسر مطلقًا سواء كان مختومًا براءٍ أولا، كما قال الشاعر:
إِذَا قَالَتْ حَذَامِ فَصَدِّقُوهَا
…
فَإِنَّ القَولَ مَا قَالَتْ حَذَامِ
وقعت حذام في البيت مرتين فاعلا ولم يرفع، فهو مبني على الكسر؛ لأنه لغة أهل الحجاز. وأما بنو تميم فأكثرهم يفصل بين ما كان مختومًا براء، وما لم يكن كذلك، فأما ما كان مختومًا براء فهو كالحجازيين كوبار وسفار يبنى على الكسر.
والواقع في الصفات أيضًا أمران: الأول: أن يكون في العدد. والثاني: في غيره. فأما الواقع في العدد فهو وزنان اثنان لا ثالث لهما، وهما فُعَال، ومَفْعَل، وهذان واقعان باتفاق في العدد من الواحد إلى الأربعة، وما عداه إلى العشرة فمختلف فيه. فتقول: أُحاد وموحد، وثُناء ومثنى، وثُلاث ومثلث، ورُباع ومربع. وهذا باتفاق وبعضهم أوقفها هنا وقال لا يجوز أن يقال: خماس إلى عشار. قال تعالى: {أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} (فاطر:1) أولي أجنحة مثنى -هذا غير ظاهر الإعراب- وثلاثَ مجرور، صفة لأجنحة، وصفة المجرور مجرور وجره الفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف، للوصفية والعدل، لأنه معدول، فمثنى معدول عن اثنين اثنين أي أولى أجنحة اثنين اثنين، وثلاث معدول عن ثلاثة ثلاثة، ورباع معدول عن أربعة أربعة. والواقع في الصفات نحو: أخر ومنه: {فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ} (البقرة:184) فأخر مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه ممنوع من الصرف، وعلة المنع عندهم قالوا: أُخَر جمع أخرى، وأخرى أُنثى آخر، فآخر وصف للمذكر، وأخرى وصف للمؤنث، تقول: مررت برجلٍ آخرَ وامرأةٍ أخرى،
والقاعدة عندهم: أن كل فُعْلَى مؤنث أفعل لا تستعمل هي ولا جمعها إلا بأل أو بالإضافة، فيقال: الصغرى ولا يقال: صغرى، ويقال: الكبرى ولا يقال: كبرى، ويقال: الصُّغَر ولا يقال: صُغَر، قال تعالى:{إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ} (المدثر:35) والكبر جمعٌ. وعندنا هنا أُخر أصلها الأخر بأل، فعُدِل به إلى أُخر. إذًا اجتمع فيه علتان العدل والوصف. ولماذا حكمت بأنه معدول عن الأخر؟ تقول: لأن أُخر جمع أخرى، وأخرى فعلى هي وجمعها لا تستعمل إلا بأل أو بالإضافة، وهنا جاءت في أفصح الكلام مجردة عن أل معدولة عن الآخر. قوله: أنث التأنيث أنواع، فقد يكون تأنيثًا بألفٍ مقصورة كحبلى أو ممدودة كصحراء. وهذا النوع يستقل بنفسه في المنع من الصرف كصيغة منتهى الجموع نحو: مررت بحبلى، ممنوع من الصرف لكونه مؤنثًا بالألف المقصورة، وهي علة واحدة تقوم مقام علتين إحداهما ترجع إلى اللفظ والأخرى ترجع إلى المعنى. قالوا: كونه مؤنثًا بمنزلة علة ترجع إلى المعنى، وكون التأنيث لازمًا -لأن الأصل فيه أن يكون منفكًا- بمنزلة علة أخرى ترجع إلى اللفظ. وقد يكون التأنيث بالتاء كطلحة وحمزة، وهذا النوع لا يكون مانعًا من الصرف إلا مع العلمية، تقول: مررت بطلحةَ، مُنع من الصرف لاجتماع علتين فرعيتين إحداهما ترجع إلى اللفظ، وهي كونه مؤنثًا بالتاء، والأخرى كونه علمًا. وقد يكون التأنيث معنويا كزينب وسعاد، هذا مؤنث من غير علامة لا بالتاء، ولا بالألف الممدودة، ولا الألف المقصورة، وهذا النوع فيه تفصيل لأنه تارة يوجب المنع من الصرف، وتارة يجوزه أي المنع
وعدمه. ويكون واجبًا إذا وجد فيه واحد من ثلاثة أمور:
أولاً: أن يكون أكثر من ثلاثة أحرف، أي أربع فأكثر كزينب فهو واجب المنع من الصرف لكونه أكثر من ثلاثة أحرف.
الثاني: أن يكون ثلاثيا محرك الوسط، كسقر ولظى، فهذا مؤنث، فهل نمنعه من الصرف؟ لو نظرنا إلى النوع الأول وهو كونه أكثر من ثلاثة، تقول: هو مصروف، لكنه ممنوع من الصرف، قالوا: ننزل الحركة -حركة العين- منزلة الحرف الرابع، إذًا الثلاثي محرك الوسط ممنوع من الصرف.
الثالث: أن يكون ثلاثيا أعجميًا كحمص وبلخ، هذه ثلاثية وهي ممنوعة من الصرف مع كونه غير محرك الوسط، قالوا: كونها أعجمية زادها ثقلاً، فنزل هذا الثقل منزلة الحرف الرابع، هذه ثلاثة شروط إذا وجد واحد منها وجب منع الاسم من الصرف. ما عدا ذلك كهند ودعد ليست محركة الوسط، وليست أعجمية يجوز صرفه وعدمه، تقول: جاءت هندٌ وجاءت هندُ. واختلف في أيهما أرجح وأولى.
قوله: بمعرفة المراد بها العلمية. قوله: ركب المراد بالتركيب هنا التركيب المزجي، والمعارف ستة، ولا يتأتى الضمير هنا، ولا اسم الإشارة، ولا الاسم الموصول، لأنها كلها مبنية، وهذا الباب باب إعراب لا بناء، لا يمكن أن يكون الضمير ممنوعًا من الصرف، ولا الاسم الموصول ممنوعًا من الصرف، ولا اسم الإشارة ممنوعًا من
الصرف. بقي من المعارف المحلى بأل، والمضاف. وهل يمكن أن يكون ممنوعًا من الصرف؟ لا يمكن، لأن الاسم الممنوع من الصرف إذا دخلت عليه أل أو أضيف صُرف وجُرَّ بالكسرة، فحينئذٍ كيف يكون مقتضيًا للفتحة مع اقتضائه للكسرة؟! فهذا تناقض، لأن كل ما لا ينصرف إنما يجر بالفتحة نيابة عن الكسرة ما لم تدخل عليه أل وما لم يضف، لأنه إذا دخلت عليه أل أبعدت الشبه فرجع إلى أصله وإذا أضيف كذلك لأن الإضافة وأل من خصائص الأسماء فحينئذٍ يرجع إلى أصله. إذًا المراد بالتركيب هنا التركيب المزجي: وهو كل كلمتين أو اسمين نزل ثانيهما منزلة التاء - تاء التأنيث - لما قبلها. وهذا نوعان: ما كان مختومًا بويه، وما ليس مختومًا بويه. فما كان مختومًا بويه كسيبويه، وعمرويه، ونفطويه، وخالويه، ومسكويه، فهو مبني على الأصح، وهذا هو المشهور كما قال ابن مالك:
وَجُمْلَةٌ وَمَا بِمَزْجٍ رُكِّبَا
…
ذَا إِنْ بِغَيْرِ وَيْهِ تَمَّ أُعْرِبَا
إذًا نقول: المراد بالمركب في باب الممنوع من الصرف المركب المزجي غير مختوم بويه، كبعلبك. وأما المزجي المختوم بويه فهذا مبني ولا يرد هنا. كما لا يرد التركيب الإسنادي لأنه من قبيل المحكيات نحو: تأبط شرًّا، فهذا علم هل يدخله الصرف، نقول: لا، لأنه يُحكى كما هو، إيراد اللفظ المسموع على حالته هذا هو ضابط الحكاية، فتأبط شرًا فعل وفاعل ومفعول به نُقل فصار علمًا منقولاً، إذًا الجملة تكون علمًا منقولاً، قد تكون جملة فعلية، وقد تكون جملة
اسمية. لكن المسموع من لغة العرب هو نقل الجملة الفعلية وقيس عليها الجملة الاسمية. نقول: جاء تأبط شرا، ورأيت تأبط شرا، ومررت بتأبط شرا. وإعرابه جاء: فعل ماض، تأبط شرا: فاعل، الجملة كلها فاعل مثل زيد، تأبط شرا فاعل مرفوع ورفعه ضمة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بسكون الحكاية، إذا وقفت بالألف أو تقول: حركة الحكاية، وكذلك في النصب تقول: رأيت تأبط شرا، تأبط شرا مفعول به منصوب ونصبه فتحة مقدرة على آخره منع من ظهورها اشتغال المحل بحركة الحكاية. وأما المركب الإضافي كامريء القيس، وعبد الله فهذا لا يمكن أن يكون ممنوعًا من الصرف؛ لأن الإضافة تقتضي الجر بالكسرة، فلا تكون مقتضية للجر بالفتحة، فلذلك يمتنع أن يؤثر عامل واحد أثرين مختلفين في محل واحد، كجاء زيد فزيد هذا فاعل، لا يمكن أن يكون في نفس الوقت مفعولا به، ويجوز مع تعدد المحل نحو: ضرب زيد عمرًا، زيد: هذا متعلق بضرب لأنه فاعل، وعمرًا متعلق بضرب لأنه مفعول، إذًا العامل واحد -وهو ضرب- أثر في زيد فأحدث الضمة التي هي دليل الفاعل، وأثر في عمرًا فأحدث الفتحة التي هي دليل المفعول به. إذًا عمل عملين لكن في محلين مختلفين، فحينئذٍ تقول: وعبد الله كذلك لا يمكن أن يكون مقتضيًا للجر بالفتحة نيابة عن الكسرة لأنه يقتضي الانجرار بالكسرة، وعليه لا يمكن أن يؤثر أثرين الكسرة والفتحة في محل واحد. قوله: وزد والمراد زيادة الألف والنون كعثمان وسكران، فالألف والنون
زائدتان، والمزيد فيه فرع عما لا زيادة فيه. قوله: عجمة المراد بها أن تكون الكلمة على الأوضاع الأعجمية كإبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب، فهذه الكلمات أصلها من لغة العجم، وليس كل اسم أعجميٍّ يمنع من الصرف، بل لابد أن يتحقق فيه شرطان: أولاً: أن يكون أكثر من ثلاثة أحرف، أربعة فأكثر، ولذلك انصرف نوح ولوط على القول بأنهما اسمان أعجميان، قال تعالى:{إِنَّا أَرْسَلْنَا نُوحاً} (نوح:1){إِلَّا آلَ لُوطٍ} (الحجر:59) لكونهما على ثلاثة أحرف. الثاني: أن تكون الكلمة علمًا في لغة العجم، فإذا كانت عندهم نكرة أو اسم جنس كلجام وديباج ونحوها أسماء أجناس، لو نقلت إلى لغتنا العربية فجعلت علما صرفت، تقول: مررت بلجامٍ بالصرف مع أنها أعجمية لأنها ليست علمًا في لغة العجم.
قوله: فالوصف قد كملا هذه هي العلة التاسعة والأخيرة أن تكون الكلمة مشتملة على وصف كأحمر وأفضل وسكران وغضبان، ولابد من شرطين اثنين لتكون الصفة معتبرة في كونها علة مانعة من الصرف مع علة أخرى: الأول: الأصالة أن تكون الكلمة في أصل وضعها وضعت صفة، فلو طرأت بأن كانت علما مجردًا أو اسمًا مجردًا ثم عرضت عليها الوصفية، لا تكون ممنوعة من الصرف ولو وجدت معها علة أخرى لأن شرط الوصفية أن تكون الصفة أصلية. قالوا: صفوانٌ وهو الحجر الأملس، وأرنب وهو الحيوان المعروف، قد يجعل صفوان وصفًا فتطرأ عليه الوصفية يعني يلاحظ فيه القسوة لأن مسماه الحجر، والحجر قاس، فتقول:
هذا قلب صفوانٌ بالصرف؛ لأن الوصفية يشترط فيها الأصالة وهنا صفوان ليس أصلاً وإنما هو الحجر الأملس. وكذلك أرنب تقول: هذا رجل أرنبٌ بمعنى ذليل أو ضعيف فهو صفة، لكنها طارئة فلذلك صرف. الثاني: أن لا تكون الكلمة قابلة لتاء التأنيث، تقول: مررت برجل عُريانٍ، فالألف والنون زائدتان وهي صفة مصروفة؛ لأنها وإن كانت وصفًا وكانت الألف والنون زائدتين إلا أن من شرط الوصفية أن لا تقبل الكلمة تاء التأنيث، لأنه يقال: عريانة وصف للمؤنث بالتاء فلا يكون ممنوعا من الصرف. ومثله أرمل، لأنه يقال: أرملة، فحينئذٍ أرمل على وزن أفعل -وزن الفعل- ووجد فيه الوصف، والوصف بالأصالة لكن فقد الشرط الثاني للوصفية: أن لا تكون الكلمة قابلة لتاء التأنيث. ومثال الذي يمنع للوصف وعلة أخرى نحو: سكران، وأحمر.
هذه العلل منها ستة تمنع مع العلمية، وهي التأنيث بغير الألف مطلقًا، وهو التأنيث المعنوي كزينب وطلحة. أما نحو: حبلى وصحراء فهذا لا يشترط فيه علمية ولا وصفية. العجمة، والتركيب، وزيادة الألف والنون، ووزن الفعل، والعدل التقديري، هنا لابد من وجود واحدة من هذه العلل الست مع العلمية. وأما مع الوصفية فلا يوجد منها إلا واحدة من ثلاث وهي زيادة الألف والنون، أو وزن الفعل، أو العدل التحقيقي كمَثنى.