المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌الفصل الثالث: طبيعة الحكم في الحجاز في العصر الجاهلي - قصة الأدب في الحجاز

[عبد الله عبد الجبار]

فهرس الكتاب

- ‌المقدمات:

- ‌تمهيد: وصف عام للحجاز وبيئته الطبيعية والبشرية

- ‌القسم الأول: العوامل المؤثرة في الأدب الحجازي

- ‌الباب الأول: الحياة السياسية-توطئة الجاهلية وتحديد العصر الجاهلي

- ‌مدخل

- ‌الفصل الأول: أهمية الحجاز في العصر القديم

- ‌الفصل الثاني: تاريخ الحجاز السياسي

- ‌الفصل الثالث: طبيعة الحكم في الحجاز في العصر الجاهلي

- ‌الباب الثاني: الحياة الاجتماعية لعرب الحجاز في العصر الجاهلي

- ‌الفصل الثالث: اللغة العربية في الحجاز

- ‌الباب الثالث: الحياة الدينية

- ‌الفصل الأول: معبودات الحجازيين وعاداتهم الدينية

- ‌الفصل الثاني: أشهر الأصنام في الحجاز

- ‌الباب الرابع: الحياة العقلية عند عرب الحجاز في العصر الجاهلي

- ‌الباب الخامس: شخصيات حجازية في العصر الجاهلي

- ‌القسم الثاني: الحياة الأدبية في الحجاز في العصر الجاهلي، النثر

- ‌الباب الأول: صورة عامة للنثر الحجازي في العصر الجاهلي

- ‌الباب الثاني: فنون النثر الحجازي في العصر الجاهلي

- ‌الفصل الأول: الحكم والأمثال

- ‌الفصل الثاني: الخطب والوصايا

- ‌الفصل الثالث: المحاورات والمفاخرات والمنافرات وسجع الكهان

- ‌الحياة الأدبية في الحجاز في العصر الجاهلي، الشعر:

- ‌الباب الأول: فكرة عامة عن الشعر الحجازي في العصر الجاهلي

- ‌الفصل الأول: نماذج هذا الشعر

- ‌الفصل الثاني: لمحة عامة عن الشعر الجاهلي

- ‌الباب الثاني: الشعر الحجازي بين الصحة والوضع

- ‌مدخل

- ‌ الشعر الحجازي في الميزان:

- ‌استدراكات ابن هشام على بن إسحاق

- ‌لامية تأبط شرا:

- ‌شعر أمية بن أبي الصلت الديني

- ‌دواوين القبائل الحجازية:

- ‌ديوان الهذليين:

- ‌طبعة دار الكتب:

- ‌الداواوين المفردة

- ‌ رواية ديوان النابغة:

- ‌رواية ديوان زهير:

- ‌الباب الثالث: فنون الشعر الحجازي في العصر الجاهلي

- ‌الفصل الأول: الشعر السياسي

- ‌أولا" أيام الحجازيين في الجاهلية:

- ‌ثانيا: صميم الشعر السياسي

- ‌الفصل الثاني: الشعر الحماسي

- ‌الفصل الثالث: الشعر اجتماعي

- ‌الفصل الرابع: الشعر الديني

- ‌الفصل الخامس: الشعر الغزلي

- ‌الفصل السادس: الشعر الهجائي

- ‌الفصل السابع: فنون شعرية أخرى

الفصل: ‌الفصل الثالث: طبيعة الحكم في الحجاز في العصر الجاهلي

‌الفصل الثالث: طبيعة الحكم في الحجاز في العصر الجاهلي

الحكم القبلي:

أبطلت البحوث الحديثة نظرية "روبرتسون سميث Robetson Smith" القائلة: إن النظام الاجتماعي في بلاد العرب كلها واحد يمكن تلخيصه في أن القبيلة هي الوحدة السياسية والاجتماعية؛ فقد أثبت العلامة روبرت لوي R. Lowie "أن الأسرة هي أصغر وحدة اجتماعية، وأن الجماعات الكبيرة كالعشيرة والقبيلة قد نشأت من نمو الأسرة"1.

ولذا عدت الأسرة عند أكثر الأمم قديما وحدة اجتماعية، فكانت أشبه بحكومة صغيرة في الأمة الكبيرة. ومن الأسر المشتركة في الدم تنشأ القبيلة موسومة بطابع الأسر التي كونتها.

وكل خيمة في المجتمع تمثل أسرة، والمعسكر المكون من عدة خيام يسمى حيا وأعضاء الحي الواحد يكونون قوما، ومجموعة الأقوام القريبة النسب يكونون قبيلة. فالقبيلة العربية إذًا هي الأساس الاجتماعي الكبير لحياة العرب. ويعد أفراد القوم الواحد أنفسهم أبناء دم واحد يخضعون لرئيس واحد، ويتداعون إلى الحرب بصيحة واحدة، ويضيفون كلمة "بني" إلى الاسم الذي يجمع بينهم2.

ورئيس القبيلة يتميز بصفات خاصة هي التي دفعته إلى الصدارة؛ فهو

1 R. Lowie primitive Society Smith & Religion of The Semites p 38.

2 تاريخ العرب، فيليب حتى 1/ 32، ترجمة الأستاذ محمد مبروك نافع.

ص: 144

أقواهم شخصية، وأشجعهم قلبا، وأسخاهم يدا، وأفصحهم لسانا، وأوسعهم صدرا، وأنضجهم عقلا، وهو في الوسط من قومه ينتمي إلى آباء توارثوا المجد.

وشيخ القبيلة -أو سيدها- ينتخب انتخابا طبيعيا إذا ما توفرت له تلك الفضائل من كرم وشجاعة، ومروءة وشهامة، وفصاحة ولسن، وحكمة وتجربة، وفاق غيره فيها. ومن حيث إن هذه الخلال لا تنتقل بالوراثة من الآباء إلى الأبناء والأحفاد، فإن سيادة القبيلة ليست منصبا وراثيا.

وفي المسائل القضائية والحربية وغيرها من الشئون العامة لم يكن شيخ القبيلة مستبد السلطان، بل إن عليه أن يستشير مجلس القبيلة المكون من زعماء الأقوام، وبقاؤه في منصبه رهين برضاء زمرة ناخبيه، فسيادة الرئيس إذًا ليست مبنية على التسلط والقهر والاستبداد، وإنما منشؤها التجلة والاحترام والعدالة والديمقراطية، والتفاني في خدمة العشيرة، ومن قولهم المأثور:"سيد القوم خادمهم". وإذا ما ركب شيخ القبيلة رأسه واعتز بطغيانه واستبد بجماعته، فإنه لا يلبث طويلا حتى يثور عليه بعض أفراد قبيلته، ويقتلوه أو يقصوه عن الحكم.

"والعرب عامة، والأعراب منهم خاصة وقد ولدوا في مهاد الديمقراطية، يقابل الواحد منهم شيخه ويقف منه موقف المساواة. ولم يستعمل العرب لقب ملك -في الأغلب- إلا حينما كانوا يشيرون إلى الحكام الأجانب أو أسرتي غسان والمناذرة المتأثرتين بالنفوذ الروماني والفارسي، ومن شذ عن هذه القاعدة ملوك بني كندة1.

والحكم القبلي على هذا النحو هو الذي كان سائدا في البوادي والقبائل الحجازية.

أما المدن كمكة والمدينة، فقد احتفظت بجوهر الروح الديمقراطية في الحكم القبلي، إلا أنها اتخذت ألوانا من التنظيم والتنسيق طبقا لما كانت عليه من درجة التحضر والرقي.

1 المرجع السابق ص25، 26.

ص: 145

الحكم في يثرب:

فأما "يثرب" حيث تنازع السلطان فيها الأوس والخزرج، فقد أراد كل فريق منهما أن يكون الحكم في رجاله، وبعد حروب استقروا على أن يكون الحكم بينهما بالمناوبة، فيحكم في كل عام زعيم من زعماء الحي الواحد، يليه في العام الثاني، وبذلك يكونون قد وضعوا لهم نظام التناوب في الحكم، فيكون لهذه المدينة حاكم في كل عام1.

وكان أهل يثرب أباة أحرارا، يثورون على الظلم ولا يقبلون الضيم. وقد حدث أن حكم يثرب وما حولها الفطيون اليهودي، وكان فاسقا فاجرا مستهترا، وكانت اليهود تدين بألا تتزوج امرأة منهم إلا دخلت عليه قبل زوجها. ويقال: إن هذا الفاسق قد سولت له نفسه الخبيثة أن يمارس هذه الفعلة الشنعاء مع الأوس والخزرج، بيد أن روحهم العربية الأبيّة أبت أن يُوصَموا بهذه الوصمة البغيضة، فاندس إليه رجل من الخزرج فقتله

وذلك في قصة ترويها كتب التاريخ ومؤداها: "أن أختا لمالك بن العجلان الخزرجي تزوجت، فلما كان زفافها خرجت إلى مجلس قومها وفيه أخوها مالك، وقد كشفت عن ساقيها، فقال لها: "لقد جئت بسوء" فقالت: "الذي يُراد بي الليلة أسوأ من هذا، أدخل على غير زوجي؟! " ثم عادت فدخل عليها أخوها، فأشار عليها أن يدخل مع النساء، فإذا خرجن ودخل الفطيون قتله، فذهب مع النساء في زي امرأة ومعه سيفه، فلما خرجن قتله مالك وخرج هاربا

واستنجد مالك بأبي جبيلة عظيم غسان2، فأباد كثيرا من اليهود الذين بالمدينة وصار العز بها للأوس والخزرج".

وهكذا تخلصت يثرب من العسف والطغيان، وقضت على سلطان الدخيل، ومحت عن نفسها وصمة الذل والعار بسيف ابن من أبنائها البررة الشجعان.

1 تاريخ العرب قبل الإسلام جواد علي ج4 ص230.

2 كان اسمه عبيد بن سالم بن مالك بن سالم، وهو خزرجي كذلك؛ لأنه من بني غضب بن جشم من الخزرج. انظر الكامل لابن الأثير ج1 ص401، 402.

ص: 146

الحكم في مكة:

مكة الكبرى لقاح:

كانت مكة في الجاهلية لقاحا1 لا تدين لملك، وتأبى أن ينفرد بالحكم فيها فرد متوج أيا كان هذا الفرد ولو كان من صفوة بنيها الأخيار، فلا تاج ولا صولجان ولا استئثار بالسلطان؛ ذلك لأن الحكم الفردي يخالف طبيعتها، ويجافي فطرة أبنائها، تستنكره تهامة أعظم الاستنكار، ومكة من تهامة بل هي قلب تهامة، يقول الجاحظ: "لم تزل مكة أمنا ولقاحا، لا تؤدي إتاوة، ولا تدين للملوك2

".

ولما طمع أحد القرشيين -وهو عثمان بن الحويرث- في أن يملك قريشا وأن يعقدوا له على رأسه التاج، وافقوا -بادئ ذي بدئ- لأنه تحيل عليهم، ولكنهم ما لبثوا حين استبانوا الرشد أن فاءوا إلى طبيعتهم فانتفضوا وثاروا، وقالوا له:"ما كان بتهامة ملك قط" وأقسموا باللات والعزى على ألا يكون ذلك أبدا. وفيما يلي نسجل حديث هذه الانتفاضة كما وردت في التاريخ: "خرج عثمان بن الحويرث وكان يطمع أن يملك قريشا، وكان من أظرف قريش وأعقلها، حتى قدم على قيصر وقد رأى موضع حاجتهم ومتجرهم من بلاده، فذكر له مكة ورغبه فيها، وقال: تكون زيادة في ملكك كما ملك كسرى صنعاء، فملّكه عليهم وكتب له إليها، فلما قدم عليهم قال: يا قوم، إن قيصر من قد علمتم، أموالكم ببلاده، وما تصيبون من التجارة في كنفه، وقد ملكني عليكم، وإنما أنا ابن عمكم وواحد منكم، وإنما آخذ منكم الجراب من الأقط والعكة من السمن والإهاب، فأجمع ذلك ثم أبعث به إليه، وأنا أخاف إن أبيتم ذلك أن يمنع منكم الشام، فلا تتجروا فيه ويقطع مرفقكم منه.

1 اللقاح: الذي لا يخضع لحكم أحد.

2 الحيوان ج3 ص141، تحقيق الأستاذ عبد السلام هارون.

ص: 147

فلما قال لهم ذلك خافوا قيصر وأخذ بقلوبهم ما ذكر من متجرهم، فاجتمعوا على أن يعقدوا على رأسه التاج عشية وفارقوه على ذلك. فلما طافوا عشية بعث الله عليه ابن عمه أبا زمعة الأسود بن عبد المطلب بن أسد، فصاح على الجمع وكانت قريش في الطواف وقال: عباد الله، ملك بتهامة؟! قالوا:"صدقت، واللات والعزى ما كان بتهامة ملك قط! " فانتفضت قريش عما كانت قالت له، ولحق بقيصر يعلمه". وفي رواية أخرى: قال الأسود بن عبد المطلب: "إن قريشا لقاح لا تملك" وكانت نهاية عثمان أن سُمَّ، ومات بالشام مسموما1.

الحكومة المكية:

ويجدر بنا أن نلاحظ أن بعض المدن والقرى، ولا سيما العربية الغربية مثل مكة، لم يكن عليها ملك كما أسلفنا، إنما يحكمها عدة رجال، قسمت الأعمال بينهم، ولا يلقب زعيمهم والمتقلد فيهم بلقب ملك. و"للملأ" وهم أصحاب الحل والعقد في البلد، الحكم في الناس على وفق العادات والأعراف والقوانين الموروثة، ويكون لهم في البلد مجتمع خاص يكون ناديهم ومقرهم، وناديهم ومقرهم ودار حكمهم عرف بـ"دار الندوة" بمكة وبـ"المزوِّد" عند أهل اليمن. ويمكن أن نقول: إنه مجلس تلك الزمرة، وبرلمان ذلك العهد، ويرى بعض الباحثين أن طريقة الحكم في أمثال هذه المدن هو ما يقال له بـ"حكومات المدن" عند المؤرخين الغربيين2، وقد نظر بعض المؤرخين إلى مكة من زاوية خاصة وهي اشتهار أهلها بالتجارة وأطلقوا عليها اسم "الجمهورية التجارية"، تلك الجمهورية التي شبهها "لامنس" بجمهوريتي البندقية وقرطاجنة؛ لسيطرة الماليين من أرباب التجارة وأصحاب رءوس الأموال3 كما وصفها "در منجهم" بأنها جمهورية بلوتقراطية،

1 شفاء الغرام بأخبار بلد الله الحرام، لتقي الدين الفاسي ج2 ص182، 183، مخطوط رقم 28314.

2 تاريخ العرب قبل الإسلام ج4 ص22-230.

3 مجلة الشرق سنة 1936 ص539، وأسواق العرب ص91، 92.

ص: 148

ويقصد بكلمة بلوتقراطية أنها حكومة الأغنياء، وكان يشرف عليه البارزون من بني قصي. وهذه النزعة التجارية حتّمت عليهم أن يضربوا في جنبات الأرض شرقا وغربا وشاما ويمنا، وأن يحتكوا بالفرس والرومان وغيرهم من أصحاب الحضارات القديمة. ومن المرجح أنهم استفادوا من بعض الأنظمة الاجتماعية التي وجدوا عليها الروم وفارس حتى ظن بعض المؤرخين المحدثين أن دار الندوة نفسها ما هي إلا "اقتباس مغير مصغر عن مجامع الروم الدينية والمدنية"1. بيد أننا نعتقد أن هذه الدار قد انبثقت من صميم الروح الديمقراطية العربية التي كانت تسري في دم قصي وفي الملأ الذين عاشوا في بيئته وعصره، وأن استمرار هذا البرلمان القرشي وبقاءه حتى بزوغ فجر الإسلام يعتبر دليلا على أصالة هذه الروح وحب القرشيين للشورى وإيثارهم لرأي الجماعة على رأي الفرد، ولم تكن حكومة قريش هي حكومة الأغنياء التي يسيطر فيها أصحاب رءوس الأموال كما يصور ذلك بعض المستشرقين ومن لف لفهم من المؤرخين العرب، وإنما كانت حكومة ديمقراطية تستهدف إقامة العدالة الاجتماعية والقضاء على مشكلة الجوع والفقر

ونحن لا ننكر أن فئات من قريش قد أثرت، وأن بعض هذه الفئات قد تولى السلطان، بيد أن هؤلاء لم يكونوا يستغلون نفوذهم للثراء الفاحش وامتصاص دم الشعب، وإنما كانوا يتخذون السبل المشروعة لجمع المال، ثم ينفقونه في وجوه البر والخير كإطعام الحجاج ومساعدة المعتفين والمحتاجين وتحمل الديات، فالمناصب الحكومية كانت مغارم عليهم لا مغانم لهم. بل إن اشتغالهم بالتجارة لم يكن إلا لتعففهم عن الغزو والسلب والنهب، حتى كان بعض القرشيين إذا أجدبوا ولم يجدوا ما يحفظ رمقهم ورمق أبنائهم ينتحون مكانا قصيا حتى يموتوا جوعا، مؤثرين الموت الشريف على الحياة التي يجللها عار السرقة والنهب.

ولم تكن رحلة الشتاء والصيف إلا ليخلقوا مجتمعا سويا لا يحس فيه أحد منهم بألم الجوع وذل الفقر، فالأغنياء والقادرون على العمل والكسب كانوا

1 أسواق العرب 109.

ص: 149

يعملون في التجارة صيفا إلى الشام وشتاء إلى اليمن حتى إذا انتعشت الحياة الاقتصادية وراتفعت نسبة الدخل القومي، تضاءلت نسبة الفقراء، فإذا بقي بعد ذلك فقير أو عاجز أو مستضعف كان له حظ في أموال الأغنياء، بل كانوا يخلطون فقيرهم بغنيهم، فإذا الكل على حد سواء.

هذه ظاهرة من ظواهر الرقي الاجتماعي الذي حققته حكومة قريش وبرلمانها "دار الندوة"، تلك الدار التي لم يكن يدخلها للمشورة من غير بني قصي إلا من بلغ أربعين عاما، في حين كان يدخلها بنو قصي وحلفاؤهم جميعا.

وقد رأى بعض المؤرخين المحدثين في هذا التفريق لونا من الامتياز، فوسم قصيا مؤسس هذه الدار بأنه "كان أرستقراطيا"، ولكن يخفف من هذا النقد أن أولاد قصي كانوا من الكياسة والنضج وحسن التدبير للأمور في المكان الأرفع. أضف إلى ذلك أن دار الندوة كانت تستقبل كل حكيم مفوّه ولو لم يبلغ الأربعين، مما يدلنا على أن قصيا لم يكن يقصر عضوية دار الندوة على أبنائه وحدهم، وإنما كان يفتح أبوابها لكل نابغة محنك، فهو إذًا لم يكن يستهدف إلا قوة الشخصية والنضج العقلي.

أول رئيس للحكومة المكية:

ولقد كان زيد بن كلاب، زعيم النهضة القرشية، وسمي قصيا فيما بعد؛ لأنه نشأ بعيدا عن موطنه الأصلي "مكة"، فقد كان طفلا عندما مات أبوه كلاب، كما سبق في الفصل السابق، وسرعان ما تزوجت أمه فاطمة من رجل من بني عذرة في حدود الشام ونشأ هناك، ولما استوى عوده عاد إلى مكة وكان النفوذ الديني والمدني في أيدي الخزاعيين، فعزّ على قصي أن يرى الأجانب سادة على قومه القرشيين، فعقد العزم على أن ينتزع منهم السلطان، وتزوج من ابنة زعيم خزاعة "حليل بن حبشية". ولما مات حليل -وكان قد أوصى له بحكم مكة وولاية البيت من بعده كما تذكر بعض الروايات- شب الخلاف بين قصي وقريش، وبين خزاعة، وانضمت بكر لخزاعة كما انضمت كنانة وعذرة لقريش، وظلت الحرب بينهما سجالا حتى حكّموا فيما بينهم رجلا من كنانة، فقضى لقصي بولاية

ص: 150

الكعبة وحكم مكة، وبذلك أصبح قصي رئيسا للجمهورية المكية وزعيما لديانتها، وكان أول ما صنعه قصي أن جمع قريشا وأسكنها وادي إبراهيم، فنزل سادتها وسراتها فيما بين الأخشبين ويسمون قريش البطاح، ونزل سائر قريش فيما وراء ذلك بظاهر مكة، فسموا قريش الظواهر.

وكان لقصي كل الوظائف الرئيسية دينية كانت أم سياسية، وكان -كما سبق- رئيسا لدار الندوة وبيده اللواء والرفادة والحجابة. وإذا ما استعرضنا الاصطلاح الحديث -مع شيء من التجاوز- قلنا: إنه كان مهيمنا على السلطات التشريعية والمالية والحربية، وكان القائد الأعلى للجيش كما كان كبير مستشاري الدولة، ورئيس الجمعية الوطنية في الحكومة المكية الفتية، وكان -لشخصيته القوية ونفوذه الواسع وجمعه لهذه المناصب الكبيرة- زعيما لبلاد العرب ورئيسها الديني الأعلى.

الحزب الهاشمي، والحزب الأموي:

كان قصي في حياته قد وكل أمر اللواء والرفادة وغيرهما لابنه عبد الدار؛ ولذا كان من الطبيعي أن يتولى السلطان بعد وفاة والده، وظلت السلطات في أيدي بني عبد الدار وأحفاده. ونستطيع أن نقول: إنه كان يحكم قريشا في هذه الفترة حزب واحد، حتى نشأ الخلاف بين عبد مناف وعبد الدار، ووزعت بينهم السلطات على نحو ما سبق بيانه، فأصبحت الحكومة القرشية حكومة ائتلافية يشترك فيها حزبان كبيران. بيد أن سلالة عبد مناف احتفظت بالزعامة الحقيقية لمكة، وانقسم بنو عبد مناف بدورهم إلى حزبين هما: بيت ابنه هاشم، وابنه عبد شمس، ولقد احتفظ البيت الهاشمي بمنصبي الرفادة والسقاية، فكسب بذلك نفوذا ثبَّته حسن إدارة المطلب، ثم ابن أخيه عبد المطلب من بعده الذي اعتبرته مكة -كما اعتبرت أباه هاشما من قبل- زعيم شيوخ مكة.

أما فرع أمية بن عبد شمس، فإنه كان كثير العلاقات بالبيوت الأخرى، وأكسبته علاقاته هذه نفوذا، واحتفظ بمنصب هام هو القيادة في الحرب.

ص: 151

"وبلغ التنافس بين هذين الحزبين أشده إبان البعثة النبوية، ولكن باعتناق مكة الإسلام اختفت هذه المنازعات إبان الحماس الديني والفتوح الإسلامية في عصر الخلفاء الراشدين"1.

العدالة السياسية، والتكافل الاجتماعي:

بعد هذا سنعرض بعض المشكلات الجوهرية التي تواجه عادة الحكومات والمجتمعات في كل عصر ومصر؛ لنرى كيف حلها المجتمع القرشي والحكومة القرشية.

فأما المشكلة الأولى فهي مشكلة الأمن الداخلي لسلامة الوطنيين وغير الوطنيين، سواء كانوا من الجاليات الأجنبية أو من العرب الذين يفدون إلى مكة وأسواقها لأغراض دينية أو تجارية أو أدبية. وقد وجدت قريش أن قوة القانون وحدها لا تكفي لتحقيق هذا الغرض، بل لا بد من حصانة خلقية تسوق المجتمع لحماية الأفراد من العدوان أيا كان هذا العدوان، ولا بد أن يستشعر القرشيون -بوصفهم مواطنين لا بوصفهم حكاما- أن عليهم أن يردوا المظالم وأن يأخذوا بيد الضعيف والمظلوم، وأن ينتصفوا له من ظالمه أيا كانت شكيمته. وهذا اللون من الالتزام والشعور بالمسئولية ما ساد مجتمعا من المجتمعات إلا رفرف عليه روح الأمن والطمأنينة والسلام، وأصبح في الذروة من الرقي والحياة الحرة الكريمة.

كان ذلك في دار عبد الله بن جدعان، حيث اجتمعت طوائف من قريش تنتظم بني هاشم وأسد وزهرة وتيم، وتعاقدوا على ألا يظلم بمكة غريب ولا قريب ولا حر ولا عبد إلا كانوا معه حتى يأخذوا له بحقه ويؤدوا إليه مظلمته من أنفسهم ومن غيرهم. فاعجب لأناس ينتصفون للخصم والمظلوم من أنفسهم قبل غيرهم. وبعد إبرام هذا الحلف العظيم الذي كان يسمى حلف الفضول، قدم رجل من خثعم مكة تاجرا ومعه ابنة له اسمها القتول من أوضأ نساء العالمين وجها، فعلقها نبيه بن الحجاج السهمي فلم يبرح حتى نقلها إليه وغلب

1 تاريخ العرب: عصر ما قبل الإسلام ص181، 182.

ص: 152

أباها عليها، فقيل لأبيها: عليك بحلف الفضول، فأتاهم فشكا ذلك إليهم، فأتوا نبيهًا، فقالوا: أخرج ابنة هذا الرجل، وهو يومئذ منتد بناحية مكة وهي معه، فأخرجها إليهم، فأعطوه إياها وركبوا وركب معهم الخثعمي.

وأما المشكلة الثانية، فهي مشكلة العوز والفقر وتحقيق العدالة الاجتماعية في المجتمع المكي، تلك المشكلة التي لا تزال الحكومات والمجتمعات الحديثة تشكو منها، ويستبين عجزها الفاضح عن حلها

قد حلتها قريش بأسلوب، مهما قيل في بساطته، فقد كفل القضاء على الفقر والإدقاع؛ إذ ألزمت الأغنياء بكفالة الفقراء، وبذلك دُفع عن ذوي الحاجة غائلة الخصاصة، وأصبح الأغنياء والفقراء في ميزان الحياة على السواء بهذا التكافل الاجتماعي الذي غدا مبدأ مرعيا، وسنة من سنن المجتمع المكي منذ عهد هاشم حتى مجيء الإسلام.

فلقد كانت قريش إذا أصاب واحدًا منهم مخمصة، خرج هو وعياله إلى موضع، وضربوا على أنفسهم خباء حتى يموتوا، إلى أن جاء هاشم بن عبد مناف وكان سيد قومه، وكان له ابن يقال له: أسد، وكان له ترب من بني مخزوم يحبه ويلعب معه، فشكا إليه الضر والمجاعة، فدخل أسد على أمه يبكي، فأرسلت إلى أولئك بدقيق وشحم فعاشوا فيه أياما. ثم أتى ترب أسدا مرة أخرى وشكا إليه الجوع، فقام هاشم خطيبا في قريش فقال:

"إنكم أجدبتم جدبا تقلون فيه وتذلون، وأنتم أهل حرم الله وأشراف ولد آدم، والناس لكم تبع" قالوا: "نحن تبع لك، فليس عليك منا خلاف".

فجمع هاشم كل بني أب على الرحلتين في الشتاء إلى اليمن وفي الصيف إلى الشام للتجارات، فما ربح الغني قسمه بينه وبين الفقير حتى كان فقيرهم كغنيهم. فجاء الإسلام وهم على ذلك، فلم يكن في العرب بنو أب أكثر مالا ولا أعز من قريش.

وهذا معنى قول شاعرهم:

ص: 153

والخالطون فقيرهم بغنيهم

حتى يكون فقيرهم كالكافي1

وأما المشكلة الثالثة، فهي مشكلة المحافظة على الكيان السياسي والاقتصادي، وقد اتخذت قريش الوسيلة لحلها عن طريقين، أولهما: الطريق السلمي الذي يعتمد على المعاهدات السياسية والتجارية، والتي تؤمن الشريان الحيوي لتجارتها عبر الصحراء إلى الشام واليمن. وثانيهما: قوة الدفاع الوطني التي تعتمد أولا على السواعد القوية لقبيلة قريش الفتية، وثانيا على طائفة الحبش من فلول جيش أبرهة وغيرهم، وعلى حلفاء قريش من العرب الذين كانوا يسمون "الأحابيش".

أحابيش قريش وقوة الدفاع العسكري:

ويستعمل لفظ "الأحابيش" في الدلالة على القوة العسكرية التي كانت تستأجرها قريش قبيل الإسلام؛ للدفاع عن بلدها وقوافلها التي كانت تتردد بين الشام واليمن.

ويؤخذ من صريح النصوص العربية، لغوية كانت أو تاريخية، أن هذه القوة كانت عبارة عن حلف قوامه أحياء من عرب كنانة وخزيمة اللتين كانتا تنزلان أغوار تهامة، ومن خزاعة التي كانت تنزل بظاهر مكة. بهذه النصوص أخذ المستشرق الألماني الكبير فلهاوزن، فقال في كتابه الذي ألفه "عن الوثنية العربية" هذه العبارة:"الأحابيش: أحلاف قريش السياسيون".

ولكن لامانس المستشرق اليسوعي المعروف نشر في المجلة الأسيوية، مقالا ضافيا ذهب فيه أن رواة اللغة العربية قد وهموا في تفسير هذا اللفظ، وأن الأحابيش كانوا -كلهم أو جلهم على أقل تقدير- زنوجا من بلاد الحبشة، وأن رواة السيرة تعمدوا القول بأنهم عرب؛ أنفة من أن يقولوا: إن قريشا كانت في الجاهلية تستعين بالسودان في الدفاع عن حوزتها. بيد أن المرحوم عبد الحميد العبادي قد أثبت:

1-

أن الأحابيش كانوا عربا.

1 الكافي: الغنى. راجع بلوغ الأرب ج3 ص368.

ص: 154

2-

وأن القول بعربيتهم هو المتفق مع تاريخهم.

3-

وأن العبيد الذين كانت قريش تستعين بهم في حروبها، لم يكونوا من الأحابيش في شيء.

وقد لاحظ أن التفسير اللغوي لكلمة الأحابيش يفيد ثلاثة معانٍ خاصة:

1-

الجماعة من الناس ليسوا من قبيلة واحدة.

2-

التجمع والتأشب.

3-

كثرة العدد ويكنى عنها بالسواد؛ لأن العرب تنعت الشيء إذا كثر وتكاثف بسواد اللون.

وهذا التفسير اللغوي يتمشى مع مدلول الأخبار الواردة في بيان أصل نظام الأحابيش. قال ابن إسحاق: والأحابيش: بنو الحارث بن عبد مناة بن كنانة، وبنو الهون بن خزيمة بن مدركة، وبنو المصطلق من خزاعة. وقال ابن هشام:"تحالفوا جميعا فسموا الأحابيش؛ لأنهم تحالفوا بوادٍ يقال له: الأحبش بأسفل مكة"1. ويقول صاحب معجم البلدان: "حبشي: جبل بأسفل مكة بنعمان الأراك، يقال: به سميت أحابيش قريش، وذلك أن بني المصطلق وبني الهون بن خزيمة اجتمعوا عنده وحالفوا قريشا، وتحالفوا بالله: إنا ليد واحدة على غيرنا ما سجا ليل ووضح نهار، وما رسا حبشي مكانه. فسموا أحابيش قريش باسم الجبل، وبينه وبين مكة ستة أميال

"2.

ومن هذه النقول التاريخية نأخذ أن الأحابيش:

1-

كانت أحياء عربية تنتمي إلى كنانة وخزيمة وخزاعة.

2-

أن هذه الأحياء تجمعت بوادٍ يقال له: الأحبش، أو عند جبل يقال له: حبشي، وتحالفت فسميت الأحابيش.

3-

أنها حالفت قريشا على التناصر والتآزر، فالمدلول التاريخي لكلمة "الأحابيش" متمشٍّ مع مدلولها اللغوي.

1 سيرة ابن هشام، طبعة جوتنجن 245، 246.

2 معجم البلدان: حبشي.

ص: 155

وجنسية الأحابيش العرب يؤكدها تاريخ حلفهم الذي نرجح أنه قام في النصف الثاني من القرن السادس الميلادي، وانتهى بفتح الرسول مكة سنة ثمانٍ للهجرة. فإنا إذا رجعنا إلى تاريخ عصر النبوة وجدنا الأحابيش طوال ذلك العصر الخطير قوة عربية لها خصائص القبيلة: من سيد يتزعمها، وأرض تنزلها، وراية تحفّ بها عند الحرب، وأنها كانت من حيث علاقاتها السياسية بقريش تنزل منها منزلة الحليف من الحليف، والند من الند، وأنها كانت مسموعة الكلمة في الشئون العامة لقريش

فالأحابيش عرب وليسوا زنوجا، وقد كانوا حلفاء لقريش تستأجرهم للدفاع عن كيانها الاقتصادي.

وقد كان بمكة قوة من الحبش حقا، ولكن هذه القوة لم تكن من الأحابيش في شيء، بل كانت عبارة عن طبقة من العبيد مسخرة لأشراف مكة في حالي السلم والحرب. ومما يدل على تمييز هذه الطبقة من الأحابيش قول الطبري في غزوة أحد:

"فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عامر في الأحابيش وعبدان أهل مكة"، وعطف عبدان على ما قبلها هنا عطف نسق يفيد المغايرة، وليس عطف توضيح وبيان كما يرى لامانس1.

وبعض طبقة الحبش قد شري بالمال، وبعضها كان من فلول حملة أبرهة الحبشي على الحجاز

يقول الأزرقي: "وأقام بمكة فلال من الحبش وعسفاء وبعض من ضمه العسكر، يعتملون ويرعون لأهل مكة"2، وعرف عنهم خلتان: إطعام الطعام، والبأس يوم البأس. ومن هذه الطبقة وحشي قاتل حمزة يوم أحد، وصؤاب حامل لواء قريش في ذلك اليوم.

وقصارى القول: أن القوة العسكرية لمكة لم تكن تعتمد على سواعد القرشيين وحسب، وإنما كانت تنتظم كذلك طوائف من الحبش الأرقاء، ومن

1 صور من التاريخ الإسلامي، العصر العربي، الأستاذ عبد الحميد العبادي ص13-21.

2 أخبار مكة للأزرقي ج1 ص91، طبعة مكة.

ص: 156

الأحابيش الأحرار، هؤلاء الأحابيش الذين استأجر أبو سفيان منهم عددا يبلغ الألفين في يوم أحد.

وقد كانت قريش إذا أزمعت حربا تتلقى اللواء من يد زعيمها قصي الذي كان يمثل الرئيس الأعلى للجيش، فقد كان يعقد رقاعا من القماش الأبيض على أطراف الحراب ويقدمها بنفسه، أو يبعثها مع أولاده إلى زعماء قريش. وقد ظل هذا التقليد -الذي يسمى "عقد اللواء" منذ أن أنشأه قصي- إلى آخر أيام الفتوح العربية جاريا.

وبعد أن مات قصي أصبح زعيم قريش عبد الدار أكبر أبنائه، وتولى أبناؤه بعد وفاته تلك الوظائف التي أسلفنا ذكرها، ومن بينها اللواء، ووليها من بعدهم أحفاده، ولكن خلافا نشب بين بني عبد الدار وبني عبد مناف، كاد يفضي إلى القتال لولا أن الفريقين اتفقوا على أن تكون السقاية والرفادة لعبد شمس بن مناف، وأن تظل الحجابة والندوة واللواء في أيدي بني عبد الدار، مما أكسبهم نفوذا وسلطانا قويا في مكة ذاتها.

وكانت قريش تميل للسلام، وإذا استعرنا أسلوب العصر الحديث، قلنا: إنها كانت من دعاة التعايش السلمي peaceful Coexistence، ولكنها إذا اضطرت للقتال كافحت كفاح الأبطال، وربما بدا من بعض أفرادها ما يشبه أفعال الفدائيين أو الفرق الانتحارية في الحروب الحديثة. وفي إحدى حروب الفجار التي كانت بينها وبين قيس عيلان جمعت قيس جموعها ومعها ثقيف وغيرها، وجمعت قريش جموعها منهم: كنانة جميعها، والأحابيش، وأسد بن خزيمة، وخرجت قريش للموعد، على كل بطن منها رئيس بعد أن تسلحت، فكان على بني هاشم: الزبير بن المطلب ومعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وإخوته أبو طالب، وحمزة، والعباس بنو عبد المطلب، وعلى بني أمية وأحلافها: حرب بن أمية، وعلى بني أسد بن عبد العزى: خويلد بن أسد، وعلى بني مخزوم: هشام بن المغيرة أبو أبي جهل، وعلى بني تيم: عبد الله بن جدعان، وعلى بني جمح: معمر بن خبيب بن وهب، وعلى بني سهم: العاص بن وائل، وعلى بني عدي:

ص: 157

زيد بن نفيل والد سعد بن زيد، وعلى بني لؤي: عمرو بن عبد شمس والد سهيل بن عمرو، وعلى بني فهر: عبد الله بن الجراح والد أبي عبيدة، وعلى الأحابيش: الحليس بن يزيد وسفيان بن عويف، وعلى بني بكر: بلعاء بن قيس، وعلى بني فراس بن غنم من كنانة: عمير بن قيس جذل الطعان، وعلى بني أسد بن خزيمة: بشر بن أبي خازم، وكان القائد العام لهذه الجيوش جميعها حرب بن أمية.

وسارت قريش حتى نزلت عكاظ وبها قيس، وكان مع حرب بن أمية إخوته: سفيان، وأبو سفيان، والعاص، وأبو العاص. فعقل حرب نفسه وقيد سفيان وأبو العاص نفسيهما وقالوا: لن يبرح رجل منا من مكانه حتى نموت أو نظفر

فيومئذ سموا العنابس، والعنبس: الأسد. واقتتل الناس قتالا شديدا، فكان الظفر أول النهار لقيس وانهزم كثير من بني كنانة وقريش، وثبت حرب بن أمية وبنو عبد مناف وسائر قبائل قريش، ولم يزل الظفر لقيس على قريش وكنانة إلى أن انتصف النهار، ثم عاد الظفر لقريش وكنانة فقتلوا من قيس وأكثروا، وحمي القتال واشتدّ الأمر، فقتل يومئذ تحت راية بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة مائة رجل وهم صابرون، وانهزمت قيس وقتل من أشرافهم عباس بن زعل السلمي وغيره. ولما رأى سبيع بن ربيع بن معاوية هزيمة قبائل قيس عقل نفسه واضطجع وقال: يا معشر بني نصر، قاتلوا عني أو ذروا. فعطفت عليه قبائل من قيس وقاتلوا قتالا شديدا. ثم إنهم تداعوا إلى الصلح، فاصطلحوا على أن يعدوا القتلى، فأي الفريقين فضل له قتلى، أخذ ديتهم من الفريق الآخر. فتعادوا القتلى، فوجدوا قريشا وبني كنانة قد أفضلوا على قيس عشرين رجلا، فرهن حرب بن أمية يومئذ ابنه أبا سفيان في ديات القوم حتى يؤديها، ورهن غيره من الرؤساء أبناءهم، ووضعت الحرب أوزارها1.

وقد كانت مستودعات الأسلحة في القبة كما سبق وفي دور أشراف قريش، إذ كان كل سري من سراتهم يحتفظ لديه بكمية وافرة من العتاد والسلاح

1 بتصرف الكامل، ج1 ص361، 362.

ص: 158

يفرقها على الجنود وقت الحاجة. ففي حرب الفجار فرقت قريش السلاح في الناس، فأعطى عبد الله بن جدعان التيمي مائة رجل سلاحا تاما، وفعل الباقون مثله1.

ويلوح لنا أن دار ابن جدعان كانت بها أماكن خاصة لحفظ الأسلحة؛ لأنه لم يكن يختزن عتاده الخاص الذي يذود به قريشا إذا حزبها أمر وحسب، وإنما يحفظ كذلك أسلحة العرب الذين يفدون إلى عكاظ لتبقى عنده، حتى إذا فرغوا من حجهم وأسواقهم استردوها ورجعوا لديارهم.

وقد كان من الطبيعي -استيفاء لبحث الحياة السياسية في الحجاز- أن نعقد فصلا لأيام قريش وأيام الأوس والخزرج، ولكنا آثرنا إرجاء ذلك إلى حين نتحدث عن الشعر السياسي.

1 الكامل لابن الأثير ج1 ص361.

ص: 159