الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
وَلِهَذَا قَالَ لَهُ بِمَحْضَرٍ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ: " أَنْتَ خَيْرُنَا وَسَيِّدُنَا وَأَحَبُّنَا إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم "(1) ، وَهُمْ يُقِرُّونَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَلَا يُنَازِعُهُ مِنْهُمْ أَحَدٌ، حَتَّى إِنَّ الْمُنَازِعِينَ فِي الْخِلَافَةِ مِنَ الْأَنْصَارِ لَمْ يُنَازِعُوا فِي هَذَا، وَلَا قَالَ أَحَدٌ: بَلْ عَلِيٌّ أَوْ غَيْرُهُ أَحَبُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَوْ خَيْرٌ مِنْهُ أَوْ أَفْضَلُ (2) .
وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ يَمْتَنِعُ فِي الْعَادَةِ، لَا سِيَّمَا عَادَةُ الصَّحَابَةِ الْمُتَضَمِّنَةُ كَمَالَ دِينِهِمْ وَقَوْلِهِمْ بِالْحَقِّ (3) ، أَلَّا يَتَكَلَّمَ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِالْحَقِّ الْمُتَضَمِّنِ تَفْضِيلَ عَلِيٍّ، بَلْ كُلُّهُمْ مُوَافِقُونَ (4) عَلَى تَفْضِيلِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ غَيْرِ رَغْبَةٍ فِيهِ (5) وَلَا رَهْبَةٍ (6) .
[كلام الرافضي على عائشة مع كلامه على معاوية والرد عليه]
فَصْلٌ (7) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (8) : " وَسَمَّوْهَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ يُسَمُّوا غَيْرَهَا بِذَلِكَ (9) ، وَلَمْ يُسَمُّوا أَخَاهَا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ (10) - مَعَ عِظَمِ شَأْنِهِ
(1) سَبَقَ هَذَا الْأَثَرُ 1/518.
(2)
أ، ب: وَأَفْضَلُ.
(3)
ب (فَقَطْ) : وَقَوْلِهِمُ الْحَقَّ.
(4)
مُوَافِقُونَ: كَذَا فِي (أ)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: مُوَافِقٌ.
(5)
فِيهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) . وَفِي (ر)، (ص) : مِنْهُ
(6)
أ، ب: وَلَا رَهْبَةٍ، وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ.
(7)
ر، ص، هـ: الْفَصْلُ السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ. وَهُنَا تَعُودُ نُسْخَةُ (م) ، مِنْ جَدِيدٍ.
(8)
فِي (ك) ص 112 (م) .
(9)
أ، ب: بِذَلِكَ الِاسْمِ.
(10)
ر، ص، هـ، و: مُحَمَّدًا وَلَدَ أَبِي بَكْرٍ. .
وَقُرْبِ مَنْزِلَتِهِ مِنْ أَبِيهِ وَأُخْتِهِ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ - فَلَمْ يُسَمُّوهُ (1) خَالَ الْمُؤْمِنِينَ، وَسَمَّوْا مُعَاوِيَةَ بْنَ أَبِي سُفْيَانَ خَالَ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّ أُخْتَهُ أُمُّ حَبِيبَةَ بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ إِحْدَى زَوْجَاتِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (2) ، وَأُخْتُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَأَبُوهُ أَعْظَمُ (3) مِنْ أُخْتِ مُعَاوِيَةَ وَ [مِنْ] أَبِيهَا (4) ".
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: أَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّهُمْ سَمَّوْا عَائِشَةَ رضي الله عنها أُمَّ (5) الْمُؤْمِنِينَ وَلَمْ يُسَمُّوا غَيْرَهَا بِذَلِكَ ".
فَهَذَا مِنَ الْبُهْتَانِ الْوَاضِحِ الظَّاهِرِ لِكُلِّ أَحَدٍ، وَمَا أَدْرِي هَلْ هَذَا (6) الرَّجُلَ وَأَمْثَالَهُ يَتَعَمَّدُونَ الْكَذِبَ، أَمْ أَعْمَى اللَّهُ أَبْصَارَهُمْ (7) لِفَرْطِ هَوَاهُمْ، حَتَّى خَفِيَ (8) عَلَيْهِمْ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ؟ وَهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَى بَعْضِ النَّوَاصِبِ أَنَّ الْحُسَيْنَ لَمَّا قَالَ لَهُمْ أَمَا تَعْلَمُونَ أَنِّي ابْنُ فَاطِمَةَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم؟ قَالُوا: وَاللَّهِ مَا نَعْلَمُ ذَلِكَ (9) . وَهَذَا لَا يَقُولُهُ وَلَا يَجْحَدُ
(1) عِبَارَةُ " فَلَمْ يُسَمُّوهُ " لَيْسَتْ فِي (ك) .
(2)
ك: بِنْتُ أَبِي سُفْيَانَ بَعْضُ زَوْجَاتِ الرَّسُولِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ -. وَ " إِحْدَى " فِي (ب) فَقَطْ، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَحَدُ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(3)
ر، ص، هـ: أَعْظَمُ قَدْرًا.
(4)
ن، م: وَأَبِيهَا.
(5)
ر، ص، هـ: بِأُمِّ.
(6)
أ: أَلِأَنَّ هَذَا ; ب: أَهَذَا.
(7)
أ، ب، ر، هـ: بَصَائِرَهُمْ.
(8)
خَفِيَ: كَذَا فِي (أ)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: يَخْفَى.
(9)
ب: لَا نَعْلَمُ ذَلِكَ ; و: مَا نَعْلَمُ ذَاكَ.
نَسَبَ الْحُسَيْنِ إِلَّا مُتَعَمِّدٌ لِلْكَذِبِ (1) وَالِافْتِرَاءِ، وَمَنْ أَعْمَى اللَّهُ بَصِيرَتَهُ بِاتِّبَاعِ هَوَاهُ حَتَّى يَخْفَى (2) عَلَيْهِ مِثْلُ هَذَا؟ فَإِنَّ عَيْنَ الْهَوَى عَمْيَاءُ. وَالرَّافِضَةُ أَعْظَمُ جَحْدًا لِلْحَقِّ تَعَمُّدًا، وَأَعْمَى (3) مِنْ هَؤُلَاءِ ; فَإِنَّ مِنْهُمْ (4) - وَمِنَ الْمُنْتَسِبِينَ إِلَيْهِمْ - كَالنُّصَيْرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ مَا كَانَا أَوْلَادَ عَلِيٍّ، بَلْ أَوْلَادَ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَمُتْ، وَكَذَلِكَ يَقُولُونَ عَنْ غَيْرِهِ.
وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ لَيْسَا مَدْفُونَيْنِ عِنْدَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ رُقَيَّةَ وَأُمَّ كُلْثُومٍ زَوْجَتَيْ عُثْمَانَ لَيْسَتَا بِنْتَيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَكِنْ هُمَا بِنْتَا خَدِيجَةَ مِنْ غَيْرِهِ. وَلَهُمْ فِي الْمُكَابَرَاتِ وَجَحْدِ الْمَعْلُومَاتِ بِالضَّرُورَةِ أَعْظَمُ مِمَّا (5) لِأُولَئِكَ النَّوَاصِبِ الَّذِينَ قَتَلُوا الْحُسَيْنَ. وَهَذَا مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّهُمْ أَكْذَبُ وَأَظْلَمُ وَأَجْهَلُ مِنْ قَتَلَةِ الْحُسَيْنِ.
وَذَلِكَ أَنَّهُ مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يُقَالُ لَهَا: " أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ " عَائِشَةَ، وَحَفْصَةَ، [وَزَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ](6) ، وَأُمَّ سَلَمَةَ، وَسَوْدَةَ بِنْتَ زَمْعَةَ، وَمَيْمُونَةَ بِنْتَ الْحَارِثِ الْهِلَالِيَّةَ، وَجُوَيْرِيَّةَ بِنْتَ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيَّةَ، وَصْفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ بْنِ
(1) ن، م: الْكَذِبَ.
(2)
ب (فَقَطْ) : خَفِيَ.
(3)
ن، م، ص، و: أَوْ عَمًى ; ر، هـ: أَوَ أَعْمَى.
(4)
أ، ب، ن، م، و: فِيهِمْ.
(5)
أ، ب: بِالضَّرُورَاتِ أَعْظَمُ مَا. . .
(6)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
أَخْطَبَ الْهَارُونِيَّةَ، رضي الله عنهن. وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 6] وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ لِلْأُمَّةِ عِلْمًا عَامًّا، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ هَؤُلَاءِ بَعْدَ مَوْتِهِ عَلَى غَيْرِهِ، وَعَلَى وُجُوبِ احْتِرَامِهِنَّ ; فَهُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحُرْمَةِ وَالتَّحْرِيمِ، وَلَسْنَ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْمَحْرَمِيَّةِ، فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِ أَقَارِبِهِنَّ الْخَلْوَةَ بِهِنَّ، وَلَا السَّفَرَ بِهِنَّ، كَمَا يَخْلُو الرَّجُلُ وَيُسَافِرُ بِذَوَاتِ مَحَارِمِهِ.
وَلِهَذَا أُمِرْنَ بِالْحِجَابِ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى:{يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ فَلَا يُؤْذَيْنَ} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 59] وَقَالَ تَعَالَى: {وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 53] .
وَلَمَّا كُنَّ بِمَنْزِلَةِ الْأُمَّهَاتِ فِي حُكْمِ التَّحْرِيمِ دُونَ الْمَحْرَمِيَّةِ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِي إِخْوَتِهِنَّ: هَلْ يُقَالُ لِأَحَدِهِمْ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ؟ فَقِيلَ: يُقَالُ لِأَحَدِهِمْ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى هَذَا فَهَذَا الْحُكْمُ لَا يَخْتَصُّ بِمُعَاوِيَةَ، بَلْ يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَمُحَمَّدٌ وَلَدَا (1) أَبِي بَكْرٍ، وَعَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَعَاصِمٌ أَوْلَادُ عُمَرَ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ضِرَارٍ أَخُو جُوَيْرِيَّةَ بِنْتِ الْحَارِثِ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ عُتْبَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ أَخَوَا مُعَاوِيَةَ.
(1) أ: أَبْنَاءُ ; ب: ابْنَا.
وَمِنْ عُلَمَاءِ السُّنَّةِ مَنْ قَالَ: لَا يُطْلَقُ عَلَى إِخْوَةِ الْأَزْوَاجِ أَنَّهُمْ أَخْوَالُ الْمُؤْمِنِينَ ; فَإِنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ ذَلِكَ لَأَطْلَقَ عَلَى أَخَوَاتِهِنَّ أَنَّهُنَّ خَالَاتُ الْمُؤْمِنِينَ. وَلَوْ كَانُوا أَخْوَالًا وَخَالَاتٍ لَحَرُمَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَزَوَّجَ أَحَدُهُمْ خَالَتَهُ (1) ، وَحَرُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ خَالَهَا.
وَقَدْ ثَبَتَ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ أَنْ يَتَزَوَّجُوا أَخَوَاتِهِنَّ وَإِخْوَتِهِنَّ (2) ، كَمَا تَزَوَّجَ الْعَبَّاسُ أُمَّ الْفَضْلِ أُخْتَ مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ (3) ، وَوُلِدَ [لَهُ] مِنْهَا (4) عَبْدُ اللَّهِ وَالْفَضْلُ وَغَيْرُهُمَا، وَكَمَا تَزَوَّجَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَمُعَاوِيَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مَنْ تَزَوَّجُوهُنَّ (5) مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ. وَلَوْ كَانُوا أَخْوَالًا لَهُنَّ لَمَا جَازَ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَتَزَوَّجَ خَالَهَا.
قَالُوا: وَكَذَلِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَى أُمَّهَاتِهِنَّ أَنَّهُنَّ جَدَّاتُ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَا عَلَى آبَائِهِنَّ (6) أَنَّهُمْ أَجْدَادُ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّهُ لَمْ يَثْبُتْ فِي حَقِّ الْأُمَّهَاتِ جَمِيعُ أَحْكَامِ النَّسَبِ، وَإِنَّمَا ثَبَتَ الْحُرْمَةُ وَالتَّحْرِيمُ. وَأَحْكَامُ النَّسَبِ تَتَبَعَّضُ، كَمَا يَثْبُتُ بِالرِّضَاعِ (7) التَّحْرِيمُ وَالْمَحْرَمِيَّةُ، وَلَا يَثْبُتُ بِهَا سَائِرُ أَحْكَامِ النَّسَبِ، وَهَذَا كُلُّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وَالَّذِينَ أَطْلَقُوا عَلَى الْوَاحِدِ مِنْ أُولَئِكَ أَنَّهُ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يُنَازِعُوا (8)
(1) أ: عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَزَوَّجَ خَالَتَهُ ; ب: عَلَى الْمُؤْمِنِ أَنْ يَتَزَوَّجَ خَالَتَهُ.
(2)
ص: وَإِخْوَانِهِنَّ.
(3)
عِبَارَةُ " أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ " سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
(4)
ن، م، و: وَوُلِدَ مِنْهَا. . .
(5)
مَنْ تَزَوَّجُوهُنَّ: كَذَا فِي (أ)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: مَنْ تَزَوَّجُوهُ.
(6)
و: آبَائِهِمْ.
(7)
بِالرِّضَاعِ: كَذَا فِي (أ)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: بِالرَّضَاعَةِ.
(8)
ن، م، وَ: لَمْ يَتَنَازَعُوا.
فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ، وَلَكِنْ قَصَدُوا بِذَلِكَ الْإِطْلَاقِ أَنَّ لِأَحَدِهِمْ مُصَاهَرَةً مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَاشْتَهَرَ ذِكْرُهُمْ لِذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه كَمَا اشْتُهِرَ أَنَّهُ كَاتِبُ الْوَحْيِ - وَقَدْ كَتَبَ الْوَحْيَ غَيْرُهُ - وَأَنَّهُ رَدِيفُ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَقَدْ أُرْدِفَ غَيْرُهُ.
فَهُمْ لَا يَذْكُرُونَ مَا يَذْكُرُونَ مِنْ ذَلِكَ لِاخْتِصَاصِهِ بِهِ، بَلْ يَذْكُرُونَ مَا لَهُ مِنَ الِاتِّصَالِ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم كَمَا يَذْكُرُونَ فِي فَضَائِلِ غَيْرِهِ مَا لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهِ.
كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم لِعَلِيٍّ رضي الله عنه: " «لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ رَجُلًا يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ» "(1) . وَقَوْلُهُ: " «إِنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ إِلَيَّ أَنَّهُ لَا يُحِبُّنِي إِلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُنِي إِلَّا مُنَافِقٌ» "(2) . وَقَوْلُهُ صلى الله عليه وسلم: " «أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى، [إِلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي] » "(3) .
فَهَذِهِ الْأُمُورُ لَيْسَتْ مِنْ خَصَائِصِ عَلِيٍّ، لَكِنَّهَا مِنْ فَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ الَّتِي تُعْرَفُ بِهَا فَضِيلَتُهُ، وَاشْتُهِرَ رِوَايَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ لَهَا، لِيَدْفَعُوا بِهَا قَدْحَ مَنْ قَدَحَ فِي عَلِيٍّ وَجَعَلُوهُ كَافِرًا أَوْ ظَالِمًا، مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ.
(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي هَذَا الْجُزْءِ، ص 289.
(2)
سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي هَذَا الْجُزْءِ، ص 296.
(3)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) . وَسَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى مِنْ هَذَا الْكِتَابِ 1/502
وَمُعَاوِيَةُ أَيْضًا لَمَّا كَانَ لَهُ نَصِيبٌ مِنَ الصُّحْبَةِ وَالِاتِّصَالِ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَصَارَ أَقْوَامٌ يَجْعَلُونَهُ كَافِرًا أَوْ فَاسِقًا، وَيَسْتَحِلُّونَ لَعْنَتَهُ (1) وَنَحْوَ ذَلِكَ، احْتَاجَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنْ يَذْكُرُوا مَا لَهُ مِنَ الِاتِّصَالِ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لِيُرْعَى بِذَلِكَ حَقُّ الْمُتَّصِلِينَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم بِحَسَبِ دَرَجَاتِهِمْ.
وَهَذَا الْقَدْرُ لَوِ اجْتَهَدَ فِيهِ الرَّجُلُ وَأَخْطَأَ، لَكَانَ خَيْرًا مِمَّنِ اجْتَهَدَ فِي بُغْضِهِمْ وَأَخْطَأَ (2) ; فَإِنَّ بَابَ الْإِحْسَانِ إِلَى النَّاسِ وَالْعَفْوِ عَنْهُمْ مُقَدَّمٌ عَلَى بَابِ الْإِسَاءَةِ وَالِانْتِقَامِ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ:" «ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبَهَاتِ» "(3) . فَإِنَّ الْإِمَامَ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعَفْوِ خَيْرٌ مِنْ أَنْ يُخْطِئَ فِي الْعُقُوبَةِ.
وَكَذَلِكَ يُعْطِي الْمَجْهُولَ الَّذِي يَدَّعِي الْفَقْرَ مِنَ الصَّدَقَةِ، كَمَا «أَعْطَى النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم رَجُلَيْنِ سَأَلَاهُ (4) ، فَرَآهُمَا جَلْدَيْنِ. فَقَالَ: " إِنْ شِئْتُمَا أَعْطَيْتُكُمَا، وَلَا حَظَّ فِيهَا لِغَنِيٍّ وَلَا لِقَوِيٍّ مُكْتَسِبٍ» " (5) 2/6.
. وَهَذَا لِأَنَّ
(1) ب (فَقَطْ) : لَعْنَهُ.
(2)
أ: لَكَانَ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي بُغْضِهِمْ وَأَخْطَأَ ; ب: لَكَانَ خَيْرًا لَهُ مِنْ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي بُغْضِهِمْ وَيُخْطِئَ.
(3)
ذَكَرَ السُّيُوطِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي " الْجَامِعِ الْكَبِيرِ " وَقَالَ عَنْهُ: " أَبُو مُسْلِمٍ الْكَجِّيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ مُرْسَلًا "، وَذَكَرَ حَدِيثًا آخَرَ نَصُّهُ:" ادْرَءُوا الْحُدُودَ بِالشُّبُهَاتِ وَأَقِيلُوا الْكِرَامَ عَثَرَاتِهِمْ إِلَّا فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ " ثُمَّ قَالَ " فِي جُزْءٍ لَهُ (يَقْصِدُ بِهِ ابْنَ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ كَمَا بَيَّنَ ذَلِكَ فِي الْجَامِعِ الصَّغِيرِ) مِنْ حَدِيثِ أَهْلِ مِصْرَ وَالْجَزِيرَةِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَاهُ مُسَدَّدٌ فِي مُسْنَدِهِ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَوْقُوفًا ". وَوَافَقَهُ الْأَلْبَانِيُّ فِي " ضَعِيفِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " 1/117 عَلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ، وَضَعَّفَهُ.
(4)
وَ:. . رَجُلَيْنِ مَالَا.
(5)
الْحَدِيثُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ عَنْ رَجُلَيْنِ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/159 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ مَنْ يُعْطَى الصَّدَقَةَ وَحَدِّ الْغَنِيِّ) ; سُنَنِ النَّسَائِيِّ 5 75 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ مَسْأَلَةِ الْقَوِيِّ الْمُكْتَسِبِ) ; الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/224، 5/362. قَالَ الشَّيْخُ أَحْمَدُ عَبْد الرَّحْمَنِ الْبَنَّا رحمه الله فِي " بُلُوغِ الْأَمَانِي مِنْ أَسْرَارِ الْفَتْحِ الرَّبَّانِيِّ " 9/93، الْقَاهِرَةَ 1357: " عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ الْخِيَارِ بِكَسْرِ الْخَاءِ. . . . . وُلِدَ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَقَالَ الْعِجْلِيُّ: ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ " وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ "
إِعْطَاءَ الْغَنِيِّ خَيْرٌ مِنْ حِرْمَانِ الْفَقِيرِ، وَالْعَفْوَ عَنِ الْمُجْرِمِ خَيْرٌ مِنْ عُقُوبَةِ الْبَرِيءِ.
فَإِذَا كَانَ هَذَا فِي حَقِّ آحَادِ النَّاسِ، فَالصَّحَابَةُ أَولَى (1) أَنْ يُسْلَكَ بِهِمْ هَذَا. فَخَطَأُ الْمُجْتَهِدِ فِي الْإِحْسَانِ إِلَيْهِمْ بِالدُّعَاءِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِمْ وَالذَّبِّ [عَنْهُمْ](2) خَيْرٌ مِنْ خَطَائِهِ (3) فِي الْإِسَاءَةِ إِلَيْهِمْ بِاللَّعْنِ وَالذَّمِّ وَالطَّعْنِ. وَمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ ذَنْبًا، وَالذُّنُوبُ مَغْفُورَةٌ بِأَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ هُمْ أَحَقُّ بِهَا مِمَّنْ بَعْدَهُمْ. وَمَا تَجِدُ أَحَدًا قَدَحَ فِيهِمْ إِلَّا وَهُوَ يُعَظِّمُ مَنْ [هُوَ](4) دُونَهُمْ، وَلَا تَجِدُ أَحَدًا يُعَظِّمُ شَيْئًا مِنْ زَلَّاتِهِمْ إِلَّا وَهُوَ يُغْضِي عَمَّا هُوَ أَكْبَرُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ زَلَّاتِ غَيْرِهِمْ، وَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْجَهْلِ وَالظُّلْمِ.
وَهَؤُلَاءِ الرَّافِضَةُ يَقْدَحُونَ فِيهِمْ بِالصَّغَائِرِ، وَهُمْ يَغُضُّونَ عَنِ الْكُفْرِ وَالْكَبَائِرِ فِيمَنْ يُعَاوِنُهُمْ (5) مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ، كَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ وَالْإِسْمَاعِيلِيَّةِ وَالنُّصَيْرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، فَمَنْ نَاقَشَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى
(1) أ، ب: أَحَقُّ.
(2)
عَنْهُمْ: فِي (ب) فَقَطْ.
(3)
ب (فَقَطْ) : مِنْ خَطَئِهِ.
(4)
هُوَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(5)
أ: عَنِ الْكَبَائِرِ وَالْكُفْرِ فِيمَنْ يُعَارِضُهُمْ ; ب: عَنِ الْكَبَائِرِ وَالْكُفْرِ مِمَّنْ يُعَاوِنُهُمْ.
الذُّنُوبِ، وَهُوَ لَا يُنَاقِشُ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ عَلَى كُفْرِهِمْ وَنِفَاقِهِمْ، بَلْ وَرُبَّمَا يَمْدَحُهُمْ وَيُعَظِّمُهُمْ، دَلَّ (1) عَلَى أَنَّهُ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ جَهْلًا وَظُلْمًا، إِنْ لَمْ يَنْتَهِ بِهِ جَهْلُهُ وَظُلْمُهُ إِلَى الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ.
وَمِمَّا يُبَيِّنُ تَنَاقُضَهُمْ أَنَّهُ ذَكَرَ مُعَاوِيَةَ وَمُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ، وَأَنَّهُمْ سَمَّوْا هَذَا خَالَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يُسَمُّوا هَذَا خَالَ الْمُؤْمِنِينَ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَقِيَّةَ مَنْ شَارَكَهُمَا (2) فِي ذَلِكَ، وَهُمْ أَفْضَلُ مِنْهُمَا، كَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَمْثَالِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَا يَخُصُّونَ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه بِذَلِكَ، وَأَمَّا هَؤُلَاءِ (3) الرَّافِضَةُ فَخَصُّوا مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ بِالْمُعَارَضَةِ، وَلَيْسَ هُوَ قَرِيبًا مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي عَمَلِهِ وَدِينِهِ، بَلْ وَلَا هُوَ مِثْلَ أَخِيهِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ، بَلْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ لَهُ صُحْبَةٌ وَفَضِيلَةٌ، وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ إِنَّمَا وُلِدَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أُمَّهُ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ أَنْ تَغْتَسِلَ لِلْإِحْرَامِ وَهِيَ نُفَسَاءُ، وَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً، وَلَمْ يُدْرِكْ مِنْ حَيَاةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم إِلَّا خَمْسَ لَيَالٍ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ، وَذَا الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمَ، وَصَفَرًا، وَأَوَائِلَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ، وَلَا يَبْلُغُ ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ. وَمَاتَ أَبُوهُ أَبُو بَكْرٍ رضي الله عنه وَعُمْرُهُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ سَنَوَاتٍ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ صُحْبَةٌ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا قُرْبُ مَنْزِلَةٍ مِنْ أَبِيهِ، إِلَّا كَمَا يَكُونُ لِمِثْلِهِ مِنَ الْأَطْفَالِ، وَتَزَوَّجَ عَلِيٌّ بَعْدَ أَبِي بَكْرٍ بِأُمِّهِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ، فَكَانَ رَبِيبَ عَلِيٍّ، وَكَانَ اخْتِصَاصُهُ بِعَلِيٍّ لِهَذَا السَّبَبِ.
(1) ب (فَقَطْ) : فَقَدْ دَلَّ.
(2)
مَنْ شَارَكَهُمَا: كَذَا فِي (ب)، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: مَنْ يُشَارِكُهُمْ.
(3)
هَؤُلَاءِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) .
وَيُقَالُ: إِنَّهُ أَتَى حَدًّا فَجَلَدَهُ عُثْمَانُ عَلَيْهِ، فَبَقِيَ فِي نَفْسِهِ عَلَى عُثْمَانَ، [لِمَا كَانَ فِي نَفْسِهِ مِنْ تَشَرُّفِهِ (1) بِأَبِيهِ أَبِي بَكْرٍ، فَلَمَّا قَامَ أَهْلُ الْفِتْنَةِ عَلَى عُثْمَانَ](2) . قَالُوا: إِنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ، وَإِنَّهُ دَخَلَ عَلَيْهِ وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ، وَأَنَّ عُثْمَانَ قَالَ لَهُ: لَقَدْ أَخَذْتَ مَأْخَذًا عَظِيمًا (3) مَا كَانَ أَبُوكَ لِيَأْخُذَهُ. وَيُقَالُ: إِنَّهُ رَجَعَ لَمَّا قَالَ [لَهُ](4) ذَلِكَ، وَأَنَّ الَّذِي قَتَلَ عُثْمَانَ كَانَ غَيْرَهُ.
ثُمَّ إِنَّهُ كَانَ مَعَ عَلِيٍّ فِي حُرُوبِهِ، وَوَلَّاهُ مِصْرَ، فَقُتِلَ بِمِصْرَ: قَتَلَهُ شِيعَةُ عُثْمَانَ لِمَا كَانُوا يَعْلَمُونَ أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْخَارِجِينَ عَلَيْهِ، وَحُرِقَ فِي بَطْنِ حِمَارٍ: قَتَلَهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجٍ (5) . وَالرَّافِضَةُ تَغْلُو فِي تَعْظِيمِهِ عَلَى عَادَتِهِمُ الْفَاسِدَةِ فِي أَنَّهُمْ يَمْدَحُونَ رِجَالَ الْفِتْنَةِ الَّذِينَ قَامُوا عَلَى عُثْمَانَ، وَيُبَالِغُونَ فِي مَدْحِ مَنْ قَاتَلَ مَعَ عَلِيٍّ، حَتَّى يُفَضِّلُونَ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ عَلَى أَبِيهِ أَبِي بَكْرٍ، فَيَلْعَنُونَ أَفْضَلَ الْأُمَّةِ بَعْدَ نَبِيِّهَا، وَيَمْدَحُونَ ابْنَهُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ صُحْبَةٌ وَلَا سَابِقَةٌ وَلَا فَضِيلَةٌ، وَيَتَنَاقَضُونَ فِي ذَلِكَ فِي تَعْظِيمِ
(1) أ، ب: مِنْ شَرَفِهِ.
(2)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(3)
عَظِيمًا: فِي (ن) فَقَطْ.
(4)
لَهُ: فِي (أ) ، (ب) ، (م) فَقَطْ.
(5)
ن، م، و، هـ: حُدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ; أ، ب: خُدَيْجُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ; ر، ص: جُدَيْحُ بْنُ مُعَاوِيَةَ. وَالصَّوَابُ مَا أَثْبَتَهُ. وَهُوَ مُعَاوِيَةُ بْنُ حُدَيْجِ بْنِ جَفْنَةَ بْنِ قَنْبَرٍ، أَبُو نُعَيْمٍ الْكِنْدِيُّ ثُمَّ السَّكُونِيُّ رضي الله عنه. شَهِيدُ صِفِّينَ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَوَلَّاهُ مُعَاوِيَةُ إِمْرَةَ جَيْشٍ جَهَّزَهُ إِلَى مِصْرَ، وَكَانَ الْوَالِي عَلَيْهَا مِنْ قِبَلِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رضي الله عنه مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَتَلَهُ مُعَاوِيَةُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ وَصَيَّرَهُ فِي بَطْنِ حِمَارٍ وَأَحْرَقَهُ. وَتُوُفِّيَ مُعَاوِيَةُ سَنَةَ 52. انْظُرْ خَبَرَ مَقْتَلِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي: الْعِبَرِ 1/44 45 ; تَارِيخِ الطَّبَرَيِّ 5/104. وَانْظُرْ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ حُدَيْجٍ رضي الله عنه: الْإِصَابَةَ 3/411 ; الْأَعْلَامَ 8/171.
الْإِنْسَانِ (1) ، فَإِنْ كَانَ الرَّجُلُ لَا يَضُرُّهُ كُفْرُ أَبِيهِ أَوْ فِسْقُهُ لَمْ يَضُرَّ نَبِيَّنَا وَلَا إِبْرَاهِيمَ وَلَا عَلِيًّا كُفْرُ آبَائِهِمْ، وَإِنْ ضَرَّهُ (2) لَزِمَهُمْ أَنْ يَقْدَحُوا فِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بِأَبِيهِ (3) ، وَهُمْ يُعَظِّمُونَهُ، وَابْنُهُ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَابْنُ ابْنِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ خَيْرٌ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ مِنْهُ، وَلَا يَذْكُرُونَهُمَا بِخَيْرٍ (4) لِكَوْنِهِمَا لَيْسَا مِنْ رِجَالِ الْفِتْنَةِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَعِظَمِ شَأْنِهِ ".
فَإِنْ أَرَادَ عِظَمَ نَسَبِهِ، فَالنَّسَبُ لَا حُرْمَةَ لَهُ عِنْدَهُمْ (5) ، لِقَدْحِهِمْ فِي أَبِيهِ وَأُخْتِهِ. وَأَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَإِنَّمَا يُعَظِّمُونَ بِالتَّقْوَى، لَا بِمُجَرَّدِ النَّسَبِ. قَالَ تَعَالَى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 13] .
وَإِنْ أَرَادَ (6) عِظَمَ شَأْنِهِ لِسَابِقَتِهِ (7) وَهِجْرَتِهِ [وَنُصْرَتِهِ] وَجِهَادِهِ (8)، فَهُوَ لَيْسَ مِنَ الصَّحَابَةِ: لَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَلَا الْأَنْصَارِ (9) . وَإِنْ أَرَادَ (10) بِعِظَمِ (11) شَأْنِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَعْلَمِ (12) النَّاسِ وَأَدْيَنِهِمْ، فَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ، وَلَيْسَ هُوَ مَعْدُودًا
(1) ب (فَقَطْ) : الْأَنْسَابِ.
(2)
أ، ب: وَإِنْ ضَرَّهُمْ.
(3)
بِأَبِيهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) .
(4)
ص: وَلَا يَذْكُرَانِهِمَا إِلَّا بِخَيْرٍ، وَهُوَ خَطَأٌ.
(5)
أ، عِنْدَهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ ; ب: عِنْدَهُمْ لَا حُرْمَةَ لَهُ.
(6)
ن، م: وَإِنْ أَرَادُوا.
(7)
أ، ب: بِسَابِقَتَيْهِ.
(8)
أ، ب: وَجِهَادِهِ وَنُصْرَتِهِ. وَسَقَطَتْ " وَنُصْرَتِهِ " مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(9)
أ: لَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ; ب: لَا مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَلَا مِنَ الْأَنْصَارِ.
(10)
وَإِنْ أَرَادَ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) ، (و)، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَإِنْ أَرَادُوا.
(11)
ن، م، وَ: تَعْظِيمِ.
(12)
أ، ب: أَعْظَمِ.
مِنْ أَعْيَانِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ الَّذِينَ فِي طَبَقَتِهِ. وَإِنْ أَرَادَ (1) بِذَلِكَ شَرَفَهُ فِي الْمَنْزِلَةِ لِكَوْنِهِ كَانَ لَهُ جَاهٌ [وَمَنْزِلَةٌ](2) وَرِيَاسَةٌ، فَمُعَاوِيَةُ كَانَ أَعْظَمَ جَاهًا وَرِيَاسَةً وَمَنْزِلَةً مِنْهُ، بَلْ مُعَاوِيَةُ خَيْرٌ مِنْهُ وَأَعْلَمُ وَأَدْيَنُ وَأَحْلَمُ وَأَكْرَمُ، فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ [رضي الله عنه](3) رَوَى الْحَدِيثَ وَتَكَلَّمَ فِي الْفِقْهِ. وَقَدْ رَوَى أَهْلُ الْحَدِيثِ حَدِيثَهُ فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِدِ وَغَيْرِهَا (4) ، وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بَعْضَ فَتَاوِيهِ (5) وَأَقْضِيَتِهِ. وَأَمَّا مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ فِي الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَأُخْتُ مُحَمَّدٍ وَأَبُوهُ أَعْظَمُ مِنْ أُخْتِ مُعَاوِيَةَ وَأَبِيهَا (6) ".
فَيُقَالُ: هَذِهِ الْحُجَّةُ بَاطِلَةٌ عَلَى الْأَصْلَيْنِ. وَذَلِكَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَا يُفَضِّلُونَ الرَّجُلَ إِلَّا بِنَفْسِهِ، فَلَا يَنْفَعُ مُحَمَّدًا قُرْبُهُ مِنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَائِشَةَ، وَلَا يَضُرُّ مُعَاوِيَةَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ أَفْضَلَ نَسَبًا [مِنْهُ](7) ، وَهَذَا أَصْلٌ مَعْرُوفٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ، كَمَا لَمْ (8) يَضُرُّ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلُوا، كَبِلَالٍ وَصُهَيْبٍ وَخَبَّابٍ وَأَمْثَالِهِمْ، أَنْ
(1) ن، م، ر، هـ، ص: وَإِنْ أَرَادُوا.
(2)
وَمَنْزِلَةٌ: فِي (أ) ، (ب) ، (هـ) فَقَطْ.
(3)
رضي الله عنه: فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ.
(4)
انْظُرْ مَا أَوْرَدَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ النَّابُلْسِيُّ فِي كِتَابِهِ " ذَخَائِرُ الْمَوَارِيثِ " 3/106 110 مِنْ أَحَادِيثِ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه وَهَى 39 حَدِيثًا (الْأَرْقَامُ (6321 6359) وَكُلُّهَا فِي الصِّحَاحِ وَالْمَسَانِدِ.
(5)
أ، ب: بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فَتَاوِيهِ ; ر، ص، هـ، و: الْعُلَمَاءُ بَعْضُ فَتَاوِيهِ.
(6)
وَأَبِيهَا: كَذَا فِي (أ)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَأَبِيهِ.
(7)
ن، م: أَنْ يَكُونَ ذَاكَ أَفْضَلَ قَرَابَةً.
(8)
أ، ب، و: كَمَا لَا. .