الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
لهدم العقيدة الثانية. إنه يأخذ باعتراف خصومه هؤلاء ليثبت لهم جحودهم بهذا الإشراك
(1)
وهذا الخلط، فضلا عن منافاة ذلك للعقل. فالوحدة الدينية التي يدعو إليها القرآن تنبني على فكرة كانت موجودة من قبل وقائمة بالفعل، ولكنها كانت مغمورة تحت أنقاض الأفكار المناقضة. فيستخرجها القرآن من بين هذا كله ويعيد إليها صفاءها وينقيها من كل شائبة، وهو بهذا لا يخترعها ولا يكتشفها، فطريقته إذن قائمة على حذف الشوائب لا على إضافة الجديد.
فكرة الأسباب والمسببات:
وهكذا نرى - كما ألمحنا فيما سبق - أن قوة الفكرة الدينية لا تكمن في أصالتها بل على العكس، في طابعها المتأصل. إنها تدفعنا إلى الإيمان بها بنفس القوة التي تغوص بها جذورها في أعماق معتقدات آبائنا الأولين الموغلة في القدم.
ولهذا نرى القرآن - فضلا عن التدليل المنطقيّ السابق - يؤسس دعوته إلى التوحيد على تاريخ الأنبياء في كل الأزمنة السابقة
(2)
فيتجلى بوضوح أن العقل والنقل يشاركان القرآن في إثبات عقيدة التوحيد، ورفض الوثنية والإشراك على اختلاف صورهما
(3)
.
(1)
يا أَيُّهَا النّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ * الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة 22:21] وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللهُ بِضُرٍّ فَلا كاشِفَ لَهُ إِلاّ هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الأنعام: 17] يا أَيُّهَا النّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا [الحج: 73].
(2)
قالُوا نَعْبُدُ إِلهَكَ وَإِلهَ آبائِكَ إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ وَإِسْحاقَ إِلهاً واحِداً (البقرة - 133) ما كانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللهُ الْكِتابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللهِ وَلكِنْ كُونُوا رَبّانِيِّينَ بِما كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتابَ وَبِما كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ [آل عمران: 79] أَمِ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ آلِهَةً قُلْ هاتُوا بُرْهانَكُمْ هذا ذِكْرُ مَنْ مَعِيَ وَذِكْرُ مَنْ قَبْلِي .. وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلاّ نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلهَ إِلاّ أَنَا فَاعْبُدُونِ [الأنبياء: 24 - 25] مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هذا .. [الحج: 78] وَسْئَلْ مَنْ أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنا أَجَعَلْنا مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ [الزخرف: 45].
(3)
قُلْ أَرَأَيْتُمْ ما تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ أَرُونِي ماذا خَلَقُوا مِنَ الْأَرْضِ أَمْ لَهُمْ شِرْكٌ فِي السَّماواتِ ائْتُونِي بِكِتابٍ مِنْ قَبْلِ هذا أَوْ أَثارَةٍ مِنْ عِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ [الأحقاف: 4].
ولكن كيف يمكن أن نفسر أن قضية مثل هذه، تستند إلى المنطق ورسوخ الأصل، وتتجدد على الدوام بتعاليم الرسل الإيجابية - كيف يمكن أن تختفي بهذه السهولة من الأذهان لتحتل مكانها أفكار مناقضة لها؟ السبب هو أن الإنسان بطبيعته يشعر أنه مدفوع إلى الإعجاب بالقوة الخلاقة أينما وجدها، والمرحلة من الإعجاب إلى العبادة متصلة ولا تتضمن إلا اختلافا في الدرجة؛ فالشمس التي تضيء لنا الدنيا وتمنحنا الدفء والحياة؛ والشجرة التى تحمينا بظلها وتمنحنا ثمارها؛ والنبع الذي يتفجر بالماء من بين الصخور. كل هذه القوى الطبيعية، التي تتحرك في سكون وفاعلية، عجائب تأخذ بألباب المتأملين. وما بالك بالخوارق التي تتم على يد ساحر أو صانع للمعجزات؟ فبإرشاد من الحواس الخارجية، يميل الإدراك بسهولة إلى أن ينسب منشأ أية ظاهرة إلى المصدر المباشر الذي انطلقت منه. إنه ينسبها إلى الشيء التي انطلقت منه كأثر لسبب حقيقي فعال ومستقل، ولا يرتفع الإدراك من تأثير الظاهرة إلى مصدرها، ومن الملموس إلى المعقول، إلا بمجهود فكري إرادي. ونادرا ما يبذل هذا الجهد. ومن أول أهداف القرآن تزكية هذا المجهود بقوة، إذ يذكرنا دائما باستحالة خروج أي مخلوق من العدم من غير قوة خالقة؛ وباستحالة أن يخلق ذاته؛ أو أن يخلق أي شيء على الإطلاق في السماوات أو الأرض
(1)
. ولا حتى أية حشرة على فرض تضافر كل القوى والجهود لهذا الغرض
(2)
والأكثر من ذلك أنه إذا استولت ذبابة على شيء يملكه أقوى إنسان في الدنيا فلن يستطيع أن يستعيده منها
(3)
. فالجميع - ما عدا الله سبحانه وتعالى لا يملكون مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض لا بالمشاركة ولا
(1)
أَمْ خُلِقُوا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ أَمْ هُمُ الْخالِقُونَ * أَمْ خَلَقُوا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بَلْ لا يُوقِنُونَ [الطور: 35 - 36] أَيُشْرِكُونَ ما لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ * وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ [الأعراف: 190 - 191].
(2)
إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُباباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ [الحج: 73].
(3)
وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ [نفس الآية السابقة].