الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[فصل كلام الرافضي على دلالة النقل على الأفعال الاختيارية والرد عليه]
فَصْلٌ.
قَالَ الرَّافِضِيُّ (1) : وَأَمَّا الْمَنْقُولُ فَالْقُرْآنُ (2) مَمْلُوءٌ مِنِ اسْتِنَادِ (3) أَفْعَالِ الْبَشَرِ إِلَيْهِمْ (4) كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (5) .
{وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى} [سُورَةُ النَّجْمِ 37](6)[ {فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا} [سُورَةُ مَرْيَمَ 37]{وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ 164](7){ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [سُورَةُ النَّحْلِ 32]{الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ} [سُورَةُ غَافِرٍ 17]{الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [سُورَةُ الْجَاثِيَةِ 28]{لِتُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَى} [سُورَةُ طه 15]{هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [سُورَةُ النَّمْلِ 90]] (8){مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ 160]{لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ} [سُورَةُ فَاطِرٍ: 30](9){لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ}
(1) أ، ب: قَالَ الْإِمَامِيُّ وَالْكَلَامُ التَّالِي فِي (ك) ، ص [0 - 9] 0 (م) ، 91 (م) .
(2)
ك: فَإِنَّ الْقُرْآنَ.
(3)
ب فَقَطْ: إِسْنَادِ.
(4)
ع: الْفِعْلِ إِلَى الْبَشَرِ.
(5)
تَعَالَى: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (ع) .
(6)
أ، ب، ع: الَّذِي وَفَّى. . الْآيَةَ.
(7)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ فِي (ب) ، (ك) وَسَقَطَ مِنَ النُّسَخِ الْأُخْرَى.
(8)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ زِيَادَةٌ فِي (ك) فَقَطْ.
(9)
آيَةُ سُورَةِ فَاطِرٍ فِي (ك) ، (ب) فَقَطْ.
{فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ} [سُورَةُ النِّسَاءِ: 160](1){كُلُّ امْرِئٍ بِمَا كَسَبَ رَهِينٌ} [سُورَةُ الطُّورِ: 21]{مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا} [سُورَةُ فُصِّلَتْ: 46]{ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ} [سُورَةُ الْحَجِّ: 10]{وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ} [سُورَةُ الشُّورَى: 30] إِلَخْ (2) .
فَيُقَالُ: الْجَوَابُ (3 مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا 3)(3) أَنْ يُقَالَ (4) : كُلُّ هَذَا حَقٌّ، وَجُمْهُورُ أَهْلِ السُّنَّةِ قَائِلُونَ [بِذَلِكَ وَهُمْ قَائِلُونَ](5) إِنَّ الْعَبْدَ فَاعِلٌ لِفِعْلِهِ حَقِيقَةً لَا مَجَازًا، وَإِنَّمَا نَازَعَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ مُتَكَلِّمَةِ (6) أَهْلِ الْإِثْبَاتِ كَالْأَشْعَرِيِّ وَمَنِ اتَّبَعَهُ.
(7 الثَّانِي: أَنْ يُقَالَ 7) : (7) : وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ بِمَا يَدُلُّ (8) عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ حَادِثَةٌ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ [وَقُدْرَتِهِ](9) وَخَلْقِهِ، فَيَجِبُ الْإِيمَانُ بِكُلِّ مَا فِي الْقُرْآنِ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ نُؤْمِنَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَنَكْفُرَ بِبَعْضٍ.
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2)
اخْتَصَرَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ كَلَامَ ابْنِ الْمُطَهَّرِ وَتَرَكَ أَكْثَرَ مِنْ سِتَّةِ أَسْطُرٍ مِنْ كَلَامِهِ انْظُرْ (ك) ، ص 91 (م) .
(3)
(3 - 3) سَاقِطٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(4)
ن: أَنْ يَقُولَ. وَسَقَطَتِ الْعِبَارَةُ مِنْ (م) .
(5)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(6)
ن، م، ع: مِنْ مُتَكَلِّمِي.
(7)
(7 - 7) سَاقِطٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(8)
ن، ع: مِمَّا يَدُلُّ، أ: مِمَّا دَلَّ، ب: بِمَا دَلَّ.
(9)
وَقُدْرَتِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا اقْتَتَلُوا وَلَكِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 253] .
وَقَالَ تَعَالَى: {فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقًا حَرَجًا كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 125] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 112] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا - إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ} [سُورَةُ الْكَهْفِ: 23، 24] وَأَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ (1) عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ لَوْ قَالَ: لَأُصَلِّيَنَّ الظَّهْرَ غَدًا إِنْ شَاءَ اللَّهُ، أَوْ: لَأَقْضِيَنَّ الدَّيْنَ الَّذِي عَلَيَّ، وَصَاحِبُهُ مُطَالِبُهُ، أَوْ: لَأَرُدَنَّ هَذِهِ الْوَدِيعَةَ (2) ، وَنَحْوَ ذَلِكَ، ثُمَّ لَمْ يَفْعَلْهُ - أَنَّهُ لَا يَحْنَثُ فِي يَمِينِهِ، وَلَوْ كَانَتِ الْمَشِيئَةُ بِمَعْنَى الْأَمْرِ لَحَنِثَ (3) .
وَقَالَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ: {رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 128] .
وَقَالَ تَعَالَى: {يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِي بِهِ كَثِيرًا} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 26] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ} [سُورَةُ الْأَنْفَالِ: 24] .
(1) ن، م، ع: وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ.
(2)
هَذِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(3)
أ، ب: يَحْنَثُ
وَقَالَ تَعَالَى: {إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلَالًا فَهِيَ إِلَى الْأَذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ - وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ} [سُورَةُ يس: 8، 9](* (1) .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا} [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 73] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا} [سُورَةُ الْأَنْبِيَاءِ: 73] .
وَقَالَ عَنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ} [سُورَةُ السَّجْدَةِ: 24] .
وَقَالَ عَنْ آلِ فِرْعَوْنَ {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ} [سُورَةُ الْقَصَصِ: 41] .
وَقَالَ عَنِ الْخَلِيلِ صلى الله عليه وسلم: {رَبِّ اجْعَلْنِي مُقِيمَ الصَّلَاةِ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ} [سُورَةُ إِبْرَاهِيمَ: 40] .
وَقَالَ تَعَالَى: {وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ - وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} [سُورَةُ يس: 41، 42] وَالْفُلْكُ مِنْ مَصْنُوعَاتِ بَنِي آدَمَ.
وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [سُورَةُ الصَّافَّاتِ: 96]
(1) بَعْدَ آيَتَيْ سُورَةِ يس يُوجَدُ سَقْطٌ فِي نُسْخَتَيْ (ن) ، (م) سَأُشِيرُ إِلَى مَوْضِعِهِ عِنْدَ نِهَايَتِهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ.
فَإِنَّ طَائِفَةً مِنَ الْمُثْبِتَةِ (1) لِلْقَدَرِ قَالُوا: إِنَّ " مَا " هَاهُنَا مَصْدَرِيَّةٌ، وَإِنَّ الْمُرَادَ: خَلَقَكُمْ وَخَلَقَ أَعْمَالَكُمْ، وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا.
وَالصَّوَابُ أَنَّ " مَا " هَاهُنَا بِمَعْنَى الَّذِي، وَأَنَّ الْمُرَادَ: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ (2) وَالْأَصْنَامَ الَّتِي تَعْمَلُونَهَا.
كَمَا فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ (3) : " «إِنَّ اللَّهَ خَلَقَ كُلَّ صَانِعٍ وَصَنْعَتِهِ» ". (4)
وَأَنَّهُ (5) قَالَ: {أَتَعْبُدُونَ مَا تَنْحِتُونَ - وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ} [سُورَةُ الصَّافَّاتِ: 95، 96] فَذَمَّهُمْ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عِبَادَةَ مَا يَنْحِتُونَهُ (6) مِنَ الْأَصْنَامِ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْعَابِدَ وَالْمَعْبُودَ وَالْمَنْحُوتَ.
وَهُوَ سُبْحَانَهُ الَّذِي يَسْتَحِقُّ أَنْ يُعْبَدَ، وَلَوْ أُرِيدَ: وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ
(1) ع: مِنَ الْمُثْبِتِينَ.
(2)
أ، ب: وَأَنَّ الْمُرَادَ: خَلَقَكُمْ.
(3)
قَالَ: زِيَادَةٌ فِي (ع) .
(4)
الْحَدِيثُ عَنْ حُذَيْفَةَ رضي الله عنه، وَذَكَرَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ (2 - 116) وَنَقَلَ عَنِ السُّيُوطِيِّ قَوْلَهُ: خ الْبُخَارِيُّ فِي خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ ك الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، عَنْ حُذَيْفَةَ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى صَانِعُ كُلِّ صَانِعٍ وَصَنَعَتِهِ. وَعَلَّقَ الْأَلْبَانِيُّ بِأَنَّ لَفْظَ الْحَاكِمِ وَابْنِ مَنْدَهْ وَغَيْرِهِمَا: " خَالِقُ "، وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ، وَأَشَارَ إِلَى كَلَامِهِ عَنْهُ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ (1637) : ابْنُ مَنْدَهْ. الْمَحَامِلِيُّ. عد. وَالْحَدِيثُ فِي كِتَابِ خَلْقِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ لِلْبُخَارِيِّ ص 137 ضِمْنَ كِتَابِ عَقَائِدِ السَّلَفِ، وَذَكَرَهُ ابْنُ كَثِيرٍ فِي تَفْسِيرِهِ ط الشَّعْبِ 7 - 22، وَالسُّيُوطِيُّ فِي الدُّرِّ الْمَنْثُورِ 5 - 279، وَالْحَدِيثُ فِي الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ لِلْبَيْهَقِيِّ ص 26 ط مَطْبَعَةِ السَّعَادَةِ، سَنَةَ 1358 هـ، الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ 1 - 31، 32 وَقَالَ الْحَاكِمُ: وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ، وَوَافَقَهُ الذَّهَبِيُّ.
(5)
أ، ب: فَإِنَّهُ.
(6)
أ، ب: مَا يَتَّخِذُونَهُ.
وَأَعْمَالَكُمْ كُلَّهَا، لَمْ يَكُنْ هَذَا مُنَاسِبًا، فَإِنَّهُ قَدْ ذَمَّهُمْ عَلَى الْعِبَادَةِ، وَهِيَ مِنْ أَعْمَالِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِ كَوْنِهِ خَالِقًا لِأَعْمَالِهِمْ مَا يُنَاسِبُ الذَّمَّ بَلْ هُوَ إِلَى الْعُذْرِ أَقْرَبُ.
وَلَكِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ خَالِقٌ لِأَعْمَالِ (1) الْعِبَادِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ، وَهُوَ أَنَّهُ إِذَا خَلَقَ الْمَعْمُولَ الَّذِي عَمِلُوهُ وَهُوَ الصَّنَمُ الْمَنْحُوتُ فَقَدْ خَلَقَ التَّأْلِيفَ الْقَائِمَ بِهِ، وَذَلِكَ مُسَبَّبٌ مِنْ (2) عَمَلِ ابْنِ آدَمَ وَخَالِقُ الْمُسَبَّبِ (3) خَالِقُ السَّبَبِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى.
وَصَارَ هَذَا كَقَوْلِهِ: {وَخَلَقْنَا لَهُمْ مِنْ مِثْلِهِ مَا يَرْكَبُونَ} [سُورَةُ يس: 42] .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ السُّفُنَ إِنَّمَا يَنْجُرُ (4) خَشَبَهَا وَيَرْكَبُهَا بَنُو آدَمَ، فَالْفُلْكُ مَعْمُولَةٌ لَهُمْ (5) كَمَا هِيَ (6) الْأَصْنَامُ مَعْمُولَةٌ لَهُمْ وَكَذَلِكَ سَائِرُ مَا يَصْنَعُونَهُ مِنَ الثِّيَابِ (7) وَالْأَطْعِمَةِ وَالْأَبْنِيَةِ، فَإِذَا كَانَ اللَّهُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ خَلَقَ الْفُلْكَ الْمَشْحُونَ وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِهِ وَمِمَّا أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ عَلَى عِبَادِهِ - عُلِمَ أَنَّهُ خَالِقُ أَفْعَالِهِمْ.
وَعَلَى قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ لَمْ يَخْلُقْ إِلَّا الْخَشَبَ الَّذِي يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ سُفُنًا وَغَيْرَ سُفُنٍ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ مُجَرَّدَ خَلْقِ الْمَادَّةِ لَا يُوجِبُ خَلْقَ الصُّورَةِ الَّتِي حَصَلَتْ بِأَفْعَالِ بَنِي آدَمَ إِنْ لَمْ يَكُنْ خَالِقًا (8) لِلصُّورَةِ.
(1) ع: أَعْمَالِ.
(2)
ع: عَنْ.
(3)
ع: خَالِقٌ لِسَبَبِهِ.
(4)
ع: يَنْحِتُ.
(5)
ع: لَهُ.
(6)
ب فَقَطْ: كَمَا أَنَّ.
(7)
ع، أ: النَّبَاتِ.
(8)
ع: خَلْقًا.
وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ بُيُوتِكُمْ سَكَنًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إِقَامَتِكُمْ} [سُورَةُ النَّحْلِ: 80] إِلَى قَوْلِهِ: {وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِمَّا خَلَقَ ظِلَالًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ} [سُورَةُ النَّحْلِ: 81](1) .
وَمَعْلُومٌ أَنَّ خَلْقَ الْبُيُوتِ الْمَبْنِيَّةِ وَالسَّرَابِيلِ الْمَصْنُوعَةِ هُوَ كَخَلْقِ السُّفُنِ الْمَنْجُورَةِ (2)، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ (3) أَنَّ الْفُلْكَ صَنْعَةُ بَنِي آدَمَ مَعَ إِخْبَارِهِ أَنَّهُ خَلَقَهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ عليه السلام:{وَيَصْنَعُ الْفُلْكَ} .
وَأَيْضًا فَفِي الْقُرْآنِ مِنْ ذِكْرِ (4) وَأَنَّهُ هُوَ تبارك وتعالى يُحْدِثُ مِنْ ذَلِكَ مَا يَطُولُ وَصْفُهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ} [سُورَةُ الْأَعْرَافِ: 30]، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ} [سُورَةُ الْبَقَرَةِ: 213]، وَقَوْلِهِ:{وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 7] وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْهِدَايَةَ الْمُشْتَرَكَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْكَافِرِ، مِثْلَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَالتَّمْكِينِ (5) مِنَ الْفِعْلِ وَإِزَاحَةِ الْعِلَلِ، بَلْ أَرَادَ مَا يَخْتَصُّ بِهِ الْمُؤْمِنُ.
(1) فِي (ع) الْآيَاتُ كُلُّهَا مُتَّصِلَةٌ.
(2)
ع: الْمَنْحُوتَةِ.
(3)
اللَّهُ: لَيْسَتْ فِي (أ) ، (ب) .
(4)
ذِكْرِ: زِيَادَةٌ فِي (ع) . تَفْصِيلِ أَفْعَالِ الْعِبَادِ الَّتِي بِقُلُوبِهِمْ وَجَوَارِحِهِمْ
(5)
أ: وَالْمُتَمَكِّنِ، ب: وَالتَّمَكُّنِ.
كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ فِي مِثْلِ (1) قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ} [سُورَةُ الْأَنْعَامِ: 87] وَقَوْلِهِ: {وَآتَيْنَاهُمَا الْكِتَابَ الْمُسْتَبِينَ - وَهَدَيْنَاهُمَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ} [سُورَةُ الصَّافَّاتِ: 117، 118] .
وَمِنْهُ قَوْلُنَا (2) فِي الصَّلَاةِ: {اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ - صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ} [سُورَةُ الْفَاتِحَةِ: 6، 7] فَإِنَّ الْهِدَايَةَ الْمُشْتَرَكَةَ حَاصِلَةٌ لَا تَحْتَاجُ أَنْ تُسْأَلَ (3) ، وَإِنَّمَا تُسْأَلُ الْهِدَايَةُ الَّتِي خَصَّ بِهَا الْمُهْتَدِينَ، وَمَنْ تَأَوَّلَ ذَلِكَ بِمَعْنَى زِيَادَةِ الْهُدَى وَالتَّثْبِيتِ وَقَالَ (4) : كَانَ ذَلِكَ جَزَاءً - كَانَ مُتَنَاقِضًا.
فَإِنَّهُ يُقَالُ: هَذَا الْمَطْلُوبُ إِنْ لَمْ يَكُنْ حَاصِلًا (5) بِاخْتِيَارِ الْعَبْدِ لَمْ يُثَبْ عَلَيْهِ، فَإِنَّهُ إِنَّمَا يُثَابُ عَلَى مَا فَعَلَهُ بِاخْتِيَارِهِ (6 وَإِنْ كَانَ بِاخْتِيَارِهِ 6)(6) فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ اللَّهَ يُحْدِثُ الْفِعْلَ الَّذِي يَخْتَارُهُ الْعَبْدُ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ.
وَكَذَلِكَ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ مِنْ إِضْلَالٍ وَهُدًى وَنَحْوِ ذَلِكَ، فَإِنَّهُمْ قَدْ يَتَأَوَّلُونَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ جَزَاءٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ، وَعَامَّةُ تَأْوِيلَاتِهِمْ مِمَّا يُعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَمْ يُرِدْهَا بِكَلَامِهِ مَعَ أَنَّ هَذَا الْجَزَاءَ مِمَّا يُثَابُ الْفَاعِلُ عَلَيْهِ وَإِنْ جَوَّزُوا أَنَّ اللَّهَ يُثِيبُ الْعَبْدَ عَلَى مَا يُنْعِمُ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ (7)
(1) ع: الْقُرْآنُ وَمِثْلُهُ.
(2)
ع: قَوْلُهُ.
(3)
أ: حَاصِلَةٌ أَنْ تُسْأَلَ، ب: حَاصِلَةٌ دُونَ أَنْ تُسْأَلَ.
(4)
ع: أَوِ التَّثْبِيتِ أَوْ قَالَ.
(5)
أ، ب: خَالِصًا.
(6)
(6 - 6) سَاقِطٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(7)
أ، ب: عَلَى مَا يُنْعِمُ اللَّهُ بِهِ عَلَى الْعَبْدِ.
مِنْ فِعْلِهِ الِاخْتِيَارِيِّ جَازَ أَنْ يُنْعِمَ عَلَيْهِ ابْتِدَاءً بِاخْتِيَارِهِ الطَّاعَةَ، وَإِنْ لَمْ يَجُزْ عِنْدَهُمُ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى مَا يُجْعَلُ الْعَبْدُ فَاعِلًا لَهُ بَطَلَ أَنْ يُرِيدَ (1) هُدًى أَوْ ضَلَالَةً يُثَابُ عَلَيْهَا أَوْ يُعَاقَبُ عَلَيْهَا، وَامْتَنَعَ أَنْ يَكُونَ مَا أَخْبَرَ أَنَّهُ فَعَلَهُ مِنْ جَعْلِ الْأَغْلَالِ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَجَعْلِهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا وَنَحْوِ ذَلِكَ هُوَ مِمَّا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ. (2) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى:{إِنْ تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي مَنْ يُضِلُّ} [سُورَةُ النَّحْلِ: 37] فَأَخْبَرَ أَنَّهُ مَنْ أَضَلَّهُ (3) اللَّهُ لَا يَهْتَدِي.
وَفِي الْجُمْلَةِ فَفِي الْقُرْآنِ مِنَ الْآيَاتِ الْمُبَيِّنَةِ أَنَّ اللَّهَ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ، وَأَنَّهُ هُوَ الَّذِي يُقَلِّبُ قُلُوبَ الْعِبَادِ (4) فَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَيُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ، وَأَنَّهُ هُوَ الْمُنْعِمُ بِالْهُدَى عَلَى مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ، مَا يَتَعَذَّرُ اسْتِقْصَاؤُهُ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ (5) .
وَكَذَلِكَ فِيهِ مَا يُبَيِّنُ عُمُومَ (6) خَلْقِهِ لِكُلِّ شَيْءٍ كَقَوْلِهِ: {اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} [سُورَةُ الرَّعْدِ: 16] وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَفِيهِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ، وَفِيهِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّهُ لَوْ شَاءَ لَهَدَى النَّاسَ جَمِيعًا، وَأَمْثَالَ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ وَصْفُهُ.
وَإِذَا قِيلَ: هَذِهِ مُتَأَوَّلَةٌ عِنْدَ (7) الْقَدَرِيَّةِ لِأَنَّهَا مِنَ الْمُتَشَابِهِ عِنْدَهُمْ.
(1) ع: أَنْ يَزِيدَ.
(2)
أ، ب: وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمَّا يُعَاقَبُونَ عَلَيْهِ، ع: وَنَحْوِ ذَلِكَ هُوَ مِمَّا يُعَاقَبُونَ عَلَى ذَلِكَ، وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ.
(3)
ع: أَنَّهُ مَنْ يُضِلُّهُ، ب: أَنَّ مَنْ أَضَلَّهُ.
(4)
أ، ب: يُقَلِّبُ الْقُلُوبَ وَالْأَبْصَارَ.
(5)
ع: فِي هَذَا الْمَوْضِعِ.
(6)
ع: مَا يُبَيِّنُ أَنَّ عُمُومَ.
(7)
أ: عَنْ.