الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الباب الثالث: مصارف الزكاة
تصرف الزكاة للأصناف الثماينة المزكورة في قوله تعالى: {إنما الصدقات للفقراء والمساكين والعاملين عليها، والمؤلفة قلوبهم، وفي الرقاب، والغارمين وفي سبيل اللَّه، وابن السبيل فريضة من اللَّه واللَّه عليم حكيم} (1)، وهم:
(1) التوبة: 60.
أولاً - الفقير:
وهو من ملك شيئاً لا يكفيه عاماً، ولو بلغ نصاباً ووجبت فيه الزكاة، فتصرف له ولو كان له دار يسكنها تناسبه، ولو كان له خادم. أو من كان له كسب أو راتب لا يكفيه، أو كان هناك من هو ملزم بالنفقة عليه لكن ينفقعليه نفقة لا تكفيه؛ فإن كان الملزم بالنفقة عليه مليئاً ألزم بإكفائه ولا يعطي من الزكاة، إما إن كان الملزم بالنفقة عليه غير مليء، أو كان المنفق ينفق تطوعاً من غير إلزام، فيعطى من الزكاة ما يتم به كفاية عامه.
ثانياً- المسكين:
وهو من لا يملك شيئاً ولا يوجد من ينفق عليه ولا كسب له، فهو أسوأ حالاً من الفقير.
ويشترط في الفقير والمسكين ثلاثة شروط: الحرية، والإسلام، وأن لا يكون كل منهما من نسل هاشم بن عبد مناف إذا أعطوا ما يكفيهم من الزكاة.
ثالثاً- العامل على الزكاة:
ويشتمل كل من استعمله الإمام لجباية الزكاة، من جاب أو حاشر أو قاسم.. إلخ، وتُعطى الزكاة للعامل ولو كان غنياً على سبيل الأجرة. وإن اجتمع للعامل على الزكاة صفة الفقر أخذ بوصفيه بصفته كعامل وبصفته كفقير إن لم يُغْنِهِ ما يأخذه منها بصفته كعامل.
⦗ص: 293⦘
ويشترط في العامل المستحق للزكاة ثلاثة شروط أيضاً: الإسلام والحرية وأن لا يكون من نسل بني هاشم.
أما شروط تولية العامل على الزكاة فهي:
1-
العدالة: وليست عدالة الشهادة، وإنما عدالة كل عامل فيما وُلّي فيه؛ فعدالة الجابي في جبايتها، وعدالة الموزع في توزيعها وهكذا.
2-
العلم بحكمها: لئلا يأخذ غير حقه، أو يُضيع حقاً، أو يمنع مستحقاً.
فإذا ولي على الزكاة عبد أو هاشمي أو كافر فلا يعطى أجرته من الزكاة، وإنما يعطى أجرة مثله من بيت مال المسلمين.
رابعاً- المؤلفة قلوبهم:
هم كفار يرجى إسلامهم بإعطائهم من الزكاة لتأليف قلوبهم، ولو كانوا من بني هاشم.
وقيل: هم مسلمون حديثو العهد بالإسلام يعطون من الزكاة ليتمكن الإيمان من قلوبهم.
خامساً- الرقاب:
وهو الرقيق المؤمن، يُشترى من الزكاة ويُعتق. ويشترط لإعطائه من الزكاة ثلاثة شروط:
1-
أن يكون مسلماً.
2-
ألا عقدَ حريةٍ فيه (غير مكاتب ولا مدير) .
3-
أن يكون ولاؤه للمسلمين لا للمزكي، ومعناه: إذا مات العتيق وله إرث ولم يكن له ولد يرثه، ورثه بيت مال المسلمين.
سادساً- الغارِم:
وهو المؤمن الذي ليس عنده ما يوفي به دينه، فيعطى من الزكاة، حتى ولو مات يُوفى دينه منها. ويشترط في الغارم:
1-
الحرية.
2-
الإسلام.
3-
ألا يكون هاشمياً.
4-
أن يكون الدين مما يحبس فيه إن لم يوفيه، ويخرج بذلك دين الكفارات.
5-
أن يكون الدين الذي استدانه لمصلحة شرعية (قوته وقوت عياله) لا لمعصية كشرب خمر مثلاً.
6-
أن لا يكون استدان لأخذ الزكاة، كأن كان عنده ما يكفيه ولكن استدان ليوسع على نفسه لأجل أن يأخذ من الزكاة. فلا يعتبر غارماً إلا إن تاب من المعصية أو من القصد الذميم.
سابعاً- سبيل اللَّه:
والمراد به أهل الجهاد المتلبسين به، فيعطى المجاهد من الزكاة إذا كان ممن يجب عليهم الجهاد، ولو كان غنياً عند الجهاد، ليشتري بالزكاة سلاحاً أو خيلاً. ويلحق به الجاسوس (وهو الذي يرسل للاطلاع على عورات العدو ويعلم المسلمين بها) ولو كان كافراً ولكن يشترط فيه الحرية. أما شروط المجاهد الذي يستحق أن يأخذ من الزكاة فهي: الحرية، والإسلام، والذكورة، والبلوغ، والقدرة، وألا يكون هاشمياً. ويمكن أن تدفع الزكاة ثمناً للسلاح.
ثامناً- ابن السبيل:
وهو الغريب المحتاج لما يوصله إلى بلده، فيعطى من الزكاة ولو وجد من يسلفه ما يوصله إلى بلده، إلا إن كان غنياً في بلده ووجد من يسلفه ليصل فلا يعطى من الزكاة.
ويشترط في إعطاء ابن السبيل من الزكاة: الحرية، والإسلام، وأن يكون غير هاشمي، وألا تكون غريبه في معصية كقاطع الطريق مثلاً.
الأشخاص الذين لا يجزئ إعطاء الزكاة لهم:
1-
العبد: لأن نفقته على سيده فهو غني به.
2-
الكافر، ما لم يكن جاسوساً أو من المؤلفة قلوبهم، لقوله صلى الله عليه وسلم لمعاذ رضي الله عنه حين بعثه إلى اليمن:"فأعلمهم أن اللَّه افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم"(1) . كما لا يجزئ إعطاء الزكاة لأهل المعاصي إن ظن أنهم يصرفونها فيها، وإلا جاز الإعطاء لهم.
3-
بنو هشام (2) : أي كل من كان لهاشم عليه ولادة من ذكر أو أنثى، لقوله صلى الله عليه وسلم:"إن هذه الصدقات أنما هي أوساخ الناس، وإنها لا تحل لمحمد ولا لآل محمد"(3) ، ويعطون ما يحتاجون إليه من بيت مال المسلمين، فإن لم يُعطوا وأضرَّ بهم الفقر أُعطوا من الزكاة، وإعطائهم حينئذ أفضل من إعطاء غيرهم.
أما صدقة التطوع فتصح لبني هاشم وغيرهم.
4-
الغني: وهو من ملك شيئاً يكفيه لعام، أو كان له كسب أو راتب يكفيه، أو كانت نفقته واجبة على غير وكان الغير مليئاً قادراً على الدفع. لقوله صلى الله عليه وسلم:"لا حظ فيها لغني ولا لقوي مكتسب"(4) .
5-
من أُلزم صاحب المال بالنفقة عليه، كالزوجة بالنسبة لزوجها فهو ملزم بالنفقة عليها لذا لا يجزئ إعطاء زكاته لها، إلا إن كان عليها دَيْن فإنه يجوز له أن يعطيها من زكاته لكي توفي دينها. أما الزوجة فيجوز لها أن تعطي زكاتها لزوجها مع الكراهة وهو الأرجح، وقيل بعد الجواز لعودها عليها في النفقة.
(1) مسلم: ج 1 /كتاب الإيمان باب 7/29.
(2)
هاشم: أبو جد رسول اللَّه صلى الله عليه وسلم فهو أبو عبد المطلب.
(3)
مسلم: ج 2 /كتاب الزكاة باب 51/168.
(4)
أبو داود: ج 2 / كتاب الزكاة باب 23/1633.
ما يجب في إخراج الزكاة لكي تكون مجزئة:
1-
النية: تجب النية في أداء ما وجب على المالك في ماله أو مال محجوره من الزكاة، وتكون النية بأن يقصد معنى قوله:"إن هذا المال زكاة مالي" عند التوزيع إن لم ينوي ذلك عند العزل، وإن نواها عند العزل ثم سرقها من يستحقها أجزأت. (أما إن سُرق من المال بقدر الزكاة من قبل مستحقها فلا تجزئ لعدم النية) . والنية الحكمية كافية، كأن عدّ دراهمه وأخرج ما يجب فيها ولم يلاحظ أن هذا المُخْرَجَ زكاة لكن لو سئل لأجاب أنه زكاة، كفاه ذلك.
أما إن تركت النية ولو جهلاً أو نسياناً فلا يُعتد بما أخرجه من الزكاة. وتجزئ نية الإمام عن نية المالك فيما إذا امتنع صاحبها من أدائها وأخذت منه كرهاً.
ولا يلزم إعلام الآخذ أن ما أخذه هو من الزكاة، بل يكره لما في ذلك من كسر قلب الفقير.
2-
يجب توزيعها في موضع الوجوب أو قربه (وهو ما دون مسافة القصر) ، ولا تجزئ إن نقلها إلى مسافة القصر فأكثر، إلا أن يكون أهل ذلك الموضع أشدّ حاجة من أهل محل الوجوب فعندها يجب نقل أكثرها إليه ويوزع الباقي في محل الوجوب، فإن خالف في هذه الحالة ووزعها كلّها في موضع الوجوب، أو أن تساوي أهل هذا الموضع مع أهل محل الوجوب بالحاجة ومع ذلك نقلها أو بعضها إليهم، أجزأت في الحالتين مع الإثم.
وموضع الوجوب في الحرث هو: مكان وجود الحرث، وفي الماشية هو مكان وجودها إن كان هنا ساعٍ وإن لم يكن فمحل المالك، وفي النقد والعروض التجارية هو: موضع وجود المالك حيث كان ما لم يسافر ويوكل من يخرج عنه زكاة ماله في بلده.
3-
يجب عدم تقديم إخراج زكاة الحرث، والماشية التي لها ساعٍ، والديون وقيمة العروض التجارية للتاجر المحتكر، عن وقت وجوبها، فإن قدمها عن وقت وجوبها ولو بوقت يسير لم تجزئه، لأنه يكون كمن صلى قبل دخول الوقت.
ووقت وجوبها في الحرث هو بدو صلاحه، وفي الماشية التي لها ساعٍ هو مجيء الساعي، وفي الديون والعروض التجارية للتاجر المحتكر هو بعد قبضه.
4-
يجب على المالك التزكية على الفور عن ماله الحاضر والغائب، ولا يجوز إبقاء الزكاة عنده وكلما أتاه أحد أعطاه منها. وإن كان مسافراً زكى في البلد التي هو فيها ما حضر لديه من المال فوراً، وما غاب عنه إن لم يوكل من يخرج الزكاة عنه في بلده، ولو كانت ماشية لكن بشرط أن لا يكون له ساع في مكان وجودها، أما إن كان هناك من يخرج عنه زكاة ماله في بلده زكَّى المالك المسافر ما حضر لديه فقط في بلد السفر وإن كان دون النصاب.
5-
يجب إعطاء الزكاة لمستحقيها، فإن دفعت لغير مستحق لها فلا تجزئ، وكذا لو اجتهد ودفعها لمستحقيها ثم تبين في الواقع أنه غير مستحق وتعذر ردها منه لم تجزئه، إلا الإمام إذا دفعها لمستحقيها باجتهاده ثم تبين أن آخذها غير مستحق فتجزئ لأن اجتهاده حكم.
إلا أنه لا يجب تعميم الأصناف الثمانية في الإعطاء، بل يجوز دفعها لصنف واحد منهم، لأن اللام في قوله تعالى:{للفقراء} لبيان المصرف عند السادة المالكية وليست لبيان الملك، وإلا لوجب تعميم الأصناف الثمانية إن وجد كما عند السادة الشافعية.
ما يجوز في دفع الزكاة:
1-
يجوز دفعها لقادر على الكسب إن كان فقيراً، ولو ترك الكسب اختياراً.
2-
يجوز إعطاء الفقير والمسكين ما يكفيهما سنة، ولو كان أكثر من النصاب. ولا يجوز إعطاؤهما أكثر من كفاية سنة ولو كان أقل من النصاب.
3-
يجوز إعطاء الزكاة لعتقاء بني هاشم.
4-
يجوز دفع الزكاة لمدين معدم ثم أخذها منه لقاء الدين، أما إذا كان هناك تواطؤ على ذلك، بأن يقول له: أدفع لك الزكاة على أن تدفعها لي لقاء الدين، فلا تجزئ، وكذا لا يجزئ حساب الزكاة من دين على مدين معدم، بأن يقول المالك للمدين المعدم: أسقطتُ مبلغ كذا مما لي عليك من دين لقاء زكاة مالي، لأن هذا الدين هالك لا قيمة له.
5-
يجوز إخراج الزكاة بالفضة عن الذهب وبالعكس، ولكن لا يجوز إخراج عرض بقيمة الزكاة المتوجبة.
6-
يجوز إخراج قيمة زكاة الحرث أو الماشية بالذهب أو الفضة مع الكراهة.
7-
يجوز دفع الزكاة لصنف واحد من المستحقين ولو لواحد منهم، إلا العامل على الزكاة، فلا يجوز دفعها كلها إليه إذا كانت زائدة على أجرة عمله.
ما يندب في دفع الزكاة:
1-
يندب إيثار المضطر -أي المحتاج- على غيره، بأن يخص بالإعطاء أو يزاد له فيه على غيره. ولا يندب تعميم الأصناف.
2-
الاستنابةُ خوفَ قصدِ الثناء عليه أو الرياء، وقد تجب الاستنابة إن علم من نفسه قصد الثناء أو جهل المستحق، وعندها يكره للمستناب تخصيص قريب صاحب المال المزكى إن كان غير ملزم بالنفقة عليه (وإلا لم تجزئ) أو قريبه هو بالزكاة.
ما يكره في دفع الزكاة:
1-
يكره إعلام المستحق للزكاة أنها زكاة دفعاً لكسر القلوب.
2-
يكره إخراج الزكاة نقداً عن الحرث والماشية، أما إخراج عرض بقيمة الزكاة أو إخراج نوع مما فيه زكاة عن نوع آخر فلا تجزئ.
3-
يكره تقديم إخراج الزكاة عن وقت وجوبها بشهر فأقل في زكاة النقد، وقيمة العروض التجارية المدارة، والدين المرجو تحصيله، والماشية التي لا ساعي لها.