الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
الفصل الثالث: الكتابة
كتابة البحث:
إن الجهود السابقة من تفكير واطلاع وتدوين هي إعداد وتجميع للمادة العلمية التي سيتم تنظيمها، والتأليف بينها في صياغة علمية سليمة. وهذه المرحلة تتطلب إلى الصياغة السليمة حسن التأليف، والتزام المنهج العلمي في عرض الأمور، ومناقشة الحقائق. فإذا توافرت للبحث هذه العناصر فقد توافرت له أسباب الجودة، وهذا ما يوصي به كبار المؤلفين.
يقول الحسن بن بشر الآمدي:
"إن حسن التأليف وبراعة اللفظ يزيد المعنى المكشوف بهاء وحسنًا ورونقًا؛ حتى كأنه قد أحدث فيه غرابة لم تكن، وزيادة لم تعهد"1.
والبحث العلمي أسلوب، ومنهج، ومادة:
أما الأسلوب: فهو القالب التعبيري الذي يحتوي العناصر الأخرى، وهو الدليل على مدى إدراكها وعمقها في نفس الباحث، فإذا كانت معاني البحث وأفكاره واضحة في ذهن صاحبها؛ أمكن التعبير عنها في أسلوب واضح وتعبير مشرق.
1 المبارك، مازن، الموجز في تاريخ البلاغة "بيروت: دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع" ص100.
والحقائق العلمية يستوجب تدوينها أسلوبًا له خصائصه في التعبير والتفكير والمناقشة. وهو ما يسمى بالأسلوب العلمي، وهو أهدأ الأساليب، وأكثرها احتياجًا إلى المنطق والفكر، وأبعدها عن الخيال الشعري؛ لأنه يخاطب العقل، ويناجي الفكر، ويشرح الحقائق العلمية التي لا تخلو من غموض وخفاء، وأظهر ميزات هذا الأسلوب الوضوح، ولَا بُدَّ أن يبدو فيه أثر القوة والجمال، وقوته في سطوع بيانه، ورصانة حججه، وجماله في سهولة عباراته، وسلامة الذوق في اختيار كلماته، وحسن تقريره المعنى من أقرب وجوه الكلام1.
والتعبير بكلمات صحيحة، مناسبة، مؤدية للغرض، وبطريق مباشر، هو القانون الذهبي للكتابة الجيدة.
وفي سبيل التعبير بأسلوب علمي جذاب ينبغي أن يكون اختيار الجمل دقيقًا، والأسلوب متنوعًا، وليس مسترسلًا؛ لأن الجمل إذا كانت متشابهة الانتهاء، متشابهة التركيب والتعبير، مكررة على وتيرة واحدة؛ فإنها تكون فاقدة التأثير، عديمة الحياة.
والملاءمة بين المعاني والألفاظ هي سر البلاغة، وهي ليست بالأمر اليسير؛ بل إنها أعجزت مشاهير البلغاء، يُحكي عن المبرد قوله:
"ليس أحد في زماني إلا وهو يسألني عن مشكل من معاني القرآن، أو مشكل من معاني الحديث النبوي، أو غير ذلك من مشكلات علم العربية، فأنا إمام الناس في زماني، وإذا عرضت لي حاجة إلى بعض إخواني، وأردت أن أكتب إليه شيئًا في أمرها أحجم عن ذلك؛ لأني أرتب المعنى في نفسي، ثم أحاول أن أصوغه بألفاظ مرضية؛ فلا أستطيع ذلك"2. وكما قال بعض المفكرين: "ليست الصعوبة في أن تكتب؛
1 انظر: علي الجارم، البلاغة الواضحة ص12.
2 ابن الأثير ج1، ص74.
ولكن الصعوبة في مدى اقتدارك على الكتابة عما تريد، وليست الصعوبة في الطريقة التي تؤثر بها في القارئ؛ ولكن في التأثير عليه بالشكل الذي ترغبه"1.
وما من شك أن مما يعين على الكتابة العلمية الجيدة الدربة الطويلة، وممارستها في شتى الأغراض، مع القراءة المستمرة للأساليب الرفيعة.
ومما يعين في هذا السبيل أيضًا القراءة لكاتب من مشاهير الكُتَّاب سبق له الكتابة في نفس الموضوع، أو التعرض لجزء منه؛ وبذلك يمكن الوقوف على الطريقة التي عالج بها الموضوع، والاستفادة منها في معالجة البحث؛ فقراءة الجيد من الأفكار والتعبيرات له دوره الفعال، ونتائجه السريعة على مستوى القارئ العلمي والفكري على السواء.
وأما المنهج: فإنه يتمثل في طريقة استخدام المعلومات في تكوين فكرة، وصياغة حكم من دون تقليد للغير، مستهدفًا إقناع القارئ والتأثير فيه، وهذا لا يتم إلا إذا سعى الباحث جاهدًا إلى تنظيم العرض، والتزام المنطق في مناقشاته وتقديم أدلته.
كتابة فصل أو موضوع من البحث يستدعي قبل عرض الآراء والاختلافات ومناقشتها التقديم بعرض محرر ومركز للموضوع، سهل الأسلوب، واضح الفكرة، بَيِّن المراد. ومن الضروري لإقناع القارئ الاستعانة بالتحليل العلمي الصادق للموضوع بصورة منطقية، في أسلوب سَوِي، ليس بالمسهب الطويل الذي يبعث على الملل، ولا الموجز القصير الذي لا يشبع نهم القارئ وتطلعه، ثم من بعد ذلك ينتقل إلى عرض الآراء المختلفة ومناقشتها.
1 Pickford and Smith، p.21.
وللمقارنة دور كبير في توضيح الأفكار وإبراز المعاني، خصوصًا إذا كانت مقارنة موضوعية ومنصفة. وبهذه الطريقة يكون القارئ قد أعد ذهنيًّا ونفسيًّا لمتابعة الموضوع وتفهمه في عناية واهتمام.
ليس مهمًّا كتابة بحث مطول وموسع؛ ولكن المهم حقيقة هو اكتشاف جانب معين، في شكل دقيق ومفصل، فالحجم والكم في البحث العلمي ليس ذا قيمة علمية.
إن دراسة موضوع محدد في تفصيل وشمول، أفضل بكثير من تقديم دراسات عامة حول موضوع واسع؛ فإن هذا لا يخدم البحث العلمي في اتجاهاته الحديثة.
تضمين البحث عناوين رئيسة وأخرى جانبية بدون إفراط؛ سيجعل من الموضوع صورة حية ناطقة.
والبحث العلمي في أي مرحلة من المراحل الجامعية هو الفرصة الثمينة لإبراز الأصالة الفكرية والتعبيرية على السواء.
أما المادة العلمية واختيارها: فقد سبق الحديث عنها1.
1 ص118 من هذا الكتاب.