الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْمُؤْمِنُ فِي الْعُرْفِ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم، وَبِمَا جَاءَ بِهِ، وَمَنْ غَلَّ كَأَنَّهُ لَمْ يُصَدِّقْهُ لِعَدَمِ جَرْيِهِ عَلَى مُوجِبِ تَصْدِيقِهِ، وَلَمْ يَجْعَلْهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْمُؤْمِنِينَ زَجْرًا لَهُمْ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ يُقَالُ الْمُرَادُ بِالْمُؤْمِنِينَ الْمُتَّقُونَ مِنَ الذُّنُوبِ، وَبِالدُّخُولِ بِلَا عَذَابٍ، وَقَوْلُهُ:" إِنِّي رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ " يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ مَنْ يُعَذَّبُ فِي النَّارِ يَدْخُلُهَا، وَيُعَذَّبُ فِيهَا قَبْلَ الْقِيَامَةِ، وَفِيهِ تَأَمُّلٌ ; لِأَنَّ النُّصُوصَ شَاهِدَةٌ عَلَى أَنَّ دُخُولَ النَّارِ حَقِيقَةً يَكُونُ بَعْدَ الْحَشْرِ، فَتُحْمَلُ هَذِهِ الرُّؤْيَةُ عَلَى وَجْهِ التَّمْثِيلِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّهُ سَيَكُونُ كَذَلِكَ، كَمَا مُثِّلَ لَهُ صلى الله عليه وسلم دُخُولُ بِلَالٍ فِي الْجَنَّةِ قَبْلَ مَوْتِهِ، نَعَمْ عَذَابُ الْقَبْرِ حَقٌّ، لَكِنَّهُ نَوْعٌ آخَرُ لَا بِهَذَا الْوَجْهِ.
قُلْتُ: يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَلَامِ مَجَازٌ أَيْ: عَلِمْتُهُ فِي الْمَعْصِيَةِ الْمُوجِبَةِ لِلنَّارِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ - وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ - يَصْلَوْنَهَا يَوْمَ الدِّينِ} [الانفطار: 13 - 15] وَيُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالنَّارِ نَارُ الْبَرْزَخِ، كَمَا فِي حَدِيثِ:" «الْقَبْرُ رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ، أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النِّيرَانِ» "، أَوِ الرُّؤْيَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَى الْكَشْفِ وَالْمُشَاهَدَةِ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَآلَهُ إِلَى النَّارِ.
قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: الْكَلَامُ فِي الشَّهَادَةِ لَا فِي الْإِيمَانِ فَمَا مَعْنَى هَذَا الْقَوْلِ؟ قُلْتُ: هُوَ تَغْلِيظٌ وَارِدٌ عَلَى سَبِيلِ الْمُبَالَغَةِ يَعْنِي جَزَمْتُمْ أَنَّهُ مِنَ الشُّهَدَاءِ، وَأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ، وَقَدْ رَأَيْتُهُ فِي النَّارِ فَدَعُوا هَذَا الْكَلَامَ ; لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي إِيمَانِهِ زَجْرًا وَرَدْعًا عَنِ الْغُلُولِ اهـ. وَيُمْكِنُ أَنَّهُ انْكَشَفَ لَهُ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ فِي النَّارِ، وَمَا انْكَشَفَ لَهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ، وَحَقِيقَةُ الشَّهَادَةِ مُتَوَقِّفَةٌ عَلَى الْإِيمَانِ، كَمَا أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ مُتَفَرِّعٌ عَلَيْهِ، فَلَا يَنْبَغِي الْجَزْمُ بِالشَّهَادَةِ. لَا سِيَّمَا وَقَدْ ظَهَرَ مِنْهُ بَعْضُ أَسْبَابِ الشَّقَاوَةِ، وَإِنْ كَانَ حَصَلَ مِنْهُ بَعْضُ أَحْوَالِ السَّعَادَةِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ. (رَوَاهُ مُسْلِمٌ) .
[بَابُ الْجِزْيَةِ]
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
4035 -
عَنْ بَجَالَةَ رضي الله عنه، قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَمِّ الْأَحْنَفِ، فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، رضي الله عنه، قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: فَرِّقُوا بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ. وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ. رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.
وَذَكَرَ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ رضي الله عنه، إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ فِي " بَابِ الْكِتَابِ إِلَى الْكُفَّارِ ".
ــ
بَابُ الْجِزْيَةِ
قَالَ الرَّاغِبُ: الْجِزْيَةُ مَا يُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَتَسْمِيَتُهَا بِذَلِكَ لِلِاجْتِزَاءِ بِهَا فِي حَقْنِ دَمِهِمْ. قَالَ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ} [التوبة: 29] أَيْ: ذَلِيلُونَ حَقِيرُونَ مُنْقَادُونَ. وَفِي الْهِدَايَةِ: لَوْ بَعَثَ بِهَا عَلَى يَدِ نَائِبِهِ لَا يُقْبَلُ مِنْهُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَاتِ، بَلْ يُكَلَّفُ أَنْ يَأْتِيَ بِهَا نَفْسُهُ فَيُعْطِيَ قَائِمًا، وَالْقَابِضُ جَالِسٌ وَفِي رِوَايَةٍ: يَأْخُذُهُ بِتَلَابِيبِهِ وَهُوَ مَا يَلِي صَدْرَهُ مِنْ ثِيَابِهِ، وَيَقُولُ: أَعْطِ الْجِزْيَةَ يَا ذِمِّيُّ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْجِزْيَةُ فِي اللُّغَةِ الْجَزَاءُ وَإِنَّمَا بُنِيَتْ عَلَى فِعْلَةٍ لِلدَّلَالَةِ عَلَى هَيْئَةِ الْإِذْلَالِ عِنْدَ الْإِعْطَاءِ، وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ: جِزْيَةٌ تُوضَعُ بِالتَّرَاضِي وَالصُّلْحِ عَلَيْهَا فَتَتَقَدَّرُ بِحَسَبِ مَا عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ، فَلَا يُزَادُ عَلَيْهِ تَحَرُّزًا عَنِ الْغَدْرِ، وَأَصْلُهُ صُلْحُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَهْلَ نَجْرَانَ، وَهُمْ قَوْمٌ مِنْ نَصَارَى بِقُرْبِ الْيَمَنِ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ فِي الْعَامِ، عَلَى مَا فِي أَبِي دَاوُدَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ:«صَالَحَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَهْلَ نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ. النِّصْفُ فِي صِفْرٍ، وَالنِّصْفُ فِي رَجَبٍ» اهـ.
وَالْحُلَّةُ: ثَوْبَانِ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ وَفِي رِوَايَةٍ: كُلُّ حُلَّةٍ أُوقِيَةٌ بِمَعْنَى قِيمَتُهَا أُوقِيَةٌ. وَصَالَحَ عُمَرُ رضي الله عنه نَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ كُلٍّ مِنْهُمْ ضِعْفَ مَا يُؤْخَذُ مِنْ مُسْلِمٍ مِنَ الْمَالِ الْوَاجِبِ، وَالضَّرْبُ الثَّالِثُ جِزْيَةٌ يَبْتَدِئُ الْإِمَامُ بِتَوْظِيفِهَا إِذَا غَالَبَ عَلَى الْكُفَّارِ، فَفَتَحَ بِلَادَهُمْ وَأَقَرَّهُمْ عَلَى أَمْلَاكِهِمْ، فَهَذِهِ مُقَدَّرَةٌ بِقَدْرٍ مَعْلُومٍ شَاءُوا، أَوْ أَبَوْا، رَضُوا، أَوْ لَمْ يَرْضَوْا، فَيَضَعُ عَلَى الْغَنِيِّ فِي سَنَةٍ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمَيْنِ، وَعَلَى الْفَقِيرِ الْمُعْتَمِلِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهْمًا فِي كُلِّ شَهْرٍ دِرْهَمٍا وَاحِدًا، وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُمَاكِسَهُمْ حَتَّى يَأْخُذَ مِنَ الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَيْنِ، وَمِنَ الْغَنِيِّ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يُوضَعُ عَلَى كُلِّ حَالِمٍ أَيْ: بَالِغٍ دِينَارًا، أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا. وَقَالَ
مَالِكٌ: يَأْخُذُ مِنَ الْغَنِيِّ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، أَوْ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَمِنَ الْفَقِيرِ عَشْرَةَ دَرَاهِمَ، أَوْ دِينَارًا. وَقَالَ الثَّوْرِيُّ: وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ هِيَ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ، بَلْ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ ; لِأَنَّهُ عليه السلام أَمَرَ مُعَاذًا يَأْخُذُ الدِّينَارَ، وَصَالَحَ هُوَ عليه السلام نَصَارَى نَجْرَانَ عَلَى أَلْفَيْ حُلَّةٍ.
الْفَصْلُ الْأَوَّلُ
4035 -
(عَنْ بَجَالَةَ) : بِفَتْحِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِ الْجِيمِ قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ ابْنُ عَبْدٍ التَّمِيمِيُّ مَكِّيٌّ ثِقَةٌ، وَيُعَدُّ فِي أَهْلِ الْبَصْرَةِ، سَمِعَ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ، وَعَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ (قَالَ: كُنْتُ كَاتِبًا لِجَزْءِ بْنِ مُعَاوِيَةَ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَبِهَمْزَةٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ، وَكَذَا يَرْوِيهِ أَهْلُ اللُّغَةِ، وَأَهْلُ الْحَدِيثِ، وَيَقُولُونَهُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الزَّايِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ تَحْتَهَا نُقْطَتَانِ، قَالَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ. وَقَالَ عَبْدُ الْغَنِيِّ: بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِ الزَّايِ وَبَعْدَهَا يَاءٌ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْأَوَّلُ هُوَ الصَّحِيحُ أَيْ: مِمَّا ذُكِرَ فِي اسْمِهِ، وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِمَا فِي الْأُصُولِ الْمُصَحَّحَةِ، وَقِيلَ: بِكَسْرِ الزَّايِ بَعْدَهَا يَاءٌ مُشَدَّدَةٌ كَمَا فِي بَعْضِ النُّسَخِ، وَهُوَ تَمِيمِيٌّ تَابِعِيٌّ، وَكَانَ وَالِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رضي الله عنه بِالْأَهْوَازِ (عَمِّ الْأَحْنَفِ) أَيِ: ابْنِ قَيْسٍ وَهُوَ بَدَلٌ مِنْ جَزْءٍ (فَأَتَانَا كِتَابُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ: فَرِّقُوا) أَيْ: فِي النِّكَاحِ (بَيْنَ كُلِّ ذِي مَحْرَمٍ مِنَ الْمَجُوسِ) : أَمَرَهُمْ بِمَنْعِ الْمَجُوسِيِّ الذِّمِّيِّ عَنْ نِكَاحِ الْمَحْرَمِ كَالْأُخْتِ وَالْأُمِّ وَالْبِنْتِ ; لِأَنَّهُ شِعَارٌ مُخَالِفٌ لِلْإِسْلَامِ، فَلَا يُمَكَّنُونَ مِنْهُ، إِنْ كَانَ مِنْ دِينِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ: الْمَحْرَمُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، وَمَعْنَاهُ الَّذِي يَحْرُمُ أَذَاكَ عَلَيْهِ، وَيُقَالُ: مُسْلِمٌ مَحْرَمٌ، وَهُوَ الَّذِي لَمْ يَحِلَّ مِنْ نَفْسِهِ شَيْئًا يَرْفَعُ بِهِ قِيلَ: مَعْنَاهُ بَعِّدُوا أَهْلَ الْكِتَابِ مِنَ الْمَجُوسِ (وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ أَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنَ الْمَجُوسِ) أَيْ: عَبَدَةِ النَّارِ (حَتَّى شَهِدَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَخَذَهَا) أَيِ: الْجِزْيَةَ (مِنْ مَجُوسِ هَجَرَ) : بِفَتْحِ هَاءٍ وَجِيمٍ قَاعِدَةُ أَرْضِ الْبَحْرِينِ كَذَا فِي الْمُغْنِي، وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: هَجَرُ بَلْدَةٌ فِي الْبَحْرِينِ اهـ. وَهُوَ غَيْرُ مُنْصَرِفٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالتَّنْوِينِ، وَهُوَ الْأَظْهَرُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْمُ بَلَدٍ بِالْيَمَنِ يَلِي الْبَحْرِينِ وَاسْتِعْمَالُهُ عَلَى التَّذْكِيرِ وَالصَّرْفِ، وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: هَجَرُ بِكَسْرِ الْهَاءِ وَفَتْحِهَا وَبِفَتْحِ الْجِيمِ اسْمُ بَلَدٍ فِي الْيَمَنِ، وَقِيلَ: اسْمُ قَرْيَةٍ بِالْمَدِينَةِ اهـ.
وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَسْرَ الْهَاءِ سَهْوُ قَلَمٍ لِمُخَالَفَتِهِ أَرْبَابَ اللُّغَةِ وَأَصْحَابَ الْحَدِيثِ، فَفِي الْقَامُوسِ: هَجَرُ مُحَرَّكَةٌ بَلَدٌ بِالْيَمَنِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَثَرَ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ مَذْكُورٌ مَصْرُوفٌ، وَقَدْ يُؤَنَّثُ وَيُمْنَعُ، وَاسْمٌ لِجَمِيعِ أَرْضِ الْبَحْرِينِ، وَمِنْهُ الْمَثَلُ: كَمُبَضِّعِ تَمْرٍ إِلَى هَجَرَ، وَقَوْلُ عُمَرَ رضي الله عنه: عَجِبْتُ لِتَاجِرِ هَجَرَ كَأَنَّهُ أَرَادَ لِكَثْرَةِ مَائِهِ، أَوْ لِرُكُوبِ الْبَحْرِ، وَقَرْيَةٌ كَانَتْ قُرْبَ الْمَدِينَةِ يُنْسَبُ إِلَيْهَا الْقِلَالُ، أَوْ تُنْسَبُ إِلَى هَجَرِ الْيَمَنِ. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: أَجْمَعُوا عَلَى أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنَ الْمَجُوسِ، وَذَهَبَ أَكْثَرُهُمْ إِلَى أَنَّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، وَإِنَّمَا أُخِذَتِ الْجِزْيَةُ مِنْهُمْ بِالسُّنَّةِ، كَمَا أُخِذَتْ مِنَ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْكِتَابِ، وَقِيلَ هُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ، رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ قَالَ: كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ يَدْرُسُونَهُ، فَأَصْبَحُوا وَقَدْ أُسْرِيَ عَلَى كِتَابِهِمْ فَرُفِعَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) : وَكَذَا أَبُو دَاوُدَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرًا، ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
(وَذَكَرَ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ، إِذَا أَمَّرَ) : بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ: عَيَّنَ (أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ) : وَفِي نُسْخَةٍ عَلَى جَيْشِهِ، الْحَدِيثُ بِطُولِهِ (فِي بَابِ: الْكِتَابِ) أَيِ: الْكِتَابَةُ (إِلَى الْكُفَّارِ) .
الْفَصْلُ الثَّانِي
4036 -
عَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه: «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا وَجَّهَهُ إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ ـ يَعْنِي: مُحْتَلِمٍ ـ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مِنَ الْمَعَافِرِيِّ: ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ» رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّانِي
4036 -
(عَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنه: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَمَّا وَجَّهَهُ) أَيْ: أَرْسَلَهُ (إِلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ) أَيْ: بَالِغٍ (يَعْنِي: مُحْتَلِمٍ) : تَفْسِيرٌ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ بِمَعْنَى أَيْ: وَلِذَا جَرَّ مُحْتَلِمٍ. قَالَ الطِّيبِيُّ: يَدُلُّ مِنْ طَرِيقِ الْمَفْهُومِ عَلَى أَنَّ الْجِزْيَةَ لَا تُؤْخَذُ إِلَّا مِنَ الرَّجُلِ الْبَالِغِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: لَا جِزْيَةَ عَلَى امْرَأَةٍ وَلَا صَبِيٍّ، وَكَذَا عَلَى مَجْنُونٍ بِلَا خِلَافٍ ; لِأَنَّ الْجِزْيَةَ بَدَلٌ عَنْ قَتْلِهِمْ عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ، أَوْ عَنْ قِتَالِهِمْ نُصْرَةً لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى قَوْلِنَا، وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا كَذَلِكَ، وَلَا عَلَى أَعْمَى وَزَمِنٍ وَمَفْلُوجٍ، وَلَا مِنَ الشَّيْخِ الْكَبِيرِ الَّذِي لَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى قِتَالٍ وَلَا كَسْبٍ، وَلَا عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ يَعْنِي الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى الْعَمَلِ، وَعَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ فِي ذِمَّتِهِ لَهُ إِطْلَاقُ حَدِيثِ مُعَاذٍ، وَهُوَ قَوْلُهُ عليه السلام:" خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ " وَلَنَا: أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ بَعَثَهُ عُمَرُ لَمْ يُوَظِّفِ الْجِزْيَةَ عَلَى فَقِيرٍ غَيْرِ مُعْتَمِلٍ، وَرَوَى ابْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ بِسَنَدِهِ قَالَ: أَبْصَرَ عُمَرُ شَيْخًا كَبِيرًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ يَسْأَلُ فَقَالَ لَهُ: مَا لَكَ، فَقَالَ: لَيْسَ لِي مَالٌ وَإِنَّ الْجِزْيَةَ تُؤْخَذُ مِنِّي فَقَالَ لَهُ عُمَرُ: مَا أَنْصَفْنَاكَ أَكَلْنَا شَبِيبَتَكَ، ثُمَّ نَأْخُذُ مِنْكَ الْجِزْيَةَ، ثُمَّ كَتَبَ إِلَى عُمَّالِهِ أَنْ لَا تَأْخُذُوا الْجِزْيَةَ مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ، وَلَا يُوضَعُ عَلَى الْمَمْلُوكِ وَالْمُكَاتَبِ وَالْمُدَبَّرِ وَأُمِّ الْوَلَدِ اتِّفَاقًا، وَلَا يُوضَعُ عَلَى الرُّهْبَانِ جَمْعُ رَاهِبٍ، وَقَدْ يُقَالُ: لِلْوَاحِدِ رُهْبَانٌ أَيْضًا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخَالِطَ النَّاسَ، وَمَنْ خَالَطَ مِنْهُمْ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ. (دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ مَا يُسَاوِي الشَّيْءَ مِنْ جِنْسِهِ، وَبِالْكَسْرِ هُوَ الْمِثْلُ كَذَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ. وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: مَا يُسَاوِيهِ، وَهُوَ مَا يُعَادِلُ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَتَحُوا عَيْنَهُ لِلتَّفَرِيقِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدْلِ الَّذِي هُوَ الْمِثْلُ اهـ. فَيَنْبَغِي أَنْ يُضْبَطَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ لَا غَيْرُ، لَكِنَّهُ فِي النُّسَخِ مَضْبُوطًا بِالْوَجْهَيْنِ، فَكَأَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا، فَفِي مُخْتَصَرِ النِّهَايَةِ: الْعَدْلُ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ الْمِثْلُ، وَقِيلَ: بِالْفَتْحِ مَا عَادَلَهُ مِنْ جِنْسِهِ، وَبِالْكَسْرِ مَا لَيْسَ مِنْ جِنْسِهِ، وَقِيلَ: بِالْعَكْسِ. (مِنَ الْمَعَافِرِيِّ) : بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ.
قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: مَعَافِرُ عَلَمُ قَبِيلَةٍ مِنْ هَمْدَانَ لَا يَنْصَرِفُ فِي مَعْرِفَةٍ وَلَا نَكِرَةٍ ; لِأَنَّهُ جَاءَ عَلَى مِثَالِ مَا لَا يَنْصَرِفُ مِنَ الْجَمْعِ، وَإِلَيْهِمْ تُنْسَبُ الثِّيَابُ الْمَعَافِرِيَّةُ تَقُولُ: ثَوْبٌ مَعَافِرِيٌّ فَتَصْرِفُهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ، قَوْلُهُ: مَعَافِرُ كَذَا فِي نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي أَبِي دَاوُدَ، وَجَامِعِ الْأُصُولِ مِنَ الْمَعَافِرِيِّ كَمَا فِي الْمَتْنِ. قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: الْمَعَافِرِيُّ ثَوْبٌ مَنْسُوبٌ إِلَى مَعَافِرَ بْنِ مُرَّةَ، ثُمَّ صَارَ اسْمًا لِلثَّوْبِ بِلَا نِسْبَةٍ، ذَكَرَهُ فِي الْمُغْرِبِ. وَفِي الْجَمْهَرَةِ لِابْنِ دُرَيْدٍ: مَعَافِرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ يُنْسَبُ إِلَيْهِ الثِّيَابُ الْمَعَافِرِيَّةُ، وَفِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ لِلْقُتَيْبِيِّ: الْبُرُدُ الْمَعَافِرِيُّ مَنْسُوبٌ إِلَى مَعَافِرَ مِنَ الْيَمَنِ، وَفِي الْجَمْهَرَةِ، قَالَ الْأَصْمَعِيُّ: ثَوْبٌ مَعَافِرُ غَيْرُ مَنْسُوبٍ، فَمَنْ نَسَبَ فَقَدْ أَخْطَأَ عِنْدَهُ اهـ.
وَقَالَ شَارِحٌ لِلْمَصَابِيحِ قَوْلُهُ: مَعَافِرُ أَيْ: ثِيَابٌ مَعَافِرُ بِحَذْفِ الْمُضَافِ. (ثِيَابٌ) : بِالرَّفْعِ أَيْ: هِيَ ثِيَابٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْجَرِّ عَلَى الْبَدَلِ (تَكُونُ بِالْيَمَنِ) : وَفِي نُسْخَةٍ بِالْيَمَنِ، قَالَ الْقَاضِي: فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ الْجِزْيَةِ دِينَارٌ، وَيَسْتَوِي فِيهِ الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ ; لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم عَمَّمَ الْحُكْمَ وَلَمْ يُفَصِّلْ، وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُؤْخَذُ مِنَ الْمُوسِرِ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَمِنَ الْمُتَوَسِّطِ دِينَارَانِ، وَمِنَ الْمُعْسِرِ دِينَارٌ اهـ.
وَسَبَقَ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَذْهَبُ، بَلِ الْمُسْتَحَبُّ، ثُمَّ مَذْهَبُنَا مَنْقُولٌ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ، ذَكَرَهُ الْأَصْحَابُ فِي كُتُبِهِمْ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَجَّهَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ، وَعُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ إِلَى السَّوَادِ، فَمَسَحَا أَرْضَهَا وَوَضَعَا عَلَيْهِ الْخَرَاجَ، وَجَعَلَا النَّاسَ ثَلَاثَ طَبَقَاتٍ عَلَى مَا قُلْنَا، فَلَمَّا رَجَعَا أَخْبَرَاهُ بِذَلِكَ، ثُمَّ عَمِلَ عُثْمَانُ كَذَلِكَ رضي الله عنه، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ: حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ، عَنِ الشَّيْبَانِيِّ عَنْ أَبِي عَوْنٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيِّ قَالَ: وَضَعَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه فِي الْجِزْيَةِ عَلَى رُءُوسِ الرِّجَالِ عَلَى الْغَنِيِّ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ، وَعَلَى الْفَقِيرِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا، وَهُوَ مُرْسَلٌ. وَرَوَاهُ ابْنُ زَنْجَوَيْهِ فِي كِتَابِ الْأَمْوَالِ، حَدَّثَنَا أَبُو نُعَيْمٍ، حَدَّثَنَا مَعْدِلٌ عَنِ الشَّيْبَانِيِّ، عَنْ أَبِي عَوْنٍ، عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ عُمَرَ وَضَعَ إِلَى آخِرِهِ، وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ إِلَى أَبِي نُصْرَةَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَضَعَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذِّمَّةِ، فِيمَا فُتِحَ مِنَ الْبِلَادِ، وَوَضَعَ عَلَى الْغَنِيِّ إِلَخْ. وَمِنْ طَرِيقٍ آخَرَ أَسْنَدَهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ إِلَى حَارِثَةَ بْنِ مَضْرِبٍ، عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ بَعَثَ عُثْمَانَ بْنَ حُنَيْفٍ، فَوَضَعَ عَلَيْهِمْ ثَمَانِيَةً وَأَرْبَعِينَ، وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ، وَاثْنَيْ عَشَرَ، وَكَانَ ذَلِكَ بِمَحْضَرٍ مِنَ الصَّحَابَةِ بِلَا نَكِيرٍ، فَحَلَّ مَحَلَّ الْإِجْمَاعِ. قَالَ: وَمَا رُوِيَ مِنْ وَضْعِ الدِّينَارِ عَلَى الْكُلِّ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ صُلْحًا، فَإِنَّ الْيَمَنَ لَمْ يُفْتَحْ عَنْوَةً، بَلْ صُلْحًا، فَوَضَعَ عَلَى ذَلِكَ، وَبِهِ قُلْنَا، وَلِأَنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ كَانُوا أَهْلَ فَاقَةٍ وَالنَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم يَعْلَمُ، فَفَرَضَ عَلَيْهِمْ مَا عَلَى الْفُقَرَاءِ. يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، عَنْ مُجَاهِدٍ قُلْتُ لِمُجَاهِدٍ: مَا شَأْنُ أَهْلِ الشَّامِ عَلَيْهِمْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ، وَأَهْلُ الْيَمَنِ عَلَيْهِمْ دِينَارٌ؟ قَالَ: جُعِلَ ذَلِكَ مِنْ قِبَلِ الْيَسَارِ، قَالَ: ثُمَّ اخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ مِنَ الْغَنِيِّ وَالْمُتَوَسِّطِ وَالْفَقِيرِ، فَقِيلَ: إِنْ كَانَ لَهُ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، فَهُوَ مُوسِرٌ، وَمَنْ كَانَ لَهُ مِائَتَانِ فَصَاعِدًا مَا لَمْ يَصِلْ إِلَى الْعَشَرَةَ فَمُتَوَسِّطٌ فَمَنْ كَانَ مُعْتَمِلًا أَيْ: مُكْتَسِبًا فَهُوَ مُعْسِرٌ، وَقَالَ الْفَقِيهُ أَبُو جَعْفَرٍ: وَيُنْظَرُ إِلَى عَادَةِ كُلِّ بَلَدٍ فِي ذَلِكَ، أَلَا تَرَى أَنَّ صَاحِبَ خَمْسِينَ أَلْفًا بِبَلْخٍ يُعَدُّ مِنَ الْمُكْثِرِينَ، وَفِي الْبَصْرَةِ وَبَغْدَادَ لَا يُعَدُّ مُكْثِرًا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا بَقِيَّةُ الْأَرْبَعَةِ ذَكَرَهُ السَّيِّدُ جَمَالُ الدِّينِ.
وَقَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذٍ قَالَ:«بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِلَى الْيَمَنِ، وَأَمَرَنِي أَنْ آخُذَ مِنَ الْبَقَرِ مَنْ كُلِّ ثَلَاثِينَ تَبِيعًا، أَوْ تَبِيعَةً، وَمَنْ كُلِّ أَرْبَعِينَ مُسِنَّةً، وَمَنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ مِنْ غَيْرِ فَصْلٍ بَيْنَ غَنِيٍّ وَفَقِيرٍ» . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَذَكَرَ أَنَّ بَعْضَهُمْ رَوَاهُ عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مُرْسَلًا، قَالَ: وَهُوَ أَصَحُّ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ، وَهَذَا كَمَا تَرَى لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْحَالِمِ، وَفِي مُسْنَدِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ: حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، عَنِ الْأَعْمَشِ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ، عَنْ مَسْرُوقٍ، عَنْ مُعَاذٍ رضي الله عنهم: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم بَعَثَ مُعَاذًا إِلَى أَنْ قَالَ: " وَمِنْ كُلِّ حَالِمٍ، أَوْ حَالِمَةٍ دِينَارًا، أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرَ ". وَكَانَ مَعْمَرٌ يَقُولُ: هَذَا غَلَطٌ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ شَيْءٌ، وَفِيهِ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ فِيهَا ذِكْرُ الْحَالِمَةِ. قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ: هَذَا وَاللَّهُ أَعْلَمُ فِيمَا نَرَى مَنْسُوخٌ إِذْ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَوِلْدَانُهُمْ يُقْتَلُونَ مَعَ رِجَالِهِمْ، وَيُسْتَضَاءُ لِذَلِكَ بِمَا رَوَى الصَّعْبُ بْنُ جَثَّامَةَ:«أَنَّ خَيْلًا أَصَابَتْ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ عليه السلام: " هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ» . ثُمَّ أَسْنَدَ أَبُو عُبَيْدٍ، عَنِ الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةٍ قَالَ:«سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ أَنَقْتُلُهُمْ مَعَهُمْ؟ قَالَ: " نَعَمْ فَإِنَّهُمْ مِنْهُمْ» ، ثُمَّ نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِمْ يَوْمَ خَيْبَرَ.
4037 -
وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَا تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ» . رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
4037 -
(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " لَا تَصْلُحُ قِبْلَتَانِ ") أَيْ: أَهْلُهُمَا يَعْنِي دِينَيْنِ (" فِي أَرْضٍ وَاحِدَةٍ، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ ") : قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ أَيْ: لَا يَسْتَقِيمُ دِينَانِ بِأَرْضٍ عَلَى سَبِيلِ الْمُظَاهَرَةِ وَالْمُعَادَلَةِ فَأَمَّا الْمُسْلِمُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ الْإِقَامَةَ بَيْنَ ظَهَرَانَيْ قَوْمٍ كُفَّارٍ ; لِأَنَّ الْمُسْلِمَ إِذَا صَنَعَ ذَلِكَ فَقَدْ أَحَلَّ نَفْسَهُ فِيهِمْ مَحَلَّ الذِّمِّيِّ فِينَا، وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَجُرَّ إِلَى نَفْسِهِ الصَّغَارَ وَيَتَوَسَّمَ بِسِمَةٍ مَنْ ضُرِبَ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَأَنَّى لَهُ الصَّغَارُ وَالذِّلَّةُ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَمَّا الَّذِي يُخَالِفُ دِينُهُ دِينَ الْإِسْلَامِ، فَلَا يُمَكَّنُ مِنَ الْإِقَامَةِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ إِلَّا بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ، ثُمَّ لَا يُؤْذَنُ لَهُ فِي الْإِشَاعَةِ بِدِينِهِ، وَوَجْهُ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ أَنَّ الذِّمِّيَّ إِنَّمَا أُقِرَّ عَلَى مَا هُوَ عَلَيْهِ بِبَذْلِ الْجِزْيَةِ، وَالذِّمِّيُّ عَلَيْهِ الْجِزْيَةُ وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ، فَصَارَ ذَلِكَ رَافِعًا لِإِحْدَى الْقِبْلَتَيْنِ وَاضِعًا لِإِحْدَاهُمَا. وَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إِلَى أَنَّ مَعْنَى: وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ جِزْيَةٌ الْخَرَاجُ الَّذِي وُضِعَ عَلَى الْأَرَاضِي الَّتِي تُرِكَتْ فِي أَيْدِي أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ أَنَّ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ قَبْلَ أَدَاءِ مَا وَجَبَ عَلَيْهِ مِنَ الْجِزْيَةِ، فَإِنَّهُ لَا يُطَالَبُ بِهِ ; لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ، وَلَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ، وَهَذَا قَوْلٌ سَدِيدٌ لَوْ صَحَّ لَنَا وَجْهُ التَّنَاسُبِ بَيْنَ الْفَصْلَيْنِ اهـ.
وَفِيهِ أَنَّ وَجْهَ التَّنَاسُبِ لَيْسَ بِشَرْطٍ، إِذْ يُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّاوِيَ سَمِعَ الْفَصْلَيْنِ فِي مَحَلَّيْنِ، ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي رِوَايَتِهِ، وَأَظْهَرَ الْحُكْمَيْنِ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ مُفْرِدًا قَوْلَهُ: لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ. وَقَالَ: رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ مَعَ احْتِمَالِ أَنَّهُ قَطَعَهُ عَنِ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ. وَقِيلَ: هَذَا الْحَدِيثُ إِشَارَةٌ إِلَى إِجْلَاءِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ أَيْ: لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْكُنَ الْمُسْلِمُ وَالْكَافِرُ فِي بَلْدَةٍ وَاحِدَةٍ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ، وَأَمَّا قَوْلُهُ: وَلَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ. فَقِيلَ: الْمُرَادُ بِهَا الْخَرَاجُ الَّذِي وُضِعَ عَلَى أَرَاضِي بَلَدٍ فُتِحَ صُلْحًا عَلَى أَنْ يَكُونَ أَرَاضِيهِ لِأَهْلِهَا بِخَرَاجٍ مَضْرُوبٍ عَلَيْهِمْ، فَإِذَا أَسْلَمُوا سَقَطَ الْخَرَاجُ عَنْ أَرَاضِيهِمْ، وَتَسْقُطُ الْجِزْيَةُ عَنْ رُءُوسِهِمْ حَتَّى يَجُوزَ لَهُمْ بَيْعُهَا بِخِلَافِ مَا لَوْ صُولِحُوا عَلَى أَنْ تَكُونَ الْأَرَاضِي لَأَهِلَ الْإِسْلَامِ، وَهُمْ يَسْكُنُونَ فِيهَا بِخَرَاجٍ وُضِعَ عَلَيْهِمْ، أَوْ فُتِحَ عَنْوَةً، وَأُسْكِنَ أَهْلُ الذِّمَّةِ بِخَرَاجٍ، أَوْ دُونَهُ، فَإِنَّهُ لَا يَسْقُطُ بِإِسْلَامِهِمْ وَلَا بِالْمَوْتِ. (رَوَاهُ أَحَمَدُ وَالتِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ) .
قَالَ ابْنُ الْهُمَامِ: مَنْ أَسْلَمَ وَعَلَيْهِ جِزْيَةٌ بِأَنْ أَسْلَمَ بَعْدَ كَمَالِ السَّنَةِ سَقَطَتْ عَنْهُ، وَكَذَا لَوْ أَسْلَمَ فِي أَثْنَائِهَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فِيهِمَا، وَلَنَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ، عَنْ جَرِيرٍ، عَنْ قَابُوسِ بْنِ أَبُو ظَبْيَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «لَيْسَ عَلَى مُسْلِمٍ جِزْيَةٌ» ". قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَسُئِلَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ عَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: يَعْنِي إِذَا أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ، وَبِاللَّفْظِ الَّذِي فَسَّرَهُ بِهِ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ، رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «مَنْ أَسْلَمَ فَلَا جِزْيَةَ عَلَيْهِ» ". وَضَعَّفَ ابْنُ الْقَطَّانِ قَابُوسًا، وَلَيْسَ قَابُوسٌ فِي مُسْنَدِ الطَّبَرَانِيِّ، فَهَذَا بِعُمُومِهِ يُوجِبُ سُقُوطَ مَا كَانَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِ قَبْلَ إِسْلَامِهِ، بَلْ هُوَ الْمُرَادُ بِخُصُوصِهِ ; لِأَنَّهُ مَوْضِعُ الْفَائِدَةِ إِذْ عَدَمُ الْجِزْيَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ ابْتِدَاءً مِنْ ضَرُورِيَّاتِ الدِّينِ، فَالْإِخْبَارُ بِهِ مِنْ جِهَةِ الْفَائِدَةِ لَيْسَ كَالْإِخْبَارِ بِسُقُوطِهَا فِي حَالِ الْبَقَاءِ، وَبِهَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى سُقُوطِ الْجِزْيَةِ بِالْإِسْلَامِ، فَلَا يَرِدُ طَلَبُ الْفَرْقِ بَيْنَ الْجِزْيَةِ وَبَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ إِذْ كَلٌّ مِنْهُمَا عُقُوبَةٌ عَلَى الْكُفْرِ، ثُمَّ لَا يَرْتَفِعُ الِاسْتِرْقَاقُ بِالْإِسْلَامِ، وَكَذَا خَرَاجُ الْأَرْضِ، وَتَرْتَفِعُ الْجِزْيَةُ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَحَلُّ الْإِجْمَاعِ، فَإِنْ عُقِلَتْ حِكْمَتُهُ فَذَاكَ، وَإِلَّا وَجَبَ الِاتِّبَاعُ عَلَى أَنَّ الْفَرْقَ بَيْنَ خَرَاجِ الْأَرْضِ وَالْجِزْيَةِ وَاضِحٌ؛ إِذْ لَا إِذْلَالَ فِي خَرَاجِ الْأَرْضِ ; لِأَنَّهُ مُؤْنَةُ الْأَرْضِ كَيْ تَبْقَى فِي أَيْدِينَا، وَالْمُسْلِمُ مِمَّنْ يَسْعَى فِي بَقَائِهَا لِلْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْجِزْيَةِ ; لِأَنَّهَا ذُلٌّ ظَاهِرٌ وَشِعَارٌ، وَأَمَّا الِاسْتِرْقَاقُ فَلِأَنَّ إِسْلَامَهُ بَعْدَ تَعَلُّقِ مِلْكِ شَخْصٍ مُعَيَّنٍ، بَلِ اسْتِحْقَاقٌ لِلْعُمُومِ، وَالْحَقُّ الْخَاصُّ فَضْلًا عَنِ الْعَامِّ لَيْسَ كَالْمِلْكِ الْخَاصِّ.
4038 -
وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ:«بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ فَأَخَذُوهُ، فَأَتَوْا بِهِ، فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ، وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ» .
ــ
4038 -
(وَعَنْ أَنَسٍ رضي الله عنه، قَالَ: بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إِلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ) : بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ وَسُكُونِ التَّحْتِيَّةِ فَدَالٌ مُهْمِلَةٌ مَكْسُورَةٌ فَرَاءٌ ابْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْكِنْدِيُّ اسْمُ مَلِكِ دُومَةَ بِضَمِّ الدَّالِ، وَقَدْ يُفْتَحُ بَلَدٌ، أَوْ قَلْعَةٌ مِنْ بِلَادِ الشَّامِ قَرِيبُ تَبُوكَ، أُضِيفَ إِلَيْهَا كَمَا أُضِيفَ زِيدٌ إِلَى الْخَيْلِ، وَكَانَ نَصْرَانِيًّا، فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم سَرِيَّةً مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَأَعْرَابٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَجَعَلَ أَبَا بَكْرٍ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَخَالِدًا عَلَى الْأَعْرَابِ، وَقَالَ لِخَالِدٍ: إِنَّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ، فَانْتَهَتِ السَّرِيَّةُ إِلَى الْحِصْنِ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ وَهُوَ عَلَى السَّطْحِ مَعَ امْرَأَتِهِ، فَجَاءَتْ بَقَرَةٌ وَجَعَلَتْ تَحُكُّ بَابَ قَصْرِهِ بِقَرْنَيْهَا، فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ: هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا؟ قَالَ لَا وَاللَّهِ. قَالَ: أَفَنَتْرُكُ مِثْلَ هَذِهِ، فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ وَسُرِجَ وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَمَعَهُمْ أَخُوهُ، يُقَالُ لَهُ: حَسَّانُ فَتَلَقَّاهُمْ خَيْلُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، (فَأَخَذُوهُ) أَيْ: أُكَيْدِرُ وَقَتَلُوا حَسَّانَ، وَكَانَ صلى الله عليه وسلم وَصَّاهُمْ أَنْ لَا يَقْتُلُوهُ، وَكَانَ قَدْ كَتَبَ إِلَيْهِ صلى الله عليه وسلم، وَهُوَ أَهْدَى إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (فَأَتَوْا بِهِ، فَحَقَنَ) أَيْ: وَهَبَ (لَهُ دَمَهُ) : فِي الْمُغْرِبِ: حَقَنَ دَمَهُ إِذَا مَنَعَهُ أَنْ يُسْفَكَ، وَذَلِكَ إِذَا حَلَّ بِهِ الْقَتْلُ فَأَنْقَذَهُ (وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ) : ثُمَّ إِنَّهُ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلَامُهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .
4039 -
وَعَنْ حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَبِي أُمِّهِ، عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:( «إِنَّمَا الْعُشُورُ: عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ» ) . رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ.
ــ
4039 -
(وَعَنْ حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ) : بِالتَّصْغِيرِ رضي الله عنه (عَنْ جَدِّهِ، أَبِي أُمَامَةَ، عَنْ أَبِيهِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: هُوَ حَرْبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الثَّقَفِيُّ مُخْتَلَفٌ فِي اسْمِ أَبِيهِ، وَفِي حَدِيثِهِ، فَرَوَى حَدِيثَهُ عَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ، وَقَدِ اخْتُلِفَ عَنْهُ فَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ حَرْبٍ عَنْ خَالٍ لَهُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ ابْنُ الْأَحْوَصِ: عَنْ عَطَاءٍ عَنْ حَرْبٍ، عَنْ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ، عَنْ أَبِيهِ. وَقَالَ غَيْرُهُ: عَنْ عَطَاءٍ عَنْ حَرْبِ بْنِ هِلَالٍ الثَّقَفِيِّ، عَنْ أَبِي أُمَامَةَ. وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ: وَعَنْ حَرْبِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ جَدِّهِ أَبِي أُمِّهِ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ رضي الله عنهم. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:(إِنَّمَا الْعُشُورُ) : بِضَمَّتَيْنِ جَمْعُ عُشُرٍ (عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، وَلَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ عُشُورٌ) : قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَرَادَ بِهِ عُشُرَ مَالِ التِّجَارَةِ لَا عُشُرَ الصَّدَقَاتِ فِي غَلَّاتِ أَرْضِهِمْ. قَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا يُؤْخَذُ مِنَ الْمُسْلِمِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ دُونَ عُشُرِ الصَّدَقَاتِ، وَأَمَّا الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى، فَالَّذِي يَلْزَمُهُمْ مِنَ الْعُشُورِ وَهُوَ مَا صُولِحُوا عَلَيْهِ وَقْتَ الْعَقْدِ، فَإِنْ لَمْ يُصَالَحُوا عَلَى شَيْءٍ فَلَا عُشُورَ عَلَيْهِمْ، وَلَا يَلْزَمُهُمْ شَيْءٌ أَكْثَرُ مِنَ الْجِزْيَةِ، فَأَمَّا عُشُورُ أَرَاضِيهِمْ وَغَلَّاتِهِمْ، فَلَا تُؤْخَذُ مِنْهُمْ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: إِنْ أَخَذُوا مِنَّا عُشُورًا فِي بِلَادِهِمْ إِذَا تَرَدَّدْنَا إِلَيْهِمْ فِي التِّجَارَاتِ أَخَذْنَا مِنْهُمْ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذُوا لَمْ نَأْخُذِ اهـ. وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، لَكِنَّ الْمُقَرَّرَ فِي الْمَذْهَبِ فِي مَالِ التِّجَارَةِ أَنَّ الْعُشُرَ يُؤْخَذُ مِنْ مَالِ الْحَرْبِيِّ وَنِصْفَ الْعُشُرِ مِنَ الذِّمِّيِّ وَرُبُعَ الْعُشُرِ مِنَ الْمُسْلِمِ بِشُرُوطٍ ذُكِرَتْ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ، نَعَمْ يُعَامَلُ الْكُفَّارُ بِمَا يُعَامِلُونَ الْمُسْلِمِينَ إِذَا كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: إِذَا دَخَلَ أَهْلُ الْحَرْبِ بِلَادَ الْإِسْلَامِ تُجَّارًا فَإِنْ دَخَلُوا بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلَا رِسَالَةٍ غُنِمُوا، وَإِنْ دَخَلُوا بِأَمَانٍ وَشَرْطُهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ عُشْرٌ، أَوْ أَقَلُّ، أَوْ أَكْثَرُ أُخِذَ الْمَشْرُوطُ، وَإِذَا طَافُوا فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَلَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ فِي السَّنَةِ إِلَّا مَرَّةً. (رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ) .
4040 -
وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه، قَالَ:«قَلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا نَمَرُّ بِقَوْمٍ، فَلَا هُمْ يُضَيِّفُونَا، وَلَا هُمْ يُؤَدُّونَ مَا لَنَا عَلَيْهِمْ مِنْ حَقٍّ، وَلَا نَحْنُ نَأْخُذُ مِنْهُمْ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنْ أَبَوْا إِلَّا أَنْ تَأْخُذُوا كَرْهًا فَخُذُوا) » . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ.
ــ
4040 -
(وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رضي الله عنه، قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّا) أَيْ: مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ (نَمُرُّ بِقَوْمٍ) أَيْ: فِي مَنَازِلِهِمْ عِنْدَ الْخُرُوجِ إِلَى الْغَزْوِ (فَلَا هُمْ) أَيْ: مِنْ كَرَمِهِمْ وَمُرُوءَتِهِمْ (يُضَيِّفُونَا) : بِالتَّشْدِيدِ وَتُخَفَّفُ مِنْ بَابِ التَّفْعِيلِ وَالْإِفْعَالِ وَالنُّونُ مُخَفَّفَةٌ وَيَجُوزُ تَشْدِيدُهَا (وَلَا هُمْ يُؤَدُّونَ مَا لَنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ) أَيْ: مِنْ حَقِّ الْإِسْلَامِ، وَهُوَ الْمُوَاسَاةُ وَالْمُعَاوَنَةُ بِالدِّينِ وَنَحْوِهِ (وَلَا نَحْنُ نَأْخُذُ مِنْهُمْ) أَيْ: كُرْهًا فَيَحْصُلُ لَنَا بِذَلِكَ اضْطِرَارٌ وَضَرَرٌ عَظِيمٌ (فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنْ أَبَوْا) أَيِ: امْتَنَعُوا عَنْ كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الضِّيَافَةِ، وَالْبَيْعِ مُعَجَّلًا، أَوْ مُؤَجَّلًا
(إِلَّا أَنْ تَأْخُذُوا كَرْهًا) : بِضَمِّ الْكَافِ وَيُفْتَحُ (فَخُذُوا) أَيْ: كَرْهًا. وَذَكَرَ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا عَنْ مُحْيِي السُّنَّةِ أَنَّهُ قَالَ: قِيلَ كَانَ مُرُورُهُمْ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ، وَقَدْ كَانَ شَرَطَ عَلَيْهِمُ الْإِمَامُ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ، وَأَمَّا إِذَا لَمْ يَكُنْ قَدْ شَرَطَ عَلَيْهِمْ وَالنَّازِلُ غَيْرَ مُضْطَرٍّ، فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ مَالِ الْغَيْرِ إِلَّا عَنْ طِيبَةِ نَفْسٍ. (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ) أَيْ: فِي جَامِعِهِ. وَقَالَ: مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْرُجُونَ فِي الْغَزْوِ، فَيَمُرُّونَ بِقَوْمٍ وَلَا يَجِدُونَ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَشْتَرُونَ بِالثَّمَنِ، فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:(إِنْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوا إِلَّا أَنْ تَأْخُذُوا كَرْهًا فَخُذُوا) هَكَذَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ مُفَسَّرًا. قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ: وَلَا يَجِدُونَ مِنَ الطَّعَامِ مَا يَشْتَرُونَ، هَذَا تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ: وَلَا هُمْ يُؤَدُّونَ مَا لَنَا عَلَيْهِمْ مِنَ الْحَقِّ، عَلَى مَعْنَى أَنَّا إِذَا مِلْنَا الِاضْطِرَارَ إِلَى الطَّعَامِ الَّذِي عِنْدَهُمْ، وَكَانَ حَقًّا عَلَيْهِمْ أَنْ يُؤْثِرُوا عَلَيْنَا إِمَّا بِالْبَيْعِ، أَوِ الضِّيَافَةِ، فَإِذَا امْتَنَعُوا مِنْ ذَلِكَ كَيْفَ نَفْعَلُ بِهِمْ؟ فَقَالَ صلى الله عليه وسلم:(إِنْ أَبَوْا) إِلَخْ. وَفِيهِ مَعْنَى النَّفْيِ الْمُصَحِّحِ لِلِاسْتِثْنَاءِ أَيْ: إِنْ لَمْ يَحْصُلِ الْأَخْذُ بِشَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ إِلَّا بِأَنْ تَأْخُذُوا كَرْهًا فَخُذُوهُ.
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
4041 -
عَنْ أَسْلَمَ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رضي الله عنه، ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَالْوَرِقِ أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، مَعَ ذَلِكَ أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ. رَوَاهُ مَالِكٌ.
ــ
الْفَصْلُ الثَّالِثُ
4041 -
(عَنْ أَسْلَمَ رضي الله عنه ، قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مَوْلَى عُمَرَ، كُنْيَتُهُ أَبُو خَالِدٍ، كَانَ حَبَشِيًّا ابْتَاعَهُ عُمَرُ بِمَكَّةَ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ، سَمِعَ عُمَرُ، وَرَوَى عَنْهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَغَيْرُهُ، مَاتَ فِي وِلَايَةِ مَرْوَانَ، وَلَهُ مِائَةٌ وَأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً. (أَنَّ عُمَرَ رضي الله عنه، ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ) : أَيِ الْمُكْثِرِينَ مِنْهُ (أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيِ: الْفِضَّةِ (أَرْبَعِينَ دِرْهَمًا، مَعَ ذَلِكَ) أَيْ: مُنْضَمًّا مَعَ مَا ذُكِرَ، وَفِي نُسْخَةٍ: وَمَعَ ذَلِكَ (أَرْزَاقُ الْمُسْلِمِينَ) : قَالَ الطِّيبِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلَ الظَّرْفِ، وَأَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً وَهُوَ أَيِ: الظَّرْفُ خَبَرُهُ (وَضِيَافَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ) . عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: يَجُوزُ أَنْ يُصَالَحَ أَهْلُ الذِّمَّةِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ دِينَارٍ، وَأَنْ يُشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةُ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنَ الْمُسْلِمِينَ زِيَادَةً عَلَى أَصْلِ الْجِزْيَةِ، وَيُبَيَّنَ عَدَدُ الضِّيفَانِ مِنَ الرِّجَالِ وَالْفُرْسَانِ، وَعَدَدَ أَيَّامِ الضِّيَافَةِ، وَيُبَيَّنَ جِنْسُ أَطْعِمَتِهِمْ وَعَلَفَ دَوَابِّهِمْ وَيُفَاوَتَ بَيْنَ الْغَنِيِّ وَالْوَسَطِ فِي الْقَدْرِ دُونَ جِنْسِ الْأَطْعِمَةِ. رَوَاهُ مَالِكٌ. وَمِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْبَابِ أَنَّ الْجِزْيَةَ تُوضَعُ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَجَمِ، وَفِيهِ خِلَافُ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ يَقُولُ: الْقِتَالُ وَاجِبٌ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى {وَقَاتِلُوهُمْ} [البقرة: 193] إِلَّا أَنَّا عَرَفْنَا جَوَازَ تَرْكِهِ إِلَى الْجِزْيَةِ فِي حَقِّ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: {حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ} [التوبة: 29] وَفِي الْمَجُوسِ بِالْخَبَرِ الَّذِي ذُكِرَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ، فَبَقِيَ مَنْ وَرَاءَهُمْ عَلَى الْأَصْلِ، وَلَنَا أَنَّهُ يَجُوزُ اسْتِرْقَاقُهُمْ، فَيَجُوزُ ضَرْبُ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ، فَهَذَا الْمَعْنَى يُوجِبُ تَخْصِيصَ عُمُومِ وُجُوبِ الْقِتَالِ الَّذِي اسْتُدِلَّ بِهِ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ بِإِخْرَاجِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ عِنْدَ قَبُولِهِمُ الْجِزْيَةَ كَمَا ذُكِرَ، فَجَازَ تَخْصِيصُهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْمَعْنَى، كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْهُمَامِ. قَالَ: وَلَا تُوضَعُ الْجِزْيَةُ عَلَى عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنَ الْعَرَبِ وَالْمُرْتَدِّينَ ; لِأَنَّ كُفْرَهُمَا قَدْ تَغَلَّظَ، فَلَمْ يَكُونُوا فِي مَعْنَى الْعَجَمِ، أَمَّا الْعَرَبُ فَلِأَنَّ الْقُرْآنَ قَدْ نَزَلَ بِلُغَتِهِمْ، فَالْمُعْجِزَةُ فِي حَقِّهِمْ أَظْهَرُ، فَكَفْرُهُمْ وَالْحَالَةُ هَذِهِ أَغْلَظُ مِنْ كُفْرِ الْعَجَمِ، وَأَمَّا الْمُرْتَدُّونَ؛ فَلِأَنَّ كُفْرَهُمْ بَعْدَمَا هُدُوا لِلْإِسْلَامِ وَوَقَفُوا عَلَى مَحَاسِنِهِ فَكَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُقْبَلُ مِنَ الْفَرِيقَيْنِ إِلَّا الْإِسْلَامُ، أَوِ السَّيْفُ زِيَادَةً فِي الْعُقُوبَةِ لِزِيَادَةِ الْكُفْرِ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ يُسْتَرَقُّ مُشْرِكُو الْعَرَبِ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ ; لِأَنَّ الِاسْتِرْقَاقَ إِتْلَافٌ حُكْمًا فَيَجُوزُ كَمَا يَجُوزُ إِتْلَافُ نَفْسِهِ بِالْقَتْلِ، وَلَنَا قَوْلُهُ تَعَالَى:{تُقَاتِلُونَهُمْ أَوْ يُسْلِمُونَ} [الفتح: 16] أَيْ: إِلَى أَنْ يُسْلِمُوا.
وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام قَالَ: ( «لَا يُقْبَلُ مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ إِلَّا الْإِسْلَامُ، أَوِ السَّيْفُ» ) . وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ عَنْ يَعْقُوبَ عَنِ الْحَسَنِ عَنْ مِقْسَمٍ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ:(أَوِ الْقَتْلُ) مَكَانَ