المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[باب قطع السرقة] - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٦

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ بُلُوغِ الصَّغِيرِ وَحَضَانَتِهِ فِي الصِّغَرِ]

- ‌[كِتَابُ الْعِتْقِ]

- ‌[بَابُ إِعْتَاقِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَشِرَاءِ الْقَرِيبِ وَالْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ]

- ‌[بَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ]

- ‌[بَابٌ فِي النُّذُورِ]

- ‌[كِتَابُ الْقِصَاصِ]

- ‌[كِتَابُ الدِّيَاتِ]

- ‌[بَابُ مَا لَا يُضَمَّنُ مِنَ الْجِنَايَاتِ]

- ‌[بَابُ الْقَسَامَةِ]

- ‌[بَابُ قَتْلِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالسِّعَايَةِ بِالْفَسَادِ]

- ‌[كِتَابُ الْحُدُودِ]

- ‌[بَابُ قَطْعِ السَّرِقَةِ]

- ‌[بَابُ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ]

- ‌[بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ]

- ‌[بَابُ مَا لَا يُدْعَى عَلَى الْمَحْدُودِ]

- ‌[بَابُ التَّعْزِيرِ]

- ‌[بَابُ بَيَانِ الْخَمْرِ وَوَعِيدِ شَارِبِهَا]

- ‌[كِتَابُ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ]

- ‌[بَابُ مَا عَلَى الْوُلَاةِ مِنَ التَّيْسِيرِ]

- ‌[بَابُ الْعَمَلِ فِي الْقَضَاءِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ]

- ‌[بَابُ رِزْقِ الْوُلَاةِ وَهَدَايَاهُمْ]

- ‌[بَابُ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ]

- ‌[كِتَابُ الْجِهَادِ]

- ‌[بَابُ إِعْدَادِ آلَةِ الْجِهَادِ]

- ‌[بَابُ آدَابِ السَّفَرِ]

- ‌[بَابُ الْكِتَابِ إِلَى الْكُفَّارِ وَدُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ]

- ‌[بَابُ الْقِتَالِ فِي الْجِهَادِ]

- ‌[بَابُ حُكْمِ الْأُسَرَاءِ]

- ‌[بَابُ الْأَمَانِ]

- ‌[بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَالْغُلُولِ فِيهَا]

- ‌[بَابُ الْجِزْيَةِ]

- ‌[بَابُ الصُّلْحِ]

- ‌[بَابُ إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ]

- ‌[بَابُ الْفَيْءِ]

- ‌[كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ]

الفصل: ‌[باب قطع السرقة]

3587 -

عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «أَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ، وَلَا تَأْخُذْكُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

ــ

3587 -

(وَعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: أَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ فِي الْقَرِيبِ وَالْبَعِيدِ) يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِمَا الْقُرْبُ وَالْبُعْدُ فِي النَّسَبِ أَوِ الْقُوَّةُ أَوِ الضَّعْفُ وَالثَّانِي أَنْسَبُ ; لِأَنَّ الْمَعْنَى أَقِيمُوا حُدُودَ اللَّهِ فِي كُلِّ أَحَدٍ (وَلَا تَأْخُذْكُمْ) بِالْجَزْمِ عَطْفٌ عَلَى أَقِيمُوا فَيَكُونُ نَهْيًا تَأْكِيدًا لِلْأَمْرِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ فَيَكُونُ خَبَرًا بِمَعْنَى النَّهْيِ (فِي اللَّهِ) أَيْ فِي إِجْرَاءِ حُكْمِهِ وَإِقَامَةِ حُدُودِهِ (لَوْمَةُ لَائِمٍ) أَيْ مَلَامَةُ أَحَدٍ مِنَ اللَّائِمِينَ الْمُوَافِقِينَ أَوِ الْمُخَالِفِينَ الْمُنَافِقِينَ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

ص: 2352

3588 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِقَامَةُ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فِي بِلَادِ اللَّهِ» . رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ.

ــ

3588 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( «إِقَامَةُ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ خَيْرٌ مِنْ مَطَرِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً فِي بِلَادِ اللَّهِ» ) أَيْ جَمِيعِهَا. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَذَلِكَ أَنَّ فِي إِقَامَتِهَا زَجْرًا لِلْخَلْقِ عَنِ الْمَعَاصِي، وَسَبَبًا لِفَتْحِ أَبْوَابِ السَّمَاءِ، وَفِي الْقُعُودِ عَنْهَا وَالتَّهَاوُنِ بِهَا انْهِمَاكٌ لَهُمْ فِي الْمَعَاصِي، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِأَخْذِهِمْ بِالْجَدْبِ وَإِهْلَاكِ الْخَلْقِ كَمَا وَرَدَ أَنَّ «الْحُبَارَى لَتَمُوتُ هَزْلًا بِذَنْبِ بَنِي آدَمَ» أَيْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْبِسُ الْقَطْرَ عَنْهَا بِشُؤْمِ ذُنُوبِكُمْ، وَخَصَّ الْحُبَارَى بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَبْعَدُ الطَّيْرِ نُجْعَةً فَرُبَّمَا تُذْبَحُ بِالْبَصْرَةِ وَيُوجَدُ فِي حَوْصَلَتِهَا الْحَبَّةُ الْخَضْرَاءُ وَبَيْنَ الْبَصْرَةِ وَبَيْنَ مَنَابِتِهَا مَسِيرَةُ أَيَّامٍ وَتَخْصِيصُ اللَّيْلَةِ بِالْأَمْطَارِ تَتْمِيمٌ لِمَعْنَى الْخِصْبِ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) أَيْ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

ص: 2352

3589 -

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ.

ــ

3589 -

(وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ) .

بَابُ قَطْعِ السَّرِقَةِ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ وَأَمَّا بِفَتْحَتِهَا فَجَمْعُ سَارِقٍ وَفِي الْمُغْرِبِ: سَرَقَ مِنْهُ مَالًا، وَسَرَقَ مَالًا سَرَقَا وَسَرِقَةً إِذَا أَخَذَهُ فِي خَفَاءٍ وَحِيلَةٍ، وَفَتْحُ الرَّاءِ فِي السَّرِقَةِ لُغَةٌ، وَأَمَّا السُّكُونُ فَلَمْ نَسْمَعْهُ، قَالَ الطِّيبِيُّ: وَالْإِضَافَةُ إِلَى الْمَفْعُولِ عَلَى حَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ قَطْعُ أَهْلِ السَّرِقَةِ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَهَى لُغَةُ أَخْذِ الشَّيْءِ مِنَ الْغَيْرِ عَلَى وَجْهِ الْخُفْيَةِ وَمِنْهُ اسْتِرَاقُ السَّمْعِ وَهُوَ أَنْ يَسْمَعَ مُسْتَخْفِيًا وَفِي الشَّرِيعَةِ هِيَ هَذَا أَيْضًا، وَإِنَّمَا زِيدَ عَلَى مَفْهُومِهَا قُيُودٌ فِي إِنَاطَةِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَإِذًا لَا شَكَّ أَنَّ أَخْذَ أَقَلَّ مِنَ النِّصَابِ خُفْيَةً سَرِقَةٌ شَرْعًا لَكِنْ لَمْ يُعَلِّقِ الشَّرْعُ بِهِ حُكْمَ الْقَطْعِ فَهِيَ شُرُوطٌ لِثُبُوتِ ذَلِكَ الْحُكْمِ الشَّرْعِيِّ، وَإِذَا قِيلَ: الشَّرْعِيَّةُ الْأَخْذُ خُفْيَةً مَعَ كَذَا وَكَذَا لَا يَحْسُنُ بَلِ السَّرِقَةُ الَّتِي عَلَّقَ بِهَا الشَّرْعُ وُجُوبَ الْقَطْعِ هِيَ أَخْذُ الْعَاقِلِ الْبَالِغِ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ أَوْ مِقْدَارَهَا خُفْيَةً عَمَّنْ هُوَ يَقْصِدُ لِلْحِفْظِ مِمَّا لَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ مِنَ الْمَالِ الْمُتَمَوَّلِ لِلْغَيْرِ مِنْ حِرْزٍ بِلَا شُبْهَةٍ وَتُعَمَّمُ الشُّبْهَةُ فِي التَّأْوِيلِ فَلَا يَقْطَعُ السَّارِقُ مِنَ السَّارِقِ وَلَا أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنَ الْآخَرِ أَوْ ذِي الرَّحِمِ وَالْأَصْلُ فِي وُجُوبِ الْقَطْعِ قَوْلُهُ تَعَالَى {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا} [المائدة: 38] .

ص: 2352

[بَابُ قَطْعِ السَّرِقَةِ]

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

3590 -

عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا تُقْطَعُ يَدُ سَارِقٍ إِلَّا بِرُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

3590 -

(عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَا تُقْطَعُ) بِالتَّأْنِيثِ وَالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّذْكِيرِ وَالْجَزْمِ (يَدُ السَّارِقِ) أَيْ جِنْسُهُ فَيَشْمَلُ السَّارِقَةَ أَوْ يُعْرَفُ حُكْمُهَا بِنَصِّ الْآيَةِ وَالْمُقَايَسَةِ وَالْمُرَادُ يَمِينُهُ لِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) أَيْ إِلَى الرُّسْغِ كَمَا سَيَأْتِي تَحْقِيقُهَا (إِلَّا بِرُبْعِ دِينَارٍ) بِضَمِّ الْبَاءِ وَيُسَكَّنُ، وَفِي رِوَايَةٍ فِي رُبُعِ دِينَارٍ، وَالْمَعْنَى بِسَبَبِهِ أَوْ لِأَجْلِهِ (فَصَاعِدًا) أَيْ فَمَا فَوْقَهُ مِنَ الزِّيَادَةِ، وَبِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ فِي أَنَّهُ لَا يُقْطَعُ فِيمَا دُونَ رُبُعٍ دِينَارٍ، وَكَانَ رُبُعُ الدِّينَارِ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ)

ص: 2352

وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا: «لَا يُقْطَعُ إِلَّا فِي دِينَارٍ» . عَلَى مَا سَيَأْتِي قَالَ النَّوَوِيُّ: اتَّفَقُوا عَلَى قَطْعِ يَدِ السَّارِقِ، وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِرَاطِ النِّصَابِ وَقَدْرِهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: النِّصَابُ رُبُعُ دِينَارٍ ذَهَبًا أَوْ مَا قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَبَى ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ فِي رِوَايَةٍ: يُقْطَعُ فِي رُبُعِ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ مَا قِيمَتُهُ أَحَدُهُمَا، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: لَا يُقْطَعُ إِلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ أَوْ مَا قِيمَتُهُ ذَلِكَ، وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ ; لِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَيَّنَ النِّصَابَ بِلَفْظِهِ فِي الْحَدِيثِ وَأَنَّهُ رُبُعُ دِينَارٍ، وَأَمَّا رِوَايَةُ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ فَمَحْمُولَةٌ عَلَى هَذَا الْقَدْرِ رُبُعُ دِينَارٍ فَصَاعِدًا أَوْ عَلَى أَنَّهَا قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ لَهَا، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ صَرِيحِ اللَّفْظِ فِي تَحْدِيدِ النَّصَّابِ لِلْمُحْتَمَلِ، بَلْ يَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى مُوَافَقَةِ لَفْظِهِ، وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى:«لَمْ تُقْطَعْ يَدُ سَارِقٍ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنِّ» ، فَمَحْمُولَةٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُبُعَ دِينَارٍ، وَأَمَّا مَا يَحْتَجُّ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةٍ جَاءَتْ:«قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ» ، وَفِي رِوَايَةٍ خَمْسَةٌ، فَهِيَ ضَعِيفَةٌ لَا يُعْمَلُ بِهَا لَوِ انْفَرَدَتْ فَكَيْفَ وَهَى مُخَالِفَةٌ لِصَرِيحِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّهُ كَانَتْ قِيمَتُهُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ اتِّفَاقًا لَا أَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ فِي قَطْعِ السَّارِقِ، وَأَمَّا رِوَايَةُ:«لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ» . فَقَالَ جَمَاعَةٌ: الْمُرَادُ بِهِمَا بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَحَبْلُ السَّفِينَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ، وَأَنْكَرَهُ الْمُحَقِّقُونَ، وَقَالُوا: لَيْسَ هَذَا السِّيَاقُ مَوْضِعَ اسْتِعْمَالِهِمَا بَلِ الْبَلَاغَةُ تَأْبَاهُ ; لِأَنَّهُ لَا يَذُمُّ فِي الْعَادَةِ مَنْ خَاطَرَ بِيَدِهِ فِي شَيْءٍ لَهُ قَدْرٌ وَإِنَّمَا يَذُمُّ مَنْ خَاطَرَ فِيمَا لَا قَدْرَ لَهُ، فَالْمُرَادُ التَّنْبِيهُ عَلَى عِظَمِ مَا خَسِرَ يَدَهُ فِي مُقَابَلَةِ حَقِيرٍ مِنَ الْمَالِ، فَرُبْعُ دِينَارٍ يُشَارِكُ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فِي الْحَقَارَةِ، فَالْمُرَادُ جِنْسُ الْبِيضِ وَجِنْسُ الْحِبَالِ، وَقِيلَ: هُوَ عَلَى عَادَةِ الْوُلَاةِ سِيَاسَةً لَا قَطْعًا جَائِزًا شَرْعًا وَقِيلَ: إِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ هَذَا عِنْدَ نُزُولِ آيَةِ السَّرِقَةِ مُجْمَلَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانِ نِصَابٍ ثُمَّ بَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ النِّصَابَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِالصَّوَابِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: اخْتُلِفَ فِي أَنَّهُ هَلْ يُقْطَعُ بِكُلِّ مِقْدَارٍ مِنَ الْمَالِ أَوْ بِمُعَيَّنٍ لَا يُقْطَعُ فِي أَقَلَّ مِنْهُ، فَقَالَ بِالْأَوَّلِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَدَاوُدُ وَالْخَوَارِجُ وَابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَلِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ الْحَدِيثَ. وَمَنْ سِوَى هَؤُلَاءِ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَعُلَمَاءِ الْأَقْطَارِ عَلَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ إِلَّا بِمَالٍ مُقَدَّرٍ لِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: «لَا قَطْعَ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . فَلَزِمَ فِي الْأَوَّلِ التَّأْوِيلُ بِالْحَبْلِ الَّذِي يَبْلُغُ عَشَرَةَ دَرَاهِمَ وَبَيْضَةً مِنَ الْحَدِيدِ، أَوِ النُّسَخُ وَلَوْ قِيلَ: وَنَسْخُهُ أَيْضًا لَيْسَ أَوْلَى مِنْ نَسْخِ مَا رَوَيْتُمْ قُلْنَا: لَا تَارِيخَ بَقِيَ وَجَّهَ أَوْلَوِيَّةَ الْحَمْلِ وَهُوَ مَعَ الْجُمْهُورِ فَإِنَّ مِثْلَهُ فِي بَابِ الْحُدُودِ مُتَعَيَّنٌ عِنْدَ التَّعَارُضِ ثُمَّ قَدْ نُقِلَ إِجْمَاعُ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَبِهِ يَتَقَيَّدُ إِطْلَاقُ الْآيَةِ، وَبِالْعَقْلِ إِنَّ الْحَقِيرَ مُطْلَقًا تَفْتُرُ الرَّغَبَاتُ فِيهِ فَلَا يُمْنَعُ أَصْلًا كَحَبَّةِ قَمْحٍ وَهُوَ مِمَّا يَشْمَلُهُ إِطْلَاقُ الْآيَةِ، وَكَذَا لَا يَخْفَى أَخْذُهُ فَلَا يَتَحَقَّقُ بِأَخْذِهِ رُكْنُ السَّرِقَةِ وَهُوَ الْأَخْذُ خُفْيَةً وَلَا حِكْمَةَ الزَّجْرِ أَيْضًا؛ لِأَنَّهَا فِيمَا يَغْلُبُ فَإِنَّ مَا يَغْلُبُ لَا يَحْتَاجُ إِلَى شَرْعِ الزَّاجِرِ؛ لِأَنَّهُ لَا يُتَعَاطَى فَلَا حَاجَةَ إِلَى الزَّجْرِ عَنْهُ فَهَذَا مُخَصَّصٌ عَقْلِيٌّ بَعْدَ كَوْنِهَا مَخْصُوصَةً بِمَا لَيْسَ مِنْ حِرْزٍ بِالْإِجْمَاعِ، ثُمَّ اخْتَلَفَ الشَّارِحُونَ لِمِقْدَارٍ مُعَيَّنٍ فِي تَعْيِينِهِ، فَذَهَبَ أَصْحَابُنَا فِي جَمَاعَةٍ مِنَ التَّابِعِينَ إِلَى أَنَّهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَذَهَبُ الشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ رُبُعُ دِينَارٍ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّهُ رُبُعُ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ لِمَا رَوَى مَالِكٌ فِي مُوَطَّئِهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَمْرَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ سَارِقًا سَرَقَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أُتْرُجَّةً، فَأَمَرَ بِهَا عُثْمَانُ، فَقُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ بِدِينَارٍ فَقَطَعَ عُثْمَانُ يَدَهُ قَالَ مَالِكٌ: أَحَبُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْقَطْعُ إِلَيَّ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ سَوَاءٌ ارْتَفَعَ الصَّرْفُ أَوِ اتَّضَعَ، وَذَلِكَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» ، وَعُثْمَانُ قَطَعَ فِي أُتْرُجَّةٍ قِيمَتُهَا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَهَذَا أَحَبُّ مَا سَمِعْتُهُ اه.

وَكَوْنُ مِجَنٍّ بِثَلَاثَةٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ، وَأَخْرَجَهُمَا الشَّيْخَانِ وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا عَنْ عَائِشَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:«لَا يُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ إِلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا» . غَيْرَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ: كَانَتْ قِيمَةُ الدِّينَارِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا فَالثَّلَاثَةُ رُبْعُهَا فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ عَائِشَةَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام: «اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ

ص: 2353

أَدْنَى عَنْ ذَلِكَ» . وَكَانَ رُبُعُ الدِّينَارِ يَوْمَئِذٍ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ، وَلَنَا أَنَّ الْأَخْذَ بِالْأَكْثَرِ فِي هَذَا الْبَابِ أَوْلَى احْتِيَالًا لِلدَّرْءِ، تَعْرِفُ أَنَّهُ قَدْ قِيلَ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ أَكْثَرُ مِمَّا ذُكِرَ وَهُوَ مَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَيْمَنَ، قَالَ:«لَمْ تُقْطَعِ الْيَدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَّا فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ وَثَمَنُهُ يَوْمَئِذٍ دِينَارٌ» ، وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَنُقِلَ عَنِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لِمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ: هَذِهِ سُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُقْطَعَ فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا، فَكَيْفَ قُلْتَ: لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إِلَّا فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ فَصَاعِدًا، فَقَالَ: قَدْ رَوَى شَرِيكٌ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنْ أَيْمَنَ ابْنِ أُمِّ أَيْمَنَ أَخِي أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ لِأُمِّهِ، وَأَنَّ الشَّافِعِيَّ أَجَابَ بِأَنَّ أَيْمَنَ قُتِلَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ مُجَاهِدٌ، قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْمَرَاسِيلِ: سَأَلْتُ أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ الْحُسَيْنُ بْنُ صَالِحٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنِ الْحَكَمِ، عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ، عَنْ أَيْمَنَ وَكَانَ فَقِيهًا قَالَ: تُقْطَعُ يَدُ السَّارِقِ فِي ثَمَنِ الْمِجَنِّ، وَكَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دِينَارًا قَالَ أَبِي: هُوَ مُرْسَلٌ. وَأَرَى أَنَّهُ وَالِدُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَيْمَنَ، وَلَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ، وَظَهَرَ بِهَذَا الْقَدْرِ أَنَّ أَيْمَنَ اسْمٌ لِلصَّحَابِيِّ، وَهُوَ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ، وَأَنَّهُ اسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِحُنَيْنٍ وَاسْمُ التَّابِعِيِّ آخَرُ، وَقَالَ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمُزَنِيُّ فِي كِتَابِهِ: أَيْمَنُ الْحَبَشِيُّ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ رَوَى عَنْ سَعْدٍ وَعَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَعَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ، ثُمَّ قَالَ: أَيْمَنُ مَوْلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ، وَقِيلَ: مَوْلَى ابْنِ أَبِي عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي السَّرِقَةِ إِلَى أَنْ قَالَ: وَعَنْهُ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ قَالَ النَّسَائِيُّ: مَا أَحْسَبُ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً، وَقَدْ جَعَلَهُ اسْمًا لِتَابِعَيْنِ وَأَمَّا ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ فَجَعَلَاهُمَا وَاحِدًا قَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ: أَيْمَنُ الْحَبَشِيُّ مَوْلَى ابْنِ أَبِي عُمَرَ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَرَوَى عَنْهُ عَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ وَابْنُهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ سَمِعْتُ أَبِي يَقُولُ ذَلِكَ، وَسُئِلَ أَبُو زُرْعَةَ عَنْ أَيْمَنَ وَالِدِ عَبْدِ الْوَاحِدِ، فَقَالَ: مَكِّيٌّ ثِقَةٌ. وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ: وَأَيْمَنُ بْنُ عُبَيْدٍ الْحَبَشِيُّ مَوْلًى لِابْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَخْزُومِيِّ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ، وَرَوَى عَنْ عَائِشَةَ، وَرَوَى عَنْهُ مُجَاهِدٌ وَعَطَاءٌ وَابْنُهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَيْمَنَ، وَكَانَ أَخَا أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ لِأُمِّهِ، وَهُوَ الَّذِي يُقَالُ لَهُ: أَيْمَنُ ابْنُ أُمِّ أَيْمَنَ مَوْلَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَمَنْ زَعَمَ أَنَّ لَهُ صُحْبَةً وَهِمَ حَدِيثُهُ فِي الْقَطْعِ مُرْسَلٌ فَهَذَا يُخَالِفُ الشَّافِعِيَّ وَغَيْرَهُ مِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّ أَيْمَنَ ابْنَ أُمِّ أَيْمَنَ قُتِلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ وَأَنَّهُ صَحَابِيٌّ حَيْثُ جَعَلَهُ مِنَ التَّابِعِينَ وَهَكَذَا قَوْلُ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي سُنَنِهِ: أَيْمَنُ لَا صُحْبَةَ لَهُ وَهُوَ مِنَ التَّابِعَيْنِ، وَلَمْ يُدْرِكْ زَمَانَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ وَهُوَ الَّذِي يَرْوِي أَنَّ ثَمَنَ الْمِجَنِّ دِينَارٌ، وَرَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْوَاحِدِ وَعَطَاءٌ وَمُجَاهِدٌ، وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ اخْتُلِفَ فِي أَيْمَنَ رَاوِي قِيمَةِ الْمِجَنِّ هَلْ هُوَ صَاحِبِيٌّ أَمْ تَابِعِيٌّ ثِقَةٌ فَإِنْ كَانَ صَحَابِيًّا فَلَا إِشْكَالَ، وَإِنْ كَانَ تَابِعِيًّا ثِقَةً كَمَا ذَكَرَ أَبُو زُرْعَةَ الْإِمَامُ الْعَظِيمُ الشَّأْنِ وَابْنُ حِبَّانَ فَحَدِيثُهُ مُرْسَلٌ، وَالْإِرْسَالُ لَيْسَ عِنْدَنَا، وَلَا عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ قَادِحًا بَلْ هُوَ حُجَّةٌ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ حِينَئِذٍ، وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي تَقْوِيمِ الْمِجَنِّ أَهُوَ ثَلَاثَةٌ أَوْ عَشْرَةٌ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِالْأَكْثَرِ هُنَا لَا يُجَابُ الشَّرْعُ الدَّرْءُ أَمْكَنُ فِي الْحُدُودِ، ثُمَّ يَقْوَى بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا بِسَنَدِهِ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، قَالَ:«كَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَشَرَةَ دَرَاهِمَ» . وَأَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا، وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، وَكَذَا إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فِي كِتَابِ اللُّقَطَةِ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«مَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ قَطَعْتُ يَدَ صَاحِبِهَا» . وَكَانَ ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَشْرَ دَرَاهِمَ، قَالَ الْمُصَنِّفُ يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ: وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: «لَا قَطْعَ إِلَّا فِي دِينَارٍ أَوْ عَشْرِ دَرَاهِمَ» . وَهَذَا بِهَذَا اللَّفْظِ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ، وَهُوَ مُرْسَلٌ عَنْهُ، وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَمِنْ طَرِيقِ الطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ، وَأَشَارَ إِلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فِي كِتَابِ الْجَامِعِ، فَقَالَ: وَقَدْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: لَا قَطْعَ إِلَّا فِي دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَهُوَ مُرْسَلٌ. رَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ، وَالْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَسْمَعْ مِنِ ابْنِ مَسْعُودٍ اه. وَهُوَ صَحِيحٌ ; لِأَنَّ الْكُلَّ مَا وَرَدَ إِلَّا عَنِ الْقَاسِمِ لَكِنَّ فِي مُسْنَدِ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مُقَاتِلٍ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، قَالَ:«كَانَ تُقْطَعُ الْيَدُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» . وَهَذَا مَوْصُولٌ وَفِي رِوَايَةِ خَلَفِ بْنِ يَاسِينَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عِنْدَمَا كَانَ الْقَطْعُ فِي عَشَرَةِ دَرَاهِمَ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خِسْرُو مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَرْفَعُهُ:«لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ» ، وَهَذَا مَوْصُولٌ مَرْفُوعٌ وَلَوْ كَانَ مَوْقُوفًا لَكَانَ لَهُ حُكْمُ الرَّفْعِ ; لِأَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ الشَّرْعِيَّةَ لَا دَخْلَ لِلْعَقْلِ فِيهَا فَالْمَوْقُوفُ فِيهَا مَحْمُولٌ عَلَى الرَّفْعِ الْمَرْفُوعِ.

ص: 2354

3591 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ:«قَطَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدَ السَّارِقِ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

3591 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ، قَالَ: قَطَعَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَدَ سَارِقٍ) أَيْ يَمِينَهُ مِنَ الرُّسْغِ (فِي مِجَنٍّ) بِكَسْرِ مِيمٍ وَفَتْحِ جِيمٍ وَتَشْدِيدِ النُّونِ وَهَى الْجُنَّةُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَالدَّرَقَةُ بِفَتْحَتَيْنِ وَالتُّرْسُ مِنَ الْجِنِّ إِذَا سُتِرَ (ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ) قَالَ الشَّمَنِيُّ: هُوَ مُعَارَضٌ بِمَا رَوَاهُ أَبُو شَيْبَةَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، قَالَ: ثَمَنُ الْمِجَنِّ عَشْرُ دَرَاهِمَ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَمَّا كَوْنُ الْمُرَادِ بِالْيَدِ الْيَمِينَ فَبِقِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ (فَاقْطَعُوا أَيْمَانَهُمَا) وَهِيَ مَشْكُورَةٌ كَانَ خَبَرًا مَشْهُورًا فَيُفِيدُ إِطْلَاقَ النَّصِّ فَهَذَا مِنْ تَقْيِيدِ الْمُطْلَقِ لَا مِنْ بَيَانِ الْمُجْمَلِ ; لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ لَا إِجْمَالَ فِي فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا، وَقَدْ قَطَعَ عليه الصلاة والسلام الْيَمِينَ، وَكَذَا أَصْحَابُهُ فَلَوْ لَمْ يَكُنِ التَّقْيِيدُ مُرَادًا لَمْ يَفْعَلْهُ، وَكَانَ يَقْطَعُ الْيَسَارَ وَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْيُمْنَى أَنْفَعُ مِنَ الْيَسَارِ؛ لِأَنَّهُ يَتَّمَكُنَّ بِهَا مِنَ الْأَعْمَالِ وَحْدَهَا مَا لَمْ يَتَمَكَّنْ بِهِ مِنَ الْيَسَارِ فَلَوْ كَانَ الْإِطْلَاقُ مُرَادًا وَالِامْتِثَالُ يَحْصُلُ بِكُلٍّ لَمْ يَقْطَعْ إِلَّا الْيَسَارَ عَلَى عَادَتِهِ مِنْ طَلَبِ الْأَيْسَرِ لَهُمْ مَا أَمْكَنَ، وَأَمَّا كَوْنُ الْقَطْعِ مِنَ الزَّنْدِ وَهُوَ مِفْصَلُ الرُّسْغِ، وَيُقَالُ لَهُ: الْكُوعُ ; لِأَنَّهُ الْمُتَوَاتِرُ وَمِثْلُهُ لَا يُطْلَبُ بِسَنَدٍ بِخُصُوصِهِ كَالْمُتَوَاتِرِ لَا يُبَالَى فِيهِ بِكُفْرِ النَّاقِلِينَ فَضْلًا عَنْ فِسْقِهِمْ أَوْ ضَعْفِهِمْ وَرُوِيَ فِيهَا خُصُوصُ مُتُونٍ مِنْهَا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي حَدِيثِ رَجَاءِ بْنِ صَفْوَانَ، قَالَ فِيهِ ثُمَّ أَمَرَ بِقَطْعِهِ مِنَ الْمِفْصَلِ وَضُعِّفَ بِالْعُذْرِيِّ وَابْنِ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ:«قَطَعَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَدَ سَارِقٍ مِنَ الْمِفْصَلِ» . فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَلَمَةَ قَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ: لَا أَعْرِفُ لَهُ حَالًا. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ رَجَاءِ بْنِ حَيْوَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ رَجُلًا مِنَ الْمِفْصَلِ» ، وَفِيهِ الْإِرْسَالُ وَفِيهِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَطَعَا مِنَ الْمِفْصَلِ وَانْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِيمَا نُقِلَ عَنْ شُذُوذٍ مِنَ الِاكْتِفَاءِ بِقَطْعِ الْأَصَابِعِ ; لِأَنَّ بِهَا الْبَطْشَ، وَعَنِ الْخَوَارِجِ الْقَطْعُ مِنَ الْمِنْكَبِ ; لِأَنَّ الْيَدَ اسْمٌ لِذَلِكَ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِثُبُوتِهِ، وَبِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ هُوَ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ وَهُمْ لَمْ يَقْدَحُوا فِي الْإِجْمَاعِ قَبْلَ الْفِتْنَةِ وَلِأَنَّ الْيَدَ تُطْلَقُ عَلَى مَا ذُكِرَ وَعَلَى مَا إِلَى الرُّسْغِ إِطْلَاقًا أَشْهَرَ مِنْهُ إِلَى الْمَنْكِبِ بَلْ صَارَ يَتَبَادَرُ مِنْ إِطْلَاقِ الْيَدِ فَكَانَ أَوْلَى بِاعْتِبَارِهِ وَلَإِنْ سَلِمَ اشْتِرَاكُ الِاسْمِ جَازَ كَوْنُ مَا إِلَى الْمَنْكِبِ وَهُوَ الْمُرَادُ وَمَا إِلَى الرُّسْغِ فَيَتَعَيَّنُ مَا إِلَى الرُّسْغِ دَرَأً لِلزَّائِدِ عِنْدَ احْتِمَالِ عَدَمِهِ. مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ص: 2355

3592 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ بَيْضَةً فَتُقْطَعَ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعَ يَدُهُ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

3592 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ قَالَ النَّوَوِيُّ: فِيهِ جَوَازُ لَعْنِ غَيْرِ الْمُعَيَّنِ مِنَ الْعُصَاةِ ; لِأَنَّهُ لَعَنَ الْجِنْسَ مُطْلَقًا قَالَ تَعَالَى: {أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ} [هود: 18] وَأَمَّا الْمُعَيَّنُ فَلَا يَجُوزُ لَعْنُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَعَلَّ الْمُرَادَ مِنَ اللَّعْنِ الْإِهَانَةُ وَالْخِذْلَانُ كَأَنَّهُ قِيلَ لَمَّا اسْتَعْمَلَ أَعَزَّ شَيْءٍ عِنْدَهُ فِي أَهْوَنِ شَيْءٍ وَأَحْقَرِهِ خَذَلَهُ اللَّهُ، وَأَهَانَهُ حَتَّى قُطِعَ (يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعَ) بِالتَّأْنِيثِ، وَيُذَكَّرُ (يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ) قِيلَ: الْمُرَادُ بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَحَبْلُ السَّفِينَةِ، وَقِيلَ: كَانَ الْقَطْعُ فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ، ثُمَّ نُسِخَ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ الْحَقِيرُ فَإِنَّ النَّصَّابَ يُشَارِكُ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فِي الْحَقَارَةِ وَقِيلَ الْحَقِيرُ يُؤَدِّي بِالِاعْتِيَادِ إِلَى الْقَطْعِ، وَيُفْضِي إِلَيْهِ، وَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهِ التَّهْدِيدُ، وَقِيلَ: يُقْطَعُ سِيَاسَةً وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .

ص: 2355

3593 -

عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» . رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّانِي

3593 -

(عَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ) بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِيمِ وَهُوَ يُطْلَقُ عَلَى الثِّمَارِ كُلِّهَا، وَيَغْلُبُ عِنْدَهُمْ عَلَى ثَمَرِ النَّخْلِ وَهُوَ الرُّطَبُ مَا دَامَ عَلَى رَأْسِ النَّخْلِ فِي النِّهَايَةِ الثَّمَرُ الرُّطَبُ مَا دَامَ عَلَى رَأْسِ النَّخْلَةِ، فَإِذَا قُطِعَ فَهُوَ الرُّطَبُ، فَإِذَا كَنَزَ بِالْكَافِ وَالنُّونِ وَالزَّايِ فَهُوَ التَّمْرُ (وَلَا كَثَرٍ) بِفَتْحِ الْكَافِ وَالْمُثَلَّثَةِ جُمَّارُ النَّخْلِ وَهُوَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ شَحْمُهُ الَّذِي فِي وَسَطِهِ وَهُوَ يُؤْكَلُ وَقِيلَ: هُوَ الْقَطْعُ أَوَّلَ مَا يَبْدُو وَهُوَ يُؤْكَلُ أَيْضًا (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إِلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ فَلَمْ يُوجِبِ الْقَطْعَ فِي سَرِقَةِ شَيْءٍ مِنَ الْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مُحْرَزَةً أَوْ غَيْرَ مُحْرَزَةٍ، وَقَاسَ عَلَيْهِ اللُّحُومَ وَالْأَلْبَانَ وَالْأَشْرِبَةَ وَالْخُبُورَ وَأَوْجَبَ الْآخَرُونَ الْقَطْعَ فِي جَمِيعِهَا إِذَا

ص: 2355

كَانَ مُحْرَزًا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ، وَتَأَوَّلَ الشَّافِعِيُّ الْحَدِيثَ عَلَى الثِّمَارِ الْمُعَلَّقَةِ غَيْرِ الْمُحْرَزَةِ، وَقَالَ: نَخِيلُ الْمَدِينَةِ لَا حَوَائِطَ لِأَكْثَرِهَا، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا كَانَ مُحْرَزًا يَجِبُ الْقَطْعُ بِسَرِقَتِهِ اه وَسَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَيْهِ وَفِي الْهِدَايَةِ: لَا قَطْعَ فِيمَا يُوجَدُ تَافِهًا مُبَاحًا فِي دَارِ الْإِسْلَامِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَيْ إِذَا سُرِقَ مِنْ حِرْزٍ لَا شُبْهَةَ فِيهِ بَعْدَ أَنْ أُخِذَ وَأُحْرِزَ وَصَارَ مَمْلُوكًا لِمَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: «لَمْ يَكُنِ السَّارِقُ يُقْطَعُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الشَّيْءِ التَّافِهِ» . زَادَ فِي مُسْنَدِهِ: «وَلَمْ يُقْطَعْ فِي أَدْنَى مِنْ ثَمَنِ جَحْفَةٍ أَوْ تُرْسٍ» . وَأَمَّا حَدِيثُ «لَا قَطْعَ فِي الطَّيْرِ» . لَا يُعْرَفُ رَفْعُهُ بَلْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ بِسَنَدٍ فِيهِ الْجُعْفِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَسَارٍ قَالَ: «أُتِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِرَجُلٍ قَدْ سَرَقَ دَجَاجَةً فَأَرَادَ أَنْ يَقْطَعَهُ فَقَالَ لَهُ سَلَمَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، قَالَ عُثْمَانُ: لَا قَطْعَ فِي الطَّيْرِ» . وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ، عَنْ زُهَيْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ حَفْصَةَ، قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بِرَجُلٍ قَدْ سَرَقَ طَيْرًا فَاسْتَفْتَى فِي ذَلِكَ السَّائِبَ بْنَ يَزِيدَ، فَقَالَ: مَا رَأَيْتُ أَحَدًا قَطَعَ فِي الطَّيْرِ، وَمَا عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ قَطْعٌ. فَتَرَكَهُ فَإِنْ كَانَ هَذَا مِمَّا لَا مَجَالَ لِلرَّأْيِ فِيهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ السَّمَاعِ، وَإِلَّا فَتَقْلِيدُ الصَّحَابِيِّ عِنْدَنَا وَاجِبٌ لِمَا عُرِفَ أَيْ فِي الْأُصُولِ.

ص: 2356

3594 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ «سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ قَالَ: مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ

ــ

3594 -

(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ) بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الرَّاءِ مَوْضِعٌ يُجْمَعُ فِيهِ التَّمْرُ لِلتَّجْفِيفِ وَهُوَ لَهُ كَالْبَيْدَرِ لِلْحِنْطَةِ كَذَا فِي النِّهَايَةِ (فَبَلَغَ ثَمَنُهُ الْمِجَنَّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ) قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ طَابَقَ هَذَا جَوَابًا عَنْ سُؤَالِهِ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ فَإِنْ سُئِلَ هَلْ يُقْطَعُ فِي سَرِقَةِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ وَكَانَ ظَاهِرُ الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ: لَا، فَلِمَ أَطْنَبْ ذَلِكَ الْإِطْنَابَ؟ قُلْتُ: لِيُجِيبَ عَنْهُ مُعَلِّلًا كَأَنَّهُ قِيلَ: لَا يُقْطَعُ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْرِقْ مِنَ الْحِرْزِ وَهُوَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ، قَالَ النَّوَوِيُّ: قَالُوا: الْحِرْزُ مَشْرُوطٌ فَلَا قَطْعَ إِلَّا فِيمَا سُرِقَ مِنْ حِرْزٍ وَالْمُعْتَبَرُ فِيهِ الْعُرْفُ فَمَا لَمْ يَعُدَّهُ الْعُرْفُ حِرْزًا لِذَلِكَ الشَّيْءِ فَلَيْسَ بِحِرْزٍ لَهُ وَيُشْتَرَطُ أَنْ لَا يَكُونَ لِلسَّارِقِ فِي الْمَسْرُوقِ شُبْهَةٌ وَإِنْ كَانَتْ لَمْ يُقْطَعْ وَيُشْتَرَطُ أَنْ يُطَالِبَهُ الْمَسْرُوقُ مِنْهُ بِالْمَالِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا قَطْعَ فِيمَا يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ كَاللَّبَنِ وَاللَّحْمِ وَالْخُبْزِ وَالْفَوَاكِهِ الرَّطْبَةِ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ: يُقْطَعُ بِهَا، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام مِنْ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام «سُئِلَ عَنِ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: مَنْ أَصَابَ بِفِيهِ مِنْ ذِي حَاجَةٍ غَيْرَ مُتَّخِذٍ خُبْنَةً فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَمَنْ خَرَجَ بِشَيْءٍ مِنْهُ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ، وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا بَعْدَ أَنْ يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ» . أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ ابْنِ عَجْلَانَ وَعَنِ الْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَخْنَسِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ، وَأَخْرَجَهُ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَهِشَامِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ بِهِ، وَفِيهِ رِوَايَةٌ «أَنَّ رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنِ الْحَرِيسَةِ الَّتِي تُؤْخَذُ مِنْ مَرَاتِعِهَا، فَقَالَ: فِيهَا ثَمَنُهَا مَرَّتَيْنِ، وَضَرْبٌ وَنَكَالٌ، وَمَا أُخِذَ مِنْ عَطَنِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ إِذَا بَلَغَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ. قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالثِّمَارُ وَمَا أُخِذَ مِنْ أَكْمَامِهَا، فَقَالَ: مَنْ أَخَذَ بِفِيهِ وَلَمْ يَتَّخِذْ خُبْنَةً فَلَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنِ احْتَمَلَ الْمِجَنَّ فَعَلَيْهِ ثَمَنُهُ مَرَّتَيْنِ وَضَرْبٌ وَنَكَالٌ، وَمَا أُخِذَ مِنْ أَجْرَانِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَفِيهِ لَفْظُهُ: «مَا تَرَى فِي الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ، فَقَالَ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الثَّمَرِ الْمُعَلَّقِ قَطْعٌ إِلَّا مَا أَوَاهُ الْجَرِينُ، فَمَا أُخِذَ مِنَ الْجَرِينِ فَبَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ فَفِيهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَجَلَدَاتٌ وَنَكَالٌ» . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِهَذَا الْمَتْنِ، وَقَالَ: قَالَ إِمَامُنَا إِسْحَاقُ ابْنُ رَاهَوَيْهِ إِذَا كَانَ الرَّاوِي عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ثِقَةً فَهُوَ كَأَيُّوبَ، عَنْ نَافِعٍ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ، وَوَقَفَهُ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ، وَقَالَ: لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنَ الثِّمَارِ قَطْعٌ حَتَّى يَأْوِيَ الْجَرِينَ. وَأَخْرَجَهُ عَنِ ابْنِ عُمَرَ مِثْلَهُ سَوَاءٌ أَجَابَ بِأَنَّهُ أُخْرِجَ عَلَى وَفْقِ الْعَادَةِ أَوِ الَّذِي يُؤْوِيهِ الْجَرِينُ فِي عَادَتِهِمْ هُوَ الْيَابِسُ مِنَ

ص: 2356

الثَّمَرِ وَفِيهِ الْقَطْعُ لَكِنْ مَا فِي الْمُغْرِبِ مِنْ قَوْلِهِ: الْجَرِينُ الْمِرْبَدُ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَبْقَى فِيهِ الرُّطَبُ لِيَجِفَّ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ فِيهِ الرُّطَبُ فِي زَمَانٍ وَهُوَ أَوَّلُ وَضْعِهِ وَالْيَابِسُ هُوَ الْكَائِنُ فِي آخِرِ حَالِهِ فِيهِ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ مُعَارَضٌ بِإِطْلَاقِ قَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم:«لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» . وَقَوْلِهِ: «لَا قَطْعَ فِي الطَّعَامِ» . أَمَّا الْأَوَّلُ فَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ، عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ حِبَّانَ، عَنْ عَمِّهِ وَاسِعِ بْنِ حِبَّانَ «أَنَّ غُلَامًا سَرَقَ وَدِيًّا مِنْ حَائِطٍ فَرُفِعَ إِلَى مَرْوَانَ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهِ، فَقَالَ رَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ، قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ» . وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْقِسْمِ الْأَوَّلِ، وَفِي الْقَسَمِ الثَّانِي، قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ: هَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُ، وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ وَاسِعًا اه. وَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَالْحَاصِلُ أَنَّهُ تَعَارَضَ الِانْقِطَاعُ وَالْوَصْلُ فَالْوَصْلُ أَوْلَى لِمَا عُرِفَ أَنَّهُ زِيَادَةٌ مِنَ الرَّاوِي الثِّقَةِ، وَقَدْ تَلَقَّتِ الْأُمَّةُ هَذَا الْحَدِيثَ بِالْقَبُولِ، وَقَدْ تَعَارَضَ فِي الرُّطَبِ الْمَوْضُوعِ فِي الْجَرِينِ وَفِي مِثْلِهِ مِنَ الْحُدُودِ يَجِبُ تَقْدِيمُ مَا يَمْنَعُ الْحَدَّ دَرْءًا لِلْحَدِّ، وَلِأَنَّ مَا تَقَدَّمَ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ فَإِنَّهُ لَا يُضْمَنُ الْمَسْرُوقُ لِمِثْلَيْ قِيمَتِهِ وَإِنْ نُقِلَ عَنْ أَحْمَدَ فَعُلَمَاءُ الْأُمَّةِ عَلَى خِلَافِهِ لِأَنَّهُ لَا يَبْلُغُ قُوَّةَ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى {فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ} [البقرة: 194] فَلَا يَصِحُّ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام ذَلِكَ فَفِيهِ دَلَالَةُ الضَّعْفِ أَوِ النَّسْخِ فَيَنْفَرِدُ هَذَا الْحَدِيثُ فَبَطَلَ قَوْلُ مَنْ قَالَ: يَتَقَيَّدُ حَدِيثُ الثَّمَرِ وَالْكَثَرِ بِهَذَا التَّفْصِيلِ يَعْنِي تَفْصِيلَ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بَيْنَ أَنْ يَأْكُلَهُ مِنْ أَعْلَى النَّخْلِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ أَوْ يُخْرِجَهُ فَفِيهِ ضِعْفُ قِيمَتِهِ وَجَلَدَاتٌ وَنَكَالٌ أَوْ يَأْخُذَ مِنْ بَيْدَرِهِ فَيُقْطَعَ.

وَأَمَّا الْحَدِيثُ الثَّانِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «إِنِّي لَا أَقْطَعُ فِي الطَّعَامِ» . وَذَكَرَهُ عَبْدُ الْحَقِّ وَلَمْ يُعِلَّهُ بِغَيْرِ الْإِرْسَالِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعِلَّةٍ عِنْدَنَا فَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمُوجِبِهِ، فَحِينَئِذٍ يَجِبُ اعْتِبَارُهُ فِي غَيْرِ مَحَلِّ الْإِجْمَاعِ، وَلَمَّا كَانَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُ يُقْطَعُ فِي الْحِنْطَةِ وَالسُّكَّرِ لَزِمَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا يَتَصَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ كَالْمُهَيَّأِ لِلْأَكْلِ مِنْهُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ كَاللَّحْمِ وَالثِّمَارِ الرَّطْبَةِ مُطْلَقًا فِي الْجَرِينِ وَغَيْرِهِ، هَذَا وَالْقَطْعُ فِي الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا إِجْمَاعًا إِنَّمَا هُوَ فِي غَيْرِ سَنَةِ الْقَحْطِ أَمَّا فِيهَا فَلَا سَوَاءَ مِمَّا كَانَ يَتَسَارَعُ إِلَيْهِ الْفَسَادُ أَوَّلًا لِأَنَّهُ عَنْ ضَرُورَةٍ ظَاهِرًا وَهَى تُبِيحُ التَّنَاوُلَ وَعَنْهُ عليه الصلاة والسلام:«لَا قَطْعَ فِي مَجَاعَةِ مُضْطَرٍّ» . وَعَنْ عُمَرَ لَا قَطْعَ فِي عَامِ سَنَةٍ.

ص: 2357

3595 -

وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ:«لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَفِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ فَإِذَا آوَاهُ الْمُرَاحُ وَالْجَرِينُ فَالْقَطْعُ فِيمَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنِّ» . رَوَاهُ مَالِكٌ.

ــ

3595 -

(وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي حُسَيْنٍ الْمَكِّيِّ) وَفِي نُسْخَةٍ عَنْ بَدَلَ ابْنٍ وَالصَّوَابُ هُوَ الْأَوَّلُ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ قُرَشِيٌّ تَابِعِيٌّ رَوَى عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ وَسَمِعَ نَفَرًا مِنَ التَّابِعِينَ، وَرَوَى عَنْ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَةَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، قَالَ: لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ مُعَلَّقٍ وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ أَيْ مَحْرُوسَةُ جَبَلٍ وَهَى دَابَّةٌ تَرْعَى فِي الْجَبَلِ، وَلَهَا مَنْ يَحْفَظُهَا، وَقِيلَ: الْحَرِيسَةُ الشَّاةُ الْمَسْرُوقَةُ لَيْلًا، وَإِنَّمَا أُضِيفَتْ إِلَى الْجَبَلِ ; لِأَنَّ السَّارِقَ يَذْهَبُ بِهَا إِلَى الْجَبَلِ لِتَكُونَ أَحْرَزَ مِنَ الْمَطَالِبِ، فِي النِّهَايَةِ: وَمِنْهُ الْحَدِيثُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ حَرِيسَةِ الْجَبَلِ قَالَ: فِيهَا غُرْمُ مِثْلَيْهَا وَجَلَدَاتٌ نَكَالًا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَإِنْ سَرَقَ مِنَ الْقِطَارِ بَعِيرًا أَوْ حِمْلًا لَمْ يُقْطَعْ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِحِرْزٍ مَقْصُودٍ فَيُمْكِنُ فِيهِ شُبْهَةُ الْعَدَمِ وَهَذَا ; لِأَنَّ السَّائِقَ وَالْقَائِدَ وَالرَّاكِبَ يَقْصِدُونَ قَطْعَ الْمَسَافَةِ وَنَقْلَ الْأَمْتِعَةِ دُونَ الْحِفْظِ حَتَّى لَوْ كَانَ مَعَ الْأَحْمَالِ مَنْ يَتْبَعُهَا لِلْحِفْظِ، قَالُوا: يُقْطَعُ وَإِنْ شَقَّ الْحِمْلَ وَأَخَذَ مِنْهُ قُطِعَ ; لِأَنَّ الْجُوَالِقَ فِي مِثْلِ هَذَا حِرْزٌ لِأَنَّهُ يَقْصِدُ بِوَضْعِ الْأَمْتِعَةِ فِيهِ صِيَانَتَهَا كَالْكَمِّ فَوَجَدَ الْأَخْذَ مِنَ الْحِرْزِ فَيُقْطَعُ وَعِنْدَ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ كُلٌّ مِنَ الرَّاكِبِ وَالسَّائِقِ هُمْ حِرْزٌ فَيُقْطَعُ فِي أَخْذِ الْجَمَلِ وَالْجُوَالِقِ وَالشِّقِّ ثُمَّ الْأَخْذُ وَأَمَّا الْقَائِدُ فَحَافِظٌ لِلْحِمْلِ، الَّذِي زِمَامُهُ بِيَدِهِ فَقَطْ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ إِذَا كَانَ بِحَيْثُ يَرَاهَا إِذَا الْتَفَتَ إِلَيْهَا حَافِظٌ لِلْكُلِّ فَالْكُلُّ مُحْرَزَةٌ عِنْدَهُمْ بِقَوَدِهِ وَفَرْضُ أَنَّ قَصْدَهُ قَطْعُ الْمَسَافَةِ وَنَقْلُ الْأَمْتِعَةِ لَا يُنَافِي أَنْ يَقْصِدَ الْحِفْظَ مَعَ ذَلِكَ بَلِ الظَّاهِرُ ذَلِكَ فَوَجَبَ اعْتِبَارُهُ وَالْعَمَلُ بِهِ وَكَوْنُهُ عليه الصلاة والسلام لَمْ يُوجِبِ الْقَطْعَ فِي حَرِيسَةِ الْجَبَلِ يُحْمَلُ عَلَى تَرْكِ الرَّاعِي إِيَّاهَا فِي الْمَرْعَى وَغَيْبَتِهِ عَنْهَا أَوْ مَعَ نَوْمِهِ. اه وَبِهَذَا يَظْهَرُ فَسَادُ قَوْلِ الطِّيبِيِّ كَمَا لَا يَخْفَى (فَإِذَا آوَاهُ) بِالْمَدِّ وَالضَّمِيرِ الْمُفْرَدِ بِاعْتِبَارِ الْمَذْكُورِ (الْمُرَاحُ) بِضَمِّ

ص: 2357

الْمِيمِ وَهُوَ مَا تَأْوِي إِلَيْهِ الْإِبِلُ وَالْغَنَمُ إِلَيْهِ لِلْحِرْزِ، وَيُقَالُ لِلشَّاةِ الَّتِي يُدْرِكُهَا اللَّيْلُ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إِلَى مُرَاحِهَا حَرِيسَةٌ وَفُلَانٌ يَأْكُلُ الْحَرِيسَاتِ إِذَا سَرَقَ أَغْنَامَ النَّاسِ فَأَكَلَهَا، وَالِاحْتِرَاسُ أَنْ يُسْرَقَ الشَّيْءُ مِنَ الْمَرْعَى كَذَا فِي النِّهَايَةِ (وَالْجَرِينُ) مَوْضِعُ التَّمْرِ الَّذِي يُجَفَّفُ، وَفِي نُسَخِ الْمُوَطَّأِ أَوِ الْجَرِينُ فَالْوَاوُ هُنَا بِمَعْنَى أَوْ لِلتَّنْوِيعِ (فَالْقَطْعُ) أَيْ لَازِمٌ (فِيمَا بَلَغَ) أَيْ كُلٌّ مِنْهُمَا (ثَمَنَ الْمِجَنِّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَالْمَعْنَى فِي قَوْلِهِ: حَتَّى يُؤْوِيَهُ الْجَرِينُ أَيِ الْمِرْبَدُ حَتَّى يَجِفَّ أَيْ حَتَّى يَتِمَّ إِبْرَاءُ الْجَرِينِ إِيَّاهُ وَعِنْدَ ذَلِكَ يُنْقَلُ عَنْهُ، وَيُدْخَلُ الْحِرْزَ وَإِلَّا فَنَفْسُ الْجَرِينِ لَيْسَ حِرْزًا لِيَجِبَ الْقَطْعُ بِالْأَخْذِ مِنْهُ اللَّهُمَّ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ حَارِسٌ مُتَرَصِّدٌ (رَوَاهُ مَالِكٌ) كَانَ حَقُّ الْمُصَنِّفِ أَنْ يَقُولَ مُرْسَلًا لِمَا عَرَفْتَ أَنَّ الْمَرْوِيَّ عَنْهُ تَابِعِيٌّ نَقَلَهُ مَوْصُولًا أوَلَمْ يَذْكُرِ الصِّحَابِيُّ ثَلَاثَةً ثُمَّ قَالَ الطِّيبِيُّ: الثَّالِثُ عَبْدُ اللَّهِ وَالرَّابِعُ وَالْخَامِسُ وَالسَّادِسُ جَابِرٌ وَالسَّابِعُ بُسْرٌ بِمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنَ الْأَصْلِ حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْأُصُولِ الْمُعْتَمَدَةِ وَالنُّسَخِ الْمُصَحَّحَةِ، وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بِالسَّادِسِ حَدِيثَ صَفْوَانَ وَيَكُونُ قُصُورٌ فِي تَعْبِيرِ الطِّيبِيِّ.

ص: 2358

3596 -

وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً مَشْهُورَةً فَلَيْسَ مِنَّا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

ــ

3596 -

(وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ قَطْعٌ) النَّهْبُ هُوَ الْأَخْذُ عَلَى وَجْهِ الْعَلَانِيَةِ قَهْرًا وَهُوَ وَإِنْ كَانَ أَقْبَحَ مِنْ أَخْذِهِ سِرًّا لَكِنْ لَيْسَ عَلَيْهِ قَطْعٌ بِعَدَمِ إِطْلَاقِ السَّرِقَةِ عَلَيْهِ (وَمَنِ انْتَهَبَ نُهْبَةً) بِضَمِّ النُّونِ الْمَالُ الَّذِي يُنْهَبُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِالْفَتْحِ وَيُرَادُ بِهَا الْمَصْدَرُ (مَشْهُورَةً) أَيْ ظَاهِرَةً غَيْرَ مَخْفِيَّةٍ صِفَةٌ كَاشِفَةٌ (فَلَيْسَ مِنَّا) أَيْ مِنْ أَهْلِ طَرِيقَتِنَا أَوْ مَنْ مِلَّتِنَا زَجْرًا (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

ص: 2358

3597 -

وَعَنْهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: «لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ» .

رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.

ــ

3597 -

(وَعَنْهُ) أَيْ عَنْ جَابِرٍ (عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هُوَ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْخِيَانَةِ وَهُوَ أَنْ يُؤْتَمَنَ عَلَى شَيْءٍ بِطَرِيقِ الْعَارِيَةِ وَالْوَدِيعَةِ فَيَأْخُذَهُ وَيَدَّعِيَ ضَيَاعَهُ أَوْ يُنْكِرَ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَهُ وَدِيعَةٌ أَوْ عَارِيَةٌ، وَعَلَيْهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ بِقُصُورِ الْحِرْزِ لِأَنَّهُ قَدْ كَانَ فِي يَدِ الْخَائِنِ وَحِرْزِهِ لَا حِرْزِ الْمَالِكِ عَلَى الْخُلُوصِ وَذَلِكَ لِأَنَّ حِرْزَهُ وَإِنْ كَانَ حِرْزَ الْمَالِكِ فَإِنَّهُ أَحْرَزَهُ بِإِيدَاعِهِ عِنْدَهُ لَكِنَّهُ حِرْزٌ مَأْذُونٌ لِلسَّارِقِ فِي دُخُولِهِ (وَلَا مُنْتَهِبٍ) لِأَنَّهُ مُجَاهِرٌ بِفِعْلِهِ لَا مُخْتَفٍ فَلَا سَرِقَةَ وَلَا قَطْعَ (وَلَا مُخْتَلِسٍ) ، لِأَنَّهُ الْمُخْتَطِفُ لِلشَّيْءِ مِنَ الْبَيْتِ وَيَذْهَبُ أَوْ مِنْ يَدِ الْمَالِكِ، فِي الْمُغْرِبِ: الِاخْتِلَاسُ أَخْذُ الشَّيْءِ مِنْ ظَاهِرٍ بِسُرْعَةٍ وَقَوْلُهُ (قَطْعٌ) اسْمُ لَيْسَ قَالَ الْمُظْهِرُ: لَيْسَ عَلَى الْمُغِيرِ وَالْمُخْتَلِسِ وَالْخَائِنِ قَطْعٌ وَلَوْ كَانَ الْمَأْخُوذُ نِصَابًا أَوْ قِيمَتَهُ ; لِأَنَّ شَرْطَهُ إِخْرَاجُ مَا هُوَ نِصَابٌ أَوْ قِيمَتُهُ مِنَ الْحِرْزِ أَيْ بِخُفْيَةٍ، وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ: شَرَعَ اللَّهُ تَعَالَى إِيجَابَ الْقَطْعِ عَلَى السَّارِقِ وَلَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ فِي غَيْرِهَا كَالِاخْتِلَاسِ وَالِانْتِهَابِ وَالْغَصْبِ ; لِأَنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إِلَى السَّرِقَةِ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِرْجَاعُ هَذَا النَّوْعِ بِالِاسْتِغَاثَةِ إِلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ وَتَسْهِيلِ إِقَامَةِ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهِ بِخِلَافِهَا فَيَعْظُمُ أَمْرُهَا وَاشْتَدَّتْ عُقُوبَتُهَا لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ عَنْهَا (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَاهُ الْأَرْبَعَةُ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَسَكَتَ عَنْهُ ابْنُ الْقَطَّانِ وَعَبْدُ الْحَقِّ فِي أَحْكَامِهِ وَهُوَ تَصْحِيحٌ مِنْهُمَا، وَتَعْلِيلُ أَبِي دَاوُدَ مَرْجُوحٌ بِذَلِكَ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ لَيْسَ عَلَى الْمُنْتَهِبِ وَلَا عَلَى الْمُخْتَلِسِ وَلَا عَلَى الْخَائِنِ قَطْعٌ. رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْأَرْبَعَةُ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَذَا مَذْهَبُنَا وَعَلَيْهِ بَاقِي الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَائِشَةَ وَمِنَ الْعُلَمَاءِ مَنْ حَكَى الْإِجْمَاعَ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ، لَكِنَّ مَذْهَبَ إِسْحَاقَ ابْنِ رَاهَوَيْهِ وَرِوَايَةَ أَحْمَدَ فِي جَاحِدِ الْعَارِيَةِ أَنَّهُ يُقْطَعُ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ:«أَنَّ امْرَأَةً كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَطْعِهَا» . وَجَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ أَخَذُوا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَأَجَابُوا عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّ الْقَطْعَ كَانَ لِسَرِقَةٍ صَدَرَتْ مِنْهَا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُتَّصِفَةً مَشْهُورَةً بِجَحْدِ الْعَارِيَةِ فَعَرَّفَتْهَا عَائِشَةُ بِوَصْفِهَا الْمَشْهُورِ فَالْمَعْنَى امْرَأَةٌ كَانَ وَصْفُهَا جَحْدَ الْعَارِيَةِ سَرَقَتْ، فَأَمَرَ بِقَطْعِهَا بِدَلِيلِ أَنَّ فِي قِصَّتِهَا أَنَّ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ شَفَعَ فِيهَا، الْحَدِيثَ، وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا حَادِثَةٌ وَاحِدَةٌ لِامْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ ; لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّعَدُّدِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ خُصُوصًا وَقَدْ تَلَقَّتِ الْأُمَّةُ الْحَدِيثَ الْآخَرَ بِالْقَبُولِ وَالْعَمَلِ بِهِ فَلَوْ فُرِضَ أَنَّهَا لَمْ تَسْرِقْ عَلَى مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنِ اللَّيْثِ، حَدَّثَنَا يُونُسُ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ، قَالَ: كَانَ عُرْوَةُ

ص: 2358

يُحَدِّثُ «أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ: اسْتَعَارَتْ مِنِّي حُلِيًّا عَلَى أَلْسِنَةِ أُنَاسٍ يُعْرَفُونَ وَلَا تُعْرَفُ هِيَ فَبَاعَتْهُ فَأُخِذَتْ فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرَ بِقَطْعِ يَدِهَا وَهَى الَّتِي شَفَعَ فِيهَا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ، وَقَالَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا قَالَ» . كَانَ حَدِيثُ جَابِرٍ مُقَدَّمًا فَيُحْمَلُ الْقَطْعُ بِجَحْدِ الْعَارِيَةِ عَلَى النَّسْخِ، وَكَذَا حُمِلَ عَلَى أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ وَأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَطَعَ امْرَأَةً بِجَحْدِ الْمَتَاعِ وَأُخْرَى بِالسَّرِقَةِ فَيُحْمَلُ عَلَى نَسْخِ الْقَطْعِ بِالْعَارِيَةِ لِمَا قُلْنَا، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ، حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نُمَيْرٍ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ رُكَانَةَ، عَنْ أُمِّهِ عَائِشَةَ بِنْتِ مَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ، عَنْ أَبِيهَا، قَالَ:«لَمَّا سَرَقَتِ الْمَرْأَةُ تِلْكَ الْقَطِيفَةَ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَغْضَبَنَا ذَلِكَ، وَكَانَتِ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ، فَجِئْنَا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لِنُكَلِّمَهُ، فَقُلْنَا: نَحْنُ نَفْدِيهَا بِأَرْبَعِينَ وُقِيَّةً، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم: تَطَهُّرُهَا خَيْرٌ لَهَا، فَأَتَيْنَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ، فَقُلْنَا لَهُ: كَلِّمْ لَنَا رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا كَلَّمَهُ قَالَ: مَا إِكْثَارُكُمْ عَلَيَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ، وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا» . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ: هَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ الْأَسْوَدِ، وَقِيلَ: هِيَ أُمُّ عُمَيْرٍ بِنْتُ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسْوَدِ أُخْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُفْيَانَ.

ص: 2359

3598 -

وَرُوِيَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: «أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ، فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ، وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ، فَجَاءَ سَارِقٌ، وَأَخَذَ رِدَاءَهُ، فَأَخَذَهُ صَفْوَانُ، فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَرَ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ. فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا، هُوَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ» .

ــ

3598 -

(وَرَوَى) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ (أَنَّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيَّةَ) بِالتَّصْغِيرِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ خَلَفٍ الْجُمَحِيُّ الْقُرَشِيُّ «هَرَبَ يَوْمَ الْفَتْحِ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ - وَابْنُهُ وَهْبُ بْنُ عُمَيْرٍ - رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَأَمَّنَهُ وَأَعْطَاهُمَا رِدَاهُ أَمْنًا لَهُ، فَأَدْرَكَهُ وَهْبٌ، فَرَدَّهُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَلَمَّا وَقَفَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ: إِنَّ هَذَا وَهْبَ بْنَ عُمَيْرٍ زَعَمَ أَنَّكَ أَمَّنْتَنِي عَلَى أَنَّ أَسِيرَ شَهْرَيْنِ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: انْزِلْ أَبَا وَهْبٍ، فَقَالَ: لَا حَتَّى تُبَيِّنَ لِي، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: انْزِلْ فَلَكَ أَنْ تَسِيرَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ، فَنَزَلَ وَخَرَجَ مَعَهُ إِلَى حُنَيْنٍ فَشَهِدْنَا وَشَهِدَ الطَّائِفَ كَافِرًا وَأَعْطَاهُ مِنَ الْغَنَائِمِ فَأَكْثَرَ، فَقَالَ صَفْوَانُ: أَشْهَدُ بِاللَّهِ مَا طَابَ بِهَذَا إِلَّا نَفْسُ نَبِيٍّ، فَأَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ، وَأَقَامَ بِمَكَّةَ، ثُمَّ هَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، فَنَزَلَ عَلَى الْعَبَّاسِ، فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ» ، وَكَانَ صَفْوَانُ أَحَدَ أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَفْصَحَهُمْ لِسَانًا، وَكَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ (قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَامَ فِي الْمَسْجِدِ) أَيْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا كَمَا سَيَأْتِي (وَتَوَسَّدَ رِدَاءَهُ) أَيْ جَعَلَ رِدَاءَهُ وِسَادَةً تَحْتَ رَأْسِهِ، فِي الْهِدَايَةِ: الْأَصَحُّ أَنَّ وَضْعَ الشَّيْءِ تَحْتَ الرَّأْسِ حِرْزٌ، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْإِخْرَاجُ مِنَ الْحِرْزِ شَرْطٌ عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَعَنْ عَائِشَةَ وَالْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ: أَنَّ مَنْ جَمَعَ الْمَالَ فِي الْحِرْزِ قُطِعَ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ بِهِ، وَعَنِ الْحَسَنِ مِثْلُ قَوْلِ الْجَمَاعَةِ، وَعَنْ دَاوُدَ لَا يُعْتَبَرُ الْحِرْزُ أَصْلًا، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ ثَابِتَةٌ عَمَّنْ نُقِلَتْ عَنْهُ، وَلَا يُقَالُ لِأَهْلِ الْعِلْمِ إِلَّا مَا ذَكَرْنَا فَهُوَ كَالْإِجْمَاعِ، قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ: ثُمَّ هُوَ أَيِ الْحِرْزُ عَلَى نَوْعَيْنِ حِرْزٌ بِالْمَكَانِ كَالدُّورِ وَالْبُيُوتِ، وَقَدْ يَكُونُ بِالْحَافِظِ وَهُوَ بَدَلٌ عَنِ الْأَمَاكِنِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى مَا ذُكِرَ فِي الْمُحِيطِ، وَذَلِكَ كَمَنْ جَلَسَ فِي الطَّرِيقِ أَوْ فِي الصَّحْرَاءِ أَوْ فِي الْمَسْجِدِ وَعِنْدَهُ مَتَاعٌ فَهُوَ مُحْرَزٌ بِهِ (فَجَاءَ سَارِقٌ وَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَأَخَذَهُ) أَيِ السَّارِقُ (صَفْوَانُ فَجَاءَ بِهِ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ) وَفِي نُسْخَةٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَأَمَرَ) أَيْ بَعْدَ إِقْرَارِهِ بِالسَّرِقَةِ أَوْ ثُبُوتِهَا بِالْبَيِّنَةِ (أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ) بِتَأْنِيثِ الْفِعْلِ وَجُوِّزَ تَذْكِيرُهُ (فَقَالَ صَفْوَانُ: إِنِّي لَمْ أُرِدْ هَذَا) أَيْ قَطْعَهُ بَلْ قَصَدْتُ تَعْزِيرَهُ (هُوَ) أَيْ رِدَائِي كَمَا فِي رِوَايَةِ (عَلَيْهِ) أَيْ عَلَى السَّارِقِ (صَدَقَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: فَهَلَّا أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ) أَيْ لِمَ لَا تَرَكْتَ حَقَّكَ عَلَيْهِ وَعَفَوْتَ عَنْهُ قَبْلَ إِتْيَانِكَ بِهِ إِلَيَّ، وَأَمَّا الْآنُ فَقَطْعُهُ وَاجِبٌ وَلَا حَقَّ لَكَ فِيهِ، بَلْ هُوَ مِنَ الْحُقُوقِ الْخَالِصَةِ لِلشَّرْعِ وَلَا سَبِيلَ فِيهَا إِلَى التَّرْكِ، وَفِيهِ أَنَّ الْعَفْوَ جَائِزٌ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ إِلَى الْحَاكِمِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: إِذَا قَضَى عَلَى رَجُلٍ بِالْقَطْعِ فِي سَرِقَةٍ فَوَهَبَهَا لَهُ الْمَالِكُ وَسَلَّمَهَا إِلَيْهِ أَوْ بَاعَهَا مِنْهُ لَا يُقْطَعُ، وَقَالَ زُفَرُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يُقْطَعُ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ ; لِأَنَّ السَّرِقَةَ قَدْ تَمَّتِ انْعِقَادًا لِفِعْلِهَا بِلَا شُبْهَةٍ، وَظُهُورًا عِنْدَ الْحَاكِمِ وَقَضَى عَلَيْهِ بِالْقَطْعِ، وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ صَفْوَانَ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ، وَفِي رِوَايَةٍ فَقَطَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَالْجَوَابُ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي رِوَايَةٍ كَمَا ذُكِرَ وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ أَنَا أَبِيعُهُ وَأُنْسِئُهُ ثَمَنَهُ وَسَكَتَ عَلَيْهِ، وَفِي كَثِيرٍ مِنَ الرِّوَايَاتِ لَمْ يُذْكَرْ ذَلِكَ بَلْ قَوْلُهُ: مَا كُنْتُ أُرِيدُ هَذَا، أَوْ قَوْلُهُ أَوَيُقْطَعُ رَجُلٌ مِنَ الْعَرَبِ فِي ثَلَاثِينَ دِرْهَمًا؟ وَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ سَلَّمَهُ إِلَيْهِ فِي الْهِبَةِ، ثُمَّ الْوَاقِعَةُ وَاحِدَةٌ فَكَانَ فِي هَذِهِ الزِّيَادَةِ اضْطِرَابٌ وَالِاضْطِرَابُ مُوجِبٌ لِلضَّعْفِ.

ص: 2359

3599 -

وَرَوَى نَحْوَهُ ابْنُ مَاجَهْ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ.

ــ

3599 -

(وَرَوَى نَحْوَهُ) أَيْ فِي الْمَعْنَى (ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ عَنْ أَبِيهِ) .

ص: 2360

3600 -

وَالدَّارِمِيُّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ.

ــ

3600 -

(وَالدَّارِمِيُّ) بِالرَّفْعِ عَطْفٌ عَلَى ابْنِ مَاجَهْ (عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ) مُتَعَلِّقٌ بِرُوَاةِ الْمُقَدَّرِ فَتَدَبَّرْ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَمَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَالْحَاكِمُ وَحَكَمَ صَاحِبُ التَّنْقِيحِ ابْنُ عَبْدِ الْهَادِي أَنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَلَهُ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ، وَأَلْفَاظُهُ مُخْتَلِفَةٌ، وَإِنْ كَانَ فِي بَعْضِهَا انْقِطَاعٌ وَفِي بَعْضِهَا مَنْ هُوَ مُضَعَّفٌ وَلَكِنْ تَعَدَّدَتْ طُرُقُهُ وَاتَّسَعَ مَجِيئُهُ اتِّسَاعًا يُوجِبُ الْحُكْمَ بِصِحَّتِهِ بِلَا شُبْهَةٍ وَفِي طَرِيقِ السُّنَنِ «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ وَصَلَّى ثُمَّ لَفَّ رِدَاءً لَهُ مِنْ بُرْدٍ فَوَضَعَهُ تَحْتَ رَأْسِهِ فَقَامَ، فَأَتَاهُ لِصٌّ فَاسْتَلَّهُ مِنْ تَحْتِ رَأْسِهِ فَأَخَذَهُ فَأَتَى بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: إِنَّ هَذَا سَرَقَ رِدَائِي. فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: أَسَرَقْتَ رِدَاءَ هَذَا؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: اذْهَبَا بِهِ فَاقْطَعَا يَدَهُ. فَقَالَ صَفْوَانُ: مَا كُنْتُ أُرِيدُ أَنْ تُقْطَعَ يَدُهُ فِي رِدَائِي، فَقَالَ: لَوْلَا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ. زَادَ النَّسَائِيُّ: فَقَطَعَهُ» . وَفِي الْمُسْتَدْرَكِ: سَمَّاهُ خَمِيصَةً ثَمَنُهُ ثَلَاثُونَ دِرْهَمًا. اهـ وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُعَارِضُ مَا فِي الْأَصْلِ مِنْ قَوْلِهِ: قَدِمَ الْمَدِينَةَ، إِذِ الْقَضِيَّةُ لَا تَحْتَمِلُ التَّعَدُّدَ فَهُوَ إِمَّا وَهْمٌ مِنَ الْبَغَوِيِّ حَيْثُ خَالَفَ أَصْحَابَ السُّنَنِ، أَوِ الْمُرَادُ بِالْمَدِينَةِ الْمَدِينَةُ اللُّغَوِيَّةُ الشَّامِلَةُ بِمَكَّةَ.

ص: 2360

3601 -

وَعَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزْوِ» ". رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ، إِلَّا أَنَّهُمَا قَالَا:" فِي السَّفَرِ ". بَدَلَ " الْغَزْوِ ".

ص: 2360

3601 -

(وَعَنْ بُسْرِ) بِضَمِّ مُوَحَّدَةٍ وَسُكُونِ سِينٍ مُهْمَلَةٍ وَرَاءٍ (بْنِ أَرْطَاةَ) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ كَذَا فِي النُّسَخِ بِغَيْرِ لَفْظِ أَبِي، وَقَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ بُسْرُ بْنُ أَبِي أَرْطَاةَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَاسْمُ أَبِي أَرْطَاةَ عُمَرُ الْعَامِرِيُّ الْقُرَشِيُّ قِيلَ: إِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِصِغَرِهِ وَأَهْلُ الشَّامِ يُثْبِتُونَ إِلَيْهِ سَمَاعًا، قَالَ الْوَاقِدِيُّ: وُلِدَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم بِسَنَتَيْنِ، وَيُقَالُ: إِنَّهُ خَرَفَ فِي آخِرِ عُمُرِهِ، مَاتَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ وَقِيلَ: زَمَنِ عَبْدِ الْمَلِكِ. اهـ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي الْمُغْنِي حَيْثُ قَالَ أَبُو أَرْطَاةَ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَسُكُونِ ثَانِيهِ (قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، يَقُولُ: لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي الْغَزْوِ) قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ لَا تُقْطَعُ أَيْدِي السَّارِقِ فِي الْغَزْوِ إِذَا كَانَ الْجَيْشُ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَلَمْ يَكُنِ الْإِمَامُ فِيهِمْ، وَإِنَّمَا يَتَوَلَّهُمْ أَمِيرُ الْجَيْشِ، وَإِنَّمَا يُقْطَعُ لِاحْتِمَالِ افْتِتَانِ الْمَقْطُوعِ بِاللُّحُوقِ إِلَى دَارِ الْحَرْبِ فَيُتْرَكُ إِلَى أَنْ يَنْفَصِلَ الْجَيْشُ وَقِيلَ أَيْ فِي مَالِ الْغَزْوِ أَيِ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ إِذْ لَهُ حَقٌّ فِيهَا، قَالَ الْمُظْهِرُ: يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ إِنَّمَا أُسْقِطَ عِنْدَ الْحَدِّ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ إِمَامًا، وَإِنَّمَا كَانَ أَمِيرًا وَصَاحِبَ جَيْشٍ وَأَمِيرُ الْجَيْشِ لَا يُقِيمُ الْحُدُودَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ فِي مَذْهَبِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ إِمَامًا أَوْ أَمِيرًا وَاسِعَ الْمَمْلَكَةِ كَصَاحِبِ الْعِرَاقِ أَوِ الشَّامِ أَوْ مِصْرَ فَإِنَّهُ يُقِيمُ الْحُدُودَ فِي عَسْكَرِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ: لَا يَقْطَعُ أَمِيرُ الْعَسْكَرِ حَتَّى يَقْفِلَ مِنَ الدَّرْبِ، فَإِذَا قَفَلَ قَطَعَ، وَأَمَّا أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ فَإِنَّهُمْ لَا يُفَرِّقُونَ بَيْنَ أَرْضِ الْحَرْبِ وَلَا غَيْرِهَا وَيَرَوْنَ إِقَامَةَ الْحُدُودِ عَلَى مَنِ ارْتَكَبَهَا كَمَا يَرَوْنَ وُجُوبَ الْفَرَائِضِ وَالْعِبَادَاتِ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ وَالْحَرْبِ، قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَلَعَلَّ الْأَوْزَاعِيَّ فِيهِ احْتِمَالُ افْتِتَانِ الْمَقْطُوعِ بِأَنْ يَلْحَقَ بِدَارِ الْحَرْبِ أَوْ رَأَى أَنَّهُ إِذَا قُطِعَتْ يَدُهُ وَالْأَمِيرُ مُتَوَجِّهٌ إِلَى الْغَزْوِ لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنَ الدَّفْعِ وَلَا يُغْنِي عَنَّا فَيُتْرَكُ إِلَى أَنْ يَقْفُلَ الْجَيْشُ، قَالَ الْقَاضِي: وَلَعَلَّهُ عليه الصلاة والسلام أَرَادَ بِهِ الْمَنْعَ مِنَ الْقَطْعِ فِيمَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمَغَانِمِ اهـ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَا يُقْطَعُ السَّارِقُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ، وَقَالَ مَالِكٌ: يُقْطَعُ، وَهُوَ قَوْلُ حَمَّادٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ لِظَاهِرِ الْكِتَابِ، وَلِأَنَّهُ مَالٌ مُحْرَزٌ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِيهِ قَبْلَ الْحَاجَةِ، وَلَنَا أَنَّهُ مَالُ الْعَامَّةِ وَهُوَ مِنْهُمْ، وَعَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ مِثْلَهُ، وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِيمَنْ سَرَقَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ قَالَ: أَرْسِلْهُ فَمَا مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ حَقٌّ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ إِلَّا أَنَّهُمَا) أَيْ أَبَا دَاوُدَ وَالنَّسَائِيَّ قَالَ فِي السَّفَرِ بَدَلَ الْغَزْوِ) أَيْ عِوَضَ قَوْلِهِ فِي الْغَزْوِ، وَقَالَ الطِّيبِيُّ: السَّفَرُ الْمَذْكُورُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مُطْلَقٌ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَفِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ:«لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالثَّلَاثَةُ وَالضِّيَاءُ عَنْ بُسْرِ بْنِ أَبِي أَرْطَاةَ.

ص: 2360

3602 -

وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي السَّارِقِ: إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ، ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» . رَوَاهُ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ.

ــ

3602 -

(وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ) قَالَ الْمُؤَلِّفُ: إِنَّ اسْمَهُ كُنْيَتُهُ وَهُوَ كَثِيرُ الْحَدِيثِ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَابْنَ عُمَرَ وَغَيْرَهُمْ وَرَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَهُوَ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الْمَشْهُورِينَ بِالْفِقْهِ فِي الْمَدِينَةِ وَمِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ رَوَى عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ فِي السَّارِقِ) أَيْ فِي شَأْنِهِ أَوْ لِأَجْلِهِ (إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ) أَيِ الْيُمْنَى (ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ) أَيِ الْيُسْرَى قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَهَذَا بِالْإِجْمَاعِ، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: ثُمَّ الْقَطْعُ مِنَ الْكَعْبِ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَفَعَلَ عُمَرُ ذَلِكَ، وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ: وَالرَّوَافِضُ تَقْطَعُ مِنْ نِصْفِ الْقَدَمِ مِنْ مَقْعَدِ الشِّرَاكِ ; لِأَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَقْطَعُ كَذَلِكَ، وَيَدَعُ لَهُ عَقِبًا يَمْشِي عَلَيْهِ (ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ) بِهِ أَخَذَ الشَّافِعِيُّ وَمَنْ تَبِعَهُ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ: يُحْبَسُ بَعْدَ الثَّانِي لِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ، وَالْحَدِيثُ إِنْ صَحَّ مَحْمُولٌ عَلَى التَّهْدِيدِ أَوِ السِّيَاسَةِ كَذَا ذَكَرَهُ بَعْضُ عُلَمَائِنَا، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ السَّارِقَ إِذَا سَرَقَ أَوَّلَ مَرَّةٍ تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى ثُمَّ إِذَا سَرَقَ ثَانِيًا تُقْطَعُ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَاخْتَلَفُوا فِيمَا إِذَا سَرَقَ ثَالِثًا بَعْدَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ فَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُ تُقْطَعَ يَدُهُ الْيُسْرَى ثُمَّ إِذَا سَرَقَ رَابِعًا تُقْطَعُ رِجْلَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ إِذَا سَرَقَ بَعْدُ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ، وَقَالَ قَوْمٌ: إِنْ سَرَقَ بَعْدَمَا قُطِعَتْ إِحْدَى يَدَيْهِ وَإِحْدَى رِجْلَيْهِ لَمْ يُقْطَعْ وَحُبِسَ، وَيُرْوَى ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ وَفِي الْهِدَايَةِ: فَإِنْ سَرَقَ ثَالِثًا لَا يُقْطَعُ بَلْ يُعَزَّرُ وَيُخَلَّدُ فِي السِّجْنِ حَتَّى يَتُوبَ أَوْ يَمُوتَ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ (رَوَاهُ) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ.

ص: 2361

3603 -

وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: «جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ، فَقَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ، فَقَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ، فَقَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطِعَ فَأُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ، فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، فَانْطَلَقْنَا بِهِ، فَقَتَلْنَاهُ ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ، وَرَمَيْنَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.

ــ

3603 -

(وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ: جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: اقْطَعُوهُ) أَيْ يَدَهُ (فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّانِيَةَ) أَيِ الْمَرَّةَ الثَّانِيَةَ أَوِ الْمَجِيئَةَ الثَّانِيَةَ (فَقَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ الثَّالِثَةَ فَقَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اقْطَعُوهُ، فَأُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: أَصْلُهُ فَأَتَوْا بِهِ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَأُقِيمَ الْمَفْعُولُ مَقَامَ الْفَاعِلِ وَهُوَ ضَمِيرُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْجَارُّ وَالْمَجْرُورُ قَدْ أُقِيمَ مَقَامَ الْفَاعِلِ وَكَذَا الْقَوْلُ فِي جِيءَ بِهِ قُلْتُ: وَكَذَا فِي جِيءَ بِسَارِقٍ (فَقَالَ: اقْتُلُوهُ) قَالَ بَعْضُ الشُّرَّاحِ مِنْ عُلَمَائِنَا: إِنْ صَحَّ هَذَا فَالْوَجْهُ فِيهِ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ فَقَدْ صَحَّ: لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ. الْحَدِيثَ وَفِي السِّرَاجِيَّةِ: لِلْإِمَامِ أَنْ يَقْتُلَهُ سِيَاسَةً، قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنَ الْفُقَهَاءِ يُبِيحُ دَمَ السَّارِقِ إِنْ تَكَرَّرَتْ مِنْهُ السَّرِقَةُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى إِلَّا أَنَّهُ قَدْ يَخْرُجُ عَلَى مَذْهَبِ بَعْضِ الْفُقَهَاءِ أَنْ يُبَاحَ دَمُهُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ هَذَا مِنَ الْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ، وَلِلْإِمَامِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي تَعْزِيرِ الْمُفْسِدِ وَيَفْعَلَ بِهِ مَا رَأَى مِنَ الْعُقُوبَةِ وَإِنْ زَادَ عَلَى الْحَدِّ وَإِنْ رَأَى أَنْ يُقْتَلَ قُتِلَ وَيُعْزَى ذَلِكَ إِلَى مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالْحَدِيثُ إِنْ كَانَ ثَابِتًا فَهُوَ يُؤَيِّدُ هَذَا الرَّأْيَ. اهـ كَلَامُهُ وَقِيلَ: هَذَا مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ عليه الصلاة والسلام: «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ النَّفْسُ بِالنَّفْسِ وَالثَّيِّبُ الزَّانِي وَالْمُفَارِقُ لِدِينِهِ التَّارِكُ لِلْجَمَاعَةِ» . (فَانْطَلَقْنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ) مِنَ الْجَرِّ (فَأَلْقَيْنَاهُ فِي بِئْرٍ وَأَلْقَيْنَا عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ) قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ قَتْلَهُ هَذَا لِلْإِهَانَةِ وَالصَّغَارِ لَا يَلِيقُ بِحَالِ الْمُسْلِمِ وَإِنِ ارْتَكَبَ الْكَبَائِرَ فَإِنَّهُ قَدْ يُعَزَّرُ وَيُصَلَّى عَلَيْهِ لَا سِيَّمَا بَعْدَ إِقَامَةِ الْحَدِّ وَتَطْهِيرِهِ فَلَعَلَّهُ يَرْتَدُّ وَوَقَفَ صلى الله عليه وسلم عَلَى ارْتِدَادِهِ كَمَا فَعَلَ بِالْعُرَنِيِّينَ مِنَ الْمُثْلَةِ وَالْعُقُوبَةِ الشَّدِيدَةِ، وَلَعَلَّ الرَّجُلَ بَعْدَ الْقَطْعِ تَكَلَّمَ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ اهـ وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّهُ كَانَ مُسْتَحِلًّا لِلسَّرِقَةِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ: «جِيءَ بِسَارِقٍ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: اقْتُلُوهُ فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ قَالَ: اقْطَعُوهُ، فَقُطِعَ ثُمَّ جِيءَ بِهِ فِي الثَّالِثَةِ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، فَقَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: اقْطَعُوهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الرَّابِعَةَ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: اقْطَعُوهُ، ثُمَّ جِيءَ بِهِ الْخَامِسَةَ قَالَ: اقْتُلُوهُ، قَالَ جَابِرٌ: فَانْطَلَقْنَا بِهِ فَقَتَلْنَاهُ ثُمَّ اجْتَرَرْنَاهُ فَأَلْقَيْنَاهُ وَرَمَيْنَا عَلَيْهِ

ص: 2361

الْحِجَارَةَ» . قَالَ النَّسَائِيُّ: حَدِيثٌ مُنْكَرٌ، وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ عَنِ الْحَارِسِ بْنِ حَاطِبٍ اللَّخْمِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم أُتِيَ بِلِصٍّ فَقَالَ: اقْتُلُوهُ، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا سَرَقَ، قَالَ: اقْطَعُوهُ، ثُمَّ سَرَقَ فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ حَتَّى قُطِعَتْ قَوَائِمُهُ الْأَرْبَعَةُ كُلُّهَا ثُمَّ سَرَقَ الْخَامِسَةَ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَعْلَمَ بِهَذَا حِينَ قَالَ اقْتُلُوهُ» . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ: صَحِيحُ الْإِسْنَادِ، وَقَالَ الْمُصَنِّفُ: يَعْنِي صَاحِبَ الْهِدَايَةِ وَرُوِيَ مُفَسَّرًا كَمَا هُوَ مَذْهَبُهُ أَيْ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَخْرَجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ:«إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ فَاقْطَعُوا يَدَهُ فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ» . وَفِي سَنَدِهِ الْوَاقِدِيُّ وَهُنَا طُرُقٌ كَثِيرَةٌ مُتَعَدِّدَةٌ لَمْ تَسْلَمْ مِنْ طَعْنٍ وَلِذَا طَعَنَ الطَّحَاوِيُّ فَقَالَ: تَتَبَّعْنَا هَذِهِ الْآثَارَ فَلَمْ نَجِدْ لِشَيْءٍ مِنْهَا أَصْلًا، وَفِي الْمَبْسُوطِ: غَيْرُ صَحِيحٍ وَإِلَّا احْتَجَّ بِهِ بَعْضُهُمْ فِي مُشَاوَرَةِ عَلِيٍّ وَلَئِنْ سَلِمَ يُحْمَلُ عَلَى الِانْتِسَاخِ لِأَنَّهُ كَانَ فِي الِابْتِدَاءِ تَغْلِيظٌ فِي الْحُدُودِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَطَعَ أَيْدِيَ الْعُرَنِيِّينَ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَرَ أَعْيُنَهُمْ ثُمَّ انْتُسِخَ ذَلِكَ وَأَمَّا فِعْلُ أَبِي بَكْرٍ فَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا مِنَ الْيَمَنِ أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدِمَ فَنَزَلَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رضي الله عنه فَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّ عَامِلَ الْيَمَنِ ظَلَمَهُ فَكَانَ يُصَلِّي فِي اللَّيْلِ وَيَبْكِي فَيَقُولُ أَبُو بَكْرٍ: مَا لِي لَكَ بِلَيْلٍ سَارِقٍ ثُمَّ أَنَّهُمْ فَقَدُوا عِقْدًا لِأَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ امْرَأَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَطُوفُ مَعَهُمْ وَيَقُولُ: اللَّهُمَّ عَلَيْكَ بِمَنْ بَيَّتَ أَهْلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ فَوَجَدُوا الْحُلِيَّ عِنْدَ صَائِغٍ زَعَمَ أَنَّ الْأَقْطَعَ جَاءَ بِهِ، فَاعْتَرَفَ الْأَقْطَعُ، وَشَهِدَ عَلَيْهِ، فَأَمَرَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ: لَدُعَاؤُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَشَدُّ عَلَيْهِ مِنْ سَرِقَتِهِ.

وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: قَدِمَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ رَجُلٌ أَقْطَعُ فَشَكَا إِلَيْهِ أَنَّ يَعْلَى بْنَ أُمَيَّةَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ فِي سَرِقَةٍ، وَقَالَ: وَاللَّهِ مَا زَادَتْ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُوَلِّينِي شَيْئًا مِنْ عَمَلِهِ فَخُنْتُهُ فِي فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَطَعَ يَدِي وَرِجْلِي، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: إِنْ كُنْتَ صَادِقًا فَلَأُقِيدَنَّكَ مِنْهُ، فَلَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا قَلِيلًا حَتَّى فَقَدَ آلُ أَبِي بَكْرٍ حُلِيًّا لَهُمْ فَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ فَقَالَ: اللَّهُمَّ أَظْهِرْ مَنْ سَرَقَ آلَ هَذَا الْبَيْتِ الصَّالِحِ قَالَ: فَمَا انْتَصَفَ النَّهَارُ حَتَّى عَثَرُوا عَلَى الْمَتَاعِ عِنْدَهُ، فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ: وَيْلَكَ إِنَّكَ لَقَلِيلُ الْعِلْمِ فَقَطَعَ أَبُو بَكْرٍ يَدَهُ الثَّانِيَةَ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي مُوَطَّئِهِ: قَالَ الزُّهْرِيُّ: وَيُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: إِنَّمَا كَانَ الَّذِي سَرَقَ عِقْدَ أَسْمَاءَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُمْنَى فَقَطَعَ أَبُو بَكْرٍ رِجْلَهُ الْيُسْرَى قَالَ: وَكَانَ ابْنُ شِهَابٍ أَعْلَمَ بِهَذَا الْحَدِيثِ مِنْ غَيْرِهِ، هَذَا وَقَدْ حُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَعُثْمَانَ وَعُمَرَ بْنِ الْعَزِيزِ رحمهم الله أَنَّهُ يُقْتَلُ فِي الْمَرَّةِ الْخَامِسَةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ مَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ إِلَى أَنَّهُ يُعَزَّرُ وَيُحْبَسُ كَقَوْلِنَا فِي الثَّالِثَةِ، وَلَنَا قَوْلُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ، قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ فِي كِتَابِ الْآثَارِ: أَخْبَرَنَا أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرَّةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ: إِذَا سَرَقَ السَّارِقُ قَطَعْتُ يَدَهُ الْيُمْنَى وَإِنْ عَادَ قَطَعْتُ رِجْلَهُ الْيُسْرَى فَإِنْ عَادَ ضَمَّنْتُهُ السِّجْنَ حَتَّى يُحْدِثَ خَيْرًا إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ أَدَعَهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا وَرِجْلٌ يَمْشِي عَلَيْهَا. وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدٍ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ عَنْ جَابِرٍ عَنِ الشَّعْبِيِّ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ لَا يَقْطَعُ إِلَّا الْيَدَ وَالرِّجْلَ وَإِنْ سَرَقَ بَعْدَ ذَلِكَ سَجَنَهُ وَيَقُولُ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ أَنْ لَا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا. وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ حَدَّثَنَا حَاتِمُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: كَانَ عَلِيٌّ لَا يَزِيدُ عَلَى أَنْ يَقْطَعَ يَدًا وَرِجْلًا فَإِذَا أُتِيَ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ: إِنِّي لَأَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ لَأَدَعُهُ لَا يَتَطَهَّرُ لِصَلَاتِهِ وَلَكِنِ احْبِسُوهُ. وَأَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَالِمَةَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ثُمَّ أُتِيَ بِهِ فَقَالَ: أَقْطَعُ يَدَهُ بِأَيِّ شَيْءٍ يَتَمَسَّحُ، وَبِأَيِّ شَيْءٍ يَأْكُلُ، أَقْطَعُ رِجْلَهُ عَلَى أَيِّ شَيْءٍ يَمْشِي إِنِّي أَسْتَحِي مِنَ اللَّهِ ثُمَّ ضَرَبَهُ وَخَلَّدَهُ فِي السِّجْنِ. وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ نَجْدَةَ كَتَبَ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَسْأَلُهُ عَنِ السَّارِقِ فَكَتَبَ إِلَيْهِ بِمِثْلِ قَوْلِ عَلِيٍّ وَأَخْرَجَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ اسْتَشَارَهُمْ فِي سَارِقٍ فَأَجْمَعُوا عَلَى مِثْلِ قَوْلِ عَلِيٍّ، وَأَخْرَجَ عَنْ مَكْحُولٍ أَنَّ عُمَرَ قَالَ: إِذَا سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ثُمَّ إِذَا عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ، وَلَا تَقْطَعُوا يَدَهُ الْأُخْرَى وَفِّرُوهُ يَأْكُلُ بِهَا وَيَسْتَنْجِي بِهَا وَلَكِنِ احْبِسُوهُ عَنِ الْمُسْلِمِينَ. وَأَخْرَجَ عَنِ النَّخَعِيِّ كَانُوا يَقُولُونَ: لَا يُتْرَكُ ابْنُ آدَمَ مِثْلَ الْبَهِيمِ لَيْسَ لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا وَلَا يَسْتَنْجِي بِهَا،

ص: 2362

وَهَذَا كُلُّهُ قَدْ ثَبَتَ ثُبُوتًا لَا مَرَدَّ لَهُ فَبَعِيدٌ أَنْ يَقَعَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مِثْلُ هَذِهِ الْحَادِثَةِ الَّتِي غَالِبًا تَتَوَفَّرُ الدَّوَاعِي عَلَى نَقْلِهَا مِثْلُ سَارِقٍ يَقْطَعُ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَتَهُ ثُمَّ يَقْتُلُهُ أَوِ الصَّحَابَةُ يَجْتَمِعُونَ عَلَى قَتْلِهِ وَلَا خَبَرَ بِذَلِكَ عِنْدَ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُمَرَ مِنَ الْأَصْحَابِ الْمُلَازِمِينَ بَلْ أَقَلُّ مَا فِي الْبَابِ أَنَّهُ كَانَ يَنْقُلُ لَهُمْ إِنْ غَابُوا بَلْ لَا بُدَّ مِنْ عِلْمِهِمْ بِذَلِكَ وَبِذَلِكَ تَقْضِي الْعَادَةُ فَامْتِنَاعُ عَلِيٍّ بَعْدَ ذَلِكَ إِمَّا لِضَعْفِ الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْإِتْيَانِ عَلَى أَرْبَعَتِهِ وَإِمَّا لِعِلْمِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ حَدًّا مُسْتَمِرًّا بَلْ مَنْ رَأَى الْإِمَامُ قَتْلَهُ لِمَا شَاهَدَ فِيهِ مِنَ السَّعْيِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ وَبَعْضِ الطِّبَاعِ عَنِ الرُّجُوعِ فَلَهُ قَتْلُهُ سِيَاسَةً فَيَفْعَلُ ذَلِكَ الْقَتْلَ الْمَعْنَوِيَّ، قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ: وَبِهَذَا حَاجَّ عَلِيٌّ بَقِيَّةَ الصَّحَابَةِ، فَحَجَّهُمْ، فَانْعَقَدَ إِجْمَاعًا يُشِيرُ إِلَى مَا فِي تَنْقِيحِ ابْنِ عَبْدِ الْهَادِي قَالَ: سَعْدُ بْنُ مَنْصُورٍ ثَنَا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: حَضَرْتُ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُتِيَ بِرَجُلٍ مَقْطُوعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدْ سَرَقَ قَالَ لِصَاحِبِهِ: مَا تَرَوْنَ فِي هَذَا؟ قَالُوا: اقْطَعْهُ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ، قَالَ: قَتَلْتُهُ إِذًا وَمَا عَلَيْهِ الْقَتْلُ بِأَيِّ شَيْءٍ يَأْكُلُ الطَّعَامَ بِأَيِّ شَيْءٍ يَتَوَضَّأُ لِلصَّلَاةِ بِأَيِّ شَيْءٍ يَغْتَسِلُ مِنْ جَنَابَتِهِ بِأَيِّ شَيْءٍ يَقُومُ عَلَى حَاجَتِهِ فَرَدَّهُ إِلَى السِّجْنِ أَيَّامًا ثُمَّ اسْتَخْرَجَهُ فَاسْتَشْارَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا مِثْلَ قَوْلِهِمُ الْأَوَّلِ، وَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ مَا قَالَ أَوَّلَ مَرَّةٍ، فَجَلَدَهُ جَلْدًا شَدِيدًا ثُمَّ أَرْسَلَهُ. وَقَالَ سَعِيدٌ أَيْضًا ثَنَا أَبُو الْأَحْوَصِ عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَائِذٍ قَالَ: أُتِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بِأَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ قَدْ سَرَقَ قَالَ: أَنْقَطَعُ يَدَهُ فَنَدَعُهُ لَيْسَ لَهُ يَدٌ يَأْكُلُ بِهَا أَوْ نَقْطَعُ رِجْلَهُ فَنَدَعُهُ لَيْسَ لَهُ قَاعِدَةٌ يَمْشِي عَلَيْهَا، إِمَّا أَنْ نُعَزِّرَهُ وَإِمَّا أَنْ نُودِعَهُ السِّجْنَ فَاسْتَوْدَعَهُ السِّجْنَ. وَهَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ لَا يُقَالُ: الْيَدُ الْيُسْرَى مَحَلٌّ لِلْقَطْعِ بِظَاهِرِ الْكِتَابِ؛ لِأَنَّا نَقُولُ لَمَّا وَجَبَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ مِنْهُ عَلَى الْمُقَيِّدِ عَمَلًا بِالْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ خَرَجَتْ عَنْ كَوْنِهَا مُرَادَهُ وَبَقِيَتِ الْيُمْنَى مُرَادَهُ وَالْأَمْرُ الْمَقْرُونُ بِالْوَصْفِ وَإِنْ تَكَرَّرَ بِتَكْرَارِ الْوَصْفِ لَكِنْ إِنَّمَا يَكُونُ حَيْثُ أَمْكَنَ وَإِذَا انْتَقَى إِرَادَةُ الْيُسْرَى بِمَا ذَكَرْنَا مِنَ التَّقْيِيدِ انْتَفَى مَحَلِّيَّتُهَا لِلْقَطْعِ فَلَا يُتَصَوَّرُ تَكْرَارُهُ فَيَلْزَمُ مَعْنَى الْآيَةِ السَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا وَثَبَتَ قَطْعُ الرِّجْلِ فِي الثَّانِيَةِ بِالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ وَانْتَفَى مَا وَرَاءَ ذَلِكَ لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى الْعَدَمِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.

ص: 2363

3604 -

وَرُوِيَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ فِي قَطْعِ السَّارِقِ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ وَعَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ» .

ــ

3604 -

(وَرَوَى) أَيْ صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) أَيْ بِإِسْنَادِهِ (فِي قَطْعِ السَّارِقِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: «اقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ» ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: أَمَّا دَلِيلُ الْحَسْمِ فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أُتِيَ بِسَارِقٍ سَرَقَ شَمْلَةً فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: مَا أَخَالُهُ سَرَقَ، فَقَالَ السَّارِقُ: بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ: اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمَّ احْسِمُوهُ، ثُمَّ ائْتُونِي بِهِ. فَقُطِعَ ثُمَّ حُسِمَ ثُمَّ أُتِيَ فَقَالَ: تُبْتُ إِلَى اللَّهِ قَالَ: تَابَ اللَّهُ عَلَيْكَ» . وَقَالَ: صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ. وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ وَكَذَا رَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَامٍ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ وَأَخْرَجَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي حُجَّتِهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ مِنَ الْمِفْصَلِ ثُمَّ حَسَمَهُمْ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَإِلَى أَيْدِيهِمْ كَأَنَّهَا أُيُورُ الْحُمُرِ، وَالْحَسْمُ الْكَيُّ لِيَنْقَطِعَ الدَّمُ، وَفِي الْمُغْرِبِ وَالْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ: هُوَ أَنْ يُغْمَسَ فِي الدُّهْنِ الَّذِي أُغْلِيَ، وَثَمَنُ الزَّيْتِ وَكُلْفَةُ الْحَسْمِ فِي بَيْتِ الْمَالِ عِنْدَهُمْ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي وَجْهٍ، وَعِنْدَنَا هُوَ عَلَى السَّارِقِ، وَقَوْلُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ ; لِأَنَّ لَوْ لَمْ يُحْسَمْ يُؤَدِّي إِلَى التَّلَفِ يَقْتَضِي وُجُوبَهُ، وَالْمَنْقُولُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ لَا يَأْثَمُ.

ص: 2363

3605 -

وَعَنْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ قَالَ: «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ ثُمَّ أَمَرَ بِهَا فَعُلِّقَتْ فِي عُنُقِهِ» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

ــ

3605 -

(وَعَنْ فَضَالَةَ) بِفَتْحِ الْفَاءِ (بْنِ عُبَيْدٍ) بِالتَّصْغِيرِ (قَالَ: أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ثُمَّ أُمِرَ بِهَا) أَيْ بِيَدِهِ (فَعُلِّقَتْ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ مَجْهُولًا (فِي عُنُقِهِ) أَيْ لِيَكُونَ عِبْرَةً وَنَكَالًا، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْمَنْقُولُ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ يُسَنُّ تَعْلِيقُ يَدِهِ فِي عُنُقِهِ ; لِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام أَمَرَ بِهِ، وَعِنْدَنَا ذَلِكَ مُطْلَقٌ لِلْإِمَامِ إِنْ رَآهُ، وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ عليه الصلاة والسلام فِي كُلِّ مَنْ قَطَعَهُ لِيَكُونَ سُنَّةً. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) .

ص: 2363

3606 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «إِذَا سَرَقَ مَمْلُوكٌ فَبِعْهُ وَلَوْ بِنَشٍّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ.

ــ

3606 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِذَا سَرَقَ الْمَمْلُوكُ) أَيْ أَيَّ نَوْعٍ مِنَ السَّرِقَةِ شَرْعِيَّةً أَوْ عُرْفِيَّةً (فَبِعْهُ) أَيْ وَلَا تُمْسِكْهُ فَإِنَّهُ مَعْيُوبٌ مِنْ وَجْهَيْنِ (وَلَوْ بِنَشٍّ) بِفَتْحِ نُونٍ وَتَشْدِيدِ شِينٍ مُعْجَمَةٍ أَيْ عِشْرِينَ دِرْهَمًا نِصْفِ أُوقِيَّةٍ وَالْمَعْنَى بِعْهُ وَلَوْ بِثَمَنٍ بَخْسٍ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ قَالُوا: الْعَبْدُ إِذَا سَرَقَ قُطِعَ آبِقًا كَانَ أَوْ غَيْرَ آبِقٍ، يُرْوَى عَنِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ عَبْدًا لَهُ سَرَقَ وَكَانَ آبِقًا فَأَرْسَلَ بِهِ إِلَى سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ لِيَقْطَعَ يَدَهُ، فَأَبَى سَعِيدٌ وَقَالَ: لَا تُقْطَعُ يَدُ الْآبِقِ إِذَا سَرَقَ، فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فِي أَيِّ كِتَابٍ وَجَدْتَ هَذَا فَأَمَرَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ فَقُطِعَتْ يَدُهُ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ رضي الله عنه أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَعَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَإِذَا سَرَقَ أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ مِنْ مَالِ الْآخَرِ أَوِ الْعَبْدُ مِنْ سَيِّدِهِ أَوْ زَوْجَةِ سَيِّدِهِ لَمْ يُقْطَعْ لِوُجُودِ الْآذِنِ فِي الدُّخُولِ عَادَةً فَاخْتَلَّ الْحِرْزُ وَفِي مُوَطَّأِ مَالِكٍ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أُتِيَ بِغُلَامٍ سَرَقَ مِرْآةً لِامْرَأَةِ سَيِّدِهِ، فَقَالَ: لَيْسَ عَلَيْهِ شَيْءٌ خَادِمِكُمْ يَسْرِقُ مَتَاعَكُمْ فَإِذَا لَمْ يُقْطَعْ خَادِمُ الزَّوْجِ فَالزَّوْجُ أَوْلَى (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ) وَكَذَا أَحْمَدُ وَالْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ

ص: 2364

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

3607 -

عَنْ عَائِشَةَ، قَالَتْ:«أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِسَارِقٍ فَقَطَعَهُ، فَقَالُوا: مَا كُنَّا نَرَاكَ تَبْلُغُ بِهِ هَذَا، قَالَ: لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتُهَا» . رَوَاهُ النَّسَائِيُّ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

3607 -

(عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: أُتِيَ) أَيْ جِيءَ (رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِسَارِقٍ فَقَطَعَهُ) أَيْ أَمَرَ بِقَطْعِهِ وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ فَقُطِعَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَ مَعْلُومَةً (قَالُوا) أَيِ الصَّحَابَةُ مِنْ حِضَارِ الْمَجْلِسِ الْعَالِي أَوِ الَّذِينَ جَاءُوا بِهِ (مَا كُنَّا نُرَاكَ) بِضَمِّ النُّونِ أَيْ نَظُنُّكَ وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحِهَا مِنَ الرَّأْيِ (تَبْلُغُ بِهِ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَالْبَاءُ لِلتَّعْدِيَةِ أَيْ تَوْصِيلَةٌ (هَذَا) أَيِ الْقَطْعُ (قَالَ: لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ) أَيْ لَوْ فُرِضَ كَوْنُ السَّارِقِ فَاطِمَةَ الزَّهْرَاءَ (لَقَطَعْتُهَا) أَيْ لِإِطْلَاقِ الْآيَةِ وَتَسْوِيَةِ الْأُمَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِكَمَالِ الْعَدَالَةِ قَالَ الطِّيبِيُّ: أَيْ مَا كُنَّا نَظُنُّكَ أَنْ تَقْطَعَهُ بَلْ تَتَرَحَّمُ عَلَيْهِ وَتَرْأَفُ بِهِ فَأَجَابَ إِنَّ هَذَا حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَ عَلَيَّ إِمْضَاؤُهُ وَلَا يَسَعُ الْمُسَامَحَةُ فِيهِ وَلَوْ صَدَرَ ذَلِكَ عَنْ بِضْعَةٍ مِنِّي لَقَطَعْتُهَا وَكَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّحَ إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور: 2](رَوَاهُ النَّسَائِيُّ) .

ص: 2364

3608 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بِغُلَامٍ لَهُ فَقَالَ: اقْطَعْ يَدَهُ فَإِنَّهُ سَرَقَ مِرْآةً لِامْرَأَتِي، فَقَالَ عُمَرُ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ وَهُوَ خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ. رَوَاهُ مَالِكٌ.

ــ

3608 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عُمَرَ بِغُلَامٍ) أَيْ عَبْدٍ (لَهُ فَقَالَ: اقْطَعْ يَدَهُ فَإِنَّهُ سَرَقَ مِرْآةً) بِكَسْرِ مِيمٍ وَسُكُونِ رَاءٍ وَهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ (لِامْرَأَتِي) أَيْ لِزَوْجَتِي، قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَكَانَ ثَمَنُ الْمِرْآةِ سِتِّينَ دِرْهَمًا (فَقَالَ عُمَرُ: لَا قَطْعَ عَلَيْهِ هُوَ) وَفِي نُسْخَةٍ وَهُوَ (خَادِمُكُمْ أَخَذَ مَتَاعَكُمْ رَوَاهُ مَالِكٌ) قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: وَلَوْ سَرَقَ الْمَوْلَى مِنْ مُكَاتَبِهِ لَا يُقْطَعُ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ لِلْمَوْلَى حَقًّا فِي إِكْسَابِهِ وَلِأَنَّ مَالَهُ مَوْقُوفٌ دَائِرٌ بَيْنَ السَّارِقِ وَغَيْرِهِ كَمَا إِذَا سَرَقَ أَحَدُ الْمُبْتَاعَيْنِ مَا شُرِطَ فِيهِ الْخِيَارُ وَكَمَا لَا قَطْعَ عَلَى السَّيِّدِ لَا قَطْعَ عَلَى الْمُكَاتَبِ إِذَا سَرَقَ مَالَ سَيِّدِهِ ; لِأَنَّهُ عَبْدٌ لَهُ أَوْ مِنْ زَوْجَةِ سَيِّدِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: يُقْطَعُ بِسَرِقَةِ مَالِ مَنْ عَدَا سَيِّدَهُ كَزَوْجَةِ سَيِّدِهِ لِعُمُومِ الْآيَةِ وَتَقَدَّمَ أَثَرُ عُمَرَ وَهُوَ فِي السَّرِقَةِ مِنْ مَالِ زَوْجَةِ سَيِّدِهِ وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنَ الصَّحَابَةِ خِلَافُهُ فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ فَتُخَصُّ بِهِ الْآيَةُ وَالْحُكْمُ فِي الْمُدَبَّرِ كَذَلِكَ وَكَذَلِكَ السَّارِقُ مِنَ الْمَغْنَمِ لَا يُقْطَعُ ; لِأَنَّ لَهُ فِيهِ نَصِيبًا وَهُوَ مَأْثُورٌ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ رَدًّا وَتَعْلِيلًا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ أَخْبَرَنَا الثَّوْرِيُّ عَنْ مَالِكِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ أَبِي عَبِيدِ بْنِ الْأَبْرَصِ وَهُوَ يَزِيدُ عَنْ دِثَارٍ قَالَ: أُتِيَ عَلَيٌّ بِرَجُلٍ سَرَقَ مِنَ الْمَغْنَمِ فَقَالَ: لَهُ نَصِيبٌ وَهُوَ خَائِنٌ، فَلَمْ يَقْطَعْهُ وَكَانَ قَدْ سَرَقَ مِغْفَرًا. وَرَوَاهُ الدَّرَاقُطْنِيُّ وَقِيلَ فِي الْبَابِ حَدِيثٌ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ ثَنَاهُ جِيَادَةُ بْنُ الْمُفْلِسِ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ مَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ «أَنَّ عَبْدًا مِنْ رَقِيقِ الْخُمُسِ سَرَقَ مِنَ الْخُمُسِ، فَرُفِعَ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَالُ اللَّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا» ، وَكَلَامُنَا فِيمَا سَرَقَهُ بَعْضُ مُسْتَحِقِّي الْغَنِيمَةِ. وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.

ص: 2364