المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: " كَفَى بِالسَّيْفِ شَا ". أَيْ شَاهِدًا - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح - جـ ٦

[الملا على القاري]

فهرس الكتاب

- ‌[بَابُ بُلُوغِ الصَّغِيرِ وَحَضَانَتِهِ فِي الصِّغَرِ]

- ‌[كِتَابُ الْعِتْقِ]

- ‌[بَابُ إِعْتَاقِ الْعَبْدِ الْمُشْتَرَكِ وَشِرَاءِ الْقَرِيبِ وَالْعِتْقِ فِي الْمَرَضِ]

- ‌[بَابُ الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ]

- ‌[بَابٌ فِي النُّذُورِ]

- ‌[كِتَابُ الْقِصَاصِ]

- ‌[كِتَابُ الدِّيَاتِ]

- ‌[بَابُ مَا لَا يُضَمَّنُ مِنَ الْجِنَايَاتِ]

- ‌[بَابُ الْقَسَامَةِ]

- ‌[بَابُ قَتْلِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَالسِّعَايَةِ بِالْفَسَادِ]

- ‌[كِتَابُ الْحُدُودِ]

- ‌[بَابُ قَطْعِ السَّرِقَةِ]

- ‌[بَابُ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ]

- ‌[بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ]

- ‌[بَابُ مَا لَا يُدْعَى عَلَى الْمَحْدُودِ]

- ‌[بَابُ التَّعْزِيرِ]

- ‌[بَابُ بَيَانِ الْخَمْرِ وَوَعِيدِ شَارِبِهَا]

- ‌[كِتَابُ الْإِمَارَةِ وَالْقَضَاءِ]

- ‌[بَابُ مَا عَلَى الْوُلَاةِ مِنَ التَّيْسِيرِ]

- ‌[بَابُ الْعَمَلِ فِي الْقَضَاءِ وَالْخَوْفِ مِنْهُ]

- ‌[بَابُ رِزْقِ الْوُلَاةِ وَهَدَايَاهُمْ]

- ‌[بَابُ الْأَقْضِيَةِ وَالشَّهَادَاتِ]

- ‌[كِتَابُ الْجِهَادِ]

- ‌[بَابُ إِعْدَادِ آلَةِ الْجِهَادِ]

- ‌[بَابُ آدَابِ السَّفَرِ]

- ‌[بَابُ الْكِتَابِ إِلَى الْكُفَّارِ وَدُعَائِهِمْ إِلَى الْإِسْلَامِ]

- ‌[بَابُ الْقِتَالِ فِي الْجِهَادِ]

- ‌[بَابُ حُكْمِ الْأُسَرَاءِ]

- ‌[بَابُ الْأَمَانِ]

- ‌[بَابُ قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَالْغُلُولِ فِيهَا]

- ‌[بَابُ الْجِزْيَةِ]

- ‌[بَابُ الصُّلْحِ]

- ‌[بَابُ إِخْرَاجِ الْيَهُودِ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ]

- ‌[بَابُ الْفَيْءِ]

- ‌[كِتَابُ الصَّيْدِ وَالذَّبَائِحِ]

الفصل: عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: " كَفَى بِالسَّيْفِ شَا ". أَيْ شَاهِدًا

عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ: " كَفَى بِالسَّيْفِ شَا ". أَيْ شَاهِدًا (" لَقِيَ اللَّهَ ") : أَيْ مَاتَ أَوْ بُعِثَ (" مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ آئِسٌ) : بِهَمْزَةٍ مَمْدُودَةٍ فَهَمْزَةٍ مَكْسُورَةٍ اسْمُ فَاعِلٍ مِنَ الْإِيَاسِ. بِمَعْنَى الْيَأْسِ أَيْ قَانِطٍ (" مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ ") : فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ الْكُفْرِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {لَا يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ} [يوسف: 87] وَالْمَعْنَى يُفْضَحُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بِهَذِهِ السِّمَةِ بَيْنَ كَرِيمَتِهِ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّغْلِيظِ، أَوْ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْلَالِ، ثُمَّ قَوْلُهُ:" آيِسٌ " إِلَخْ بِتَقْدِيرِ هَذَا اللَّفْظِ مُبْتَدَأٌ خَبَرُهُ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ، وَالْجُمْلَةُ حَالٌ مِنْ فَاعِلِ لَقِيَ (رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ) .

ص: 2278

3485 -

وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «إِذْ أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ الْآخَرُ، يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ» ". رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ.

ــ

3485 -

(وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " إِذَا أَمْسَكَ الرَّجُلُ الرَّجُلَ وَقَتَلَهُ ") : أَيِ الرَّجُلَ الْمَمْسُوكَ (" الْآخَرُ ") : بِفَتْحِ الْخَاءِ أَيِ الثَّالِثُ (" يُقْتَلُ الَّذِي قَتَلَ) : أَيْ بَاشَرَ قَتْلَهُ بِطَرِيقِ الْقِصَاصِ (" وَيُحْبَسُ الَّذِي أَمْسَكَ ") : أَيْ بِطَرِيقِ التَّعْزِيرِ، وَمِقْدَارُ الْحَبْسِ مُفَوَّضٌ إِلَى رَأْيِ الْإِمَامِ، وَفِيهِ الْمُمَاثَلَةُ اللُّغَوِيَّةُ وَهِيَ الْإِمْسَاكُ بِالْإِمْسَاكِ، وَظَاهِرُ الْمُمَاثَلَةِ أَنْ يَكُونَ إِلَى الْمَوْتِ قَالَ الطِّيبِيُّ: لَوْ أَمْسَكَ أَحَدٌ رَجُلًا حَتَّى قَتَلَهُ آخَرُ، فَلَا قَوَدَ عَلَى الْمُمْسِكِ، كَمَا لَوْ أَمْسَكَ امْرَأَةً حَتَّى زَنَى بِهَا آخَرُ لَا حَدَّ عَلَى الْمُمْسِكِ. وَقَالَ مَالِكٌ: إِنْ أَمْسَكَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَهُ قُتِلَا جَمِيعًا، وَإِنْ أَمْسَكَهُ وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ يُرِيدُ الضَّرْبَ، فَإِنَّهُ يُقْتَلُ الضَّارِبُ، وَيُعَاقَبُ الْمُمْسِكُ أَشَدَّ الْعُقُوبَةِ وَيُسْجَنُ سَنَةً اهـ. وَهُوَ تَفْصِيلٌ حَسَنٌ كَمَا لَا يَخْفَى عَلَى ذَوِي النُّهَى. قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَفِي الْمُنْتَقَى: لَوْ طَرَحَ رَجُلٌ رَجُلًا قُدَّامَ أَسَدٍ أَوْ سَبُعٍ، فَقَتَلَهُ لَيْسَ عَلَى الطَّارِحِ قَوَدٌ وَلَا دِيَةٌ، وَلَكِنْ يُعَزَّرُ وَيُضْرَبُ ضَرْبًا وَجِيعًا وَيُحْبَسُ حَتَّى يَتُوبَ. وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ: حَتَّى يَمُوتَ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: إِنْ كَانَ الْغَالِبُ الْقَتْلَ يَجِبُ الْقَوَدُ، وَإِنْ كَانَ الْغَالِبُ عَدَمَهُ، فَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ: أَحَدُهَا: يَجِبُ الْقَوَدُ، وَالْآخَرُ لَا يَجِبُ، وَلَكِنْ تَجِبُ الدِّيَةُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، وَقِيَاسُ قَوْلِ مَالِكٍ: يَجِبُ الْقَوَدُ. (رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ) .

ص: 2278

[كِتَابُ الدِّيَاتِ]

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

3486 -

عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ " يَعْنِي: الْخِنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ» . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ.

ــ

كِتَابُ الدِّيَاتِ فِي الْمُغْرِبِ: الدِّيَةُ مَصْدَرُ وَدَى الْقَاتِلُ الْمَقْتُولَ، إِذَا أَعْطَى وَلِيَّهُ الْمَالَ الَّذِي هُوَ بَدَلُ النَّفْسِ، ثُمَّ قِيلَ لِذَلِكَ الْمَالِ: الدِّيَةُ تَسْمِيَةً بِالْمَصْدَرِ، وَلِذَا جُمِعَتْ وَهِيَ مِثْلُ عِدَةٍ فِي حَذْفِ الْفَاءِ قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَأَصْلُ هَذَا اللَّفْظِ يَدُلُّ عَلَى الْجَرْيِ، وَمِنْهُ الْوَادِي ; لِأَنَّ الْمَاءَ يَدِي فِيهِ أَيْ يَجْرِي، وَهِيَ ثَابِتَةٌ بِالْكِتَابِ، وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى:{وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ} [النساء: 92] وَبِالسُّنَّةِ وَهِيَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ، وَبِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى وُجُوبِهَا فِي الْجُمْلَةِ.

الْفَصْلُ الْأَوَّلُ

3486 -

(عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ يَعْنِي) : أَيْ يُرِيدُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِقَوْلِهِ: " هَذِهِ وَهَذِهِ "(" الْخِنْصَرَ وَالْإِبْهَامَ ") : أَيْ هُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي الدِّيَةِ، وَإِنْ كَانَ الْإِبْهَامُ أَقَلَّ مَفْصِلًا مِنَ الْخِنْصَرِ، إِذْ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ عُشْرُ الدِّيَةِ، وَهِيَ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: يَجِبُ فِي كُلِّ أُصْبُعٍ يَقْطَعُهَا عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَإِذَا قَطَعَ أُنْمُلَةً مِنْ أَنَامِلِهِ فَفِيهَا ثُلُثُ دِيَةِ أُصْبُعٍ، إِلَّا أُنْمُلَةَ الْإِبْهَامِ فَإِنَّ فِيهَا نِصْفَ دِيَةِ أُصْبُعٍ ; لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إِلَّا أَنْمُلَتَانِ، وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ أَنَامِلِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ. (رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ) وَكَذَا الْأَرْبَعَةُ.

ص: 2278

3487 -

وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه قَالَ: «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مَنْ بَنِي لِحْيَانَ سَقَطَ مَيِّتًا بِغُرَّةِ: عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ، ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَالْعَقْلُ عَلَى عَصَبَتِهَا» ". مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

3487 -

(وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : أَيْ حَكَمَ (فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ) : فِي الْقَامُوسِ: الْجَنِينُ الْوَلَدُ فِي الْبَدَنِ وَالْجَمْعُ أَجِنَّةٌ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى:{هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَإِذْ أَنْتُمْ أَجِنَّةٌ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ} [النجم: 32] الْآيَةَ: (مِنْ بَنِي لِحْيَانَ) : بِكَسْرِ لَامٍ وَسُكُونِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ، وَجُوِّزَ فَتْحُ أَوَّلِهِ، وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ هُذَيْلٍ (سَقَطَ) : أَيْ وَقَعَ الْجَنِينُ (مَيِّتًا) : حَالٌ مُقَيِّدَةٌ، لِأَنَّهُ إِنْ أَلْقَتْهُ حَيًّا فَمَاتَ فَيَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ، وَإِنْ أَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَمَاتَتِ الْأُمُّ فَدِيَةٌ وَغُرَّةٌ، وَإِنْ مَاتَتْ فَأَلْقَتْهُ مَيِّتًا فَدِيَةٌ فَقَطْ، وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُ الْمَسْأَلَةِ فِي آخِرِ الْبَابِ (بِغُرَّةٍ) : بِالتَّنْوِينِ وَهُوَ مُتَعَلِّقُ قُضِيَ (عَبْدٌ) : بَيَانٌ لَهُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَإِذَا رُفِعَ فَخَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ: هِيَ عَبْدٌ (أَوْ أَمَةٌ) : (أَوْ) لِلتَّنْوِيعِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِإِضَافَتِهَا إِلَى عَبْدٍ. قَالَ النَّوَوِيُّ: الرِّوَايَةُ فِي غُرَّةٍ بِالتَّنْوِينِ وَمَا بَعْدَهُ بَدَلٌ مِنْهُ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِالْإِضَافَةِ، وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَ (أَوْ) فِي قَوْلِهِ: أَوْ أَمَةٌ لِلتَّقْسِيمِ لَا لِلشَّكِّ وَفِي النِّهَايَةِ: الْغُرَّةُ الْعَبْدُ نَفْسُهُ أَوِ الْأَمَةُ، وَأَصْلُ الْغُرَّةِ الْبَيَاضُ الَّذِي يَكُونُ فِي وَجْهِ الْفَرَسِ، وَكَانَ أَبُو عُمَرَ بْنُ الْعَلَاءِ يَقُولُ: الْغُرَّةُ عَبْدٌ أَبْيَضُ أَوْ أَمَةٌ بَيْضَاءُ، فَلَا يُقْبَلُ فِي الْجَنِينِ عَبْدٌ أَسْوَدُ وَلَا جَارِيَةٌ سَوْدَاءُ، وَلَيْسَ ذَلِكَ شَرْطًا عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: الْغُرَّةُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ مِنَ الْعَبْدِ مَنْ يَكُونُ ثَمَنُهُ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ. وَقَالَ الزَّيْلَعِيُّ: الْغُرَّةُ الْخِيَارُ وَغُرَّةُ الْمَالِ خِيَارُهُ كَالْفَرَسِ وَالْبَعِيرِ وَالنَّجِيبِ وَالْعَبْدِ وَالْأَمَةِ الْفَارِهَةِ، وَالْمُرَادُ بِهِ نِصْفُ عُشْرِ دِيَةِ الرَّجُلِ لَوْ كَانَ الْجَنِينُ ذَكَرًا، وَفِي الْأُنْثَى عُشْرُ دِيَةِ الْمَرْأَةِ، وَكُلٌّ مِنْهُمَا خَمْسُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَفِي جَنِينِ الْأَمَةِ لَوْ ذَكَرًا نِصْفُهُ عُشْرُ قِيمَتِهِ لَوْ كَانَ حَيًّا وَعُشْرُ قِيمَتِهِ لَوْ أُنْثَى. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجِبُ فِيهِ عُشْرُ قِيمَةِ الْأُمِّ، ثُمَّ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبَ فِي الْجَنِينِ شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَيَقَّنْ بِحَيَاتِهِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ هَذَا الْحَدِيثُ: وَيَسْتَوِي فِي الْجَنِينِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى، لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ. وَلِأَنَّهُ قَدْ لَا يُعْرَفُ الذَّكَرُ مِنَ الْأُنْثَى، فَيُقَدَّرُ الْكُلُّ بِمِقْدَارٍ وَاحِدٍ تَيْسِيرًا. (ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي قُضِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ: حُكِمَ عَلَيْهَا: وَفِي نُسْخَةٍ بِصِيغَةِ الْفَاعِلِ أَيْ: حَكَمَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ تُوُفِّيَتْ) : أَيِ الْجَانِيَةُ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ عَلَى عَاقِلَتِهَا ; لِأَنَّ الْغُرَّةَ عَلَى عَاقِلَتِهَا بِكُلِّ حَالٍ، وَالْمَعْنَى أَنَّ الْمَرْأَةَ الْجَانِيَةَ عَلَى الْجَنِينِ مَاتَتْ. (فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِأَنَّ مِيرَاثَهَا) : أَيْ تَرِكَةَ الْجَانِيَةِ (لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَالْعَقْلَ) : بِالنَّصْبِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ وَلَا مَعْنَى لَهُ أَيْ: وَقَضَى بِأَنَّ دِيَةَ الْجَنِينِ (عَلَى عَصَبَتِهَا) : أَيْ عَاقِلَتِهَا. قِيلَ: دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى الْعَصَبَةِ دُونَ الْأَبْنَاءِ وَالْآبَاءِ لَكِنَّ هَذَا إِذَا كَانَتِ الْقِصَّةُ فِي الْحَدِيثَيْنِ. أَعْنِي: هَذَا وَالْآتِي مُخْتَلِفَةً مُتَعَدِّدَةً لَا مُتَّفِقَةً مُتَّحِدَةً عَاقِلَتُهَا.

وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ الْعَقْلُ هُوَ الدِّيَةُ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مِنَ الْعَقْلِ وَهُوَ الشَّدُّ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَاتِلَ كَانَ يَأْتِي بِالْإِبِلِ فَيَعْقِلُهَا فِي فَنَاءِ الْمَقْتُولِ، وَبِهِ سُمِّيَتِ الْعَصَبَةُ الَّتِي تَحْمِلُ الْعَقْلَ عَاقِلَةً. وَقِيلَ: سُمِّيَتْ بِهِ عَاقِلَةً لِأَنَّهُ مِنَ الْمَنْعِ، وَالْعَقْلُ هُوَ الْمَنْعُ، وَبِهِ سُمِّيَ الْعَقْلُ الْمُرَكَّبُ فِي الْإِنْسَانِ لِأَنَّهُ يَمْنَعُهُ عَمَّا لَا يَحْسُنُ. قَالَ النَّوَوِيُّ: وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْجَنِينِ هِيَ الْغُرَّةُ سَوَاءٌ كَانَ الْجَنِينُ ذَكَرًا أَوْ أُنْثَى، وَسَوَاءٌ كَانَ كَامِلَ الْخِلْقَةِ أَوْ نَاقَصَهَا إِذَا تَصَوَّرَ فِيهَا خَلْقًا آدَمِيًّا، وَإِنَّمَا كَانَ كَذَلِكَ ; لِأَنَّ الْجَنِينَ قَدْ يَخْفَى، فَيَكْثُرُ فِيهِ النِّزَاعُ فَضَبَطَهُ الشَّرْعُ بِمَا يَقْطَعُ النِّزَاعَ، ثُمَّ الْغُرَّةُ تَكُونُ لِوَرَثَةِ الْجَنِينِ جَمِيعِهِمْ، وَهَذَا شَخْصٌ يُورَثُ وَلَا يُوَرَّثُ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ نَظِيرٌ إِلَّا مَنْ بَعْضُهُ حُرٌّ وَبَعْضُهُ رَقِيقٌ، فَإِنَّهُ لَا يَرِثُ عِنْدَنَا، وَلَكِنْ يُورَثُ عَلَى الْأَصَحِّ، هَذَا إِذَا انْفَصَلَ الْجَنِينُ مَيِّتًا فَإِنِ انْفَصَلَ حَيًّا ثُمَّ مَاتَ فَيُحَبُّ فِيهِ كَمَالُ دِيَةِ الْكَبِيرِ، فَإِنْ كَانَ ذَكَرًا وَجَبَ مِائَةُ بَعِيرٍ، وَإِنْ كَانَ أُنْثَى خَمْسُونَ، وَسَوَاءٌ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ، وَمَتَى وَجَبَتِ الْغُرَّةُ وَجَبَتْ عَلَى الْعَاقِلَةِ لَا عَلَى الْجَانِي قَالَ الْعُلَمَاءُ: قَوْلُهُ ثُمَّ إِنَّ الْمَرْأَةَ إِلَخْ قَدْ يُوهِمُ خِلَافَ مُرَادِهِ، فَالصَّوَابُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الَّتِي مَاتَتْ هِيَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهَا أُمُّ الْجَنِينِ لَا الْجَانِيَةُ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ يَعْنِي بِهِ الْآتِي، فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرَّةِ أَيِ الَّتِي قَضَى لَهَا بِالْغُرَّةِ، فَعَبَّرَ بِعَلَيْهَا عَنْ لَهَا، وَالْحَرَجُ فِيهِ مَحْمُولٌ عَلَى حَجَرٍ صَغِيرٍ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا، فَيَكُونُ شِبْهَ عَمْدٍ يَجِبُ فِيهِ الدِّيَةُ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَلَيْسَ عَلَى الْجَانِي قِصَاصٌ وَلَا دِيَةٌ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْجَمَاهِيرِ اهـ.

ص: 2279

وَسَيَأْتِي بَيَانُ مَذَاهِبِ غَيْرِهِ، وَمُجْمَلُهُ أَنَّ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ عِنْدَنَا سَوَاءٌ فِي الْكُبْرَى ضَرَبَ رَجُلًا بِصَخْرَةٍ فَمَاتَ لَا قِصَاصَ عَلَيْهِ، قِيلَ لِأَبِي حَنِيفَةَ: أَرَأَيْتَ إِنْ كَانَتْ صَخْرَةً عَظِيمَةً؟ فَقَالَ: وَإِنْ ضَرَبَهُ بِجَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ، وَقِيلَ: لَفْظُ أَبِي حَنِيفَةَ بِجَبَلِ أَبَا قُبَيْسٍ لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ الْقَتْلِ بِالْمُثَقَّلِ، وَهَذَا اللَّفْظُ مِمَّا أَخَذَهُ بَعْضُ الْجُهَّالِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي عِلْمِ الْإِعْرَابِ، فَقَالَ: الصَّوَابُ بِجَبَلِ أَبِي قُبَيْسٍ. قَالَ الْقُدُورِي رحمه الله: لَمْ يَثْبُتْ هَذَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ، وَلَمْ يُوجَدْ فِي كِتَابِهِ، فَإِنْ ثَبَتَ فَهُوَ لُغَةُ بَعْضِ الْعَرَبِ ; لِأَنَّ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ يَقُولُونَ بِهَا. وَقَالَ سِيبَوَيْهِ: هَذَا هُوَ الْقِيَاسُ، وَقَدْ جَاءَ الْقُرْآنُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:{إِنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ} [طه: 63] . وَقَالَ الْقَائِلُ:

إِنَّ أَبَاهَا وَأَبَا أَبَاهَا

قَدْ بَلَغَ فِي الْمَجْدِ غَايَتَاهَا

وَلِأَنَّ اللَّفْظَ إِذَا تَعَارَفَهُ الْعَامُّ صَحَّ لِلْمُتَكَلِّمِ أَنْ يَتَكَلَّمَ بِهِ كَذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ فِيهِ نَوْعُ خَلَلٍ إِذَا كَانَ قَصْدُهُ تَفْهِيمَ الْعَامَّةِ أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي تَحْصِيلِ الْمَقْصُودِ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ الْإِمَامُ مُحَمَّدٌ فِي مَوَاضِعَ لَا يُظَنُّ بِهِ أَنَّ ذَلِكَ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ اهـ. وَنَظِيرُهُ مَا اشْتُهِرَ أَنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه كَتَبَ اسْمَهُ عَلِيَّ بْنَ أَبُو طَالِبٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَقَاصِدِ وَالْمَطَالِبِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَنَظِيرُ التَّعْبِيرِ بِعَلَيْهَا عَنْ لَهَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا} [البقرة: 143] أَيْ لَكُمْ بِتَضْمِينِ مَعْنَى الرَّقِيبِ، فَالْمَعْنَى فَحَفِظَ عَلَيْهَا حَقَّهَا قَاضِيًا لَهَا بِالْغُرَّةِ، فَعَلَى هَذَا الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ يَعْنِي فِي الْحَدِيثِ الْآتِي. عَلَى عَاقِلَتِهَا لِلْجَانِيَةِ، وَفِي وَرَثَتِهَا لِلدِّيَةِ، وَفِي وَلَدِهَا لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهَا، وَجُمِعَ الضَّمِيرُ فِي مَعَهُمْ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ فِي مَعْنَى الْجَمْعِ وَمَنْ مَعَهُمْ هُوَ الزَّوْجُ بِدَلَالَةِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ: بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، هَذَا إِذَا كَانَ الْحَدِيثَانِ فِي قَضِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَأَمَّا إِذَا كَانَتْ فِي قَضِيَّتَيْنِ فَالْمَعْنَى بِقَوْلِهِ: قَضَى عَلَيْهَا هِيَ الْجَانِيَةُ، فَيَكُونُ مِيرَاثُهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا، وَالدِّيَةُ عَلَى عَصَبَتِهَا اهـ. وَالْأَخِيرُ هُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْ شُرَّاحِ الْحَدِيثِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .

ص: 2280

3488 -

وَعَنْهُ قَالَ: «اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ، وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ عَلَى عَاقِلَتِهَا، وَوَرِثَهَا وَلَدُهَا وَمَنْ مَعَهُمْ» . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.

ــ

3488 -

(وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ (قَالَ: اقْتَتَلَتِ امْرَأَتَانِ مِنْ هُذَيْلٍ) : قِيلَ: كَانَتَا ضَرَّتَيْنِ (فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ) : أَيْ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ كَمَا سَبَقَ (فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ دِيَةَ جَنِينِهَا) : وَفِي نُسْخَةٍ الْجَنِينِ (غُرَّةٌ) : بِالتَّنْوِينِ (عَبْدٌ أَوْ وَلِيدَةٌ) : أَيْ جَارِيَةٌ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ (وَقَضَى بِدِيَةِ الْمَرْأَةِ) : أَيِ الْمَقْتُولَةِ (عَلَى عَاقِلَتِهَا) : أَيِ الْقَاتِلَةِ (وَوَرِثَهَا) : أَيِ الدِّيَةَ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ فِي وَرِثَهَا لِلْجَانِيَةِ الَّتِي مَاتَتْ بَعْدَ الْجِنَايَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ سَهْوٌ إِلَّا أَنْ يُقَالَ بِحَذْفِ الْمُضَافِ أَيْ أَمْوَالِهَا، وَهُوَ بَعِيدٌ عَنِ الْمَرَامِ فِي هَذَا الْمَقَامِ. (وَلَدُهَا) : أَيْ أَوْلَادُ الْمَقْتُولَةِ، وَقِيلَ: الضَّمِيرُ لِلْجَانِيَةِ أَيْ أَوْلَادِهَا، وَسَاغَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ أُضِيفَ إِلَى الضَّمِيرِ فَعَمَّ (وَمَنْ مَعَهُمْ) : أَيْ مَعَ الْأَوْلَادِ يَعْنِي الزَّوْجَ وَجَمَعَ الضَّمِيرَ لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْجَمْعُ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ قَبْلَهُ قَضَى بِأَنَّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا. وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَوْلُهُ: وَمَنْ مَعَهُمْ أَيْ مِنَ الْوَرَثَةِ، وَالضَّمِيرُ لِجِنْسِ الْوَلَدِ ; لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْأَوْلَادُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) : وَكَذَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَاعْلَمْ أَنَّ الْعَاقِلَةَ جَمْعٌ يُغَرَّمُ الدِّيَةَ مِمَّنْ يَقَعُ بَيْنَهُمُ الْمُمَانَعَةُ وَالْمُعَاوَنَةُ، وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ عَلَى عَاقِلَةِ الْجَانِي وَأَنَّهَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ مُؤَجَّلَةً فِي ثَلَاثِ سِنِينَ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَدْخُلُ الْجَانِي مَعَ الْعَاقِلَةِ فَيُؤَدِّي مَعَهُمْ؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هُوَ كَأَحَدِ الْعَاقِلَةِ يَلْزَمُهُ مَا يَلْزَمُ أَحَدَهُمْ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ، وَقَالَ غَيْرُهُ: لَا يَدْخُلُ الْجَانِي مَعَ الْعَاقِلَةِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: إِنِ اتَّسَعَتِ الْعَاقِلَةُ لِلدِّيَةِ لَمْ يَلْزَمِ الْجَانِيَ شَيْءٌ وَإِنْ لَمْ تَتَّسِعْ لَزِمَهُ، وَقَالَ أَحْمَدُ: لَا يَلْزَمُهُ شَيْءٌ إِنِ اتَّسَعَتْ أَوْ لَمْ تَتَّسِعْ، وَعَلَى هَذَا مَنْ لَمْ تَتَّسِعِ الْعَاقِلَةُ لِتَحَمُّلِ جَمِيعِ الدِّيَةِ انْتَقَلَ بَاقِي ذَلِكَ إِلَى بَيْتِ الْمَالِ، وَإِذَا كَانَ الْجَانِي مِنْ أَهْلِ الدِّيوَانِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: دِيوَانُهُ عَاقِلَتُهُ وَيُقَدَّمُونَ عَلَى الْعَصَبَةِ فِي التَّحَمُّلِ، فَإِنْ عُدِمُوا فَحِينَئِذٍ تَتَحَمَّلُ الْعَصَبَةُ، وَكَذَلِكَ عَاقِلَةُ السُّوقِيِّ أَهْلُ سُوقِهِ ثُمَّ قَرَابَتُهُ، فَإِنْ عَجَزُوا فَأَهْلُ مَحَلَّتِهِ، فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعْ فَأَهْلُ بَلْدَتِهِ، وَإِنْ كَانَ الْجَانِي

ص: 2280

مِنْ أَهْلِ الْقُرَى وَلَمْ يَتَّسِعْ فَالْمِصْرُ إِلَى تِلْكَ الْقُرَى مِنْ سَوَادِهِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: لَا مَدْخَلَ لَهُمْ فِي تَحَمُّلِ الدِّيَةِ إِذَا لَمْ يَكُونُوا أَقَارِبَ الْجَانِي، وَاخْتَلَفُوا فِي تَحَمُّلِ الْعَاقِلَةِ مِنَ الدِّيَةِ هَلْ هُوَ مُقَدَّرٌ أَوْ عَلَى قَدْرِ الطَّاقَةِ وَالِاجْتِهَادِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رحمه الله: يُسَوَّى بَيْنَ جَمِيعِهِمْ فَيَأْخُذُ مِنْ كُلِّ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ إِلَى أَرْبَعَةٍ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ: لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مُؤَقَّتٌ وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ مَا يَسْهُلُ وَلَا يَضُرُّ بِهِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مُقَدَّرٌ بِوَضْعٍ عَلَى الْغَنِيِّ نِصْفُ دِينَارٍ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ رُبْعُ دِينَارٍ، وَلَا يَنْقُصُ مِنْ ذَلِكَ، وَهَلْ يَسْتَوِي الْغَنِيُّ وَالْفَقِيرُ مِنَ الْعَاقِلَةِ فِي تَحَمُّلِ الدِّيَةِ ; فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يَسْتَوِيَانِ. وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يَتَحَمَّلُ الْغَنِيُّ زِيَادَةً عَلَى الْمُتَوَسِّطِ. وَالْغَائِبُ مِنَ الْعَاقِلَةِ هَلْ يَتَحَمَّلُ شَيْئًا مِنَ الدِّيَاتِ كَالْحَاضِرِ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: هُمَا سَوَاءٌ، وَقَالَ مَالِكٌ: لَا يَتَحَمَّلُ الْغَائِبُ مَعَ الْحَاضِرِ شَيْئًا إِذَا كَانَ فِي إِقْلِيمٍ آخَرَ، وَعَنِ الشَّافِعِيِّ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَاخْتَلَفُوا فِي تَرْتِيبِ التَّحَمُّلِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ فِيهِ سَوَاءٌ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: يَتَرَتَّبُ التَّحَمُّلُ عَلَى تَرْتِيبِ الْأَقْرَبِ فَالْأَقْرَبِ مِنَ الْعَصَبَاتِ، فَإِنِ اسْتَغْرَقُوهُ لَمْ يُقْسَمْ عَلَى غَيْرِهِمْ، فَإِنْ لَمْ يَتَّسِعِ الْأَقْرَبُ لِتَحَمُّلِهِ دَخَلَ الْأَبْعَدُ، وَهَكَذَا حَتَّى يَدْخُلَ فِيهِمْ أَبْعَدُهُمْ دَرَجَةً عَلَى حَسَبِ الْمِيرَاثِ، وَابْتِدَاءُ حَوْلِ الْعَقْلِ هَلْ يُعْتَبَرُ بِالْمَوْتِ أَوْ مِنْ حُكْمِ الْحَاكِمِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: مِنْ حِينِ حُكْمِ الْحَاكِمِ، وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: مِنْ حِينِ الْمَوْتِ، وَمَنْ مَاتَ مِنَ الْعَاقِلَةِ بَعْدَ الْحَوْلِ فَهَلْ يَسْقُطُ مَا كَانَ يَلْزَمُهُ أَمْ لَا؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: يُسْقَطُ وَلَا يُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ، وَأَمَّا مَذْهَبُ مَالِكٍ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ: يَجِبُ فِي مَالِهِ وَيُؤْخَذُ مِنْ تَرِكَتِهِ: وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ: يَنْتَقِلُ مَا عَلَيْهِ إِلَى تَرِكَتِهِ، كَذَا فِي كِتَابِ الرَّحْمَةِ فِي اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ، وَفِي شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ قِيلَ: مِنَ الْأَحْكَامِ مَا يُدْرَكُ مَعْنَاهُ كَوُجُوبِ الدِّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَقِيلَ: يُدْرَكُ وَهُوَ إِعَانَةُ الْجَانِي فِيمَا هُوَ مَعْذُورٌ فِيهِ، كَمَا يُعَانُ الْغَارِمُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ بِمَا يُصْرَفُ إِلَيْهِ مِنَ الزَّكَاةِ اهـ. وَفِي نَظِيرِهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى.

ص: 2281

3489 -

وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رضي الله عنه: «أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا ضَرَّتَيْنِ، فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ أَوْ عَمُودِ فُسْطَاطٍ، فَأَلْقَتْ جَنِينَهَا، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ: عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، وَجَعَلَهُ عَلَى عَصَبَةِ الْمَرْأَةِ» . هَذِهِ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ:«قَالَ ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ وَهِيَ حُبْلَى، فَقَتَلَتْهَا. قَالَ: وَإِحْدَاهُمَا لِحْيَانَيَّةٌ. قَالَ: فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ وَغُرَّةً لِمَا فِي بَطْنِهَا» .

ــ

3489 -

وَعَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا ضَرَّتَيْنِ) : أَيْ زَوْجَتَيْنِ لِوَاحِدٍ إِذْ كَلُّ ضَرَّةٍ لِلْأُخْرَى (فَرَمَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ) : أَيْ صَغِيرٍ (أَوْ عَمُودِ فُسْطَاطٍ) : بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَضَمِّ الْفَاءِ. فِي النِّهَايَةِ: هُوَ ضَرْبٌ مِنَ الْأَبْنِيَةِ فِي السَّفَرِ دُونَ السُّرَادِقِ. قَالَ النَّوَوِيُّ: هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ عَمُودٌ صَغِيرٌ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ بِهِ الْقَتْلُ غَالِبًا كَمَا مَرَّ فِي الْحَجَرِ. (فَأَلْقَتْ) : أَيِ الْأُخْرَى (جَنِينَهَا) : أَيْ مَيِّتًا (فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَنِينِ غُرَّةٌ) : بِالتَّنْوِينِ هُنَا لَا غَيْرُ (عَبْدٌ أَوْ أَمَةٌ، وَجَعَلَهُ) : أَيِ الْمَقْضِيَّ، وَفِي نُسْخَةٍ وَجَعَلَهَا وَهِيَ الظَّاهِرُ أَيِ الْغُرَّةَ (عَلَى عَصَبَةِ الْمَرْأَةِ) : أَيْ عَاقِلَتِهَا (هَذِهِ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ) : فِيهِ اعْتِرَاضٌ لِصَاحِبِ الْمِشْكَاةِ عَلَى صَاحِبِ الْمَصَابِيحِ حَيْثُ ذَكَرَ رِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ. (وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ) : أَيْ مَعْنَاهُ لَكِنَّ لَفْظَهُ (قَالَ) : أَيِ الْمُغِيرَةُ (ضَرَبَتِ امْرَأَةٌ ضَرَّتَهَا بِعَمُودِ فُسْطَاطٍ وَهِيَ حُبْلَى فَقَتَلَتْهَا قَالَ: وَإِحْدَاهُمَا لَحْيَانِيَّةٌ) : بِفَتْحٍ فِي أَوَّلِهِ وَيُكْسَرُ وَبِتَشْدِيدِ التَّحْتِيَّةِ لِلنِّسْبَةِ (قَالَ) : أَيِ الْمُغِيرَةُ (فَجَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ وَغُرَّةً لِمَا) : أَيْ لِمَا كَانَ (فِي بَطْنِهِ) .

ص: 2281

الْفَصْلُ الثَّانِي

3490 -

عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو رضي الله عنهما، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:( «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ: مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» ) وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيُّ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّانِي

3490 -

(عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو) بِالْوَاوِ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (أَلَا) : لِلتَّنْبِيهِ (إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ) أَيْ دِيَةَ قَتْلِ الْخَطَأِ (شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا) : قَالَ الطِّيبِيُّ: فِيهِ وُجُوهٌ مِنَ الْإِعْرَابِ. أَحَدُهَا: أَنْ يَكُونَ شِبْهُ الْعَمْدِ صِفَةَ الْخَطَأِ، وَهُوَ مَعْرِفَةٌ وَجَازَ ; لِأَنَّ قَوْلَهُ شِبْهَ الْعَمْدِ وَقَعَ بَيْنَ الضِّدَّيْنِ، وَثَانِيهَا: أَنْ يُرَادَ بِالْخَطَأِ الْجِنْسُ، فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النَّكِرَةِ وَمَا عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ إِمَّا مَوْصُولَةٌ أَوْ مَوْصُوفَةٌ بَدَلًا أَوْ بَيَانًا، وَثَالِثُهَا: أَنْ يَكُونَ شِبْهُ الْعَمْدِ بَدَلًا مِنْ

ص: 2281

الْخَطَأِ، وَمَا كَانَ بَدَلٌ مِنَ الْبَدَلِ، وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ التَّابِعُ وَالْمَتْبُوعُ مَعْرِفَتَيْنِ أَوْ نَكِرَتَيْنِ أَوْ مُخْتَلِفَتَيْنِ. وَقَوْلُهُ:(مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ) : خَبَرُ إِنَّ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى إِثْبَاتِ الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ فِي الْقَتْلِ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يَكُونُ إِلَّا عَمْدًا مَحْضًا أَوْ خَطَأً مَحْضًا فَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ فَلَا يُعْرَفُ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ: وَاسْتَدَلَّ أَبُو حَنِيفَةَ بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، عَلَى أَنَّ الْقَتْلَ بِالْمُثَقَّلِ شِبْهُ عَمْدٍ لَا يُوجِبُ الْقِصَاصَ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِيهِ ; لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي السَّوْطِ وَالْعَصَا الْخَفِيفَةِ، وَالْقَتْلُ الْحَاصِلُ بِهِمَا يَكُونُ قَتْلًا بِطَرِيقِ شِبْهِ الْعَمْدِ، فَأَمَّا الْمُثَقَّلُ الْكَبِيرُ فَمُلْحَقٌ بِالْمُحَدَّدِ الَّذِي هُوَ مُعَدٌّ لِلْقَتْلِ اهـ. وَأَنْتَ تَرَى أَنَّ الْعَصَا بِإِطْلَاقِهَا تَشْمَلُ الثَّقِيلَةَ وَالْخَفِيفَةَ، فَتَخْصِيصُهَا يَحْتَاجُ إِلَى دَلِيلٍ مِثْلِهِ أَوْ أَقْوَى مِنْهُ (مِنْهَا) أَيْ مِنَ الْمِائَةِ (أَرْبَعُونَ فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا) : فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، ثُمَّ هِيَ فِي الْعَمْدِ الْمَحْضِ مُغَلَّظَةٌ فِي مَالِ الْقَاتِلِ حَالَّةٌ، وَفِي شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ، وَفِي الْخَطَأِ مُخَفَّفَةٌ عَلَى الْعَاقِلَةِ مُؤَجَّلَةٌ، وَالتَّغْلِيظُ وَالتَّخْفِيفُ يَكُونُ فِي أَسْنَانِ الْإِبِلِ إِلَى آخِرِ مَا قَالَ كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ. وَفِي كِتَابِ الرَّحْمَةِ: اتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ عَلَى أَنَّ الدِّيَةَ لِلْمُسْلِمِ الْحُرِّ الذَّكَرِ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ فِي مَالِ الْقَاتِلِ الْعَامِدِ إِذَا عَدَلَ إِلَى الدِّيَةِ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا هَلْ هِيَ حَالَّةٌ أَوْ مُؤَجَّلَةٌ؟ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: حَالَّةٌ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: هِيَ مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثِ سِنِينَ، وَاخْتَلَفُوا فِي دِيَةِ الْعَمْدِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي إِحْدَى رِوَايَتَيْهِ: هِيَ أَرْبَاعٌ لِكُلِّ سِنٍّ مِنْ أَسْنَانِ الْإِبِلِ مِنْهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ بِنْتُ مَخَاضٍ، وَمِثْلُهَا بِنْتُ لَبُونٍ، وَمِثْلُهَا حِقَاقٌ، وَمِثْلُهَا جِذَاعٌ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: تُؤْخَذُ مُثَلَّثَةً ثَلَاثُونَ حِقَّةً وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً وَأَرْبَعُونَ خَلِفَةً وَهِيَ حَوَامِلُ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَتِهِ الْأُخْرَى، وَأَمَّا دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ فَهِيَ مِثْلُ دِيَةِ الْعَمْدِ الْمَحْضِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ، اخْتَلَفَتِ الرِّوَايَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ، وَأَمَّا دِيَةُ الْخَطَأِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: هِيَ مُخَمَّسَةٌ عِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ اهـ. وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ هَذَا أَحَقُّ، وَكَانَ أَلْيَقَ بِالْخَطَأِ فَإِنَّ الْخَاطِئَ مَعْذُورٌ فِي الْجُمْلَةِ وَقَالَ الشَّمَنِيُّ: وَبِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، إِلَّا أَنَّهُمَا جَعَلَا مَكَانَ ابْنِ مَخَاضٍ ابْنَ لَبُونٍ. (رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، وَالدَّارِمِيُّ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو وَحْدَهُ.

ص: 2282

3491 -

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ، وَعَنِ ابْنِ عَمْرٍو. وَفِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) لَفْظُ (الْمَصَابِيحِ) عَنِ ابْنِ عُمَرَ

ــ

3491 -

(وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ) : أَيْ عَنِ ابْنِ عَمْرٍو (وَعَنِ ابْنِ عُمَرَ) : أَيْ عَنْ كِلَيْهِمَا. (وَفِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) لَفْظُ (الْمَصَابِيحِ) : أَيْ إِلَّا أَنَّ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْخَطَأِ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مُغْلَّظَةٌ مِنْهَا إِلَخْ. (عَنِ ابْنِ عُمَرَ) : أَيْ: لَفْظُ الْمَصَابِيحِ مَرْوِيٌّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ عَنِ ابْنِ عُمَرَ.

ص: 2282

3492 -

وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ رضي الله عنهم، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ، وَكَانَ فِي كِتَابِهِ: (أَنَّ مَنِ اعْتَبَطَ مُؤْمِنًا قَتْلًا فَإِنَّهُ قَوَدُ يَدِهِ إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ) وَفِيهِ: (أَنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ) وَفِيهِ: (فِي النَّفْسِ الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَسْنَانِ الدِّيَةُ، وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ» ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ: ( «وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ» ".

ــ

3492 -

(وَعَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ فِي فَصْلِ التَّابِعِينَ: هُوَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ، سَمِعَ أَبَاهُ. وَفِي فَصْلِ الصَّحَابَةِ عَمْرُو بْنُ حَزْمٍ يُكَنَّى أَبَا الضَّحَّاكِ الْأَنْصَارِيَّ، أَوَّلُ مَشَاهِدِهِ الْخَنْدَقُ، وَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً، اسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَلَى نَجْرَانَ سَنَةَ عَشْرٍ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَغَيْرُهُ اهـ. وَفِيهِ إِشْكَالٌ لَا يَخْفَى. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ إِلَى أَهْلِ الْيَمَنِ وَكَانَ فِي كِتَابِهِ:(أَنَّ) : بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَفِي نُسْخَةٍ بِكَسْرِهَا (مَنِ اعْتَبَطَ) بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ وَفَتَحَاتٍ يُقَالُ: عَبَطْتَ النَّاقَةَ وَاعْتَبَطْتَهَا إِذَا ذَبَحْتَهَا مِنْ غَيْرِ عِلَّةٍ أَيْ: مِنْ قَتْلٍ بِلَا جِنَايَةٍ. (مُؤْمِنًا قَتْلًا) : مَفْعُولٌ مُطْلَقٌ لِأَنَّهُ نَوْعٌ مِنْهُ أَيْ مُتَعَمِّدًا. (فَإِنَّهُ قَوَدُ يَدِهِ) : بِفَتْحِ الْوَاوِ أَيْ: مَوْقُودٌ مَا جَنَتْهُ يَدُهُ (إِلَّا أَنْ يَرْضَى أَوْلِيَاءُ الْمَقْتُولِ) : أَخْذَ الدِّيَةِ أَوْ يَعْفُونَ فَلَا يُقْتَلُ، وَأَصْلُ الْقَوَدِ الِانْقِيَادُ سُمِّيَ الْقِصَاصُ بِهِ لِمَا فِيهِ مِنِ انْقِيَادِ الْجَانِي لَهُ بِمَا جَنَاهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنَّهُ جَوَابُ الشَّرْطِ، وَكَانَ الظَّاهِرُ أَنْ يُقَالَ: يُقْتَصُّ مِنْهُ لِأَنَّهُ سَبَبٌ لَهُ فَأُقِيمَ السَّبَبُ مَقَامَ الْمُسَبَّبِ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِنَ الْمُسَبَّبِ فِي الْحَقِيقَةِ، وَإِلَى هَذَا لَمَّحَ الْقَاضِي بِقَوْلِهِ أَنْ يُقْتَلَ

ص: 2282

قِصَاصًا بِمَا جَنَتْهُ يَدُهُ فَكَأَنَّهُ مَقْتُولُ يَدِهِ قِصَاصًا إِذْ لَوْ لَمْ يَجُزْ لَمَا اقْتُصَّ مِنْهُ (وَفِيهِ) : أَيْ: فِي الْكِتَابِ (إِنَّ الرَّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَةِ) وَهِيَ مَسْأَلَةٌ إِجْمَاعِيَّةٌ وَعَكْسُهَا بِالْأَوْلَى (وَفِي النَّفْسِ) أَيْ: فِي قَتْلِهَا مُطْلَقًا (الدِّيَةُ) : أَيْ: عِنْدَ الْعُدُولِ عَنِ الْقِصَاصِ إِلَيْهَا فِي الْعَمْدِ وَهِيَ مُتَعَيِّنَةٌ لَهَا فِي الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ (مِائَةٌ) : بَدَلٌ عَنِ الدِّيَةِ (مِنَ الْإِبِلِ) : أَيْ: عَلَى تَفْصِيلٍ سَبَقَ فِي تَقْسِيمِ أَنْوَاعِهَا (وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ) : اخْتَلَفُوا فِي الدَّنَانِيرِ وَالدَّارَهِمِ هَلْ تُؤْخَذُ فِي الدِّيَاتِ أَمْ لَا؟ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ: يَجُوزُ أَخْذُهَا فِي الدِّيَاتِ مَعَ وُجُودِ الْإِبِلِ، ثُمَّ عَنْهُمَا رِوَايَتَانِ: هَلْ هِيَ أَصْلٌ بِنَفْسِهَا أَمِ الْأَصْلُ الْإِبِلُ وَالذَّهَبُ وَالدَّرَاهِمُ بَدَلٌ عَنْهَا؟ وَقَالَ مَالِكٌ: هِيَ الْأَصْلُ بِنَفْسِهَا مَقَدَّرَةٌ بِالشَّرْعِ، وَلَمْ يَعْتَبِرْهَا بِالْإِبِلِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يُعْدَلُ عَنِ الْإِبِلِ إِذَا وُجِدَتْ إِلَّا بِالتَّرَاضِي، فَإِنْ أَعْوَزَتْ فَعَنْهُ قَوْلَانِ. الْجَدِيدُ الرَّاجِحُ أَنَّهُ يُعْدَلُ إِلَى قِيمَتِهِ حِينَ الْقَبْضِ زَائِدَةً أَوْ نَاقِصَةً، وَالْقَدِيمُ الْمَعْمُولُ بِهِ ضَرُورَةُ أَنَّهُ يُعْدَلُ إِلَى أَلْفِ دِينَارٍ، أَوِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِ الدِّيَةِ مِنَ الدَّرَاهِمِ، فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ: اثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، كَذَا فِي اخْتِلَافِ الْأَئِمَّةِ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يُؤَيِّدُ أَبَا حَنِيفَةَ حَيْثُ قَالَ: وَعَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ فَالتَّقْدِيرُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ، وَأَلْفُ دِينَارٍ أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَهَا وَهُوَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ. (وَفِي الْأَنْفِ إِذَا أُوعِبَ جَدْعُهُ) : بِرَفْعِهِ عَلَى أَنَّهُ نَائِبُ الْفَاعِلِ أَيِ: اسْتُؤْصِلَ قَطْعُهُ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْهُ (الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ) قَالَ الشَّمَنِيُّ: فِي الْأَنْفِ سَوَاءٌ قَطْعُ الْأَرْنَبَةِ أَوِ الْمَارِنِ كُلُّ الدِّيَةِ، وَالْحَاصِلُ أَنَّ الْجِنَايَةَ إِذَا فَوَّتَتْ مَنْفَعَةً عَلَى الْكَمَالِ أَوْ أَزَالَتْ جَمَالًا مَقْصُودًا فِي الْآدَمِيِّ عَلَى الْكَمَالِ تَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ ; لِأَنَّ ذَلِكَ إِتْلَافٌ لِلنَّفْسِ مِنْ وَجْهٍ، وَإِتْلَافُ النَّفْسِ مِنْ وَجْهٍ مُلْحَقٌ بِإِتْلَافِهَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، أَمَّا الْأَنْفُ فَمَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنِ ابْنِ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ فِي الْكِتَابِ الَّذِي عِنْدَهُمْ: عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْأَنْفِ: (إِذَا قُطِعَ مَارِنُهُ الدِّيَةُ) وَمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ: عَنْ وَكِيعٍ، عَنِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى، عَنْ عِكْرِمَةَ بْنِ خَالِدٍ) عَنْ رَجُلٍ مِنْ آلِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْأَنْفِ: (إِذَا اسْتُؤْصِلَ مَارِنُهُ الدِّيَةُ) لِأَنَّهُ أَزَالَ بِقَطْعِ الْأَرْنَبَةِ جَمَالًا عَلَى الْكَمَالِ مَقْصُودًا، وَبِقَطْعِ الْمَارِنِ مَنْفَعَةً مَقْصُودَةً ; لِأَنَّ مَنْفَعَةَ الْأَنْفِ أَنْ تَجْتَمِعَ الرَّوَائِحُ فِي قَصَبَتِهِ لِتَعْلُوَ إِلَى الدِّمَاغِ، وَذَلِكَ يَفُوتُ بِقَطْعِ الْمَارِنِ، وَلَوْ قُطِعَ الْمَارِنُ مَعَ قَصَبَةِ الْأَنْفِ وَهِيَ عَظْمَةٌ وَاحِدَةٌ لَا يُزَادُ عَلَى دِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: فِي الْمَارِنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْقَصَبَةِ حُكُومَةُ عَدْلٍ ; لِأَنَّ الْمَارِنَ وَحْدَهُ مُوجِبٌ لِلدِّيَةِ فَتَجِبُ الْحُكُومَةُ فِي الزَّائِدِ كَمَا لَوْ قُطِعَ وَحْدَهُ وَقُطِعَ لِسَانُهُ، وَلَنَا: مَا أَخْرَجَهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (فِي الْأَنْفِ إِذَا اسْتُوْعِبَ جَدْعُهُ الدِّيَةُ، وَلِأَنَّهُ عُضْوٌ وَاحِدٌ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةٍ وَلَوْ قَطَعَ أَنْفَهُ فَذَهَبَ شَمُّهُ فَعَلَيْهِ دِيَتَانِ ; لِأَنَّ الشَّمَّ فِي غَيْرِ الْأَنْفِ، فَلَا يَدْخُلُ دِيَةُ إِحْدَهُمَا فِي الْأُخْرَى)(وَفِي الْأَسْنَانِ) : أَيْ: جَمِيعِهَا (الدِّيَةُ وَنِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ) : وَهُوَ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ (فِي قَلْعِ كُلِّ سِنٍّ) : إِذَا كَانَ خَطَأً سَوَاءٌ كَانَ ضِرْسًا أَوْ ثَنِيَّةً لِمَا فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ أَوْ فِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ، وَلِمَا سَيَأْتِي، وَلِأَنَّ الْكُلَّ فِي أَصْلِ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ الْمَضْغُ سَوَاءٌ، وَبَعْضُهَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ زِيَادَةُ مَنْفَعَةٍ، لَكِنَّ الْبَعْضَ الْآخَرَ جَمَالٌ وَهُوَ كَالْمَنْفَعَةِ فِي الْآدَمِيِّ، وَإِنَّمَا قَيَّدْنَا بِالْخَطَأِ ; لِأَنَّ الْعَمْدَ فِيهِ الْقِصَاصُ، وَلَوْ قَلَعَ جَمِيعَ أَسْنَانِهِ تَجِبُ سِتَّةَ عَشَرَ أَلْفًا وَلَيْسَ فِي الْبَدَنِ عُضْوٌ دِيَتُهُ أَكْثَرُ مِنْ دِيَةِ النَّفْسِ سِوَى الْأَسْنَانِ. وَفِي الْكَوْسَجِ: تَجِبُ أَرْبَعَةَ عَشَرَ أَلْفًا ; لِأَنَّ أَسْنَانَهُ تَكُونُ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ، وَحُكِيَ أَنَّ امْرَأَةً قَالَتْ لِزَوْجِهَا: يَا كَوْسَجُ. فَقَالَ لَهَا: إِنْ كُنْتُ كَوْسَجًا فَأَنْتِ طَالِقٌ، فَسُئِلَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: تُعَدُّ أَسْنَانُهُ إِنْ كَانَتْ ثَمَانِيَةً وَعِشْرِينَ فَهُوَ كَوْسَجٌ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ فِي وَجْهٍ لَوْ قَلَعَ زِيَادَةً عَلَى عِشْرِينَ سِنًّا تَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ فِي الْعِشْرِينَ وَلَا يَجِبُ فِي الزِّيَادَةِ شَيْءٌ، قُلْتُ: هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ. (وَفِي الشَّفَتَيْنِ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيُكْسَرُ (الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ) : أَيِ: الْخُصْيَتَيْنِ (الدِّيَةُ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ) : قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَفِي الْحَشَفَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ وَحْدَهَا أَوْ مَعَ الذَّكَرِ كُلُّ الدِّيَةِ لِمَا رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنِ الزُّهْرِيِّ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى فِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ، إِذَا اسْتُؤْصِلَ أَوْ قُطِعَتْ حَشَفَتُهُ» ، أَخَرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ

ص: 2283

قَالَ: مَضَتِ السُّنَّةُ أَنَّ فِي الذَّكَرِ الدِّيَةَ، وَفِي الْأُنْثَيَيْنِ الدِّيَةَ، (وَفِي الصُّلْبِ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيِ الظَّهْرِ قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: أَيْ: فِي ضَرْبِهِ بِحَيْثُ انْقَطَعَ مَاؤُهُ (الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ) : أَيْ: جَمِيعًا (الدِّيَةُ) قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَأَمَّا إِحْدَى الْحَوَاسِّ فَفِيهَا الدِّيَةُ ; لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا مَنْفَعَةٌ مَقْصُودَةٌ، رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنِ ابْنِ خَالِدٍ، عَنْ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ. قَالَ: سَمِعْتُ شَيْخًا فِي زَمَانِ الْجَمَاجِمِ، فَنَعَتَ نَفْسَهُ فَقِيلَ: ذَلِكَ أَبُو لَهَبٍ عَمُّ أَبِي قِلَابَةَ. قَالَ: رَمَى رَجُلٌ رَجُلًا بِحَجَرٍ فِي رَأْسِهِ فِي زَمَانِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ، فَذَهَبَ سَمْعُهُ وَعَقْلُهُ وَلِسَانُهُ، وَذَكَرُهُ، فَلَمْ يَقْرَبِ النِّسَاءَ فَقَضَى عُمَرُ فِيهَا بِأَرْبَعِ دِيَاتٍ وَهُوَ حَيٌّ. وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، عَنْ عَوْفٍ بِهِ. وَفِي الْمَبْسُوطِ: وَيُعْرَفُ فَوَاتُ هَذِهِ الْمَعَانِي بِتَصْدِيقِ الْجَانِي، أَوْ نُكُولِهِ إِذَا اسْتُحْلِفَ وَيُعْرَفُ فَوَاتُ الْبَصَرِ بِقَوْلِ عَدْلَيْنِ مِنَ الْأَطِبَّاءِ. (وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ) : قَالَ الشَّمَنِيُّ: تَجِبُ الدِّيَةُ كَامِلَةً فِي اثْنَيْنِ مِمَّا فِي الْبَدَنِ مِنْهُ اثْنَانِ كَالْعَيْنَيْنِ وَالْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ وَالشَّفَتَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْأُنْثَيَيْنِ، وَفِي أَحَدِ اثْنَيْنِ مِمَّا فِي الْبَدَنِ مِنْهُ اثْنَانِ نِصْفُ الدِّيَةِ لِمَا أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، وَأَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَتَبَ كِتَابًا إِلَى الْيَمَنِ فِيهِ الْفَرَائِضُ وَالسُّنَنُ وَالْآيَاتُ، وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فَكَانَ فِيهِ. وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ، وَفِي الْعَيْنَيْنِ الدِّيَةُ، وَفِي الْعَيْنِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ وَفِي الْيَدِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ، وَفِي الرِّجْلِ الْوَاحِدَةِ نِصْفُ الدِّيَةِ. (وَفِي الْمَأْمُومَةِ) : أَيِ: الَّتِي تَصِلُ إِلَى جِلْدَةٍ فَوْقَ الدِّمَاغِ تُسَمَّى أُمَّ الدِّمَاغِ، وَاشْتِقَاقُ الْمَأْمُومَةِ مِنْهُ (ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ) : أَيِ: الطَّعْنَةِ الَّتِي تَصِلُ إِلَى جَوْفِ الرَّأْسِ، أَوِ الْبَطْنِ، أَوِ الظَّهْرِ، أَوِ الْجَفْنَيْنِ وَالِاسْمُ دَلِيلٌ عَلَى (ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ) : بِكَسْرِ الْقَافِ الْمُشَدَّدَةِ وَهِيَ الَّتِي تَنْقُلُ الْعَظْمَ بَعْدَ الشَّجَّةِ أَيْ: تُحَوِّلُهُ مِنْ مَوْضِعِهِ (خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ) : قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: وَأَمْثَالُ هَذِهِ التَّقْدِيرَاتِ تَعَبُّدٌ مَحْضٌ لَا طَرِيقَ إِلَى مَعْرِفَتِهِ إِلَّا بِالتَّوْقِيفِ (فِي كُلِّ أُصْبُعٍ) بِتَثْلِيثِ الْهَمْزَةِ وَالْبَاءِ (وَمِنْ أَصَابِعِ الْيَدِ وَالرِّجْلِ) أَيْ: أَوِ الرِّجْلِ (عَشْرٌ مِنَ الْإِبِلِ) : وَهُوَ عُشْرُ الدِّيَةِ قَالَ الشَّمَنِيُّ لِمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَسَنٌ صَحِيحٌ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ فِي كِتَابِهِ: رِجَالُ إِسْنَادِهِ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «دِيَةُ أَصَابِعِ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءٌ عَشَرَةٌ مِنَ الْإِبِلِ لِكُلِّ أُصْبُعٍ (وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ» ) رَوَاهُ النَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ:(وَفِي الْعَيْنِ) : أَيِ: الْوَاحِدَةِ. (خَمْسُونَ) : أَيْ: مِنَ الْإِبِلِ (وَفِي الْيَدِ) : أَيِ: الْوَاحِدَةِ (خَمْسُونَ، وَفِي الرِّجْلِ) : أَيِ: الْوَاحِدَةِ (خَمْسُونَ) : أَيْ: نِصْفُ الدِّيَةِ (وَفِي الْمُوضِحَةِ) : بِكَسْرِ الضَّادِ أَيِ: الْجِرَاحَةِ الَّتِي تَرْفَعُ اللَّحْمَ مِنَ الْعَظْمِ وَتُوضِحُهُ (خَمْسٌ) : أَيْ: مِنَ الْإِبِلِ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه وَلَفْظُهُ: فِي الْأَنْفِ الدِّيَةُ إِذَا اسْتُوْعِبَ جَدْعُهُ مِائَةً مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْيَدِ خَمْسُونَ وَفِي الرِّجْلِ خَمْسُونَ وَفِي الْعَيْنِ خَمْسُونَ وَفِي الْأَمَّةِ ثُلُثُ النَّفْسِ وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ النَّفْسِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ وَفِي السِّنِّ خَمْسٌ، وَفِي كُلِّ أُصْبُعٍ مِمَّا هُنَالِكَ خَمْسٌ، وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ فِي اللِّسَانِ: الدِّيَةُ إِذَا مَنَعَ الْكَلَامَ، وَفِي الذَّكَرِ الدِّيَةُ إِذَا قُطِعَتِ الْحَشَفَةُ وَفِي الشَّفَتَيْنِ الدِّيَةُ.

ص: 2284

3493 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ:«قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَوَاضِحِ خَمْسًا خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَسْنَانِ خَمْسًا خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ. وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهِ الْفَصْلَ الْأَوَّلَ.

ــ

3493 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْمَوَاضِحِ) : بِفَتْحِ أَوَّلِهِ جَمْعُ مُوضِحَةٍ (خَمْسًا خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْأَسْنَانِ خَمْسًا خَمْسًا مِنَ الْإِبِلِ) : فِي كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا خَمْسٌ. قَالَ الطِّيبِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: كَيْفَ يُوَافِقُ هَذَا قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ، وَفِي الْأَسْنَانِ الدِّيَةُ. قُلْتُ: اعْتُبِرَ فِي الْجَمْعِ هُنَا إِفْرَادُهُ وَهُنَاكَ حَقِيقَتُهُ مِثَالُهُ فِي التَّعْرِيفِ حَقِيقَةُ الْجِنْسِ وَاسْتِغْرَاقُهُ، وَلِذَلِكَ كَرَّرَ خَمْسًا لِيَسْتَوْعِبَ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ لِاعْتِبَارِ أَخْمَاسِهَا. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْعَرَبُ تُكَرِّرُ الشَّيْءَ مَرَّتَيْنِ لِيَسْتَوْعِبَ الدِّيَةَ الْكَامِلَةَ بِاعْتِبَارِ أَخْمَاسِهَا. قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ: الْعَرَبُ تُكَرِّرُ الشَّيْءَ مَرَّتَيْنِ لِتَسْتَوْعِبَ تَفْصِيلَ جَمِيعِ جِنْسِهِ بِاعْتِبَارِ الْمَوْتِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ اللَّفْظُ الْمُكَرَّرُ اهـ. وَفِيهِ أَنَّ الْأَخْمَاسَ هُنَا زِيَادَةٌ عَلَى الدِّيَةِ كَمَا سَبَقَ تَحْرِيرُهَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالدَّارِمِيُّ) : أَيْ: فِي الْفَصْلَيْنِ مِنَ الْحَدِيثِ (وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ، الْفَصْلَ الْأَوَّلَ) : أَيْ: وَلَمْ يَذْكُرَا قَوْلَهُ: فِي الْأَسْنَانِ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا نَقَلَهُ الشَّمَنِيُّ حَيْثُ قَالَ: أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْأَسْنَانِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ فِي كُلِّ سِنٍّ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَلَا قَوَدَ فِي الشِّجَاجِ، وَهِيَ فِي اللُّغَةِ مَا يَكُونُ فِي الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ، وَأَمَّا مَا يَكُونُ فِي غَيْرِهِمَا فَيُسَمَّى جِرَاحَةً إِلَّا فِي الْمُوضِحَةِ عَمْدًا، وَهِيَ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ أَيْ: تُبِينُهُ لِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ مُرْسَلًا، عَنْ طَاوُسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «وَلَا طَلَاقَ قَبْلَ مِلْكٍ وَلَا قِصَاصَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ» ) وَأَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنِ الْحَسَنِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَقْضِ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ بِشَيْءٍ» ، وَلِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنِ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِي غَيْرِ الْمُوضِحَةِ، وَيُمْكِنُ اعْتِبَارُهَا فِيهَا ; لِأَنَّ لَهَا حَدًّا يَنْتَهِي إِلَيْهِ السِّكِّينُ وَهُوَ الْعَظْمُ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنَ الشِّجَاجِ ; لِأَنَّ فِيمَا فَوْقَ الْمُوضِحَةِ كَسْرَ الْعَظْمِ وَلَا قِصَاصَ فِيهَا وَقَالَ مُحَمَّدٌ: فِي الْأَصْلِ وَهُوَ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ وَقَوْلُ مَالِكٌ: يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَسْرِ عَظْمٍ وَلَا خَوْفِ هَلَاكٍ غَالِبٍ وَيُمْكِنُ اعْتِبَارُ الْمُسَاوَاةِ فِيهِ بِأَنْ يُشْبَهَ غَوْرُهَا بِمِسْمَارٍ ثُمَّ تُتَّخَذُ حَدِيدَةٌ بِقَدْرِ ذَلِكَ الْمِسْمَارِ فَيُقْطَعُ بِهَا مِقْدَارُ مَا قُطِعَ وَفِي شَرْحِ الْوَافِي وَهُوَ الصَّحِيحُ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ تَعَالَى {وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ} [المائدة: 45] مَعَ إِمْكَانِ الْمُسَاوَاةِ بِمَا ذَكَرْنَا وَرَوَى - الْحَسَنُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيمَا دُونَ الْمُوضِحَةِ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ; لِأَنَّ جِرَاحَتَهُ لَا تَنْتَهِي إِلَى الْعَظْمِ فَصَارَ كَالْمَأْمُومَةِ. قَالَ: وَفِي الْمُوضِحَةِ خَطَأٌ نِصْفُ عُشْرِ الدِّيَةِ وَفِي الْهَاشِمَةِ وَهِيَ الَّتِي تَكْسِرُ الْعَظْمَ عُشْرُهَا لِقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي كِتَابِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ: (وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْجَائِفَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ، وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ مِنَ الْإِبِلِ، وَفِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ مِنَ الْإِبِلِ) وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْهَاشِمَةِ لَكِنْ أَخْرَجَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: فِي الْمُوضِحَةِ خَمْسٌ وَفِي الْهَاشِمَةِ عَشْرٌ وَفِي الْمُنَقِّلَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَفِي الْمَأْمُومَةِ ثُلُثُ الدِّيَةِ. قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: إِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيَّ وَأَصْحَابَهُمُ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْجَائِفَةَ لَا تَكُونُ إِلَّا فِي الْجَوْفِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَفِي جَائِفَةٍ نَفَذَتْ ثُلُثَاهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ: لَا أَعْلَمُهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهَا جَائِفَةٌ وَاحِدَةٌ ; لِأَنَّ الْجَائِفَةَ تَنْفُذُ مِنْ ظَاهِرِ الْبَدَنِ إِلَى الْجَوْفِ، وَالثَّانِيَةُ هُنَا تَنْفُذُ مِنَ الْبَاطِنِ إِلَى الظَّاهِرِ، وَلِلْجُمْهُورِ مَا رُوِيَ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنِ الثَّوْرِيِّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنِ ابْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَضَى أَبُو بَكْرٍ فِي الْجَائِفَةِ تَكُونُ نَافِذَةً بِثُلُثَيِ الدِّيَةِ وَقَالَ: هُمَا جَائِفَتَانِ. وَقَالَ سُفْيَانُ: وَلَا تَكُونُ الْجَائِفَةُ إِلَّا فِي الْجَوْفِ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا يَرْمُونَ فَرَمَى رَجُلٌ مِنْهُمْ بِسَهْمٍ خَطَأٍ فَأَصَابَ بَطْنَ رَجُلٍ فَأَنْفَذَهُ إِلَى ظَهْرِهِ فَدَوَوْهُ فَرُفِعَ إِلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَضَى فِيهِ بِجَائِفَتَيْنِ قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَلَا يُقَادُ حِينَئِذٍ بِجُرْحٍ إِلَّا بَعْدَ بُرْءٍ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: يَجُوزُ أَنْ يُقَادَ قَبْلَ الْبُرْءِ وَيُسْتَحَبَّ الِانْتِظَارُ اعْتِبَارًا بِالْقِصَاصِ فِي النَّفْسِ وَلَنَا مَا رَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ:«أَنَّ رَجُلًا طَعَنَ رَجُلًا بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقِدْنِي، فَقَالَ لَهُ عليه الصلاة والسلام: (لَا تَعْجَلْ حَتَّى يَبْرَأَ جُرْحُكَ) قَالَ: فَأَبَى الرَّجُلُ إِلَّا أَنْ يَسْتَقِيدَهُ فَأَقَادَهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. قَالَ: فَعَرِجَ الرَّجُلُ الْمُسْتَقِيدُ وَبَرَأَ الْمُسْتَقَادُ مِنْهُ، فَأَتَى الْمُسْتَقِيدُ إِلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ عَرِجْتُ مِنْهُ وَبَرَأَ صَاحِبِي، فَقَالَ لَهُ عليه الصلاة والسلام: (أَلَمْ آمُرْكَ أَنْ لَا تَسْتَقِيدَ حَتَّى يَبْرَأَ جُرْحُكَ فَعَصَيْتَنِي» ) أَنْ لَا يَسْتَقِيدَ حَتَّى تَبْرَأَ جِرَاحَتُهُ، فَإِذَا بَرَأَ اسْتَقَادَ، وَلِأَنَّ الْجِرَاحَاتِ يُعْتَبَرُ مَآلُهَا لَا حَالُهَا ; لِأَنَّ حُكْمَهَا فِي الْحَالِ غَيْرُ مَعْلُومٍ، وَلَعَلَّهَا تَسْرِي إِلَى النَّفْسِ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ قَتْلٌ.

ص: 2285

3494 -

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما قَالَ: «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَصَابِعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءً» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ.

ــ

3494 -

(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ «جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَصَابِعَ الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ سَوَاءً» ) : أَيْ: حَتَّى الْإِبْهَامَ وَالْخِنْصَرَ وَإِنْ كَانَا مُخْتَلِفَيْنِ فِي الْمَفَاصِلِ كَمَا سَبَقَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيُّ) .

ص: 2286

3495 -

وَعَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: «الْأَصَابِعُ سَوَاءٌ، وَالْأَسْنَانُ سَوَاءٌ، وَالثَّنِيَّةُ وَالضِّرْسُ سَوَاءٌ، هَذِهِ وَهَذِهِ سَوَاءٌ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

ــ

3495 -

وَعَنْهُ (: أَيْ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم (الْأَصَابِعُ سَوَاءٌ، وَالْأَسْنَانُ سَوَاءٌ، وَالثَّنِيَّةُ) : بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ (وَالضِّرْسُ) : بِالْكَسْرِ (سَوَاءٌ) : فِي الْمُغْرِبِ: الثَّنِيَّةُ وَاحِدَةُ الثَّنَايَا، وَهِيَ الْأَسْنَانُ الْمُتَقَدِّمَةُ اثْنَتَانِ فَوْقُ وَاثْنَتَانِ أَسْفَلُ ; لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَضْمُومَةٌ إِلَى صَاحِبَتِهَا وَالْأَضْرَاسُ مَا سِوَى الثَّنَايَا مِنَ الْأَسْنَانِ الْوَاحِدُ ضِرْسٌ، وَيُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ، ذَكَرَهُمَا تَقْرِيرًا لِمَعْنَى قَوْلِهِ: الْأَسْنَانُ سَوَاءٌ أَيْ لَا تَفَاوُتَ فِيمَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَمَا يَفْتَقِرُ إِلَيْهَا كُلَّ الِافْتِقَارِ وَمَا لَيْسَ كَذَلِكَ، وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ: هَذِهِ وَهَذِهِ (سَوَاءٌ) : الْخِنْصَرُ وَالْإِبْهَامُ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْ هَذَا الْبَابِ، كَذَا ذَكَرَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إِلَى إِحْدَى الثَّنَايَا وَإِحْدَى الْأَضْرَاسِ تَأْكِيدًا لِمَا قَبْلَهُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ، وَرَوَى أَحْمَدُ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ: وَفِي الْأَصَابِعِ عَشْرٌ عَشْرٌ.

ص: 2286

3496 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ:«خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ ثُمَّ قَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ، وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفِ الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا شِدَّةً، الْمُؤْمِنُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ، وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ يَرُدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعِيدَتِهِمْ، وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ، دِيَةُ الْكَافِرِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ، وَلَا تُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُورِهِمْ وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: دِيَةُ الْمُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

ــ

3496 -

(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: خَطَبَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَامَ الْفَتْحِ) : أَيْ: سَنَةَ فَتْحِ مَكَّةَ (ثُمَّ قَالَ) : أَيْ: بَعْدَ خُطْبَتِهِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْحَمْدِ وَالثَّنَاءِ الْمُقْتَضِيَةِ لِمَرْتَبَةِ الْجَمْعِ بِالْحُضُورِ مَعَ رَبِّ السَّمَاءِ وَهُوَ الْكَمَالُ الْإِنْسَانِيُّ بِالْفَضْلِ الرَّبَّانِيِّ انْتَقَلَ إِلَى تَنَزُّلِ مَرْتَبَةِ التَّفْرِقَةِ تَكْمِيلًا لِلنَّاقِصِينَ، وَتَحْمِيلًا لِلْكَامِلِينَ عَامِلًا بِقَضِيَّةِ كَلِمِ النَّاسِ عَلَى قَدْرِ عُقُولِهِمْ فِي طَلَبِ أُصُولِهِمْ وَفُصُولِهِمْ، فَقَالَ (أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّهُ) : أَيِ: الشَّأْنَ (لَا حِلْفَ) : بِكَسْرِ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ فَسُكُونِ لَامٍ، وَفِي نُسْخَةٍ بِفَتْحٍ فَكَسْرٍ أَيْ: لَا إِحْدَاثَ لِلْمُعَاهَدَةِ بَيْنَ قَوْمٍ (فِي الْإِسْلَامِ وَمَا كَانَ مِنْ حِلْفٍ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَإِنَّ الْإِسْلَامَ لَا يَزِيدُهُ إِلَّا شِدَّةً) : قَالَ بَعْضُهُمْ: الْحِلْفُ الْعَهْدُ، وَمِنْهُ حَالَفَهُ عَاهَدَهُ، وَتَحَالَفُوا تَعَاهَدُوا، وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَعَاهَدُونَ عَلَى التَّوَارُثِ وَالتَّنَاصُرِ فِي الْحُرُوبِ، وَأَدَاءِ الضَّمَانَاتِ الْوَاجِبَةِ عَلَيْهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَنَهَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم عَنْ إِحْدَاثِهِ فِي الْإِسْلَامِ، وَأَقَرَّ مَا كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفَاءً بِالْعُهُودِ وَحِفْظًا لِلْحُقُوقِ وَالذِّمَامِ، وَتَوْضِيحُهُ مَا قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ وَلَخَّصَهُ الْقَاضِي: كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَتَعَاهَدُونَ فَيَتَعَاقَدُ الرَّجُلُ مَعَ الرَّجُلِ وَيَقُولُ لَهُ: دَمِي دَمُكَ وَهَدْمِي هَدْمُكَ وَثَأْرِي ثَأْرُكَ وَحَرْبِي حَرْبُكَ، وَسِلْمِي سِلْمُكَ تَرِثُنِي وَأَرِثُكَ، وَتُطْلَبُ بِي وَأُطْلَبُ بِكَ، وَتَعْقِلُ عَنِّي وَأَعْقِلُ عَنْكَ، فَيَعُدُّونَ الْحَلِيفَ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ دَخَلَ فِي حِلْفِهِمْ، وَيُقَرِّرُونَ لَهُ وَعَلَيْهِ مُقْتَضَى الْحَلِفِ وَالْمُعَاقَدَةِ غُنْمًا وَغُرْمًا، فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ قَرَّرَهُمْ عَلَى ذَلِكَ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى مَصَالِحَ مِنْ حَقْنِ الدِّمَاءِ وَالنَّصْرِ عَلَى الْأَعْدَاءِ، وَحِفْظِ الْعُهُودِ وَالتَّأْلِيفِ بَيْنَ النَّاسِ، حَتَّى كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ فَنَفَى مَا أُحْدِثَ فِي الْإِسْلَامِ لِمَا فِي رَابِطَةِ الدِّينِ مِنَ الْحَثِّ عَلَى التَّعَاضُدِ وَالتَّعَاوُنِ مَا نَعَتَهُمْ مِنَ الْمُخَالَفَةِ، وَقَرَّرَ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ فِي أَيَّامِ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَاءً بِالْعُهُودِ وَحِفْظًا لِلْحُقُوقِ وَلَكِنْ نُسِخَ مِنْ أَحْكَامِهِ التَّوَارُثُ وَتَحَمُّلُ الْجِنَايَاتِ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَى اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِأَشْخَاصٍ مَخْصُوصَةٍ، وَارْتِبَاطِهِ بِأَسْبَابٍ مُعَيَّنَةٍ مَعْدُودَةٍ، وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ وَجْهًا آخَرَ حَيْثُ قَالَ: أَصْلُ الْحِلْفِ الْمُعَاقَدَةُ وَالْمُعَاضَدَةُ عَلَى التَّعَاهُدِ وَالتَّسَاعُدِ وَالْإِنْفَاقِ، فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى الْفِتَنِ وَالْقِتَالِ وَالْغَارَاتِ، فَذَلِكَ الَّذِي وَرَدَ النَّهْيُ عَنْهُ فِي الْإِسْلَامِ بِقَوْلِهِ:(لَا حِلْفَ فِي الْإِسْلَامِ) وَمَا كَانَ مِنْهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَلَى نُصْرَةِ الْمَظْلُومِ، وَصِلَةِ الْأَرْحَامِ وَنَحْوِهَا فَذَلِكَ الَّذِي قَالَ فِيهِ وَأَيُّمَا حِلْفٍ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَمْ يَزِدْهُ الْإِسْلَامُ إِلَّا شِدَّةً.

ص: 2286

قَالَ الطِّيبِيُّ وَقَوْلُهُ: (الْمُؤْمِنُونَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ) : يُؤَيِّدُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ لِأَنَّهُ جُمْلَةٌ مُبَيِّنَةٌ لِنَفْيِ الْحِلْفِ الْمَخْصُوصِ فِي الْإِسْلَامِ ; لِأَنَّ أُخُوَّةَ الْإِسْلَامِ جَمَعَتْهُمْ وَجَعَلَتْهُمْ يَدًا وَاحِدَةً لَا يَسَعُهُمُ التَّخَاذُلُ، بَلْ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ نُصْرَةُ أَخِيهِ. قَالَ تَعَالَى {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ} [الحجرات: 10] وَقَوْلُهُ: (يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ) : كَالْبَيَانِ لِلسَّابِقِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُؤْتَ بِالْعَاطِفِ يَعْنِي إِذَا كَانُوا فِي حُكْمِ الْيَدِ الْوَاحِدَةِ فَهُمْ سَوَاءٌ فَالْأَدْنَى كَالْأَعْلَى يُعْطِي الْأَمَانَ لِمَنْ شَاءَ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ:(وَيَرُدُّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ، وَيَرُدُّ سَرَايَاهُمْ عَلَى قَعِيدَتِهِمْ) : جِيءَ بِلَا وَاوٍ بَيَانًا وَهُوَ يَنْصُرُ الْوَجْهَ الثَّانِيَ مِنْ كِتَابِ الْقِصَاصِ، وَإِنْ رُوِيَ بِالْوَاوِ كَمَا فِي بَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ فَبِالْعَكْسِ لِاقْتِضَاءِ الْعَطْفِ الْمُغَايَرَةَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَرَادَ بِالْقَعِيدَةِ الْجُيُوشَ النَّازِلَةَ فِي دَارِ الْحَرْبِ يَبْعَثُونَ سَرَايَاهُمْ إِلَى الْعَدُوِّ، فَمَا غَنِمَتْ يُرَدُّ مِنْهُ عَلَى الْقَاعِدِينَ حِصَّتَهُمْ لِأَنَّهُمْ كَانُوا رِدَاءً لَهُمْ (لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ) : أَيْ: حَرْبِيٍّ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ: وَلَوْ ذِمِّيًّا (دِيَةُ الْكَافِرِ) : أَيِ: الذِّمِّيِّ (نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ) .

قَالَ الْمُظْهِرُ: ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إِلَى أَنَّ دِيَتَهُ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، غَيْرَ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ: إِذَا كَانَ الْقَتْلُ خَطَأً وَإِنْ كَانَ عَمْدًا لَمْ يُقَدْ بِهِ، وَيُضَاعَفُ عَلَيْهِ بِاثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا. وَقَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ: دِيَتُهُ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: دِيَتُهُ ثُلْثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ، وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: دِيَةُ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةُ آلَافٍ، وَدِيَةُ الْمَجُوسِيِّ ثَمَانُمِائَةِ دِرْهَمٍ. مِنْ شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ الشَّمَنِيُّ لِلشَّافِعِيِّ: مَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ فِي كِتَابِ الْعُقُولِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ:«أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَرَضَ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ» ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ، عَنْ فُضَيْلِ بْنِ عِيَاضٍ، عَنْ مَنْصُورٍ، عَنْ ثَابِتٍ، عَنْهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيَّبِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ: أَنَّهُ قَضَى فِي الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ أَرْبَعَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَفِي الْمَجُوسِيِّ ثَمَانِمِائَةِ دِرْهَمٍ. وَرَوَى أَيْضًا فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَضَى عُثْمَانُ فِي دِيَةِ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ وَلَنَا مَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( «دِيَةُ كُلِّ ذِي عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ أَلْفُ دِينَارٍ» ) . وَوَقَفَهُ الشَّافِعِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَلَى سَعِيدٍ، وَمَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْبَقَّالِ، عَنْ عِكْرِمَةَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَدَى الْعَامِرِيَّيْنِ بِدِيَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَكَانَ لَهُمَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. وَأَبُو سَعِيدٍ الْبَقَّالُ اسْمُهُ سَعِيدُ بْنُ الْمَرْزُبَانِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي عِلَلِهِ الْكَبِيرِ: قَالَ الْبُخَارِيُّ: هُوَ مُقَارِبُ الْحَدِيثِ، وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي مَرَاسِيلِهِ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ: كَانَ عَقْلُ الذِّمِّيِّ مِثْلَ عَقْلِ الْمُسْلِمِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَزَمَنِ أَبِي بَكْرٍ، وَزَمَنِ عُمَرَ، وَزَمَنِ عُثْمَانَ رِضْوَانُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ أَجْمَعِينَ، حَتَّى كَانَ صَدْرٌ مِنْ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: إِنْ كَانَ أَهْلُهُ أُصِيبُوا بِهِ فَقَدْ أُصِيبَ بِهِ بَيْتُ مَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَاجْعَلُوا لِبَيْتِ الْمَالِ النِّصْفَ، وَلِأَهْلِهِ النِّصْفَ خَمْسَمِائَةِ دِينَارٍ، ثُمَّ قُتِلَ آخَرُ مَنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَقَالَ مُعَاوِيَةُ: لَوْ أَنَّا نَظَرْنَا إِلَى هَذَا الَّذِي يَدْخُلُ بَيْتَ مَالِ الْمُسْلِمِينَ فَجَعَلَهُ وَضْعًا عَنِ الْمُسْلِمِينَ، وَعَوْنًا لَهُمْ. قَالَ: فَمِنْ هُنَالِكَ وَضَعَ عَلَيْهِمْ إِلَى خَمْسِمِائَةٍ. وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ، عَنْ مُجَاهِدٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ: دِيَةُ الْمُعَاهِدِ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ. وَرَوَى أَيْضًا عَنْ مَعْمَرٍ، عَنِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ فَرُفِعَ إِلَى عُثْمَانَ فَلَمْ يَقْتُلْهُ، وَجَعَلَ عَلَيْهِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ صَفْوَانَ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ، عَنْ رَحْمَوَيْهِ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ، عَنِ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما كَانَا يَجْعَلَانِ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ الْمُعَاهِدَيْنِ دِيَةَ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ. وَأَخْرَجَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ نَحْوَهُ عَنْ عَلْقَمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ، وَرَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنِ الْحَاكِمِ عَنِ ابْنِ عُيَيْنَةَ، عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ: دِيَةُ كُلِّ ذِمِّيٍّ مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ. قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: وَهُوَ قَوْلِي وَلِأَنَّهُ حُرٌّ مَعْصُومُ الدَّمِ، فَتَكْمُلُ دِيَتُهُ كَالْمُسْلِمِ، (لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ) بِفَتْحَتَيْنِ فِيهِمَا. وَقَدْ سَبَقَ

ص: 2287

مَعْنَاهُمَا فِي بَابِ الزَّكَاةِ، وَيُتَصَوَّرَانِ فِي السِّبَاقِ أَيْضًا (وَلَا يُؤْخَذُ) : بِالتَّذْكِيرِ وَالتَّأْنِيثِ (صَدَقَاتُهُمْ إِلَّا فِي دُورِهِمْ) : بِضَمِّ دَالٍ وَسُكُونِ وَاوٍ جَمْعُ دَارٍ أَيْ فِي مَنَازِلِهِمْ. قَالَ الطِّيبِيُّ رحمه الله: لَوْ جُعِلَتِ الْوَاوُ كَمَا فِي قَوْلِكَ: جَاءَ زَيْدٌ وَذَهَبَ عَمْرٌو، يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ بِمَا يُغَايِرُهُ مِنَ السِّبَاقِ فِي الْخَيْلِ، فَإِنَّ الْجَلَبَ حِينَئِذٍ بِمَعْنَى الصَّوْتِ وَالزَّجْرِ لِيَزِيدَ فِي شَأْنِهِ وَالْجَلَبُ يَعْنِي جَلَبَ فَرَسٍ آخَرَ فِي جَنَبِ فَرَسِهِ، وَلَوْ جُعِلَتْ كَمَا فِي قَوْلِكَ: جَاءَ زَيْدٌ وَذَهَبَ عَمْرٌو يَنْبَغِي أَنْ يُفَسَّرَ بِمَا يَقَعُ مُبَيِّنًا لَهُ فَالْجَلَبُ هُوَ أَنْ يَنْزِلَ السَّاعِي مَوْضِعًا وَيَبْعَثَ إِلَى أَرْبَابِ الْمَوَاشِي لِيَجْلِبُوا إِلَيْهِ مَوَاشِيَهُمْ فَيَأْخُذَ صَدَقَاتِهِمْ. وَالْجَلَبُ هُوَ أَنْ يَبْعُدَ أَرْبَابُ الْمَوَاشِي عَنْ مَوَاضِعِهِمْ فَيَشُقَّ عَلَى الْمُصَدِّقِ طَلَبُهُمْ وَلَوْ جُعِلَ الْوَاوُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا دَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الْحَمْدُ لِلَّهِ} [النمل: 15] لَمْ يَبْعُدْ فَيُجْعَلُ قَوْلُهُ: (وَلَا يُؤْخَذُ صَدَقَاتُهُمْ) مُبَيِّنًا عَنْ قَوْلِهِ (لَا جَلَبَ وَلَا جَنَبَ) بِأَنْ يُخْبِرَ عَنِ الْأَمْرَيْنِ وَيُفَوِّضَ التَّرْتِيبَ إِلَى الذِّهْنِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

(وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: (دِيَةُ الْمُعَاهِدِ) : بِكَسْرِ الْهَاءِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا أَيِ: الذِّمِّيِّ (نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ) : أَيِ: الْمُسْلِمِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) : وَكَذَا التِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: مَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّ دِيَةَ الْيَهُودِيِّ وَالنَّصْرَانِيِّ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ لِمَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ وَاللَّفْظُ لِأَبِي دَاوُدَ: أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( «دِيَةُ الْمُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرِّ» ) وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ: ( «دِيَةُ عَقْلِ الْكَافِرِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِ» ) . وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ، وَلَفْظُ النَّسَائِيِّ:( «عَقْلُ أَهْلِ الذِّمَّةِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى» ) وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ: ( «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى أَنَّ عَقْلَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى» ) وَمَا أَخْرَجَهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ عَنْ نَافِعٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ( «إِنَّ دِيَةَ الْمُعَاهِدِ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ» ) وَفِي كِتَابِ الرَّحْمَةِ: وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ دِيَةَ الْحُرَّةِ الْمُسْلِمَةِ فِي نَفْسِهَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ الْحُرِّ الْمُسْلِمِ. وَأَمَّا فِي الْجِرَاحِ، فَعَلَى النِّصْفِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ، وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ، وَعِنْدَ غَيْرِهِمَا عَلَى التَّسَاوِي وَفِيهِ تَفْصِيلٌ. وَقَالَ الشَّمَنِيُّ: وَالدِّيَةُ لِلْمَرْأَةِ نِصْفُ مَا لِلرَّجُلِ فِي النَّفْسِ أَوْ مَا دُونَهُمَا وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَمُخْتَارِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَابْنُ سِيرِينَ لِمَا أَخْرَجَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: ( «دِيَةُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ دِيَةِ الرَّجُلِ» ) . وَمَا أَخْرَجَهُ عَنْ إِبْرَاهِيمَ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ: عَقْلُ الْمَرْأَةِ عَلَى النِّصْفِ مِنْ عَقْلِ الرَّجُلِ فِي النَّفْسِ وَفِيمَا دُونَهَا. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مَا دُونَ الثُّلْثِ لَا يَتَنَصَّفُ وَكَذَا الثُّلْثُ. قَالَ فِي الْقَدِيمِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ، وَابْنِ الْمُسَيَّبِ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، وَالزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ، وَالْأَعْرَجِ، وَرَبِيعَةَ وَمَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لِمَا رَوَى النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ، عَنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ الرَّمْلِيِّ، عَنْ ضَمْرَةَ عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:( «عَقْلُ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرَّجُلِ حَتَّى يَبْلُغَ الْعَقْلُ الثُّلْثَ مِنْ دِيَتِهَا» ) وَأَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ: جِرَاحَاتُ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ إِلَى الثُّلْثِ فَمَا زَادَ عَلَى النِّصْفِ. وَأَخْرَجَ أَيْضًا عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ سَأَلَ ابْنَ الْمُسَيَّبِ: كَمْ فِي أُصْبُعِ الْمَرْأَةِ؟ قَالَ: عِشْرُونَ. قَالَ: كَمْ فِي الِاثْنَيْنِ. قَالَ: عِشْرُونَ. قَالَ: كَمْ فِي ثَلَاثٍ؟ قَالَ: ثَلَاثُونَ. قَالَ: كَمْ فِي أَرْبَعٍ؟ قَالَ: عِشْرُونَ. فَقَالَ رَبِيعَةُ: حِينَ عَظُمَ جُرْحُهَا وَاشْتَدَّتْ مُصِيبَتُهَا نَقَصَ عَقْلُهَا. قَالَ: أَعِرَاقِيٌّ أَنْتَ؟ قَالَ رَبِيعَةُ: عَالِمٌ تُثْبِتُ أَوْ جَاهِلٌ مُتَعَلِّمٌ. قَالَ: يَا ابْنَ أَخِي! إِنَّهَا السُّنَّةُ. وَأُجِيبَ عَنِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ إِسْمَاعِيلَ بْنَ عَيَّاشٍ عَنِ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفٌ، وَابْنَ جُرَيْجٍ حِجَازِيٌّ، وَعَنِ الثَّانِي بِأَنَّهُ مُنْقَطِعٌ، وَعَنِ الثَّالِثِ بِأَنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي آخِرِهِ: كُنَّا نَقُولُ بِهِ ثُمَّ رَجَعْتُ عَنْهُ، وَأَنَا أَسْأَلُ اللَّهَ الْخَيْرَ وَإِنَّا لَا نَجِدُ مَنْ يَقُولُ السُّنَّةَ، ثُمَّ لَا نَجِدُ نَفَاذًا بِهَا عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَالْقِيَاسُ أَوْلَى بِنَافِيهَا.

ص: 2288

3497 -

وَعَنْ خِشْفِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ رضي الله عنه قَالَ:«قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرِينَ ابْنَ مَخَاضٍ ذُكُورٍ، وَعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرِينَ جَذَعَةً، وَعِشْرِينَ حِقَّةً» . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ، وَأَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَخِشْفٌ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ. وَرُوِيَ فِي (شَرْحِ السُّنَّةِ) أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَدَى قَتِيلَ خَيْبَرَ بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ وَلَيْسَ فِي أَسْنَانِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخَاضٍ إِنَّمَا فِيهَا ابْنُ لَبُونٍ.

ــ

3497 -

(وَعَنْ خِشْفٍ) : بِكَسْرِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَبِالْفَاءِ (ابْنِ مَالِكٍ) ، أَيِ الطَّائِيِّ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ، وَعَنْهُ زَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ، وَثَّقَ ذِكْرَهُ الْمُصَنِّفُ. وَفِي التَّقْرِيبِ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ. (عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرِينَ بِنْتَ مَخَاضٍ) قَالَ الطِّيبِيُّ: يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ. أَحَدُهُمَا: أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْجِنْسُ، فَيَشْتَمِلُ عَلَى الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ وَثَانِيهِمَا: الْأُنْثَى مِنْهُ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ لِعَطْفِ قَوْلِهِ:(وَعِشْرِينَ ابْنَ مَخَاضٍ ذُكُورٌ) بِالْجَرِّ عَلَى الْجَوَازِ كَمَا فِي الْمَثَلِ جُحْرُ ضَبٍّ خَرِبٍ كَذَا فِي التِّرْمِذِيِّ، وَأَبِي دَاوُدَ، وَشَرْحِ السُّنَّةِ، وَبَعْضِ نُسَخِ الْمَصَابِيحِ، وَفِي بَعْضِهَا ذُكُورًا بِالنَّصْبِ وَهُوَ ظَاهِرٌ، وَأَرَادَ تَأْكِيدَهُ بِقَوْلِهِ: ذُكُورٍ. (وَعِشْرِينَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرِينَ بِنْتَ جَذَعَةً) بِفَتْحَتَيْنِ (وَعِشْرِينَ حِقَّةً) . بِكَسْرِ أَوَّلِهِ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالتِّرْمِذِيُّ، وَالنَّسَائِيُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ)، قُلْتُ: وَعَلَى تَقْدِيرِ تَسْلِيمِهِ لَا يَضُرُّهُ، فَإِنَّ مِثْلَ هَذَا الْمَوْقُوفِ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ فَإِنَّ التَّقَادِيرَ لَا تُعْرَفُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ مَعَ أَنَّ الْمُقَرَّرَ فِي الْأَصْلِ أَنَّهُ إِذَا كَانَ الْحَدِيثُ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا يُعْتَبَرُ الْمَرْفُوعُ. (وَخِشْفٌ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ) . قُلْتُ: يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ رَوَى عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَنْ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ كَمَا سَبَقَ فَيَكُونُ مَعْرُوفًا ; لِأَنَّ أَقَلَّ الْمَعْرُوفِ أَنْ يَرْوِيَ عَنِ اثْنَيْنِ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: وَالْعَجَبُ مِنْ مُؤَلِّفِ الْمَصَابِيحِ كَيْفَ يَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ مَوْقُوفًا، ثُمَّ طَعَنَ فِي الَّذِي يَرْوِيهِ عَنْهُ، وَقَوْلُهُ: خِشْفٌ مَجْهُولٌ لَمْ يَبْتَدِعْهُ هُوَ بَلْ سَبَقَهُ الْأَوَّلُونَ الَّذِينَ خَالَفُوا هَذَا الْحَدِيثَ، وَأَرَاهُ قَدْ نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ، وَكَانَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يُبَادِرَ فِيهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ فَقَالَ: خِشْفُ بْنُ مَالِكٍ سَمِعَ ابْنَ مَسْعُودٍ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: قَوْلُهُ وَأَرَاهُ قَدْ نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ لَيْسَ بِطَعْنٍ، بَلْ قَلَّدَ أَبَا دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيَّ: قَالَ أَبُو دَاوُدَ: وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ. وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ لَا نَعْرِفُهُ مَرْفُوعًا إِلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ مَوْقُوفًا. وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ: خِشْفُ بْنُ مَالِكٍ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ إِلَّا بِهَذَا الْحَدِيثِ، وَقَوْلُهُ: عَنِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ خِشْفًا سَمِعَ عُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ لَا يَجْعَلُهُ مِنَ الْمَشْهُورِينَ. قُلْتُ: لَا يَجْعَلُهُ مِنَ الْمَشْهُورِينَ، لَكِنْ يُخْرِجُهُ مِنَ الْمَجْهُولِينَ قَالَ: وَلَعَلَّ غَرَضَهُ فِي الطَّعْنِ تَقْرِيرُ مَذْهَبِهِ. قُلْتُ: وَجْهُ الطَّعْنِ ظَاهِرٌ ; لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِطَعْنِ الرَّاوِي بَعْدَ الْحُكْمِ بِأَنَّ الْحَدِيثَ صَحِيحٌ، سَوَاءٌ يَكُونُ مَرْفُوعًا أَوْ مَوْقُوفًا، وَلَعَلَّ الْخَطَّابِيَّ سَبَقَ الْبَغَوِيَّ فِي هَذَا الْوَجْهِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ. قَالَ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: الْخَطَأُ أَخْمَاسٌ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ، غَيْرَ أَنَّهُمُ اخْتَلَفُوا فِي تَقْسِيمِهَا، فَذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّهَا عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ ابْنَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَبِهِ قَالَ اللَّيْثُ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ، وَأَبْدَلَ قَوْمٌ بَنِي اللَّبُونِ بِبَنِي الْمَخَاضِ، وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ خِشْفٍ. قَالَ الشَّمَنِيُّ: لَهُمْ مَا فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي الَّذِي وَدَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، وَبَنُو الْمَخَاضِ لَا مَدْخَلَ لَهَا فِي الصَّدَقَاتِ، وَلَنَا مَا أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَأَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ، عَنْ خِشْفِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (فِي دِيَةِ الْخَطَأِ عِشْرُونَ حِقَّةً، وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَعِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ، وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبُونٍ، وَعِشْرُونَ بَنِي مَخَاضٍ ذَكَرٍ) وَخِشْفٌ وَثَّقَهُ النَّسَائِيُّ، وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَزَيْدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَهُوَ الْحَسْمِيُّ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ، وَأَخْرَجَا لَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ. (وَرُوِيَ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالْمَعْلُومِ أَيْ رَوَى صَاحِبُ الْمَصَابِيحِ (فِي شَرْحِ السُّنَّةِ) : أَيْ بِإِسْنَادِهِ (أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَدَى قَتِيلَ خَيْبَرَ) : بِتَخْفِيفِ الدَّالِ أَيْ أَعْطَى دِيَتَهُ (بِمِائَةٍ مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ لَيْسَ) : وَفِي نُسْخَةٍ وَلَيْسَ (فِي أَسْنَانِ إِبِلِ الصَّدَقَةِ ابْنُ مَخَاضٍ) : الْجُمْلَةُ حَالِيَةٌ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا قَوْلَ الْبَغَوِيِّ، وَأَنَّهُ رَدٌّ عَلَى الْحَدِيثِ السَّابِقِ حَيْثُ أَثْبَتَ فِيهِ ابْنَ مَخَاضٍ (إِنَّمَا فِيهَا) : أَيْ فِي إِبِلِ الصَّدَقَةِ (ابْنُ لَبُونٍ) أَقُولُ: هَذَا عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ شِهَابٍ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ، وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَسْعُودٍ ابْنَ مَخَاضٍ، وَبِهِ أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ، كَذَا فِي مُوَطَّأِ مُحَمَّدٍ فِي بَابِ الْخَطَأِ.

ص: 2289

قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَأَجَابَ الْأَصْحَابُ عَنِ الَّذِي وَدَاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِنْ إِبِلِ الصَّدَقَةِ، بِأَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم تَبَرَّعَ بِذَلِكَ وَلَمْ يَجْعَلْهُ حُكْمًا. قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ: الْمُخْتَارُ مَا قَالَهُ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ عليه الصلاة والسلام اشْتَرَاهَا مِنْ أَهْلِ الصَّدَقَاتِ بَعْدَ أَنْ مَلَكُوهَا، ثُمَّ دَفَعُوهَا تَبَرُّعًا مِنْهُ إِلَى أَهْلِ الْقَتِيلِ اهـ. وَقِيلَ: لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَدَّعُوا عَلَى أَهْلِ خَيْبَرَ إِلَّا قَتْلَهُ عَمْدًا فَتَكُونُ دِيَتُهُ دِيَةَ الْعَمْدِ وَهِيَ مِنْ أَسْنَانِ الصَّدَقَةِ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي الْخَطَأِ.

ص: 2290

3498 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ:«كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ، أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ يَوْمَئِذٍ النِّصْفُ مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ: فَكَانَ كَذَلِكَ حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ رضي الله عنه فَقَامَ خَطِيبًا قَالَ: إِنَّ الْإِبِلَ قَدْ غَلَتْ. قَالَ: فَفَرَضَهَا عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا، وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلَّةٍ. قَالَ: وَتَرَكَ دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

ــ

3498 -

(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَتْ قِيمَةُ الدِّيَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ ثَمَانِيَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ) : قِيلَ: دَلَّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الدِّيَةِ الْإِبِلُ - وَأَنَّهَا تَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ قِيمَتِهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ (وَدِيَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ) : أَيْ كَانَتْ يَوْمَئِذٍ (النِّصْفُ) : بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ الْمُبْتَدَأِ (مِنْ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ) . مِنْ تَبْعِيضِيَّةٌ مُتَعَلِّقَةٌ بِالنِّصْفِ (قَالَ) : أَيْ جَدُّهُ (فَكَانَ) : أَيِ الْأَمْرُ (كَذَلِكَ) : أَيْ عَلَى ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةِ الشَّمَنِيِّ: فَكَانَ ذَلِكَ (حَتَّى اسْتُخْلِفَ عُمَرُ)، بِصِيغَةِ الْمَفْعُولِ أَيْ جُعِلَ خَلِيفَةً (فَقَالَ) : وَفِي رِوَايَةِ الشَّمَنِيِّ فَقَامَ (خَطِيبًا، فَقَالَ: أَلَا إِنَّ الْإِبِلَ غَلَتْ) : وَفِي رِوَايَةٍ: قَدْ غَلَتْ مِنَ الْغَلَاءِ، وَهُوَ ارْتِفَاعُ الثَّمَنِ أَيِ ازْدَادَتْ قِيمَتُهَا (قَالَ) : أَيْ جَدُّهُ (فَفَرَضَهَا) : أَيْ قَدَّرَ الدِّيَةَ (عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ، وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ) : بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيْ أَهْلِ الْفِضَّةِ (اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا) ، أَيْ مِنَ الدَّرَاهِمِ (وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ، وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ) : بِالْهَمْزَةِ فِي آخِرِهِ اسْمُ جِنْسٍ (أَلْفَيْ شَاةٍ) . بِالتَّاءِ الْوَاحِدَةِ مِنَ الْجِنْسِ (وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ) : بِضَمٍّ فَفَتْحٍ (مِائَتَيْ حُلَّةٍ) . قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: وَهِيَ إِزَارٌ وَرِدَاءٌ مِنْ أَيِّ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الثِّيَابِ، وَقِيلَ: الْحُلَلُ بُرُودُ الْيَمَنِ وَلَا يُسَمَّى حُلَّةً حَتَّى يَكُونَ ثَوْبَيْنِ. (قَالَ) : أَيْ جَدُّهُ (وَتَرَكَ) : أَيْ عُمَرُ (دِيَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ) : عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ فِي عَهْدِهِ عليه الصلاة والسلام (لَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ مِنَ الدِّيَةِ) . قَالَ الطِّيبِيُّ: يَعْنِي لَمَّا كَانَتْ قِيمَةُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَقَرَّرَ دِيَةَ الذِّمِّيِّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ صَارَ دِيَةُ الذِّمِّيِّ كَثُلْثِ دِيَةِ الْمُسْلِمِ مُطْلَقًا، وَلَعَلَّ مَنْ أَوْجَبَ الثُّلْثَ نَظَرَ إِلَى هَذَا. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

قَالَ الشَّمَنِيُّ: الدِّيَةُ مِنَ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ، وَمِنَ الْفِضَّةِ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَمِنَ الْإِبِلِ مِائَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: مِنَ الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ، وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لِمَا أَخْرَجَ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ، عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ:«أَنَّ رَجُلًا مِنْ بَنِي عَدِيٍّ قُتِلَ فَجَعَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم دِيَتَهُ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» ، وَلَنَا وَهُوَ قَوْلُ الثَّوْرِيِّ، وَأَبِي ثَوْرٍ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ قَالَ: قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: بَلَغَنَا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ فَرَضَ عَلَى أَهْلِ الذَّهَبِ فِي الدِّيَةِ أَلْفَ دِينَارٍ وَمِنَ الْوَرِقِ عَشَرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ، حَدَّثَنَا بِذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ عَنِ الْهَيْثَمِ عَنِ الشَّعْبِيِّ عَنْ عُمَرَ قَالَ: فَقَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ: فَرَضَ عُمَرُ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ. قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: صَدَقُوا وَلَكِنَّهُ فَرَضَهَا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَزْنَ سِتَّةٍ، وَذَلِكَ عَشَرَةُ آلَافٍ، كَذَا فِي نُسْخَةٍ وَفِي أُخْرَى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ: وَأَخْبَرَنِي الثَّوْرِيُّ، عَنْ مُغِيرَةَ الضَّبِّيِّ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ قَالَ: كَانَتِ الدِّيَةُ الْإِبِلَ فَجُعِلَتِ الْإِبِلُ كُلُّ بَعِيرٍ بِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا وَزْنَ سِتَّةٍ فَذَلِكَ عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ، وَفِي التَّجْرِيدِ لِلْقُدُورِيِّ: لَا خِلَافَ أَنَّ الدِّيَةَ أَلْفُ دِينَارٍ، وَكُلُّ دِينَارٍ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ، وَلِهَذَا جَعَلَ نِصَابَ الذَّهَبِ عِشْرِينَ دِينَارٍ، وَنِصَابَ الْوَرِقِ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ.

وَاعْلَمْ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْأَصْلِ فِي الدِّيَةِ. فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ: الْإِبِلُ فَقَطْ فَتَجِبُ قِيمَتُهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ، لِمَا أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ، وَابْنُ مَاجَهْ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( «أَلَا إِنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ فِي

ص: 2290

بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا» ) وَلِأَنَّهُ عليه الصلاة والسلام فَرَّقَ بَيْنَ دِيَةِ شِبْهِ الْعَمْدِ وَدِيَةِ الْخَطَأِ، فَغَلَّظَ بَعْضَهَا وَخَفَّفَ بَعْضَهَا وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْإِبِلِ وَلِأَنَّ الْإِبِلَ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا وَمَا عَدَاهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ فَيُؤْخَذُ بِالْمُتَيَقَّنِ. وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ: الْإِبِلُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَمُقْتَضَى قَوْلِ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْقَاتِلَ إِنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالْعَمُودِ فَمِائَةٌ مِنَ الْإِبِلِ وَإِنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الذَّهَبِ كَأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْمَغْرِبِ فَأَلْفُ دِينَارٍ، وَإِنْ كَانَ مَنْ أَهْلِ الْوَرِقِ كَأَهْلِ خُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَفَارِسَ فَاثْنَا عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ: الْإِبِلُ وَالذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَالْبَقَرُ مِائَتَا بَقَرَةٍ وَالْغَنَمُ أَلْفَا شَاةٍ وَالْحُلَّةُ مِائَتَا حُلَّةٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِأَبِي حَنِيفَةَ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الشَّافِعِيِّ وَقَدْ مَرَّ الْآنَ ثُمَّ فَائِدَةُ الْخِلَافِ تَظْهَرُ فِي اخْتِيَارِ الْقَاتِلِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ لَهُ الْخِيَارُ مِنَ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ فَقَطْ وَعِنْدَهُمَا مِنَ السِّتَّةِ وَتَظْهَرُ فِي الصُّلْحِ فَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ يَجُوزُ الصُّلْحُ عَنِ الدِّيَةِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ فِي رِوَايَةٍ وَلَا يَجُوزُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى كَقَوْلِهِمَا كَمَا لَوْ صَالَحَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ مِائَةٍ مِنَ الْإِبِلِ أَوْ أَكْثَرَ مِنْ أَلْفِ دِينَارٍ.

ص: 2291

3499 -

وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم:(أَنَّهُ جَعَلَ الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» ) . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ.

ــ

3499 -

(وَعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، «عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ جَعَلَ الدِّيَةَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا» ) : أَيْ: مِنَ الدَّارِهِمْ (رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ وَالدَّارِمِيُّ.

ص: 2291

3500 -

«وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُقَوِّمُ دِيَةَ الْخَطَأِ عَلَى أَهْلِ الْقُرَى أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ عِدْلَهَا مِنَ الْوَرِقِ وَيُقَوِّمُهَا عَلَى أَثْمَانِ الْإِبِلِ فَإِذَا غَلَتْ رَفَعَ فِي قِيمَتِهَا وَإِذَا هَاجَتْ رُخْصًا نَقَصَ مِنْ قِيمَتِهَا وَبَلَغَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَا بَيْنَ أَرْبَعِمِائَةِ دِينَارٍ إِلَى ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ وَعِدْلُهَا مِنَ الْوَرِقِ ثَمَانِيَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ قَالَ: وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ بَيْنَ عَصَبَتِهَا. وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا» ) ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.

ــ

3500 -

(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يُقَوِّمُ دِيَةَ الْخَطَأِ) : بِتَشْدِيدِ الْوَاوِ الْمَكْسُورَةِ أَيْ يَجْعَلُ قِيمَةَ دِيَةِ الْخَطَأِ (عَلَى أَهْلِ الْقُرَى) جَمْعُ قَرْيَةٍ (أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ عَدْلَهَا) بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَيُكْسَرُ قِيلَ: الْعَدْلُ بِالْفَتْحِ مِثْلُ الشَّيْءِ فِي الْقِيمَةِ وَبِالْكَسْرِ مِثْلُهُ فِي الْمَنْظَرِ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ: بِالْفَتْحِ مَا عَدَلَ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَبِالْكَسْرِ مِنْ جِنْسِهِ قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لِلْأَكْثَرِ بِالْفَتْحِ فَالْمَعْنَى أَوْ مِثْلُهَا فِي الْقِيمَةِ (مِنَ الْوَرِقِ) بِكَسْرِ الرَّاءِ وَيُسَكَّنُ أَيِ الْفِضَّةِ (وَيُقَوِّمُهَا) أَيْ وَكَانَ يُقَوِّمُ دِيَةَ الْخَطَأِ (عَلَى أَثْمَانِ الْإِبِلِ) جَمْعُ ثَمَنٍ بِفَتْحَتَيْنِ (فَإِذَا غَلَتْ) أَيِ الْإِبِلُ يَعْنِي زَادَ ثَمَنُهَا (رَفَعَ فِي قِيمَتِهَا) أَيْ زَادَ فِي قِيمَةِ الدِّيَةِ (وَإِذَا هَاجَتْ) مِنْ هَاجَ إِذَا ثَارَ أَيْ ظَهَرَتْ (رُخْصًا) بِضَمٍّ فَسُكُونٍ ضِدُّ الْغَلَاءِ وَالتَّأْنِيثُ بِاعْتِبَارِ الْقِيمَةِ فَإِنَّ الرُّخْصَ رُخْصُهَا (نَقَصَ) أَيِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم (مِنْ قِيمَتِهَا) أَيِ قِيمَةِ الدِّيَةِ (وَبَلَغَتْ) أَيِ قِيمَةُ الدِّيَةِ لِلْخَطَأِ (عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَيْ فِي زَمَانِهِ (مَا بَيْنَ أَرْبَعِمِائَةٍ إِلَى ثَمَانِمِائَةِ دِينَارٍ وَعَدْلُهَا) بِالْوَجْهَيْنِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ أَيْ وَمِثْلُهَا الْكَائِنُ (مِنَ الْوَرِقِ ثَمَانِيَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ) خَبَرُهُ قَالَ الطِّيبِيُّ: وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَ فِي الدِّيَةِ هُوَ الْإِبِلُ فَإِنْ أَعْوَزَتْ وَجَبَتْ قِيمَتُهَا بَالِغَةً مَا بَلَغَتْ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ وَأَوَّلُ مَا رُوِيَ مِنْ تَقْدِيرِ دَرَاهِمَ وَدَنَانِيرَ بِأَنَّهُ تَقْوِيمٌ وَتَعْدِيلٌ بِاعْتِبَارِ مَا كَانَ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ لَا مُطْلَقًا (قَالَ) أَيْ جَدُّهُ (وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ وَعَلَى أَهْلِ الشَّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ) فِيهِ تَأْيِيدٌ لِمَذْهَبِ الصَّاحِبَيْنِ (وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: الْعَقْلُ) أَيِ الدِّيَةُ (مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ وَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ) أَيِ الدِّيَةَ الَّتِي تَجِبُ بِجِنَايَةِ الْمَرْأَةِ (بَيْنَ عَصَبَتِهَا) أَيْ يَتَحَمَّلُهَا عَنْهَا عَصَبَتُهَا كَمَا فِي الرَّجُلِ قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ مِنْ أَئِمَّتِنَا: يَعْنِي أَنَّ الْعَصَبَةَ يَتَحَمَّلُونَ عَقْلَ الْمَرْأَةِ الَّذِي يَجِبُ عَلَيْهِمْ بِسَبَبِ جِنَايَتِهَا تَحَمُّلَهُمْ عَنِ الرَّجُلِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ كَالْعَبْدِ فِي جِنَايَتِهِ إِذِ الْعَاقِلَةُ لَا تَحْمِلُ عَنْهُ بَلْ تَتَعَلَّقُ الْجِنَايَةُ بِرَقَبَتِهِ، وَقَالَ الْأَشْرَفُ: يُمْكِنُ.

ص: 2291

أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْمَقْتُولَةَ دِيَتُهَا تَرِكَةٌ بَيْنَ وَرَثَتِهَا كَسَائِرِ مَا تَرَكَتْهُ لَهُمْ وَهَذَا يُنَاسِبُ مَا فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ (وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ) أَيِ الْمَقْتُولَ (شَيْئًا) أَيْ لَا مِنَ الدِّيَةِ وَلَا مِنْ غَيْرِهَا لِأَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمَّا بَيَّنَ أَنْ دِيَةَ الْمَرْأَةِ الْمَقْتُولَةِ بَيْنَ وَرَثَتِهَا دَخَلَ الْقَاتِلُ فِي عُمُومِهِمْ فَخَصَّهُمْ بِغَيْرِ الْقَاتِلِ، وَمِمَّا يُؤَيِّدُ هَذَا الْمَعْنَى الْحَدِيثُ السَّابِقُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم:«إِنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ» ، فَعَلَى هَذَا الْمُرَادُ مِنَ الْمَرْأَةِ هِيَ الْمَقْتُولَةُ وَعَلَى قَوْلِ الشَّارِحِ الْأَوَّلِ الْمُرَادُ بِهَا الْقَاتِلَةُ قَالَ الطِّيبِيُّ: هَذَا إِنَّمَا يَتِمُّ إِذَا جَعَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم «إِنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ بَيْنَ وَرَثَةِ الْقَتِيلِ» وَقَوْلِهِ «قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ بَيْنَ عَصَبَتِهَا وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ شَيْئًا» حَدِيثَيْنِ مُسْتَقِلَّيْنِ بِرَأْسِهِمَا فَيَكُونُ أَحَدُهُمَا مُبَيَّنًا بِالْآخَرِ وَأَمَّا إِذَا كَانَ مِنْ حَدِيثٍ وَاحِدٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ كَمَا فِي مَتْنِ الْمِشْكَاةِ فَلَا لِئَلَّا يَلْزَمَ التَّكْرَارُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَلَا يَرِثُ الْقَاتِلُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ: إِنَّ الْعَقْلَ مِيرَاثٌ لَا بِالثَّانِي وَلِأَنَّ مِيرَاثَ الْقَتِيلِ لَا يَخْتَصُّ بِالْعَصَبَةِ بَلِ الْعَصَبَةُ مُخْتَصَّةٌ بِالْعَقْلِ وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ اهـ. وَقِيلَ يُرَجِّحُ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ لَفْظُ الْعَصَبَةِ وَالثَّانِيَ لَفْظُ بَيْنَ فَإِنَّهُ ذُكِرَ قَبْلُ فِيمَا كَانَ الْعَقْلُ مِيرَاثًا لِلْوَرَثَةِ وَمَا كَانَ عَلَيْهِمْ بِلَفْظِ عَلَى وَالْأَوْلَى أَنْ يَنْزِلَ عَلَى الْعُمُومِ لِيَتَنَاوَلَ الْمَعْنَيَيْنِ أَيْ أَنَّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ قَاتِلَةٌ بَيْنَ عَصَبَتِهَا وَمَقْتُولَةٌ بَيْنَ وَرَثَتِهَا وَمَا كَانَ مِيرَاثًا فَهُوَ لِلْوَرَثَةِ فَقَطْ وَمَا كَانَ غَيْرُهُ فَهُوَ عَلَى الْعَصَبَةِ فَقَطْ (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.

ص: 2292

3501 -

وَعَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ:«عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

ــ

3501 -

(وَعَنْهُ) : أَيْ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: ( «عَقْلُ شِبْهِ الْعَمْدِ مُغَلَّظٌ، مِثْلُ عَقْلِ الْعَمْدِ» ) ، مَضَى بَحْثُهُ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ مِنَ الْفَصْلِ الثَّانِي (وَلَا يُقْتَلُ صَاحِبُهُ) . أَيْ صَاحِبُ شِبْهِ الْعَمْدِ، وَهُوَ الْقَاتِلُ سَمَّاهُ صَاحِبَهُ لِصُدُورِ الْقَتْلِ عَنْهُ، إِنَّمَا قَالَ صلى الله عليه وسلم هَذَا دَفْعًا لِتَوَهُّمِ جَوَازِ الِاقْتِصَاصِ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ حَيْثُ جَعَلَهُ كَالْعَمْدِ الْمَحْضِ فِي الْعَقْلِ، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

ص: 2292

3502 -

وَعَنْهُ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ:«قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ السَّادَّةِ لِمَكَانِهَا بِثُلْثِ الدِّيَةِ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ.

ــ

3502 -

(وَعَنْهُ: أَيْ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ (عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْعَيْنِ الْقَائِمَةِ السَّادَّةِ) : بِتَشْدِيدِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ (لِمَكَانِهَا) : أَيِ الْبَاقِيَةِ فِي مَكَانِهَا صَحِيحَةً، لَكِنْ ذَهَبَ نَظَرُهَا وَإِبْصَارُهَا، ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ، وَقَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: أَرَادَ بِهَا الْعَيْنَ الَّتِي لَمْ تَخْرُجْ مِنَ الْحَدَقَةِ وَلَمْ يَخْلُ مَوْضِعُهَا فَبَقِيَتْ فِي رَأْيِ الْعَيْنِ عَلَى مَا كَانَتْ لَمْ تُشَوَّهْ خِلْقَتُهَا وَلَمْ يَذْهَبْ بِهَا جَمَالُ الْوَجْهِ. (بِثُلْثِ الدِّيَةِ) : قَالَ: وَالْحَدِيثُ لَوْ صَحَّ فَإِنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَ فِيهَا ثُلْثَ الدِّيَةِ عَلَى مَعْنَى الْحُكُومَةِ. قَالَ ابْنُ الْمَلَكِ: عَمِلَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ إِسْحَاقُ، وَأَوْجَبَ الثُّلْثَ فِي الْعَيْنِ الْمَذْكُورَةِ، وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ أَوْجَبُوا حُكُومَةَ الْعَدْلِ ; لِأَنَّ الْمَنْفَعَةَ لَمْ تَفُتْ بِكَمَالِهَا، فَصَارَتْ كَالسِّنِّ إِذَا اسْوَدَّتْ بِالضَّرْبِ، وَحَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى مَعْنَى الْحُكُومَةِ، إِذِ الْحُكُومَةُ بَلَغَتْ ثُلْثَ الدِّيَةِ، وَفِي مُخْتَصَرِ الطِّيبِيِّ: وَكَانَ ذَلِكَ بِطَرِيقِ الْحُكُومَةِ وَإِلَّا فَاللَّازِمُ فِي ذَهَابِ ضَوْئِهَا الدِّيَةُ، وَفِي ذَهَابِ ضَوْءِ إِحْدَاهُمَا نِصْفُ الدِّيَةِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ. فِي شَرْحِ السُّنَّةِ: مَعْنَى الْحُكُومَةِ أَنْ يُقَالَ: لَوْ كَانَ هَذَا الْمَجْرُوحُ عَبْدًا كَمْ كَانَ يُنْتَقَصُ بِهَذِهِ الْجِرَاحَةِ مِنْ قِيمَتِهِ، فَيَجِبُ مِنْ دِيَّتِهِ بِذَلِكَ الْقَدْرِ، وَحُكُومَةُ كُلِّ عُضْوٍ لَا تَبْلُغُ فِيهِ الْمَقْدِرَةُ حَتَّى لَوْ جُرِحَ رَأْسُهُ جِرَاحَةً دُونَ الْمُوضِحَةِ لَا تَبْلُغُ حُكُومَتُهَا أَرْشَ الْمُوضِحَةِ وَإِنْ قَبُحَ شَيْنُهَا. قَالَ الشَّمَنِيُّ: حُكُومَةُ الْعَدْلِ هِيَ أَنْ يُقَوَّمَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا بِلَا هَذَا الْأَثَرِ ثُمَّ يُقَوَّمُ عَبْدًا مَعَ هَذَا الْأَثَرِ، فَقَدْرُ التَّفَاوُتِ بَيْنَ الْقِيمَتَيْنِ مِنَ الدِّيَةِ هُوَ أَيْ ذَلِكَ الْقَدْرُ هِيَ أَيْ حُكُومَةُ الْعَدْلِ بِهِ يُفْتِي كَذَا. قَالَ قَاضِي خَانَ: وَهَذَا تَفْسِيرُ الْحُكُومَةِ عِنْدَ الطَّحَاوِيِّ، وَبِهِ أَخَذَ الْحُلْوَانِيُّ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ، وَكُلِّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ الْعِلْمُ، كَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ، وَقَالَ الْكَرْخِيُّ فِي تَفْسِيرِهَا: إِنْ نَظَرَ كَمْ مِقْدَارُ هَذِهِ الشَّجَّةِ مِنَ الْمُوضِحَةِ، فَيَجِبُّ بِقَدْرِ ذَلِكَ مِنْ دِيَةِ الْمُوضِحَةِ ; لِأَنَّ مَا لَا نَصَّ فِيهِ يُرَدُّ إِلَى مَا فِيهِ نَصٌّ. قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ وَهُوَ الْأَصَحُّ، وَفِي الْمُحِيطِ قَالُوا: مَا قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ ضَعِيفٌ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.

ص: 2292

3503 -

وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو، عَنْ أَبِي سَلَمَةَ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنهم قَالَ:«قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ فَرَسٍ، أَوْ بَغْلٍ» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ وَخَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَلَمْ يَذْكُرْ: أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ.

ــ

3503 -

(وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو) : أَيِ ابْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَوَى عَنْ جَابِرٍ، ذَكَرَهُ الْمُؤَلِّفُ. (عَنْ أَبِي سَلَمَةَ) : قَالَ الْمُؤَلِّفُ: هُوَ مَشْهُورٌ بِكُنْيَتِهِ، رَوَى عَنْ عَمِّهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيِّ الْقُرَشِيِّ، أَحَدِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ الْمَشْهُورِينَ بِالْفِقْهِ بِالْمَدِينَةِ عَلَى قَوْلٍ، وَمِنْ مَشَاهِيرِ التَّابِعِينَ وَأَعْلَامِهِمْ، وَهُوَ كَثِيرُ الْحَدِيثِ سَمِعَ ابْنَ عَبَّاسٍ، وَأَبَا هُرَيْرَةَ، وَابْنَ عُمَرَ، وَغَيْرَهُمْ، رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ، وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُمْ. (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي الْجَنِينِ بِغُرَّةٍ) : بِالتَّنْوِينِ، وَفِي نُسْخَةٍ بِالْإِضَافَةِ إِلَى قَوْلِهِ:(عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ) : قَالَ النَّوَوِيُّ: الْغُرَّةُ عِنْدَ الْعَرَبِ أَنْفَسُ شَيْءٍ وَأُطْلِقَتْ هُنَا عَلَى الْإِنْسَانِ ; لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ، وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ، فَرِوَايَةٌ بَاطِلَةٌ، وَقَدْ أَحْدَثَهَا بَعْضُ السَّلَفِ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ ذَكَرَ الْفَرَسَ وَالْبَغْلَ، وَهُمْ مِنْ عِيسَى بْنِ يُونُسَ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَقَالَ: رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ، وَخَالِدٌ الْوَاسِطِيُّ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو وَلَمْ يَذْكُرْ) : أَيْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو فِي رِوَايَتِهِمَا أَوْ لَمْ يَذْكُرْ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ حَمَّادٍ وَخَالِدٍ، وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي نُسْخَةٍ وَلَمْ يَذْكُرَا بِالتَّثْنِيَةِ (أَوْ فَرَسٍ أَوْ بَغْلٍ) : يَعْنِي هَذِهِ الزِّيَادَةَ فَتَصِيرُ شَاذَّةً فَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ.

ص: 2293

3504 -

وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:( «مَنْ تَطَبَّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ فَهُوَ ضَامِنٌ» ) . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.

ــ

3504 -

(وَعَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَفِي نُسْخَةٍ: عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: (مَنْ تَطَبَّبَ) : بِتَشْدِيدِ الْمُوَحَّدَةِ الْأُولَى أَيْ تَعَاطَى عِلْمَ الطِّبِّ وَعَالَجَ مَرِيضًا (وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ) : أَيْ مُعَالَجَةٌ صَحِيحَةٌ غَالِبَةٌ عَلَى الْخَطَأِ فَأَخْطَأَ فِي طِبِّهِ وَأَتْلَفَ شَيْئًا مِنَ الْمَرِيضِ (فَهُوَ ضَامِنٌ) : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا مِنَ الشَّرْحِ: لِأَنَّهُ تَوَلَّدَ مِنْ فِعْلِهِ الْهَلَاكُ وَهُوَ مُتَعَدٍّ فِيهِ، إِذْ لَا يَعْرِفُ ذَلِكَ فَتَكُونُ جِنَايَتُهُ مَضْمُونَةً عَلَى عَاقِلَتِهِ. وَقَالَ ابْنُ الْمَلَكِ قَوْلُهُ: لَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ طِبٌّ أَيْ لَمْ يَكُنْ مَشْهُورًا بِهِ فَمَاتَ الْمَرِيضُ مِنْ فِعْلِهِ، فَهُوَ ضَامِنٌ أَيْ تَضْمَنُ عَاقِلَتُهُ الدِّيَةَ اتِّفَاقًا وَلَا قَوَدَ عَلَيْهِ، لِأَنَّهُ لَا يَسْتَبِدُّ بِذَلِكَ دُونَ إِذْنِ الْمَرِيضِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ حُكْمَ الْخَطَأِ. وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُعَالِجَ إِذَا تَعَدَّى فَتَلِفَ الْمَرِيضُ كَانَ ضَامِنًا. وَجِنَايَةُ الطَّبِيبِ عِنْدَ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ عَلَى الْعَاقِلَةِ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ) وَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ.

ص: 2293

3505 -

وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ رضي الله عنهما: «أَنَّ غُلَامًا لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ، فَأَتَى أَهْلُهُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا: إِنَّا أُنَاسٌ فُقَرَاءُ، فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ شَيْئًا» . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنَّسَائِيُّ.

ــ

3505 -

(وَعَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّ غُلَامًا) : أَيْ وَلَدًا (لِأُنَاسٍ فُقَرَاءَ قَطَعَ أُذُنَ غُلَامٍ) : أَيْ وَلَدٍ (لِأُنَاسٍ أَغْنِيَاءَ فَأَتَى أَهْلُهُ) : أَيْ أَهْلُ الْقَاطِعِ (النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالُوا) : أَيِ اعْتِذَارًا لِلْعَفْوِ (إِنَّا أُنَاسٌ فُقَرَاءُ فَلَمْ يَجْعَلْ عَلَيْهِمْ) : وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ عَلَيْهِ (شَيْئًا) : لِأَنَّ عَاقِلَتَهُ كَانُوا فُقَرَاءَ وَجِنَايَةُ الصَّبِيِّ عَلَى الْعَاقِلَةِ لِأَنَّهَا خَطَأٌ إِذْ لَمْ تَصْدُرْ عَنِ اخْتِيَارٍ صَحِيحٍ، وَلِهَذَا لَا يُقْتَصُّ مِنْهُ فِي الْقَتْلِ، وَالْفُقَرَاءُ لَا يَتَحَمَّلُونَ الدِّيَةَ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجَانِيَ كَانَ صَبِيًّا حُرًّا إِذْ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَتَعَلَّقَتِ الْجِنَايَةُ بِرَقَبَتِهِ، وَفَقْرُ مَوْلَاهُ لَا يَدْفَعُ ذَلِكَ كَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَلَكِ وَغَيْرُهُ مِنْ عُلَمَائِنَا قُلْتُ: وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْجَانِي مُدَبَّرًا وَحِينَئِذٍ تُعَلَّقُ الْجِنَايَةُ بِمَوْلَاهُ وَهُوَ كَانَ فَقِيرًا، فَالْتَمَسْنَ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَرْفَعَ عَنْهُ بِأَنْ يُرْضِيَ خَصْمَهُ وَقَدْ فَعَلَ وَاللَّهُ أَعْلَمُ

ص: 2293

وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ: هَذَا الْغُلَامُ كَانَ حُرًّا وَكَانَتْ جِنَايَتُهُ خَطَأً، وَكَانَتْ عَاقِلَتُهُ فُقَرَاءَ فَلَمْ يَجْعَلِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم شَيْئًا عَلَيْهِمْ ; لِأَنَّ الْعَاقِلَةَ إِنَّمَا تُوَاسِي عَنْ وَجْدٍ وَسَعَةٍ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْفَقِيرِ مِنْهُمْ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ عَبْدًا إِذْ لَوْ كَانَ عَبْدًا لَمْ يَكُنْ لِاعْتِذَارِ أَهْلِهِ بِالْفَقْرِ مَعْنًى ; لَأَنَّ الْعَاقِلَةَ لَا تَحْمِلُ عَبْدًا كَمَا لَا يَحْمِلُ عَبْدٌ، فَإِنَّ الْغُلَامَ الْمَمْلُوكَ إِنْ جَنَى عَلَى عَبْدٍ أَوْ حُرٍّ فَجِنَايَتُهُ فِي رَقَبَتِهِ فِي قَوْلِ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ، (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ، وَالنَّسَائِيُّ) : قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَعَمْدُ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ وَالْمَعْتُوهِ خَطَأٌ وَعَلَى الْعَاقِلَةِ فِي عَمْدِهِمُ الدِّيَةُ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ. وَلَنَا: مَا أَخْرَجَ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّ عَمْدَ الصَّبِيِّ وَالْمَجْنُونِ خَطَأٌ. لَكِنْ قَالَ فِي الْمَعْرِفَةِ: إِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ.

ص: 2294

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

3506 -

عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه، أَنَّهُ قَالَ: دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ أَثْلَاثًا ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ حِقَّةً، وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ ثَنِيَّةً إِلَى بَازِلِ عَامِهَا كُلُّهَا خَلِفَاتٌ. وَفِي رِوَايَةٍ قَالَ: فِي الْخَطَأِ أَرْبَاعًا: خَمْسٌ وَعِشْرُونَ حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

ــ

الْفَصْلُ الثَّالِثُ

3506 -

(عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ: دِيَةُ شِبْهِ الْعَمْدِ: مُبْتَدَأٌ (أَثْلَاثًا) حَالُ الْمُبْتَدَأِ أَوْ نُصِبَ بِتَقْدِيرِ أَعْنِي، خَبَرُهُ (ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً) : وَقَالَ الطِّيبِيُّ: وَقَعَ التَّمْيِيزُ وَهُوَ قَوْلُهُ أَثْلَاثًا بَيْنَهُمَا، كَمَا يُقَالُ: التَّصْرِيفُ لُغَةً التَّغْيِيرُ مَثَلًا. (وَثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ جَذَعَةً) : بِفَتْحَتَيْنِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْحِقَّةَ بِكَسْرِ الْحَاءِ مِنَ الْإِبِلِ مَا دَخَلَتْ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ لِأَنَّهَا اسْتَحَقَّتِ الرُّكُوبَ وَالْحَمْلَ، وَالْجَذَعَةَ مِنَ الْإِبِلِ مَا دَخَلَتْ فِي السَّنَةِ الْخَامِسَةِ، (وَأَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ ثَنِيَّةً) : تَشْدِيدُ التَّحْتِيَّةِ وَهِيَ مَا دَخَلَتْ فِي السَّنَةِ السَّادِسَةِ (إِلَى بَازِلِ عَامِهَا) بِإِضَافَةِ الْبَازِلِ إِلَى عَامِهَا، إِلَى مُتَعَلِّقَةٍ بِثَنِيَّةٍ كَمَا يَشْهَدُ بِهِ الْحَدِيثُ الْآتِي، وَالْمَعْنَى مَا بَيْنَهُمَا فِي الْقَامُوسِ: جَمَلٌ وَنَاقَةٌ، بَازِلٌ وَبَزُولٌ، وَذَلِكَ فِي تَاسِعِ سَنِيَّةٍ، وَلَيْسَ بَعْدَهُ سِنٌّ يُسَمَّى، وَفِي الْمِصْبَاحِ: بَزَلَ الْبَعِيرَ كَنَصَرَ فُطِرْنَا بِهِ بِدُخُولِهِ فِي السَّنَةِ التَّاسِعَةِ، فَهُوَ بَازِلٌ يَسْتَوِي فِيهِ الْمُذَكَّرُ وَالْمُؤَنَّثُ. وَفِي النِّهَايَةِ: الْبَازِلُ مَا تَمَّ لَهُ ثَمَانِ سِنِينَ، وَدَخَلَ فِي التَّاسِعَةِ، وَحِينَئِذٍ يَطْلُعُ نَابُهُ وَتَكْمُلُ قُوَّتُهُ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بَازِلُ عَامٍ وَبَازِلُ عَامَيْنِ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: وَمِنْهُ حَدِيثُ عَلِيٍّ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ: إِلَّا بَازِلُ عَامَيْنِ حَدِيثُ سِنٍّ أَيْ: مُسْتَجْمِعُ الشَّبَابِ مُسْتَكْمِلُ الْقُوَّةِ. (كُلُّهَا) : أَيْ جَمِيعُ الْأَرْبَعِ وَالثَّلَاثُونَ (خَلِفَاتٌ) : بِفَتْحِ مُعْجَمَةِ وَكَسْرِ لَامٍ أَيْ حَامِلَاتٍ (وَفِي رِوَايَةٍ: قَالَ) : أَيْ عَلِيٌّ (فِي الْخَطَأِ) : أَيْ فِي شَأْنِ الْخَطَأِ كَذَا قِيلَ فَقَوْلُهُ فِي الْخَطَأِ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي وَقَوْلُهُ (أَرْبَاعًا) تَمْيِيزٌ، وَقَوْلُهُ:(خَمْسٌ وَعِشْرُونَ) خَبَرُ مُبْتَدَأٍ أَوْ مَحْذُوفٌ أَيْ دِيَةُ الْخَطَأِ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ، وَالظَّاهِرُ أَنْ يُجْعَلَ فِي الْخَطَأِ مِنْ كَلَامِ عَلِيٍّ، وَيَكُونُ خَبَرًا مُقَدَّمًا مُبْتَدَؤُهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ. (حِقَّةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ جَذَعَةً، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ لَبُونٍ، وَخَمْسٌ وَعِشْرُونَ بَنَاتِ مَخَاضٍ) : وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ وَالِاخْتِلَافُ. (رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

ص: 2294

3507 -

وَعَنْ مُجَاهِدٍ رضي الله عنه قَالَ: قَضَى عُمَرُ رضي الله عنه فِي شِبْهِ الْعَمْدِ ثَلَاثِينَ حِقَّةً، وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً، مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلِ عَامِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.

ــ

3507 -

(وَعَنْ مُجَاهِدٍ) : أَيِ ابْنِ جَبْرٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَسُكُونِ الْمُوَحَّدَةِ، مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ الْمَخْزُومِيِّ، مِنَ الطَّبَقَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ تَابِعِي مَكَّةَ وَفُقَهَائِهَا وَقُرَّائِهَا الْمَشْهُورِينَ، وَأَحَدُ الْأَعْلَامِ الْمَعْرُوفِينَ كَانَ إِمَامًا فِي الْقِرَاءَةِ وَالتَّفْسِيرِ، رَوَى عَنْهُ جَمَاعَاتٌ، مَاتَ سَنَةَ مِائَةٍ (قَالَ: قَضَى عُمَرُ رضي الله عنه فِي شِبْهِ الْعَمْدِ ثَلَاثِينَ حِقَّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً، وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً مَا بَيْنَ ثَنِيَّةٍ إِلَى بَازِلِ عَامِهَا. رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ) .

ص: 2294

3508 -

وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ رضي الله عنه، «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ. فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ: كَيْفَ أَغْرَمُ مَنْ لَا شَبَّ وَلَا أَكَلَ وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ وَمِثْلُ ذَلِكَ يُطَلُّ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: (إِنَّمَا هَذَا مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ» ) رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ مُرْسَلًا.

ــ

3508 -

(وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيَّبِ) : مِنْ أَفَاضِلِ التَّابِعِينَ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَضَى فِي الْجَنِينِ يُقْتَلُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) : أَيْ وَالِدَتِهِ (بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ) : أَيْ جَارِيَةٍ (فَقَالَ الَّذِي قُضِيَ عَلَيْهِ) : بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ، وَقِيلَ: بِالْمَعْرُوفِ وَالْفَاعِلُ مَعْلُومٌ (كَيْفَ أَغْرَمُ) : بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ أَضْمَنُ (مَنْ لَا شَرِبَ وَلَا أَكَلَ) : يُوقَفُ عَلَيْهِ بِالسُّكُونِ مُرَاعَاةً لِلسَّجْعِ الْآتِي (وَلَا نَطَقَ وَلَا اسْتَهَلَّ) : بِتَشْدِيدِ اللَّامِ عَطْفُ تَفْسِيرٍ بِمَا هُوَ أَغْرَبُ، أَوْ مَعْنَاهُ مَا صَاحَ وَمَا رَفَعَ صَوْتَهُ. قَالَ الطِّيبِيُّ: رَاعَى فِي تَأْخِيرِ الِاسْتِهْلَالِ عَنِ النُّطْقِ مَعَ الِاتِّفَاقِ فِي السَّجْعِ التَّرَقِّيَ ; لِأَنَّ نَفْيَ الِاسْتِهْلَالِ أَبْلَغُ مَنْ نَفْيِ النُّطْقِ لِمَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الِاسْتِهْلَالِ نَفْيُ النُّطْقِ مِنْ غَيْرِ عَكْسٍ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ لِلْقَرِينَةِ السَّابِقَةِ. قُلْتُ: كَانَ عَلَيْهِ فِي الْقَرِينَةِ السَّابِقَةِ أَنْ يُقَدِّمَ الْأَكْلَ عَلَى الشُّرْبِ بِنَاءً عَلَى مَا هُوَ الْمُعْتَادُ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَكِنَّهُ عَكَسَهُ لِمُلَائَمَةِ حَالِ الْجَنِينِ عَلَى فَرْضِ خُرُوجِهِ حَيًّا (وَمِثْلُ ذَلِكَ) : أَيِ الْقَتْلِ (يُطَلُّ) : بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَتَشْدِيدِ لَامِهِ مِنْ طَالَ دَمُهُ وَأَطَلَّ: أَيْ هُدِرَ أَوْ يُهْدَرُ، وَفِي نُسْخَةٍ بَطَلَ بِالْمُوَحَّدَةِ وَهَذَا مِنْهُ كَلَامٌ بَاطِلٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ، إِذْ لَا يُعْرَفُ إِهْدَارُ دَمِ الْوَلَدِ الصَّغِيرِ مَا لَمْ يَنْطِقْ وَمَا لَمْ يَأْكُلْ عَلَى مَا هُوَ مَفْهُومُ كَلَامِهِ، وَإِنَّمَا زَوَّقَ كَلَامَهُ بِالسَّجْعِ الْمُوَافِقِ لِلطَّبْعِ الْمُخَالِفِ لِلشَّرْعِ. (قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: إِنَّمَا هَذَا) : أَيِ الْقَائِلُ أَوْ قَائِلُ هَذَا (مِنْ إِخْوَانِ الْكُهَّانِ) : بِضَمِّ كَافٍ وَتَشْدِيدِ هَاءٍ جَمْعُ كَاهِنٍ، وَكَانُوا يُرَوِّجُونَ مُزَخْرَفَاتِهِمْ بِالْأَسْجَاعِ، وَيُزَوِّقُونَ أَكَاذِيبَهُمْ بِهَا فِي الْأَسْمَاعِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ سَجْعِهِ الَّذِي سَجَعَ وَلَمْ يَعِبْهُ بِمُجَرَّدِ السَّجْعِ دُونَ مَا تَضَمَّنَ سَجْعُهُ مِنَ الْبَاطِلِ. أَمَّا إِذْ وُضِعَ السَّجْعُ فِي مَوَاضِعِهِ مِنَ الْكَلَامِ فَلَا ذَمَّ فِيهِ، وَكَيْفَ يُذَمُّ وَقَدْ جَاءَ فِي كَلَامِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم كَثِيرًا قُلْتُ: وَمِنْهُ مَا وَرَدَ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مَنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ، وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ، وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ، وَمِنْ دُعَاءٍ لَا يُسْمَعُ، وَمِنْ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعِ. (رَوَاهُ مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ مُرْسَلًا: أَيْ بِحَذْفِ الصَّحَابِيِّ.

ص: 2295

3509 -

وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَّصِلًا.

ــ

3509 -

(وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ) : أَيْ عَنْ سَعِيدٍ (عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتَّصِلًا) : قَالَ الشَّمَنِيُّ: وَمَنْ ضَرَبَ بَطْنَ امْرَأَةٍ تَجِبُ غُرَّةُ خَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ عَلَى عَاقِلَتِهِ إِنْ أَلْقَتْ مَيِّتًا، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا يَجِبُ فِي الْجَنِينِ السَّاقِطِ مَيِّتًا شَيْءٌ لِأَنَّهُ لَمْ يُتَيَقَّنْ بِحَيَاتِهِ، فَإِنْ قِيلَ: الظَّاهِرُ أَنَّهُ حَيٌّ. أُجِيبَ: بِأَنَّ الظَّاهِرَ لَا يَصْلُحُ حُجَّةً لِلِاسْتِحْقَاقِ، وَوَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي لِحْيَانَ بِغُرَّةِ عَبْدٍ أَوْ أَمَةٍ» ، وَإِنَّمَا فَسَّرْنَا الْغُرَّةَ بِخَمْسِمِائَةِ دِرْهَمٍ لِمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ، عَنْ إِسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَوَّمَ الْغُرَّةَ بِخَمْسِينَ دِينَارًا وَكُلُّ دِينَارٍ بِعَشَرَةِ دَرَاهِمَ. وَأَخْرَجَ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ، «عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ، عَنْ أَبِيهِ أَنَّ امْرَأَةً حَذَفَتِ امْرَأَةً، فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَلَدِهَا بِخَمْسِمِائَةٍ يَعْنِي دِرْهَمًا» . وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ: هِيَ خَمْسُونَ دِينَارًا.

وَرَوَى إِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ فِي كِتَابِ غَرِيبِ الْحَدِيثِ، عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ، عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ قَالَ: الْغُرَّةُ خَمْسُونَ دِينَارًا، وَهِيَ عِنْدَنَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى عَاقِلَةِ الضَّارِبِ، وَقَالَ مَالِكٌ: فِي مَالِهِ لِأَنَّهَا بَدَلُ الْجُزْءِ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ، إِذَا كَانَ ضَرَبَ الْأُمَّ عَمْدًا، وَمَاتَ الْجَنِينُ وَحْدَهُ، وَأَمَّا إِذَا كَانَ خَطَأً أَوْ شِبْهَ عَمْدٍ فَقَالَ: إِنَّهُ عَلَى عَاقِلَتِهِ. وَلَنَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي سُنَنِهِ «عَنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ، أَنَّ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا تَحْتَ رَجُلٍ مِنْ هُزَيْلٍ، فَضَرَبَتْ إِحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِعَمُودٍ فَقَتَلَتْهَا فَاخْتَصَمُوا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ أَحَدُ الرَّجُلَيْنِ: كَيْفَ نَدِي مَنْ لَا صَاحَ وَلَا أَكَلَ وَلَا شَرِبَ وَلَا اسْتَهَلَّ؟ فَقَالَ: (أَسَجْعٌ كَسَجْعِ الْأَعْرَابِ، فَقَضَى فِيهِ غُرَّةً، وَجَعَلَهُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَرْأَةِ» . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ: حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ، وَتَجِبُ فِي سَنَةٍ عِنْدَنَا، وَفِي ثَلَاثِ سِنِينَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ، وَيَسْتَوِي فِي وُجُوبِ الْخَمْسِمِائَةِ فِي الْجَنِينِ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى عِنْدَ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِإِطْلَاقِ الْحَدِيثِ، وَتَجِبُ دِيَةٌ كَامِلَةٌ إِنْ أَلْقَتْ

ص: 2295