الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب السادس: صلاة التطوع
تعريف التطوع:
هو ما يطلب فعله زيادة على المكتوبة طلباً غير جازم إما على سبيل الندب أو السنة أو الرغيبة.
أولاً- الصلوات النافلة المندوبة
النفل لغة: الزيادة والمراد به هنا ما زاد على الفرض والسنة والرغيبة.
واصطلاحاً: ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم ولم يداوم عليه.
ولا تفتقر الصلاة النافلة المندوبة إلى نية تميزها عن غيرها وإنما تكفي نية الصلاة، فإذا وقعت في الضحى سميت ضحى، وإذا وقعت بعد صلاة العشاء في رمضان سميت تراويح، وإذا وقعت قبل فريضة أو بعدها كانت راتبة وهكذا.
والنوافل المندوبة ندباً مؤكداً قسمان: قسم تابع للفرائض ويسمى رواتب وقسم غير تابع للفرائض.
آ- النوافل المندوبة التابعة للفرائض:
وهي قسمان: منها: ما هو قبل (1) صلاة الفريضة وبعد دخول وقتها، ومنها ما هو بعد صلاة الفريضة. وهي غير محدودة العدد ويكفي في تحصيل الندب ركعتان وإن كان الأوْلى أربع ركعات، إلا بعد المغرب فست ركعات، وهي:
⦗ص: 194⦘
قبل صلاة الظهر وبعدها، وقبل صلاة العصر، وبعد صلاة المغرب، وبعد صلاة العشاء.
والأدلة على التوالي:
حديث أم حبيبة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: (من حافظ على أربع ركعات قبل الظهر وأربع بعدها حرمه اللَّه على النار)(2) .
وحديث ابن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (رحم اللَّه امرأ صلى قبل العصر أربعاً)(3) .
وما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (من صلى بعد المغرب ست ركعات لم يتكلم بينهن بسوء عدلن له بعبادة ثنتي عشر سنة)(4) .
وما روى البخاري عن عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما قال: (حفظت عن النبي صلى الله عليه وسلم عشر ركعات: ركعتين قبل الظهر، وركعتين بعدها، وركعتين بعد المغرب في بيته، وركعتين بعد العشاء في بيته، وركعتين قبل صلاة الصبح، كانت ساعة لا يُدخل على النبي صلى الله عليه وسلم فيها (5) .
ولم يرد شيء معلوم بالنفل قبل صلاة العشاء؛ إلا عموم قوله صلى الله عليه وسلم -فيما رواه عنه عبد اللَّه بن مغفل قبل صلاة العشاء؛ إلا عموم قوله صلى الله عليه وسلم: (بين كل أذانين صلاة)(6) والمراد بالأذانين في الحديث الأذان والإقامة.
(1) قيل إن حكمة تقديم النافلة على الفريضة هو أن النفوس تكون مشغولة بأسباب الدنيا بعيدة عن حالة الخشوع والحضور، فإذا قدمت النافلة على الفريضة أَنِسَتْ النفوس بالعبادة وتكيفت بحالة تقرب من الخشوع. وأما الحكمة من تأخير النافلة عن الفريضة فلجبر نقص صلاة الفريضة.
(2)
الترمذي: ج 2/ الصلاة باب 317/428.
(3)
الترمذي: ج 2/ الصلاة باب 318/430.
(4)
الترمذي: ج 2/ الصلاة باب 321/435.
(5)
البخاري: ج 1/ كتاب التطوع باب 10/1126.
(6)
مسلم: ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 56/304.
ب- النوافل المندوبة غير التابعة للفرائض:
أولاً: الموقوتة:
1ً- صلاة الضحى:
ودليلها ما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال: (أوصاني خليلي صلى الله عليه وسلم بثلاث: بصيام ثلاثة أيامٍ من كل شهر وركعتي الضحى. وأن أوتِر قبل أن أرقد)(1) .
وما روى أبو ذر رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (يصبح على كل سُلامى من أحدكم صدقة
…
ويجزئ من ذلك ركعتان يركعهما من الضحى) (2) .
⦗ص: 195⦘
وقتها: من طلوع الشمس قدر رمح إلى الزوال. ولا تقضى إذا خرج وقتها.
عددها: أقلها ركعتان، وأوسطها ست، وأكثرها ثمان، ويكره ما زاد على الثماني بنية الضحى أما بنية النفل المطلق فلا مانع، لما روت أم هانئ رضي الله عنها (أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل بيتها يوم فتح مكة فصلى ثماني ركعات. ما رأيته صلى صلاة قط أخفَّ منها، غير أنه كان يتم الركوع والسجود)(3) .
(1) مسلم: ج 1/ كتاب صلاة المسافرين باب 13/85.
(2)
مسلم: ج 1/ كتاب صلاة المسافرين باب 13/84.
(3)
مسلم: ج 1/ كتاب صلاة المسافرين باب 13/80.
2ً- التهجد:
وهو نفل الليل، ودليله ما روي عن إياس بن معاوية المزني أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:(لا بد من صلاة بليل ولو حلب شاة)(1) . وما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (أفضل الصلاة بعد الفريضة صلاة الليل)(2) وعن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ركعتان في جوف الليل يكفران الخطايا)(3) .
أفضل وقته: الثلث الأخير من الليل، لما روى عمرو بن عبسة رضي الله عنه قال: قلت يا رسول اللَّه وهل من ساعة أقرب إلى اللَّه تعالى من أخرى؟ قال: جوف الليل الأخير) (4) . ونفل الليل أفضل من نفل النهار.
ويندب الجهر بنفل الليل ما لم يشوش على مصلٍّ آخر، فإن أسرَّ فالإسرار خلاف الأوْلى.
(1) مجمع الزوائد: ج 2/ ص 252.
(2)
مسلم: ج 2/ كتاب الصيام باب 38/202.
(3)
الجامع الصغير: ج 2/ ص 24.
(4)
مسند الإمام أحمد: ج 4/ ص 114.
3ً- التراويح:
وهي قيام رمضان.
حكمها: مندوبة ندباً مؤكداً للرجال والنساء، لما روى أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من قام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه)(1) .
وقتها: بعد صلاة العشاء بعد مغيب الشفق (2) وقبل صلاة الوتر إلى الفجر. ويكره تأخيرها
⦗ص: 196⦘
عن الوتر لحديث عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)(3) . وإذا خرج وقتها فلا تقضى.
عددها: عشرون ركعة عدا الشفع والوتر، ثم جعلت في زمن عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه ست وثلاثون، لكن الذي عليه السلف والخلف أنها عشرون، والدليل ما روى البيهقي عن السائب بن يزيد الصحابي رضي الله عنه قال:(كانوا يقومون على عهد عمر بن الخطاب رضي الله عنه، في شهر رمضان، بعشرين ركعة، قال: وكانوا يقومون بالمئين، وكانو يتوكؤون على عصيهم في عهد عثمان بن عفان رضي الله عنه من شدة القيام)(4) .
مندوباتها:
1-
يندب أن يسلم من كل ركعتين، فلو صلاها بسلام واحد وقعد على رأس كل ركعتين صحت مع الكراهة.
2-
تندب فيها الجماعة، ولو صليت في البيت، لحديث السائب المتقدم، وما روت عائشة رضي الله عنها (أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم صلى في المسجد ذات ليلة. فصلى بصلاته ناس، ثم صلى من القابلة، فكثر الناس. ثم اجتمعوا من الليلة الثالثة أو الرابعة. فلم يخرج إليهم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فلما أصبح قال: قد رأيت الذي صنعتم. فلم يمنعني من الخروج إليكم إلا أني خشيتُ أن تفرض عليكم) قال: وذلك في رمضان (5) .
فكان الناس يصلون لأنفسهم حتى جمع عمر رضي الله عنه الرجال لصلاتها، وجعل أُبَيّ بن كعب إماماً عليهم. وجمع النساء كذلك وجعل سليمان بن أبي حثمة إماماً لهن.
3-
تندب صلاتها في البيت إذا كان ينشط بفعلها في بيته ولم يعطل المساجد عن صلاتها بها جماعة ولم يكن من الذين يقتدى بهم، فهولاء يندب لهم صلاتها في المسجد جماعة، وأن لا يكون آفاقياً في مكة أو المدينة (إن كان آفاقياً ندب له أن يصلي كل صلواته في الحرم) .
4-
يندب ختم القرآن في الصلاة بها جميع الشهر، بحيث يقرأ جزءاً كل ليلة.
⦗ص: 197⦘
(1) البخاري: ج 1/ كتاب صلاة الترويح باب 1/1904.
(2)
فلو جمعت العشاء مع المغرب جمع تقديم أُخرت صلاة التراويح إلى ما بعد مغيب الشفق.
(3)
البخاري: ج 1/ كتاب الوتر باب 4/953.
(4)
البيهقي: ج 2/ 496.
(5)
مسلم: ج 1/ كتاب صلاة المسافرين باب 25/177.
4ً- الشفع:
وأقله ركعتان، وأكثره لا حدّ له.
وقته: بعد صلاة العشاء وقبل صلاة الوتر.
مندوباته:
1-
أن يقرأ فيه بعد الفاتحة في الركعة الأولى سورة (الأعلى) ، وفي الركعة الثانية (الكافرون) .
2-
أن يفصل بينه وبين الوتر بسلام، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال:(كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يفصل بين الوتر والشفع بتسليمة ويسمعناها)(1) .
3-
تأخيره مع الوتر إلى آخر الليل.
4-
الجهر به.
5-
أن يصلي جماعة في رمضان.
(1) مسند الإمام أحمد: ج 2/ ص 76.
ثانياً- النوافل ذات السبب:
1ً- تحية المسجد:
وهي ركعتان بدون زيادة، ويجزئ عنها أيُّ صلاة أخرى -عدا صلاة الجنازة- إذا نواها بالإضافة إلى نية الصلاة الأصلية لحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه:(إنما الأعمال بالنية) . وينبغي أن ينوي فيها التقرب إلى اللَّه تعالى، لأنها تحية رب المسجد، ولأن الإنسان إذا دخل بيت الملك يحي الملك لا بيته.
ويندب البدء بها قبل السلام على الناس في المسجد (إلا إذا خشي الفتنة) حتى قبل السلام على النبي صلى الله عليه وسلم إن كان داخلاً الحرم النبوي، لأن تحية المسجد هي حق اللَّه تعالى وهو أوكد من حق المخلوق. ولا تسقط بالجلوس وإنما يكره ذلك، لحديث أبي قتادة رضي الله عنه أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال:(إذا دخل أحدكم المسجد، فليركع ركعتين قبل أن يجلس)(1) .
شروط ندبها:
1-
أن يكون دخوله المسجد في وقت تجوز فيه النافلة لا في وقت نهي.
2-
أن يكون قاصداً الجلوس في المسجد لا المرور فيه.
3-
أن يكون طاهراً من الحدثين، فإذا كان محدثاً فلا تطلب منه.
4-
أن لا يصادف دخوله إقامة الصلاة للإمام الراتب، أما إن كان الإمام غير راتب جازت له التحية.
5-
أن لا يصادف دخوله للجامع خطبة الخطيب سواء كانت خطبة جمعة أو عيدين أو غيرها. فإذا اختل شرط من هذه الشروط لم تندب لها تحية المسجد، وينوب عنها قوله:"سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر" أربع مرات.
أما تحية الحرم المكي فهي الطواف بالنسبة للآفاقي، ولمن دخله وهو مطالب بالطواف ولو على سبيل الندب لغير الآفاقي، أما إن كان مكياً وغير مطالب بطواف فتحية الحرم كتحية سائر المساجد.
(1) مسلم: ج 1 / كتاب صلاة المسافرين باب 11/69.
2ً- ركعتان عند الخروج للسفر:
لحديث المطعم بن المقدام عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (ما خلَّف عبد على أهله أفضلَ من ركعتين يركعهما عندهم حين يريد سفراً)(1) .
(2)
مسلم: ج 2/ كتاب الصيام باب 38/202.
(1) الجامع الصغير ج 2/ ص 145، رواه ابن أبي شيبة عن المطعم بن المقدام مرسلاً (ضعيف) .
3ً- ركعتان عند القدوم من السفر:
لما روى كعب بن مالك رضي الله عنه (أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان لا يقدم من سفر إلا نهاراً، في الضحى، فإذا قدم، بدأ بالمسجد. فصلى فيه ركعتين. ثم جلس فيه)(1) .
(1) مسلم: ج 1/ كتاب صلاة المسافرين باب 12/74.
4ً- ركعتا الاستخارة:
وهي مندوبة لمن أراد أمراً من الأمور، فيصلي ركعتين بنية الاستخارة ثم يدعو بما ورد في حديث جابر رضي الله عنه قال: كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يعلم أصاحبه الاستخارة في الأمور كلها، كما يعلم السورة من القرآن، يقول:(إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة، ثم ليقل: اللَّهم إني أستخيرك بعلمك، وأستقدرك بقدرتك، وأسألك من فضلك، فإنك تقدر ولا أقدر، وتعلم ولا أعلم، وأنت علاّم الغيوب، اللَّهم فإن كنت تعلم هذا الأمر -ثم تسميه بعينه- خيراً لي في عاجل أمري وآجله -قال: أو في ديني ومعاشي وعاقبة أمري، فاقْدُرْهُ لي ويسِّره لي، ثم بارك لي فيه، اللَّهم وإن كنت تعلم أنه شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري -أو قال: عاجل أمري وآجله- فاصرِفني عنه، واقْدُرْ لي الخير حيث كان ثم رضِّني به)(1) .
⦗ص: 199⦘
(1) البخاري: ج 6/ كتاب التوحيد باب 10/6955.
5ً- ركعتا قضاء الحاجة:
لما روى عبد اللَّه بن أبي أوفى قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: (من كانت له إلى اللَّه حاجة أو إلى أحد من بني آدم فليتوضأ فليحسن الوضوء، ثم ليصلِّ ركعتين، ثم ليُثْنِ على اللَّه، وليصلِّ على النبي صلى الله عليه وسلم، ثم ليقل: لا إله إلاّ اللَّه الحليم الكريم، سبحان اللَّه رب العرش العظيم، الحمد لله رب العالمين، أسألك موجبات رحمتك، وعزائم مغفرتك، والغنيمة من كل بر، والسلامة من كل إثم، لا تدع لي ذنباً إلى غفرته، ولا هماً إلا فرَّجته، ولا حاجة هي لك رضاً إلا قضيتها يا أرحم الراحمين)(1) .
(1) الترمذي: ج 2/ الصلاة باب 348/479.
6ً- يندب صلاة ركعتي عند الفزع من الزلزال أو الصواعق أو الريح الشديدين أو الظلمة أو الوباء، لأنها آيات من آيات اللَّه تعالى يخوف بها اللَّه عباده ليتركوا المعاصي ويرجعوا إلى طاعته، فينبغي عند وقوعها الرجوع إليه تعالى بالعبادة.
وصلاتها كالنوافل العادية بلا جماعة ولا خطبة، ولا يسن فعلها في المسجد بل الأفضل أن تؤدى بالمنازل.
7ً- ويندب أيضاً صلاة ركعتين عند التوبة من الذنب، وركعتين بعد الطهارة، وصلاة بين الأذان والإقامة للحديث المتقدم:(بين كل أذانين صلاة) إن كان وقت جواز فيخرج بذلك أذان المغرب.
المندوبات في النوافل:
1-
يندب الجهر في نوافل الليل (ويتأكد بالوتر) ما لم يشوش على مصلٍّ آخر. ويندب الإسرار في نوافل النهار ما عدا الورد الليلي إذا صلاه نهاراً فإنه يجهر به نظراً لأصله.
2-
يندب النفل في أي وقت يحلُّ فيه، ويتأكد بعد صلاة المغرب.
3-
يفضل في النوافل كثرة الركعات لحديث معدان بن أبي طلحة اليَعمري قال: لقيت ثوبان مولى رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقلت: أخبرني بعمل أعمله يدخلني اللَّه به الجنة. أو قال: قلت: بأحب الأعمال إلى اللَّه، فسكت، ثم سألته فسكت. ثم سألته ثالثة فقال: سألت عن ذلك رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فقال: (عليك بكثرة السجود للَّه. فإنك لا تسجد للَّه سجدة إلا رفعك اللَّه بها درجة، وحطَّ عنك بها خطيئة)(1) .
4-
يفضل أن تصلى النافلة الراتبة البعدية في المسجد، سواء كان في نفس مكان الفريضة أو في غيره، وأن تصلى بقية النوافل في المنزل. ويستثنى من ذلك من كان في غير المدينة المنورة فيندب له إيقاع كل النوافل في المكان الذي كان يصلي فيه رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم، وهو أمام المحراب الذي بجانب المنبر.
(1) مسلم: ج 1/ كتاب الصلاة باب 43/225.
المكروهات في النوافل
1-
تكره القراءة في المصحف أثناء الصلاة، سواء كانت فرضاً أم نفلاً، للانشغال عن الخشوع.
2-
يكره الجمع القليل في مكان مشهور.
3-
يكره الجمع الكثير للنوافل في غير التراويح في مكان غير مشهور، لأن شأن النوافل الانفراد بها أو صلاتها مع جماعة قليلة.
4-
يكره الاضطجاع على الشق اليمن بين صلاة الفجر والصبح.
5-
يكره الكلام بدنيوي بعد صلاة الصبح لا بعد صلاة الفجر.
ثانياً- الصلاة الرغيبة
الرغيبة لغة: التحضيض على فعل الخير.
واصطلاحاً: ما رغب فيه الشارع وحدده بحيث لو زِيدَ فيه أو أُنقص عمداً بطل. ولا يفعل في جماعة.
والرغيبة ما كانت دون السنة في التأكيد وفوق النافلة المندوبة.
وتفتقر الرغيبة إلى نية تميزها عن مطلق النافلة. وليس هناك إلا رغيبة واحدة وهي ركعتا الفجر، لحديث عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم: قال: "ركعتا الفجر خير من الدنيا وما فيها"(1) .
وقتها: من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس، ومحلها قبل صلاة الصبح فإذا صلاها وهو شاك في دخول الوقت فصلاته باطلة سواء تبين أنها وقعت في الوقت أم لا. وإذا فات
⦗ص: 201⦘
وقتها فإنها تقضى بعد طلوع الشمس، ووقت قضائها من ارتفاع الشمس قدر رمح (2) إلى الزوال، فإذا دخل وقت الزوال انتهى وقت القضاء، وسواء كان معها الصبح أم لا كمن أقيمت عليه صلاة الصبح قبل أدائها، أو صلى الصبح قبل أدائها لضيق الوقت، أو كان تركها كسلاً، فإنه يقضيها.
مندوباتها:
1-
يندب أن يقتصر في القراءة على فاتحة الكتاب فلا يزيد سورة بعدها.
2-
يندب إيقاعها في المسجد، وتنوب عن تحية المسجد لمن دخله بعد طلوع الفجر الصادق.
(1) مسلم: ج 1/ كتاب صلاة المسافرين وقصرها باب 14/96.
(2)
الرمح يساوي (12) شبراً متوسطاً، أي بعد ثلث ساعة من الشروق.
ثالثاً- السنن المؤكدة
السُنة لغة: هي الطريقة.
واصطلاحاً: هي ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم وأظهره حال كونه في جماعة وداوم عليه ولم يدل دليل على وجوبه.
والمؤكد من السنن هو ما كثر ثوابه.
والسنن المؤكدة من الصلوات المرتبة حسب أفضليتها هي:
أولاً: ركعتا الطواف:
سواء كان الطواف فرضاً أو واجباً أو مندوباً، ووقتها بعد الطواف، ودليلهما ما أخرجه مسلم عن جابر بن عبد اللَّه رضي الله عنهما قوله في حديث طويل في صفة حجه عليه الصلاة والسلام: (
…
ثم نفذ إلى مقام إبراهيم فقرأ: "واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى" فجعل المقام بينه وبين البيت) (1) .
(1) مسلم: ج 2/ كتاب الحج باب 19/147.
ثانياً: الوتر:
وهو ركعة واحدة لا قنوت فيها، ولا تقضى إذا فات وقتها.
وقته:
أ- الاختياري: يبدأ وقته الاختياري بعد صلاة العشاء المؤداة بعد مغيب الشفق الأحمر، ويستمر إلى طلوع الفجر الصادق، فإذا جمع العشاء مع المغرب جمع تقديم فلا يصلي الوتر إلا بعد مغيب الشفق الأحمر.
⦗ص: 202⦘
ب- الضروري: من طلوع الفجر الصادق إلى تمام صلاة الصبح (أي بعد الانتهاء منها) ، فإذا ضاق وقت الصبح ولم يتسع إلا لركعتين فعليه ترك الوتر وإدراك الصبح، أما إن اتسع الوقت لثلاث أو أربع ركعات، فيصلي الوتر ولو اقتصر على قراءة الفاتحة فقط، ثم يصلي الصبح ويترك الفجر ويقضيه في وقت الضحى، ويسقط عنه الشفع. وإن اتسع الوقت لخمس ركعات فيصلي الشفع والوتر والصبح ويترك الفجر.
ولو تذكر الوتر وهو في صلاة الصبح ندب له قطعها (1) ليصلي الوتر، سواء كان فذاً أو إماماً (على إحدى الروايتين وعلى الأخرى يجوز) ، سواء عقد ركعة أم لا ما لم يخف فوات الصبح، ويستخلف الإمام. أما إذا كان مأموماً فيجوز له القطع إن قطع أمامه ويجوز له أن يستمر في صلاته (على قولين) ، ولا يندب للمأموم أن يقطع صلاة الصبح إن تذكر ترك الوتر بل يجوز.
مندوباته:
1-
يندب أن يقرأ فيه بالإخلاص والمعوذتين بعد الفاتحة.
2-
يندب أن يجهر بالقراءة فيه.
3-
يندب تأخيره إلى آخر الليل لمن عادته الاستيقاظ آخره، لحديث عبد اللَّه بن عمر رضي الله عنهما عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وتراً)(2) . أما إذا صلاه في أول الليل ثم قام آخره فلا يعيده بعد التهجد، لحديث طلق بن علي رضي الله عنه قال: سمعت رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يقول: (لا وتران في ليلة)(3) .
وتجوز صلاة النفل بعد الوتر ولو لم يتقدمه نوم بشرطين:
أ- أن لا يصله به مباشرة.
ب- أن تطرأ نية صلاة النفل بعد صلاة الوتر
4-
يندب فعله عقب شفع منفصل عنه بسلام.
5-
تندب الجماعة فيه في رمضان فقط.
مكروهاته:
1-
تكره صلاة الوتر من غير أن يتقدمها شفع ولو لمريض أو مسافر.
2-
يكره تأخير الوتر إلى وقت الضروري بلا عذر من نوم أو غفلة أو نحوهما.
3-
يكره وصل الشفع بالوتر من غير سلام؛ ما لم يقتد بواصل.
(1) أما ندب قطع صلاة الفجر وعدمه قولان.
(2)
البخاري: ج 1/ كتاب الوتر باب 4/953.
(3)
الترمذي: ج 2/ الصلاة باب 344/470.
ثالثاً: صلاة العيدين (1) :
دليل مشروعيتها:
شرعت صلاة العيدين في السنة الأولى للهجرة، وروى أبو داود عن أنس رضي الله عنه قال:(قدم رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم المدينة ولهم يومان يلعبون فيها فقال: ما هذان اليومان؟ قالوا: كنا نلعب فيهما في الجاهلية، فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: إن اللَّه قد أبدلكم بهما خيراً منهما: يوم الأضحى ويوم الفطر)(2) .
وأول صلاة عيد صلاها رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم هي صلاة عيد الفطر في السنة الثانية من الهجرة.
حكمها:
1-
سنة عين (3) مؤكدة تلي الوتر بالتأكيد في حق من وجبت (4) عليه الجمعة بشرط أن يؤديها جماعة مع الإمام (يشترط لسنيتها تأديتها مع الإمام) .
2-
مندوبة:
أ- بحق من فاته تأديتها مع الإمام، وبحق من لم تجب عليهم الجمعة كالمرأة غير الشابة والصبي والعبد والمسافر والمقيم في بلد بعيد عن بلد الجمعة بأكثر من فرسخ.
ب- تندب لأهل منى غير الحجاج منهم على أن تؤدى فرداى لا جماعات لكي لا يشترك الحجاج معهم بصلاتها.
3-
لا تسن ولا تندب بحق الحجاج، لأن وقوفهم في المشعر يوم النحر ينزل منزلة صلاة العيد.
4-
تحرم بحق من يُخشى منها الفتنة.
(1) سمي عيداً لاشتقاقه من العَوْد وهو الرجوع، وقال عياض: لعَوْده على الناس بالفرح.
(2)
أبو داود: ج 1/ كتاب الصلاة باب 245/1134.
(3)
على القول المشهور، وقيل: سنة كفائية.
(4)
وهو الذكر البالغ الحر المقيم في بلد الجمعة أو قريب منها لا يبعد
وقتها:
من ارتفاع الشمس قدر رمح إلى الزوال، ولا تقضى إذا فات وقتها، وتكره بعد الشروق مباشرة، وتحرم حال الشروق، ولا يسن تأخيرها عن أول وقتها.
⦗ص: 204⦘
كيفيتها:
صلاة العيدين ركعتان فقط كبقية النوافل، بغير أذان ولا إقامة، لما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:(صلاة السفر ركعتان، وصلاة الجمعة ركعتان، والفطر والأضحى ركعتان تمام غير قصر على لسان محمد صلى الله عليه وسلم (1) .
(1) ابن ماجة: ج 1/ كتاب إقامة الصلاة باب 73/1064.
سننها:
أن يكبر المصلي في الركعة الأولى ست تكبيرات عدا تكبيرة الإحرام وفي الركعة الثانية يكبر خمس تكبيرات عدا تكبيرة القيام. وتعتبر كل تكبيرة سنة.
وإذا اقتدى مالكي بإمام يزيد أو ينقص عدد التكبيرات المذكور، أو يؤخره في القراءة، فلا يتبعه في شيء من ذلك.
وإذا نسي الإمام أو المنفرد التكبير كله أو بعضه ثم ذكره قبل أن يركع، أتى به وأعاد القراءة ندباً ويسجد للسهو بعد السلام لزيادة القراءة. أما إن تذكره بعد الركوع فلا يرجع ليأتي به، وإن رجع بطلت صلاته. ويسجد للسهو قبل السلام لنقص التكبير ولو تكبيرة واحدة إذا لم يرجع.
أما إن كان مأموماً فلا يسجد لتحمل إمامه عنه النقص، وإذا لم يسمع المقتدي تكبير إمامه تحرى تكبيره وكبر. وإذا أدرك المسبوق إمامه بالتكبير كبر معه ما بقي منه ثم كمل بعد الفراغ الإمام منه، ولا يكبر ما فاته أثناء تكبير الإمام. أما إن أدركه وهو يقرأ فيسن له أن يكبر تكبيرات الركعة المطلوبة (ستاً إن كانت الأولى وخمسة إن كانت الثانية) عدا تكبيرة الإحرام، هذا إن علم أي الركعتين يصلي، أما إن لم يعلم كبر ستاً عدا تكبيرة الإحرام، فإن تبين أنها الثانية قام بعد سلام إمامه ليقضي الأولى ويكبر فيها ستاً عدا تكبيرة القيام. ولا مانع من زيادة التكبير في الثانية التي كبر فيها ستاً.
مندوباتها:
1-
يندب إيقاع صلاة العيد في المُصلى (أي الصحراء) ، وتكرها صلاتها في المسجد (بدعة) ولو بالحرم النبوي؛ ما لم يكن هناك ضرورة كمطر أو وحل، إلا بمكة فالأفضل فعلها في المسجد الحرام لشرف البقعة ومشاهدة البيت.
2-
يندب رفع اليدين في تكبيرة الإحرام فقط، ورفعها في غيره مكروه.
3-
يندب إيقاع تكبيراتها قبل القراءة (أما إيقاعها بعدها فمفوت لفضيلة الندب لكن الصلاة صحيحة) ، لذا إذا نسي التكبير وتذكره أثناء القراءة، ندب له أن يكبر ويعيد القراءة بعده كما تقدم.
4-
تندب الموالاة بين تكبيراتها من غير فاصل، إلا الإمام فإنه يندب له أن يسكت حتى يكبر المقتدون، ويكره أن يقول شيئاً في سكوته كسبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر.
5-
يندب الجهر في القراءة.
6-
تندب قراءة سورة (الأعلى) أو (الغاشية) بعد الفاتحة في الركعة الأولى، وسورة (والشمس وضحاها) أو (والليل إذا يغشى) في الركعة الثانية.
7-
يندب التكبير قبل صلاة العيد جماعة في المسجد وهم جلوس، لإظهار الشعيرة، حتى مجيء الإمام أو إلى أن يقوم إلى الصلاة (قولان) .
8-
تندب خطبتان بعدها كخطبتي الجمعة في الجلوس أول كل خطبة وبينهما وفي الجهر، يُعلِّم الناس فيهما أحكام زكاة الفطر والأضحية ويحذِّر الناس ويبشِّرهم.
مندوبات الخطبتان:
1-
استفتاحهما بتكبير وتخللهما بتكبير بلا حدّ.
2-
أن تكونا بعد الصلاة وإن قدِّمتا نُدب إعادتهما، لما روى ابن عمر رضي الله عنهما قال:(كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وعمر يصلون العيدين قبل الخطبة)(1) .
3-
يندب لسامع التكبير أن يكبر سراً.
4-
يندب الإنصات لهما والاستماع ويكره الكلام.
5-
يندب استقبال الخطيب بذاته لا بجهته.
(1) البخاري: ج 1/ كتاب العيدين باب 8/920.
ما يندب في ليلة العيد ويومه:
1-
يندب إحياء ليلة العيد بالعبادة من ذكر اللَّه وصلاة واستغفار وتلاوة قرآن. وأقلُّه صلاة العشاء والصبح في جماعة، عن أبي إمامة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(من قام ليلتي العيدين محتسباً للَّه، لم يمت قلبه يوم تموت القلوب)(1) .
2-
الغسل ولو لغير مصلٍّ، ويبدأ وقته في السدس الأخير من الليل، لكن يندب أن يكون بعد الصبح، ولا ينتهي وقته بالصلاة لأنه لليوم لا للصلاة، لما روى ابن عباس رضي الله عنهما
⦗ص: 206⦘
قال: (كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يغتسل يوم الفطر ويوم الأضحى)(2) وإسانده ضعيف لكن يعضده ما روي عن نافع (أن عبد اللَّه بن عمر كان يغتسل يوم الفطر قبل أن يغدو إلى المصلى)(3) .
3-
التطيب والتزين بلبس الثياب الجديدة إظهاراً لنعمة اللَّه وشكره، ولو لغير مصلٍّ كالصبيان والنساء في بيوتهن، لأن اللَّه جعل ذلك اليوم يوم فرح وسرور وزينة للمسلمين، وروى عمرو ابن شعيب عن أبيه عن جده رضي الله عنه قال: قال رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم: "إن اللَّه يحب أن يُرى أثر نعمته على عبده"(4) .
ولا يُنكر في ذلك اليوم لعب الصبيان والضرب بالدف.
4-
تحسين الهيئة بتقليم الأظافر وحلق الشارب وإزالة الشعر والأدران.
5-
المشي في الذهاب لا في الرجوع مع التكبير جهراً منفرداً، لما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:(من السُّنة أن تخرج إلى العيد ماشياً، وأن تأكل شيئاً قبل أن تخرج)(5) .
6-
الذهاب من طريق والرجوع من طريق آخر (6)، لحديث جابر رضي الله عنه قال:(كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا كان يوم عيد خالف الطريق)(7) .
7-
الإفطار قبل الذهاب إلى عيد الفطر، ويندب أن يكون فطره على تمرات، وأن يكون عددها وتراً، لما روى بريدة رضي الله عنه قال:(كان النبي صلى الله عليه وسلم لا يخرج يوم الفطر حتى يطعم، ولا يطعم يوم الأضحى حتى يصلي)(8)، وروى أنس رضي الله عنه قال:(كان رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم لا يغدو يوم الفطر حتى يأكل تمرات)(9) وفي لفظ يأكلهن وتراً. ويندب تأخير الإفطار إلى بعد صلاة العيد في عيد الأضحى ولو لم يضّح.
8-
الخروج للصلاة بعد طلوع الشمس لمن قربت داره.
9-
تأخير خروج الإمام، فلا يخرج إلا بعد اجتماع الناس.
10-
يندب للإمام أن ينحر أضحيته في المُصلى ليعلم الناس نحره، ويجوز ذلك للمصلين.
⦗ص: 207⦘
(1) ابن ماجة: ج 1/ كتاب الصيام باب 68/1782، وهو ضعيف لكن يعمل به في فضائل الأعمال.
(2)
ابن ماجة: ج 1/ كتاب إقامة الصلاة باب 169/1315.
(3)
شرح الموطأ: ج 2/ ص 113.
(4)
الترمذي: ج 5/ كتاب الأدب باب 54/2819.
(5)
الترمذي: ج 2/ العيدين باب 382/530.
(6)
قيل: ليشهد له كلٌّ من الطريقين، أو لأجل أن يتصدق على فقرائهما.
(7)
البخاري: ج 1/ كتاب العيدين باب 24/943.
(8)
الترمذي: ج 2/ العيدين باب 390/542.
(9)
البخاري: ج 1/ كتاب العيدين باب 4/910
مكروهات صلاة العيدين:
1-
يكره المناداة لإقامتها، بأن يقال:"الصلاة جامعة"
2-
يكره الفصل بين تكبيراتها، بأن يقول:"سبحان اللَّه والحمد للَّه ولا إله إلا اللَّه واللَّه أكبر".
3-
يكره التنفل قبلها وبعدها إن أُديت في الصحراء، وأما إذا أديت في المسجد فلا يكره التنفل لا قبلها ولا بعدها.
تكبير التشريق (1) :
حكمه: مندوب لكل مصلٍّ، ولو كان صبياً، أو مسافراً، أو امرأة، عقب خمسة عشر فريضة حاضرة (لا عقب نافلة ولا فائتة ولو كانت فائتة تشريق بل تكره) تبدأ من ظهر يوم النحر إلى صبح اليوم الثالث من أيام التشريق، سواء صلى الفريضة وحده أو مع جماعة. وإن تركه عمداً أو سهواً أتى به إن لم يطل الفصل عرفاً، أما إن طال الفصل أو خرج من المسجد سقط.
ودليل مشروعية التكبير في عيد الضحى قوله تعالى: {واذكروا اللَّه في أيام معدودات} (2) .
قال البخاري: قال ابن عباس: الأيام المعدودات أيام التشريق (3) .
مندوباته:
1-
أن يكون عقب الفريضة وقبل الذكر الوارد بعدها (أي قبل التسبيح والاستغفار وتلاوة آية الكرسي
…
) .
2-
أن يكون بصيغة "اللَّه أكبر" ثلاث مرات متواليات من غير زيادة.
3-
أن تسمع المرأة نفسها في التكبير، وأن يسمع الرجل من بجواره.
4-
أن يذكر المأموم الإمام بالتكبير إن نسيه، وأن يأتي به وإن لم يأت به إمامه.
(1) أيام تقديم اللحم بمنى.
(2)
البقرة: 203.
(3)
البخاري: ج 1/ كتاب العيدين باب 11.
رابعاً: صلاة الكسوف:
تعريف: قيل: الخسوف والكسوف مترادفان ومعناهما هو: ذهاب الضوء كلاً أو بعضاً من شمس أو قمر، وقيل الكسوف هو ذهاب ضوء الشمس والخسوف هو ذهاب ضوء القمر، قال تعالى:{وخسف القمر} (1) .
⦗ص: 208⦘
(1) القيامة: 8.
أ- صلاة الكسوف:
دليلها: ما روته عائشة رضي الله عنها عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الشمس والقمر آيتان من آيات اللَّه لا يَخْسِفان لموت أحد ولا لحياته، ولكنهما آيتان من آيات اللَّه يريهما عباده، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى الصلاة)(1) . وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم أنه صلى لكسوف الشمس ولخسوف القمر.
الحكمة من مشروعيتها:
إن الشمس نعمة من نعم اللَّه تعالى العظمى، وكسوفها إشعار بأنها قابلة للزوال، فالصلاة في هذه الحالة معناها إظهار التذلل والخضوع لذلك الإله القوي المتين الخالق لكل شيء والقادر على كل شيء.
حكمها:
1-
سنة عين مؤكدة (تلي بالتأكيد صلاة العيدين) بحق كل من فرضت عليه الصلاة.
2-
مندوبة بحق الصبي.
وقتها:
يبدأ وقتها من ارتفاع الشمس قدر رمح ويستمر إلى الزوال (2) كوقت صلاة العيدين والاستسقاء، فلا تصلى قبل هذا الوقت ولا بعده. فإذا انجلت الشمس بتمامها قبل إتمام ركعة كاملة أتمها كالنوافل العادية من غير زيادة قيام وركوع ومن غير تطويل، أما إذا انجلت بعد تمام ركعة فهناك قولان متساويان، الأول قول سحنون: يتمها كالنوافل العادية بقيام واحد وركوع واحد بلا تطويل، والثاني: يتمها على سنيتها بقيامين وركوعين من غير تطويل.
كيفيتها:
هي ركعتان عاديتان كباقي النوافل، لما روى قبيصة الهلالي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال:(إذا رأيتم ذلك فصلوها كأحدث صلاة صليتموها من المكتوبة)(3) . لكن يسن إضافة قيام وركوع في كل ركعة بحيث يكون القيام الأول والركوع الأول سُنَّتين والقيام الثاني والركوع الثاني ركنين (لذا من أدرك الإمام في الركوع الثاني يكون إدراك الركعة معه) ، يقرأ في كل قيام الفاتحة وما تيس من القرآن. فإذا فرغ من الصلاة قبل انجلائها دعا اللَّه تعالى حتى تنجلي.
⦗ص: 209⦘
ودليل هذه الكيفية ما روي عن عائشة رضي الله عنها (أن الشمس خسفت على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فبعث منادياً الصلاة جامعة فاجتمعوا. وتقدَّم فكبر وصلى أربع ركعات في ركعتين وأربع سجدات)(4) .
مندوباتها:
1-
أن تصلى في الجامع إن أراد أن يصليها جماعة، أما المنفرد فيصليها في أي مكان شاء.
2-
الإسرار في القراءة.
3-
تطويل القراءة بنحو سورة البقرة وموالياتها في القيامين (آل عمران، النساء، المائدة) ما لم يتضرر المأمومون أو يخشى خروج وقتها.
4-
تطويل الركوع بقدر القيام الذي قبله، فمثلاً يطوِّل الركوع الأول بمقدار تلاوة سورة البقرة، والثاني بمقدار تلاوة آل عمران، وهكذا. ويندب التسبيح في الركوع بلا دعاء لأن الركوع يعظم فيه الرب.
5-
تطويل السجود بقدر الركوع، ويسبح فيه ويدعو بما شاء، روت عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت:(خَسَفَتِ الشمس في حياة رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم. فخرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم إلى المسجد فقام وكبَّر وصفّ الناس وراءه. فاقترأ رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قراءة طويلة. ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً. ثم رفع رأسه فقال: سمع اللَّه لمن حمده ربنا ولك الحمد. ثم قام فاقترأ قراءة طويلة. هي أدنى من القراءة الأولى. ثم كبر فركع ركوعاً طويلاً. هو أدنى من الركوع الأول. ثم قال سمع اللَّه لمن حمد ربنا ولك الحمد ثم سجد ثم فعل في الركعة الأخرى مثل ذلك. حتى استكمل أربع ركعات وأربع سجدات. وانجلت الشمس قبل أن ينصرف)(5) .
6-
يندب أن تصلى جماعة، للحديث المتقدم.
7-
يندب أن ينادى لها: "الصلاة جامعة"، للحديث المتقدم عن عائشة رضي الله عنها (أن الشمس خسفت على عهد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فبعث منادياً الصلاة جامعة
…
) .
8-
يندب الوعظ بعدها (لا خطبة) ، وأن يكون مشتملاً على الثناء على اللَّه تعالى والصلاة على نبيه صلى الله عليه وسلم، اقتداء بفعله صلى الله عليه وسلم.
⦗ص: 210⦘
(1) البخاري: ج 1/ كتاب الكسوف باب 13/1009.
(2)
وهناك قولان: الأول من طلوع الشمس إلى الغروب، والثاني من طلوع الشمس إلى العصر.
(3)
النسائي: ج 3 /ص 141.
(4)
مسلم: ج 2/ كتاب الكسوف باب 1/4.
(5)
مسلم: ج 2/ كتاب الكسوف باب 1/3.
ب- صلاة الخسوف:
حكمها: مندوبة للمكلف.
كيفيتها: ركعتان عاديتان كسائر النوافل بلا تطويل في القراءة وبلا زيادة ركوع وقيام في كل ركعة.
وقتها: الليل كله.
مندوباتها:
1-
الجهر بالقراءة.
2-
تكرارها حتى ينجلي القمر أو يغيب في الأفق ويطلع الفجر.
3-
إيقاعها في البيوت فرادى، وتكره فيها الجماعة، ويكره فعلها في المسجد.
خامساً: صلاة الاستسقاء:
تعريف الاستسقاء:
لغة: طلب السقيا من اللَّه أو من الناس.
شرعاً: طلب العباد السقي من اللَّه تعالى عند الحاجة إلى الماء، كتخلف مطر أو قلته أو لقلة جري عين أو غورها، إن كانوا في بلد أو بادية حاضرين أو مسافرين، ولو كانوا بسفينة في بحر.
حكمها:
1-
سنة مؤكدة عند الحاجة إلى الماء في حق من تلزمه الجمعة (تلي صلاة الكسوف بالتأكيد) كما يسن تكرارها في أيام لا في يوم واحد إن تأخر المطلوب، بأن لم يحصل أو حصل دون الكفاية.
2-
مندوبة:
أ- في حق من لا تلزمه الجمعة كالنساء غير الشابات والصبيان.
ب- في حق من فاتته صلاة الاستسقاء مع الجماعة.
جـ- في حق من نزل عليهم المطر مثلاً بقدر الكفاية فقط لطلب السعة (ولا تسن إلا لمن كان به ضيق) .
3-
مكروهة للشابه غير مخشية الفتنة.
4-
تحرم بحق مخشية الفتنة.
ويندب الدعاء بلا صلاة بحق من لا يحتاج للمطر لأهل بلد محتاجين لها، لأنه من باب التعاون على البر والتقوى ما لم يذهب إلى البلد المحتاج ويصلي معهم صلاة الاستسقاء.
⦗ص: 211⦘
وقتها: من طلوع الشمس وارتفاعها قدر رمح إلى الزوال.
كيفيتها: ركعتان عاديتان كالنوافل العادية، بدليل ما روى عباد بن تميم عن عمه (أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج بالناس يستسقي، فصلى بهم ركعتين جهر بالقراءة فيهما، وحول رداءه، ورفع يديه فدعا واستسقى واستقبل القبلة)(1) .
ويجوز التنفل قبلها وبعدها ولو كانت بالمصلى.
مندوباتها:
1-
الجهر بالقراءة، للحديث المتقدم عن عباد بن تميم.
2-
أن يقرأ فيهما كما يقرأ في صلاة العيدين بـ (الأعلى) و (والشمس) .
3-
يندب الخروج ضُحى مشاةً لإظهار العجز والانكسار، بثياب بذلة، مع الخشوع لأن ذلك أقرب إلى الإجابة لما ورد أن اللَّه تعالى عند المنكسرة قلوبهم، ولما روى ابن عباس رضي الله عنهما في حديث له عن استسقاء رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم:(إن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم خرج متبذلاً متواًضعاً متضرعاً)(2) .
ولا يُمنع ذميّ من الخروج مع الناس، ويكره خروج الصبيان غير المميزين والبهائم والمجانين على المشهور، خلافاً لمن قال يندب خروجهم بناء على حديث ابن مسافع الديلي عن أبيه أنه حدثه عن جده أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم قال: (لولا عباد اللَّه رُكع وصبية رُضَّع وبهائم رُتَّع لَصُبَّ عليكم العذاب صبيَّاً
…
) (3) فيجاب من بنى عليه الندب أن المراد من هذا الحديث هو لولا وجودهم وليس المراد حضورهم.
4-
يندب إفراد الذميين بمكان عن المسلمين.
5-
يندب للإمام على المعتمد (4) أن يأمر الناس بصيام ثلاثة أيام قبل يوم الخروج إلى الصلاة، ويخرجون في اليوم الرابع مفطرين للتقوي على الدعاء، وبالتصدق على الفقراء بما تيسر لأن الصدقة تدفع البلاء.
6-
يندب للإمام أن يأمرهم بالتوبة ورد المظالم إلى أهلها لتوقف صحة التوبة عليها. قال تعالى: {ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض ولكن كذبوا
⦗ص: 212⦘
فأخذناهم بما كانوا يكسبون} (5)، وروى البيهقي عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:(ما طفف قوم الميزان إلا أخذهم اللَّه بالسنين)(6) .
7-
يندب خطبتان بعد الصلاة كخطبتي العيد، ولكن يندب إبدال التكبير بالاستغفار، ويجلس في أول كل خطبة، ويتوكأ على عصا، ويخطب على الأرض لا على المنبر إظهاراً للتواضع (تكره الخطبة على المنبر) ، ويعظ الناس فيهما ويخوفهم ببيان أن سبب الجدب المعاصي، ويأمرهم بالتوبة والإنابة والصدقة والبر والمعروف. لما روى أبو هريرة رضي الله عنه قال:(خرج النبي صلى الله عليه وسلم يوماً يستسقي فصلى ركعتين بلا أذان ولا إقامة، ثم خطبنا)(7) .
8-
يندب للإمام بعد الفراغ من الخطبتين استقبال القبلة بوجهه حال كونه قائماً جاعلاً ظهره للناس، ثم يقلب رداءه ندباً بحيث يجعل ما على عاتقه الأيسر على عاتقه الأيمن وبالعكس بلا تنكيس للرداء، وكذا يندب للرجال دون النساء قلب أرديتهم وهم جلوس، لما روى عباد بن تميم أنه سمع عمه -وكان من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم يقول:(خرج رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم يوماً يستسقي. فجعل إلى الناس ظهره. يدعو اللَّه واستقبل القبلة. وحوَّله رداءه..)(8) وفي رواية عند أبي داود: (وحول رداءه فجعل عطافه الأيمن على عاتقه الأيسر، وجعل عطافه الأيسر على عاتقه الأيمن ثم دعا اللَّه عز وجل (9) .
9-
يندب للإمام المبالغة في الدعاء برفع الكرب والقحط، وإنزال الغيث والرحمة، وعدم المؤاخذة بالذنوب.
ويندب الدعاء بالأدعية الواردة، ومنها ما جاء عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده (أن رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم كان إذا استسقى قال:(اللَّهم اسقِ عبادك وبهيمتك، وانشر رحمتك، وأحي بلدك الميت)(10) .
10-
يندب تأمين الحاضرين على دعاء الإمام حال كونهم مبتهلين متضرعين.
⦗ص: 213⦘
(1) أبو داود: ج 1/ كتاب الصلاة باب 258/1161
(2)
الترمذي: ج 2/ الصلاة باب 395/558.
(3)
البيهقي: ج 3/ ص 345.
(4)
وهنك قول آخر: لا يأمر الإمام الناس بالصيام ولا بالصدقة.
(5)
الأعراف: 69.
(6)
البيهقي: ج 3 /ص 347.
(7)
البيهقي: ج 3 /ص 347.
(8)
مسلم: ج 2 /كتاب الصلاة الاستسقاء /4.
(9)
أبو داود: ج 1/ كتاب الصلاة باب 258/1163
(10)
شرح الموطأ: ج 2 /ص 147.