المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌[مزاعم الرافضي عن معاوية رضي الله عنه والرد عليه] - منهاج السنة النبوية - جـ ٤

[ابن تيمية]

فهرس الكتاب

- ‌[كلام الرافضي على خصائص الأئمة الاثنى عشر]

- ‌[الجواب على قول الرافضي إن الإمامية أخذوا مذهبهم عن أهل البيت]

- ‌[كلام الرافضي عن علي رضي الله عنه " وَظَهَرَتْ مِنْهُ مُعْجِزَاتٌ كَثِيرَةٌ " والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي عن زين العابدين ومحمد الباقر والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي عن موسى بن جعفر والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على عَلِيُّ بْنُ مُوسَى الرِّضَا والرد عليه]

- ‌[كَلَامُ الرَّافِضِيُّ على مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوَادُ والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على علي الهادي ولد محمد بن علي الجواد]

- ‌[كلام الرافضي على الْحَسَن الْعَسْكَرِيّ والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على محمد بن الحسن المهدي عندهم والرد عليه]

- ‌[الجواب عن كلام الرافضي على حديث المهدي من وجوه]

- ‌[كلام الرافضي على عصمة الأئمة والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على اختيار الناس لمذهب أهل السنة طلبا للدنيا والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على تدين بعض أهل السنة بمذهب الإمامية في الباطن والرد عليه]

- ‌[كلام الرَّافِضِيُّ على وُجُوبِ اتِّبَاعِ مَذْهَبِ الْإِمَامِيَّةِ لأَنَّهُمْ لَمْ يَذْهَبُوا إِلَى التَّعَصُّبِ فِي غَيْرِ الْحَقِّ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ]

- ‌[زعم الرافضي بأن المنصور ابتدع ذكر الخلفاء الراشدين في خطب الجمعة]

- ‌[الجواب على زعم الرافضي بأن المنصور ابتدع ذكر الخلفاء الراشدين في خطب الجمعة من وجوه]

- ‌[كلام الرافضي على مسح الرجلين في الوضوء بدلا من غسلهما والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على متعة الحج والنساء والتعليق على كلامه]

- ‌[كلام الرافضي على مَنْعِ أَبي بَكْرٍ فَاطِمَةَ إِرْثَهَا]

- ‌[الْجَوَابُ على كلام الرافضي مَنْعَ أَبي بَكْرٍ فَاطِمَةَ إِرْثَهَا مِنْ وُجُوهٍ]

- ‌[كلام الرافضي على منع فاطمة من إرث فدك]

- ‌[كلام الرافضي على أبي ذر الغفاري وأبي بكر الصديق والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على أبي بكر رضي الله عنه " وَسَمَّوْهُ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ وَلَمْ يَسْتَخْلِفْهُ فِي حَيَاتِهِ وَلَا بَعْدَ وَفَاتِهِ عِنْدَهُمْ " والرد عليه]

- ‌[الرد على قول الرافضي أن النبي قال لعلي إِنِ الْمَدِينَةَ لَا تَصْلُحُ إِلَّا بِي أَوْ بِكَ]

- ‌[الرد على قول الرافضي أن النبي أَمَّرَ أُسَامَةَ عَلَى الْجَيْشِ الَّذِينَ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ]

- ‌[زعم الرافضي أن رسول الله سمى عليا فاروق أمته والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على خديجة وعائشة رضي الله عنهما والجواب عليه]

- ‌[كلام الرافضي على عائشة رضي الله عنها أنها أذاعت سر رسول الله وخالفت أمر الله بالخروج على علي والرد عليه]

- ‌[زعم الرافضي أن الْمُسْلِمِينَ أَجْمَعُوا عَلَى قَتْلِ عُثْمَانَ وجوابه من وجوه]

- ‌[الرد على قوله إن عائشة كانت تأمر بقتل عثمان من وجوه]

- ‌[كلام الرافضي على عائشة مع كلامه على معاوية والرد عليه]

- ‌[مزاعم الرافضي عن معاوية رضي الله عنه والرد عليه]

- ‌[الرد على مزاعم الرافضي عن معاوية رضي الله عنه " وَسَمَّوْهُ كَاتِبَ الْوَحْيِ وَلَمْ يَكْتُبْ لَهُ كَلِمَةً

- ‌[مزاعم الرافضي عن معاوية بقوله " وَكَانَ بِالْيَمَنِ يَوْمَ الْفَتْحِ يَطْعَنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ

- ‌[الرد على مزاعم الرافضي عن معاوية من أنه كَانَ بِالْيَمَنِ يَوْمَ الْفَتْحِ يَطْعَنُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ]

- ‌[فصل وقوع أمور فِي الأمة بالتأويل في دِمَائِهَا وَأَمْوَالِهَا وَأَعْرَاضِهَا]

- ‌[الراففضة يُعَظِّمُونَ الْأَمْرَ عَلَى مَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا وَيَمْدَحُونَ مَنْ قَتَلَ عُثْمَانَ]

- ‌[كلام الرافضي على خالد بن الوليد رضي الله عنه والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على خالد بن الوليد رضي الله عنه بأنه قَتَلَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ صَبْرًا وَهُوَ مُسْلِمٌ وَعَرَّسَ بِامْرَأَتِهِ والرد عليه]

- ‌[عود الرافضي إلى الكلام على معاوية رضي الله عنه والرد عليه]

- ‌[كلام الرافضي على يوم مقتل الحسين رضي الله عنه والرد عليه]

- ‌[الناس في يزيد طرفان ووسط]

- ‌[النَّاسُ فِي قَتْلِ الْحُسَيْنِ رضي الله عنه طرفان ووسط]

- ‌[أحدث الناس بدعتين يوم عاشوراء بِدْعَةَ الْحُزْنِ وَالنَّوْحِ وبِدْعَةُ السُّرُورِ وَالْفَرَحِ]

- ‌[عود إلى الكلام على مقتل الحسين رضي الله عنه]

- ‌[مزاعم الرافضي عن يزيد بن معاوية]

- ‌[زعم الرافضي أن الإمامية ينزهون الله وملائكته وأنبياءه وأئمته]

الفصل: ‌[مزاعم الرافضي عن معاوية رضي الله عنه والرد عليه]

يَكُونَ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْهُمْ مِنَ الطُّلَقَاءِ وَغَيْرِهِمْ، كَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ وَابْنَيْهِ مُعَاوِيَةَ وَيَزِيدَ وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَنَحْوِهِمْ - أَعْظَمَ نَسَبًا مِنْهُمْ ; فَإِنَّ هَؤُلَاءِ مِنْ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَشْرَفُ بَيْتًا، وَأُولَئِكَ لَيْسَ لَهُمْ نَسَبٌ شَرِيفٌ، وَلَكِنْ فَضَّلُوهُمْ (1) بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ، عَلَى الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا، فَكَيْفَ عَلَى مَنْ بَعْدَ هَؤُلَاءِ؟ ! .

وَأَمَّا الرَّافِضَةُ فَهُمْ إِذَا اعْتَبَرُوا أ، م: فَإِنَّهُمْ إِذَا اعْتَبَرُوا ; ب: فَإِنَّهُمْ إِنِ اعْتَبَرُوا.

النَّسَبَ لَزِمَهُمْ (2) أَنْ يَكُونَ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ عِنْدَهُمْ شَرَّ النَّاسِ نَسَبًا (3) ، لِقُبْحِ قَوْلِهِمْ فِي أَبِيهِ وَأُخْتِهِ. فَعَلَى أَصْلِهِمْ لَا يَجُوزُ تَفْضِيلُهُ بِقُرْبِهِ مِنْهُمَا (4) ، وَإِنْ ذَكَرُوا ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْإِلْزَامِ لِأَهْلِ السُّنَّةِ فَهُمْ يُفَضِّلُونَ مَنْ فَضَّلَهُ اللَّهُ، حَيْثُ يَقُولُ:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} [سُورَةُ الْحُجُرَاتِ: 13] .

[مزاعم الرافضي عن معاوية رضي الله عنه والرد عليه]

(فَصْلٌ) ر، ص، هـ: الْفَصْلُ الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ.

قَالَ الرَّافِضِيُّ فِي (ك) ص 113 (م) .

: " مَعَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم لَعَنَ مُعَاوِيَةَ الطَّلِيقَ ابْنَ الطَّلِيقِ، اللَّعِينَ [ابْنَ اللَّعِينِ](5) .

، وَقَالَ: «إِذَا

(1) أ، ب: فَضَّلَهُمْ.

(2)

لَزِمَهُمْ: كَذَا فِي (أ)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: لَزِمَ.

(3)

أ: مِنْ أَشَرِّ النَّاسِ نَسَبًا ; ب: مِنْ شَرِّ النَّاسِ نَسَبًا.

(4)

أ، ن: مِنْهَا ; ب، ص: مِنْهُمْ.

(5)

عِبَارَةُ " ابْنَ اللَّعِينِ " فِي (أ) ، (ب) ، (ك) فَقَطْ

ص: 378

رَأَيْتُمْ مُعَاوِيَةَ عَلَى مِنْبَرِي فَاقْتُلُوهُ» . وَكَانَ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، وَقَاتَلَ عَلِيًّا وَهُوَ عِنْدَهُمْ رَابِعُ الْخُلَفَاءِ، إِمَامُ حَقٍّ، وَكُلُّ مَنْ حَارَبَ إِمَامَ حَقٍّ [فَهُوَ] بَاغٍ ظَالِمٌ " (1) ..

قَالَ (2) .

: " وَسَبَبُ ذَلِكَ مَحَبَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ لِعَلِيٍّ عليه السلام (3) .

، وَمُفَارَقَتُهُ لِأَبِيهِ، وَبُغْضُ مُعَاوِيَةَ (4) .

لِعَلِيٍّ وَمُحَارَبَتِهِ لَهُ، وَسَمُّوهُ كَاتِبَ الْوَحْيِ وَلَمْ يَكْتُبْ لَهُ كَلِمَةً وَاحِدَةً مِنَ الْوَحْيِ، بَلْ كَانَ يَكْتُبُ لَهُ رَسَائِلَ (5) .

. وَقَدْ كَانَ بَيْنَ يَدَيِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَرْبَعَةَ عَشَرَ نَفَسًا يَكْتُبُونَ الْوَحْيَ، أَوَّلُهُمْ وَأَخَصُّهُمْ (6) .

وَأَقْرَبُهُمْ إِلَيْهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ [عليه السلام](7) .

، مَعَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَزَلْ مُشْرِكًا بِاللَّهِ تَعَالَى (8) . فِي مُدَّةِ كَوْنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مَبْعُوثًا يُكَذِّبُ بِالْوَحْيِ وَيَهْزَأُ بِالشَّرْعِ (9) .

".

وَالْجَوَابُ: أَنْ يُقَالَ: " أَمَّا مَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَعَنَ

(1) ن، م، و: حَقٍّ بَاغٍ ظَالِمٌ ; ر، ص: كَانَ بَاغ ظَالِم

(2)

بَعْدَ الْكَلَامِ السَّابِقِ مُبَاشَرَةً فِي (ك) ص [0 - 9] 13 (م)

(3)

عليه السلام: فِي (و) ، (ك) فَقَطْ

(4)

ك: لِمُعَاوِيَةَ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ

(5)

ك: لَهُ صلى الله عليه وسلم وَآلِهِ رَسَائِلَ

(6)

ك: وَأَخَصُّهُمْ بِهِ

(7)

ك: عليهما السلام ; أ، ب: رضي الله عنه. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (و)

(8)

عِبَارَةُ " بِاللَّهِ تَعَالَى ": لَيْسَتْ فِي (ك)

(9)

يُكَذِّبُ بِالْوَحْيِ وَيَهْزَأُ بِالشَّرْعِ: كَذَا فِي (ك)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: كَذَّبَ بِالْوَحْيِ وَتَهَزَّأَ بِالشَّرْعِ

ص: 379

مُعَاوِيَةَ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ إِذَا رُؤِيَ عَلَى الْمِنْبَرِ، فَهَذَا الْحَدِيثُ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْإِسْلَامِ الَّتِي يُرْجَعُ إِلَيْهَا فِي عِلْمِ النَّقْلِ، وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ بِالْحَدِيثِ كَذِبٌ مَوْضُوعٌ مُخْتَلَقٌ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَهَذَا الرَّافِضِيُّ الرَّاوِي [لَهُ](1) .

لَمْ يَذْكُرْ لَهُ إِسْنَادًا حَتَّى يُنْظَرَ فِيهِ، وَقَدْ ذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْمَوْضُوعَاتِ (2) .

وَمِمَّا يُبَيِّنُ كَذِبَهُ أَنَّ مِنْبَرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَدْ صَعِدَ عَلَيْهِ بَعْدَ مُعَاوِيَةَ مَنْ كَانَ مُعَاوِيَةُ خَيْرًا مِنْهُ بِاتِّفَاقِ الْمُسْلِمِينَ. فَإِنْ كَانَ يَجِبُ قَتْلُ مَنْ صَعِدَ عَلَيْهِ لِمُجَرَّدِ الصُّعُودِ عَلَى الْمِنْبَرِ، وَجَبَ قَتْلُ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ. ثُمَّ هَذَا خِلَافُ الْمَعْلُومِ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ، فَإِنَّ (3) .

مُجَرَّدَ صُعُودِ الْمِنْبَرِ لَا يُبِيحُ قَتْلَ مُسْلِمٍ. وَإِنْ أَمَرَ (4) .

بِقَتْلِهِ لِكَوْنِهِ تَوَلَّى الْأَمْرَ (5) .

وَهُوَ لَا يَصْلُحُ،

(1) لَهُ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م)

(2)

قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ " الْمَوْضُوعَاتِ " 2/24 إِنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَالْحَسَنِ مُرْسَلًا. ثُمَّ تَكَلَّمَ عَلَى طُرُقِ الْحَدِيثِ الثَّلَاثَةِ 2/24 26 ثُمَّ قَالَ: " هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ لَا يَصِحُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. أَمَّا حَدِيثُ ابْنُ مَسْعُودٍ فَفِيهِ رَجُلَانِ مُتَّهَمَانِ بِوَضْعِهِ أَحَدُهُمَا عَبَّادُ بْنُ يَعْقُوبَ وَكَانَ غَالِيًا فِي التَّشْيِيعِ " ثُمَّ تَكَلَّمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَنْهُ وَعَنْ تَضْعِيفِ الْعُلَمَاءِ لَهُ، ثُمَّ قَالَ:" وَأَمَّا حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ فَفِي الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ مُجَالِدٌ. . . وَفِي الطَّرِيقِ الثَّانِي عَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ " وَبَيَّنَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ أَنَّ عُلَمَاءَ الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ يُعِدُّونَ الْأَوَّلَ كَذَّابًا وَالثَّانِيَ مُخْتَلِطَ الْعَقْلِ وَكَانَ يَهِمُ وَيُخْطِئُ وَيَسْتَحِقُّ التَّرْكَ. قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ " قُلْتُ: وَقَدْ تَحَذْلَقَ قَوْمٌ لِيُنَفِّرُوا عَنْ مُعَاوِيَةَ مَا قُذِفَ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ انْقَسَمُوا قِسْمَيْنِ، فَمِنْهُمْ مَنْ غَيَّرَ لَفْظَ الْحَدِيثِ وَزَادَ فِيهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ صَرَفَهُ إِلَى غَيْرِهِ " وَتَكَلَّمَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ عَلَيْهِمْ 2/26 27.

(3)

أ، ب: أَنَّ

(4)

أ: وَأَمَرَ، ب: وَإِنْ كَانَ أَمَرَ

(5)

ن (فَقَطْ) : نُوِّطَ الْأَمْرَ

ص: 380

فَيَجِبُ قَتْلُ كُلِّ مَنْ تَوَلَّى الْأَمْرَ بَعْدَ مُعَاوِيَةَ مِمَّنْ مُعَاوِيَةُ أَفْضَلُ مِنْهُ. وَهَذَا خِلَافُ مَا تَوَاتَرَتْ بِهِ السُّنَنُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْ نَهْيِهِ عَنْ قَتْلِ وُلَاةِ الْأُمُورِ وَقِتَالِهِمْ، كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ.

ثُمَّ الْأُمَّةُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى خِلَافِ هَذَا ; فَإِنَّهَا لَمْ تَقْتُلْ كُلَّ مَنْ تَوَلَّى أَمْرَهَا وَلَا اسْتَحَلَّتْ ذَلِكَ. ثُمَّ هَذَا يُوجِبُ مِنَ الْفَسَادِ وَالْهَرَجِ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ وِلَايَةِ كُلِّ ظَالِمٍ، فَكَيْفَ يَأْمُرُ (1) .

النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم بِشَيْءٍ يَكُونُ فِعْلُهُ أَعْظَمَ فَسَادًا مِنْ تَرْكِهِ؟ ! .

وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّهُ الطَّلِيقُ ابْنُ الطَّلِيقِ ".

فَهَذَا لَيْسَ نَعْتُ ذَمٍّ ; فَإِنَّ الطُّلَقَاءَ هُمْ مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ، [الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَامَ فَتْحِ مَكَّةَ](2)

، وَأَطْلَقَهُمُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَكَانُوا نَحْوًا مَنْ أَلْفَيْ رَجُلٍ، وَفِيهِمْ مَنْ صَارَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ، كَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَسَهْلِ بْنِ عَمْرٍو (3) .

، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَعِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَيَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ [بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ](4) .

ابْنِ عَمِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم الَّذِي كَانَ يَهْجُوهُ ثُمَّ حَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَعَتَّابِ بْنِ أَسِيدٍ الَّذِي وَلَّاهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مَكَّةَ لَمَّا فَتَحَهَا (5) ".

، وَغَيْرِ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ.

(1) ن، م: أَمَرَ ;: بِأَمْرِ

(2)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(3)

ن، م، ر، ص، هـ: وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. وَفِي " الْإِصَابَةِ " 12/88: " سَهْلُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْعَامِرِيُّ، أَخُو سُهَيْلٍ، ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنَّهُ أَسْلَمَ بِالْفَتْحِ. . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ: مَاتَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ أَوْ عُمَرَ "

(4)

بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ: فِي (ر) ، (ص) ، (هـ) ، (و) فَقَطْ

(5)

فِي " الْإِصَابَةِ " 2/444: " عَتَّابُ (بِالتَّشْدِيدِ) بْنُ أَسِيدٍ (بِفَتْحِ أَوَّلِهِ) بْنِ أَبِي الْعَيْصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْأُمَوِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ، وَيُقَالُ: أَبُو مُحَمَّدٍ. . . أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَاسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وآله وسلم عَلَى مَكَّةَ

ص: 381

وَمُعَاوِيَةُ مِمَّنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْعِلْمِ. وَلِهَذَا وَلَّاهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه مَوْضِعَ أَخِيهِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ لَمَّا مَاتَ أَخُوهُ يَزِيدُ بِالشَّامِ، وَكَانَ يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ، وَكَانَ أَحَدَ الْأُمَرَاءِ الَّذِينَ بَعَثَهُمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ لِفَتْحِ الشَّامِ: يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ، وَشُرَحْبِيلُ بْنُ حَسَنَةَ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، مَعَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرَّاحِ، وَخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ، فَلَمَّا تُوُفِّي يَزِيدُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَلَّى عُمَرُ مَكَانَهُ أَخَاهُ مُعَاوِيَةَ (1) .

، وَعُمْرُ لَمْ يَكُنْ تَأْخُذُهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، وَلَيْسَ هُوَ مِمَّنْ يُحَابِي فِي الْوِلَايَةِ، وَلَا كَانَ مِمَّنْ يُحِبُّ أَبَا سُفْيَانَ أَبَاهُ، بَلْ كَانَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ عَدَاوَةً لِأَبِيهِ أَبِي سُفْيَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، حَتَّى إِنَّهُ لَمَّا جَاءَ بِهِ الْعَبَّاسُ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ كَانَ عُمَرُ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِهِ، حَتَّى جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَبَّاسِ نَوْعٌ مِنَ الْمُخَاشَنَةِ بِسَبَبِ بُغْضِ عُمَرَ لِأَبِي سُفْيَانَ. فَتَوْلِيَةُ عُمَرَ لِابْنِهِ مُعَاوِيَةَ لَيْسَ لَهَا سَبَبٌ دُنْيَوِيٌّ، وَلَوْلَا اسْتِحْقَاقُهُ لِلْإِمَارَةِ لَمَا أَمَّرَهُ.

ثُمَّ إِنَّهُ بَقِيَ فِي الشَّامِ عِشْرِينَ سَنَةً أَمِيرًا، وَعِشْرِينَ سَنَةً خَلِيفَةً، وَرَعِيَّتُهُ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ مَحَبَّةً لَهُ وَمُوَافَقَةً لَهُ (2) .

، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ إِحْسَانًا إِلَيْهِمْ وَتَأْلِيفًا لِقُلُوبِهِمْ، حَتَّى إِنَّهُمْ (3) .

قَاتَلُوا مَعَهُ عَلِيَّ [بْنَ أَبِي طَالِبٍ](4) .

وَصَابَرُوا

(1) أ، ب: وَلَّى عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مُعَاوِيَةَ مَكَانَهُ

(2)

ن، م: مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ لَهُ مَحَبَّةً وَمُوَافَقَةً. سَقَطَتْ " لَهُ " الْأُولَى مِنْ (ب)

(3)

إِنَّهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب)

(4)

ن، م: حَتَّى قَاتَلُوا مَعَهُ عَلِيًّا

ص: 382

عَسْكَرَهُ، حَتَّى قَاوَمُوهُمْ وَغَلَبُوهُمْ (1) .

، وَعَلِيٌّ أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَعْلَى دَرَجَةً، وَهُوَ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُ بِاتِّفَاقِ النَّاسِ، وَعَسْكَرُ مُعَاوِيَةَ يَعْلَمُونَ أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ مِنْهُ وَأَحَقُّ بِالْأَمْرِ (2) .

، وَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ [مِنْهُمْ](3) .

إِلَّا مُعَانِدٌ أَوْ مَنْ أَعْمَى الْهَوَى قَلْبَهُ.

وَلَمْ يَكُنْ مُعَاوِيَةُ قَبْلَ تَحْكِيمِ الْحَكَمَيْنِ يَدَّعِي الْأَمْرَ لِنَفْسِهِ، وَلَا يَتَسَمَّى بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ، بَلْ إِنَّمَا (4) .

ادَّعَى [ذَلِكَ](5)

بَعْدَ حُكْمِ الْحَكَمَيْنِ، وَكَانَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ عَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ لَهُ: لِمَ ذَا؟ تَقَاتُلُ عَلِيًّا وَلَيْسَ لَكَ سَابِقَتُهُ وَلَا فَضْلُهُ (6) .

وَلَا صِهْرُهُ، وَهُوَ أَوْلَى بِالْأَمْرِ مِنْكَ؟ فَيَعْتَرِفُ لَهُمْ مُعَاوِيَةُ بِذَلِكَ.

لَكِنْ قَاتَلُوا مَعَ مُعَاوِيَةَ لِظَنِّهِمْ أَنَّ عَسْكَرَ عَلِيٍّ فِيهِ (7) .

ظَلَمَةٌ يَعْتَدُونَ عَلَيْهِمْ كَمَا اعْتَدَوْا عَلَى عُثْمَانَ، وَأَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَهُمْ دَفْعًا لِصِيَالِهِمْ عَلَيْهِمْ (8) .

، وَقِتَالُ الصَّائِلِ جَائِزٌ، وَلِهَذَا لَمْ يَبْدَءُوهُمْ بِالْقِتَالِ حَتَّى بَدَأَهُمْ أُولَئِكَ. وَلِهَذَا قَالَ الْأَشْتَرُ النَّخَعِيُّ: إِنَّهُمْ يَنْصُرُونَ عَلَيْنَا لِأَنَّا نَحْنُ بَدَأْنَاهُمْ بَدَأْنَاهُمْ: (9)

وَعَلِيٌّ رضي الله عنه كَانَ عَاجِزًا عَنْ قَهْرِ الظَّلَمَةِ مِنَ الْعَسْكَرَيْنِ، وَلَمْ

(1) ن، و، هـ، ر: حَتَّى قَاوَمُوهُمْ أَوْ غَلَبُوهُمْ ; أ، ب: إِلَى أَنْ قَاوَمُوهُمْ وَغَلَبُوهُمْ

(2)

ب: أَفْضَلُ وَأَحَقُّ بِالْأَمْرِ مِنْهُ. وَسَقَطَتْ هَذِهِ الْعِبَارَاتُ مِنْ (أ)

(3)

مِنْهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م)

(4)

أ، ب: وَإِنَّمَا

(5)

ذَلِكَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .

(6)

أ: لِمَ ذَا نُقَاتِلُ مَعَكَ عَلِيًّا وَلَيْسَ لَكَ سَابِقَةٌ وَلَا فَضِيلَتُهُ ; ب: لِمَاذَا نُقَاتِلُ مَعَكَ عَلِيًّا وَلَيْسَ لَكَ سَابِقَتُهُ وَلَا فَضْلُهُ

(7)

أ، ب: فِيهِمْ

(8)

ن، م: يُقَاتِلُونَ دَفْعًا لِصِيَالِهِمْ عَلَيْهِ ; ص: يُقَاتِلُونَهُمْ دَفْعًا لِصِيَالَتِهِمْ عَلَيْهِمْ

(9)

كَذَا فِي (أ)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: نَبْدَأُهُمْ.

بِالْقِتَالِ.

ص: 383

تَكُنْ أَعْوَانُهُ يُوَافِقُونَهُ عَلَى مَا يَأْمُرُ بِهِ، وَأَعْوَانُ مُعَاوِيَةَ يُوَافِقُونَهُ، وَكَانَ يَرَى أَنَّ الْقِتَالَ يَحْصُلُ بِهِ الْمَطْلُوبُ، فَمَا حَصَلَ بِهِ إِلَّا ضِدُّ الْمَطْلُوبِ، وَكَانَ فِي عَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ مَنْ يَتَّهِمُ عَلِيًّا بِأَشْيَاءَ مِنَ الظُّلْمِ هُوَ بَرِيءٌ مِنْهَا (1) .

، وَطَالِبُ الْحَقَّ مِنْ عَسْكَرِ مُعَاوِيَةَ يَقُولُ: لَا يُمْكِنُنَا أَنْ نُبَايِعَ إِلَّا مَنْ يَعْدِلُ عَلَيْنَا وَلَا يَظْلِمُنَا، وَنَحْنُ إِذَا بَايَعْنَا عَلِيًّا ظَلَمْنَا عَسْكَرَهُ، كَمَا ظُلِمَ (2) .

عُثْمَانُ. وَعَلِيٌّ إِمَّا عَاجِزٌ عَنِ الْعَدْلِ عَلَيْنَا، أَوْ غَيْرُ فَاعِلٍ لِذَلِكَ، وَلَيْسَ عَلَيْنَا أَنْ نُبَايِعَ عَاجِزًا عَنِ الْعَدْلِ عَلَيْنَا وَلَا تَارِكًا لَهُ. فَأَئِمَّةُ السُّنَّةِ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مَا كَانَ الْقِتَالُ مَأْمُورًا بِهِ: لَا وَاجِبًا وَلَا مُسْتَحَبًّا، وَلَكِنْ يَعْذُرُونَ مَنِ اجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: " كَانَ مُعَاوِيَةُ مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ".

فَنَعَمْ وَأَكْثَرُ الطُّلَقَاءِ كُلِّهِمْ (3) .

مِنَ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ، كَالْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ، وَابْنِ أَخِيهِ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ، وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو، وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ، وَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ، وَهَؤُلَاءِ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ. وَالْمُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُمْ غَالِبُهُمْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ (4) .

، وَكَانَ الرَّجُلُ مِنْهُمْ يُسْلِمُ أَوَّلَ النَّهَارِ رَغْبَةً مِنْهُ فِي الدُّنْيَا، فَلَا يَجِيءُ آخِرُ النَّهَارِ إِلَّا وَالْإِسْلَامُ أَحَبُّ إِلَيْهِ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَقَاتَلَ عَلِيًّا وَهُوَ عِنْدَهُمْ رَابِعُ الْخُلَفَاءِ إِمَامٌ حَقٌّ، وَكُلُّ مَنْ قَاتَلَ إِمَامَ حَقٍّ فَهُوَ بَاغٍ ظَالِمٌ ".

(1) ن، م: بِأَشْيَاءَ هِيَ الظُّلْمِ وَهُوَ بَرِيءٌ مِنْهَا

(2)

أ، ب، هـ: كَمَا ظَلَمُوا

(3)

أ: وَكَثِيرُ الطُّلَقَاءِ كُلِّهِمْ ; ب: وَكَثِيرٌ مِنَ الطُّلَقَاءِ ; و: وَكَذَا الطُّلَقَاءُ ; هـ، ر: وَكُبَرَاءُ الطُّلَقَاءِ ; ص: وَأَكْبَرُ الطُّلَقَاءِ

(4)

أ، ب: إِسْلَامُهُمْ

ص: 384

فَيُقَالُ لَهُ: أَوَّلًا: الْبَاغِي قَدْ يَكُونُ مُتَأَوِّلًا مُعْتَقِدًا أَنَّهُ عَلَى حَقٍّ، وَقَدْ يَكُونُ مُتَعَمِّدًا يَعْلَمُ أَنَّهُ بَاغٍ، وَقَدْ يَكُونُ بَغْيُهُ مُرَكَّبًا (1) .

مِنْ شُبْهَةٍ وَشَهْوَةٍ (2) .

، وَهُوَ الْغَالِبُ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِيمَا عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَّةِ ; فَإِنَّهُمْ لَا يُنَزِّهُونَ مُعَاوِيَةَ وَلَا مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ مِنَ الذُّنُوبِ، فَضْلًا عَنْ تَنْزِيهِهِمْ عَنِ الْخَطَأِ فِي الِاجْتِهَادِ، بَلْ يَقُولُونَ: إِنَّ الذُّنُوبَ لَهَا أَسْبَابٌ تَدْفَعُ عُقُوبَتَهَا مِنَ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ، وَالْمَصَائِبِ الْمُكَفِّرَةِ، وَغَيْرِ ذَلِكَ. وَهَذَا أَمْرٌ يَعُمُّ الصَّحَابَةَ وَغَيْرَهُمْ. وَالْحِكَايَةُ الْمَعْرُوفَةُ (3) .

عَنِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ، وَكَانَ مِنْ خِيَارِ صِغَارِ الصَّحَابَةِ، لَمَّا أَتَى مُعَاوِيَةَ، وَخَلَا بِهِ، وَطَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُخْبِرَهُ (4) .

بِجَمِيعِ مَا يَنْقِمُهُ عَلَيْهِ (5)

، فَذَكَرَ لَهُ الْمِسْوَرُ جَمِيعَ مَا يَنْقِمُهُ عَلَيْهِ (6) .

. فَقَالَ: وَمَعَ هَذَا يَا مِسْوَرُ أَلَكَ سَيِّئَاتٌ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: أَتَرْجُو أَنْ يَغْفِرَهَا اللَّهُ؟ قَالَ: نَعَمْ. قَالَ: فَمَا جَعَلَكَ أَرْجَى لِرَحْمَةِ اللَّهِ مِنِّي (7) .

؟ وَإِنِّي مَعَ ذَلِكَ وَاللَّهِ مَا خُيِّرْتُ بَيْنَ اللَّهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ إِلَّا اخْتَرْتُ اللَّهَ عَلَى غَيْرِهِ، وَوَاللَّهِ لَمَا أَلِيهِ (8) .

مِنَ الْجِهَادِ وَإِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنِ الْمُنْكَرِ أَفْضَلُ مِنْ عَمَلِكَ، وَأَنَا

(1) مُرَكَّبًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب)

(2)

ب (فَقَطْ) : أَوْ شَهْوَةٍ

(3)

ص، هـ، ر: الْمَشْهُورَةُ

(4)

أ، ب: وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُخْبِرَهُ

(5)

أ، ن، م: مَا يَنْقِمُ عَلَيْهِ.

(6)

أ، ب: مَا يَنْقِمُ عَلَيْهِ

(7)

أ: فَمَا جَعَلَكَ لِرَحْمَةِ اللَّهِ مِنِّي ; ب: فَمَا جَعَلَكَ لِرَحْمَةِ اللَّهِ أَرْجَى مِنِّي ; م: فَمَا جَعَلَكَ أَرْجَى لِلرَّحْمَةِ مِنِّي

(8)

ص: مَا أَنَا إِلَيْهِ ; أ، ب: مَا أَلِيهِ ; ر، هـ: مَا آلِيهِ

ص: 385

عَلَى دِينٍ يَقْبَلُ مِنْ أَهْلِهِ (1) .

الْحَسَنَاتِ، وَيَتَجَاوَزُ لَهُمْ عَنِ السَّيِّئَاتِ، فَمَا جَعَلَكَ أَرْجَى لِرَحْمَةِ اللَّهِ مِنِّي؟ قَالَ (2) .

الْمِسْوَرُ [بْنُ مَخْرَمَةَ](3) .

: فَخَصَمَنِي. أَوْ كَمَا قَالَ.

وَيُقَالُ لَهُمْ: ثَانِيًا: أَمَّا أَهْلُ السُّنَّةِ فَأَصْلُهُمْ مُسْتَقِيمٌ مُطَّرِدٌ فِي هَذَا الْبَابِ. وَأَمَّا أَنْتُمْ فَمُتَنَاقِضُونَ. وَذَلِكَ أَنَّ النَّوَاصِبَ - مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمُ - الَّذِينَ يُكَفِّرُونَ عَلِيًّا أَوْ يُفَسِّقُونَهُ أَوْ يَشُكُّونَ فِي عَدَالَتِهِ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَالْمَرْوَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، لَوْ قَالُوا لَكُمْ: مَا الدَّلِيلُ عَلَى إِيمَانِ عَلِيٍّ وَإِمَامَتِهِ وَعَدْلِهِ؟ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ حُجَّةٌ ; فَإِنَّكُمْ إِنِ احْتَجَجْتُمْ بِمَا تَوَاتَرَ مِنْ إِسْلَامِهِ وَعِبَادَتِهِ، قَالُوا لَكُمْ: وَهَذَا مُتَوَاتِرٌ عَنِ الصَّحَابَةِ، وَالتَّابِعِينَ، وَالْخُلَفَاءِ الثَّلَاثَةِ، وَخُلَفَاءِ بَنِي أُمَيَّةَ كَمُعَاوِيَةَ وَيَزِيدَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ وَغَيْرِهِمْ، وَأَنْتُمْ تَقْدَحُونَ فِي إِيمَانِهِمْ، فَلَيْسَ قَدْحُنَا فِي إِيمَانِ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ إِلَّا وَقَدْ حُكِمَ فِي إِيمَانِ هَؤُلَاءِ أَعْظَمَ، وَالَّذِينَ تَقْدَحُونَ أَنْتُمْ فِيهِمْ أَعْظَمُ مِنَ الَّذِينَ نَقْدَحُ نَحْنُ فِيهِمْ، وَإِنِ احْتَجَجْتُمْ بِمَا فِي الْقُرْآنِ مِنَ الثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ. قَالُوا: آيَاتُ الْقُرْآنِ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ أَبَا بَكْرٍ (4) .

وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَغَيْرَهُمْ مِثْلَ مَا تَتَنَاوَلُ عَلِيًّا أَوْ أَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ. وَأَنْتُمْ [قَدْ](5) .

أَخْرَجْتُمْ هَؤُلَاءِ مِنَ الْمَدْحِ وَالثَّنَاءِ فَإِخْرَاجُنَا عَلِيًّا أَيْسَرُ. وَإِنْ قُلْتُمْ بِمَا جَاءَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي فَضَائِلِهِ: قَالُوا: هَذِهِ الْفَضَائِلُ رَوَتْهَا الصَّحَابَةُ الَّذِينَ رَوَوْا فَضَائِلَ أُولَئِكَ،

(1) ن: مِنْ أَهْلِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ

(2)

أ، ب: فَقَالَ

(3)

بْنُ مَخْرَمَةَ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب)

(4)

أ: مُتَنَاوِلَ عَلِيٍّ وَأَبِي بَكْرٍ ; ب: مُتَنَاوِلَةً لِعَلِيٍّ وَأَبِي بَكْرٍ

(5)

قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م)

ص: 386

فَإِنْ كَانُوا عُدُولًا فَاقْبَلُوا الْجَمِيعَ، وَإِنْ كَانُوا فُسَّاقًا فَإِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ فِي الشُّهُودِ: إِنَّهُمْ إِنْ شَهِدُوا لِي كَانُوا عُدُولًا، وَإِنْ شَهِدُوا عَلَيَّ كَانُوا فُسَّاقًا، أَوْ: إِنْ شَهِدُوا بِمَدْحِ مَنْ أَحْبَبْتُهُ كَانُوا عُدُولًا، وَإِنْ شَهِدُوا بِمَدْحِ مَنْ أَبْغَضْتُهُ ص: مَنْ أُبْغِضُهُ.

كَانُوا فُسَّاقًا.

وَأَمَّا إِمَامَةُ عَلِيٍّ فَهَؤُلَاءِ يُنَازِعُونَكُمْ فِي إِمَامَتِهِ هُمْ وَغَيْرُهُمْ. فَإِنِ احْتَجَجْتُمْ عَلَيْهِمْ بِالنَّصِّ الَّذِي تَدَّعُونَهُ، كَانَ احْتِجَاجُهُمْ بِالنُّصُوصِ الَّتِي يَدَّعُونَهَا لِأَبِي بَكْرٍ - بَلِ الْعَبَّاسِ (1) .

- مُعَارِضًا لِذَلِكَ، وَلَا رَيْبَ عِنْدَ كُلِّ مَنْ يَعْرِفُ الْحَدِيثَ أَنَّ تِلْكَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ وَالتَّصْدِيقِ. وَكَذَلِكَ يُسْتَدَلُّ عَلَى تَصْدِيقِهَا بِدَلَالَاتٍ كَثِيرَةٍ يَعْلَمُهَا مَنْ لَيْسَ مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ. وَإِنِ احْتَجَجْتُمْ بِمُبَايَعَةِ النَّاسِ لَهُ. قَالُوا: مِنَ الْمَعْلُومِ أَنَّ النَّاسَ اجْتَمَعُوا عَلَى بَيْعَةِ (2) .

أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ أَعْظَمَ مِمَّا اجْتَمَعُوا عَلَى بَيْعَةِ (3) .

عَلِيٍّ، وَأَنْتُمْ قَدْ قَدَحْتُمْ فِي تِلْكَ الْبَيْعَةِ، فَالْقَدْحُ فِي هَذِهِ أَيْسَرُ، فَلَا تَحْتَجُّونَ عَلَى إِمَامَةِ عَلِيٍّ (4) .

بِنَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ إِلَّا كَانَ مَعَ أُولَئِكَ مِنَ النَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْ حُجَّتِكُمْ، فَيَكُونُ إِثْبَاتُ خِلَافَةِ مَنْ قَدَحْتُمْ فِي خِلَافَتِهِ أَوْلَى مِنْ إِثْبَاتِ خِلَافَةِ مَنْ أَثْبَتُّمْ (5) .

خِلَافَتَهُ.

وَهَذَا لَا يَرِدُ عَلَى أَهْلِ السُّنَّةِ ; فَإِنَّهُمْ يُثْبِتُونَ خِلَافَةَ الْخُلَفَاءِ كُلِّهِمْ،

(1) أ، ب: بَلْ لِلْعَبَّاسِ ; ص: بَلِ الْقِيَاسِ، و: وَالْعَبَّاسِ

(2)

ر، ص، هـ، و: عَلَى مُبَايَعَةِ ; ن، م: عَلَى إِمَامَةِ

(3)

ن: مِمَّا أَجْمَعُوا عَلَى بَيْعَةِ ; ص: مِمَّا اجْتَمَعُوا عَلَى مُبَايَعَةِ

(4)

إِمَامَةِ عَلَيٍّ: كَذَا فِي (أ) ، (ب) . ر، ص، هـ، ن، م: عَلَى إِمَامَتِهِ ; و: عَلَى إِمَامَةِ

(5)

ن، م: مَنْ أَبَيْتُمْ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ

ص: 387

وَيَسْتَدِلُّونَ عَلَى صِحَّةِ خِلَافَتِهِمْ بِالنُّصُوصِ الدَّالَّةِ عَلَيْهِ، وَيَقُولُونَ: إِنَّهَا انْعَقَدَتْ بِمُبَايَعَةِ أَهْلِ الشَّوْكَةِ لَهُمْ، وَعَلِيٌّ بَايَعَهُ أَهْلُ الشَّوْكَةِ، وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ كَمَا اجْتَمَعُوا عَلَى مَنْ قَبْلَهُ، لَكِنْ لَا رَيْبَ أَنَّهُ كَانَ لَهُ سُلْطَانٌ وَقُوَّةٌ بِمُبَايَعَةِ أَهْلِ الشَّوْكَةِ لَهُ، وَقَدْ دَلَّ النَّصُّ عَلَى أَنَّ خِلَافَتَهُ (1) .

خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ.

وَأَمَّا تَخَلُّفُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ مُبَايَعَتِهِ، فَعُذْرُهُمْ فِي ذَلِكَ أَظْهَرُ مِنْ عُذْرِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَغَيْرِهِ لَمَّا تَخَلَّفُوا عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ، وَإِنْ كَانَ لَمْ يَسْتَقِرَّ تَخَلُّفُ أَحَدٍ إِلَّا سَعْدٌ وَحْدَهُ. وَأَمَّا عَلِيٌّ وَغَيْرُهُ فَبَايَعُوا الصِّدِّيقَ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ النَّاسِ. لَكِنْ قِيلَ: إِنَّهُمْ (2) .

تَأَخَّرُوا عَنْ مُبَايَعَتِهِ (3) .

سِتَّةَ أَشْهُرٍ، ثُمَّ بَايَعُوهُ.

وَهُمْ يَقُولُونَ لِلشِّيعَةِ: عَلِيٌّ إِمَّا أَنْ يَكُونَ تَخَلَّفَ أَوَّلًا عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ بَايَعَهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ، كَمَا تَقُولُ ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مَعَ الشِّيعَةِ. وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ بَايَعَهُ أَوَّلَ يَوْمٍ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ طَائِفَةٌ أُخْرَى. فَإِنْ كَانَ الثَّانِيَ بَطَلَ قَوْلُ الشِّيعَةِ: إِنَّهُ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَتِهِ، وَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَوَّلِ السَّابِقِينَ إِلَى بَيْعَتِهِ. وَإِنْ كَانَ الْأَوَّلَ، فَعُذْرُ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ عَلِيٍّ أَظْهَرُ مِنْ عُذْرِ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَةِ أَبِي بَكْرٍ؛ لِأَنَّ النَّصَّ وَالْإِجْمَاعَ الْمُثْبِتَيْنِ لِخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ، لَيْسَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ مِثْلُهَا (4) .

، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى خِلَافَتِهِ، وَإِنَّمَا رَوَى ذَلِكَ أَهْلُ السُّنَنِ.

(1) ن، م: خِلَافَتَهُمْ

(2)

ن: لِأَنَّهُمْ

(3)

أ، ب: بَيْعَتِهِ

(4)

و، ب: مِثْلُهُمَا

ص: 388

وَقَدْ طَعَنَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي حَدِيثِ سَفِينَةَ (1) .

. وَأَمَّا الْإِجْمَاعُ فَقَدْ تَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَتِهِ وَالْقِتَالِ مَعَهُ نِصْفُ الْأُمَّةِ، أَوْ أَقَلُّ أَوْ أَكْثَرُ.

وَالنُّصُوصُ الثَّابِتَةُ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم تَقْتَضِي أَنَّ تَرْكَ الْقِتَالِ كَانَ خَيْرًا لِلطَّائِفَتَيْنِ، وَأَنَّ الْقُعُودَ عَنِ الْقِتَالِ كَانَ خَيْرًا مِنَ الْقِيَامِ فِيهِ، وَأَنَّ عَلِيًّا، مَعَ كَوْنِهِ أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ (2 وَأَقْرَبَ إِلَى الْحَقِّ عَنْ مُعَاوِيَةَ 2) (2 - 2) :(2) .، لَوْ تَرَكَ الْقِتَالَ لَكَانَ أَفْضَلَ وَأَصْلَحَ وَخَيْرًا.

وَأَهْلُ السُّنَّةِ و: السُّنَنِ. يَتَرَحَّمُونَ عَلَى الْجَمِيعِ، وَيَسْتَغْفِرُونَ لَهُمْ، كَمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِقَوْلِهِ:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} .

وَأَمَّا الرَّافِضِيُّ فَإِذَا قَدَحَ فِي مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه بِأَنَّهُ كَانَ بَاغِيًا ظَالِمًا، قَالَ لَهُ النَّاصِبِيُّ: وَعَلِيٌّ أَيْضًا كَانَ بَاغِيًا ظَالِمًا لَمَّا قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى إِمَارَتِهِ، وَبَدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ، وَصَالَ عَلَيْهِمْ، وَسَفَكَ دِمَاءَ الْأُمَّةِ بِغَيْرِ فَائِدَةٍ لَهُمْ (3) .

: لَا فِي دِينِهِمْ وَلَا فِي دُنْيَاهُمْ، وَكَانَ السَّيْفُ فِي خِلَافَتِهِ مَسْلُولًا عَلَى أَهْلِ الْمِلَّةِ، مَكْفُوفًا عَنِ الْكُفَّارِ.

وَالْقَادِحُونَ فِي عَلِيٍّ طَوَائِفُ: طَائِفَةٌ تَقْدَحُ فِيهِ وَفِيمَنْ قَاتَلَهُ جَمِيعًا. وَطَائِفَةٌ تَقُولُ: فَسَقَ (4) .

أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ، كَمَا يَقُولُ ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ

(1) سَبَقَ الْكَلَامُ عَلَى حَدِيثِ سَفِينَةَ 1/515 (ت [0 - 9] )

(2)

سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) . وَفِي (ن)، (م) : وَأَقْرَبَ إِلَى الْحَقِّ مِنْهُ

(3)

لَهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب)

(4)

ب (فَقَطْ) : فَسَقَتْ

ص: 389

وَغَيْرُهُ مِنْ شُيُوخِ الْمُعْتَزِلَةِ، وَيَقُولُونَ فِي أَهْلِ الْجَمَلِ: فَسَقَ إِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ لَا بِعَيْنِهَا، وَهَؤُلَاءِ يُفَسِّقُونَ مُعَاوِيَةَ. وَطَائِفَةٌ تَقُولُ (1) .

: هُوَ الظَّالِمُ دُونَ مُعَاوِيَةَ، كَمَا يَقُولُ [ذَلِكَ] الْمَرْوَانِيَّةُ (2) .

. وَطَائِفَةٌ تَقُولُ (3) .

: كَانَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ مُصِيبًا (4) .

، فَلَمَّا حَكَّمَ الْحَكَمَيْنِ كَفَرَ وَارْتَدَّ [عَنِ الْإِسْلَامِ](5) .

وَمَاتَ كَافِرًا. وَهَؤُلَاءِ هُمُ الْخَوَارِجُ.

فَالْخَوَارِجُ وَالْمَرْوَانِيَّةُ وَكَثِيرٌ مِنَ الْمُعْتَزِلَةِ وَغَيْرُهُمْ يَقْدَحُونَ فِي عَلِيٍّ رضي الله عنه. وَكُلُّهُمْ مُخْطِئُونَ فِي ذَلِكَ ضَالُّونَ مُبْتَدِعُونَ. وَخَطَأُ الشِّيعَةِ فِي الْقَدْحِ فِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ أَعْظَمُ مِنْ خَطَأِ أُولَئِكَ. فَإِنْ قَالَ الذَّابُّ (6) .

عَنْ عَلِيٍّ: (* هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَاتَلَهُمْ عَلِيٌّ كَانُوا بُغَاةً، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ رضي الله عنه: " «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» " (7) .

وَهُمْ قَتَلُوا عَمَّارًا. فَهَهُنَا لِلنَّاسِ أَقْوَالٌ: مِنْهُمْ مَنْ قَدَحَ (8) .

فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ، وَمِنْهُمْ مَنْ تَأَوَّلَهُ عَلَى أَنَّ الْبَاغِيَ الطَّالِبُ، وَهُوَ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ. وَأَمَّا السَّلَفُ وَالْأَئِمَّةُ فَيَقُولُ أَكْثَرُهُمْ - كَأَبِي حَنِيفَةَ

(1) أ، ب: يَقُولُونَ

(2)

ن: كَمَا تَقُولُ الْمَرْوَانِيَّةُ ; م، و: كَمَا تَقُولُهُ الْمَرْوَانِيَّةُ

(3)

أ، ب: يَقُولُونَ

(4)

أ: كَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ مُصِيبًا ; ب: عَلِيٌّ كَانَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ مُصِيبًا ; م: كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مُصِيبًا

(5)

عَنِ الْإِسْلَامِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و)

(6)

أ: أَعْظَمُ مِنَ الْقَدْحِ فِي عَلِيٍّ فَإِنَّ الذَّابَّ ; ب: أَعْظَمُ خَطَأً مِنْ أُولَئِكَ فِي عَلِيٍّ فَإِنْ قَالَ الذَّابُّ

(7)

سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي هَذَا الْجُزْءِ

(8)

ن، م: يَقْدَحُ

ص: 390

وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ: لَمْ يُوجَدْ شَرْطُ قِتَالِ الطَّائِفَةِ الْبَاغِيَةِ ; فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِهَا ابْتِدَاءً، بَلْ أَمَرَ إِذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ أَنْ يُصْلَحَ بَيْنَهُمَا، ثُمَّ إِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى قُوتِلَتِ الَّتِي تَبْغِي. وَهَؤُلَاءِ قُوتِلُوا ابْتِدَاءً قَبْلَ أَنْ يُبْدَءُوا بِقِتَالٍ. [وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ مَانِعِي الزَّكَاةَ إِذَا قَالُوا: نَحْنُ (1) .

نُؤَدِّيهَا بِأَنْفُسِنَا وَلَا نَدْفَعُهَا إِلَى الْإِمَامِ، لَمْ يَكُنْ لَهُ قِتَالُهُمْ،] (2) .

وَلِهَذَا كَانَ هَذَا الْقِتَالُ عِنْدَ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ - كَمَالِكٍ - قِتَالَ فِتْنَةٍ. وَأَبُو حَنِيفَةَ يَقُولُ: لَا يَجُوزُ قِتَالُ الْبُغَاةِ حَتَّى يَبْدَءُوا بِقِتَالِ الْإِمَامِ. وَهَؤُلَاءِ لَمْ يَبْدَءُوهُ (3) .

[بَلِ الْخَوَارِجُ بَدَءُوا بِهِ](4) .

. وَأَمَّا قِتَالُ الْخَوَارِجِ فَهُوَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ (5) .

وَالْإِجْمَاعِ.

فَإِنْ قَالَ الذَّابُّ (6) .

عَنْ عَلِيٍّ *) (7) . كَانَ [عَلِيٌّ](8) .

مُجْتَهِدًا فِي ذَلِكَ. قَالَ لَهُ مُنَازِعُهُ: وَمُعَاوِيَةُ كَانَ مُجْتَهِدًا [فِي ذَلِكَ. فَإِنْ قَالَ: كَانَ مُجْتَهِدًا مُصِيبًا، فَفِي النَّاسِ مَنْ يَقُولُ لَهُ: وَمُعَاوِيَةُ كَانَ مُجْتَهِدًا](9) . مُصِيبًا أَيْضًا، (10) .

بِنَاءً عَلَى أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ. وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ:

(1) نَحْنُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ر) ، (ص)

(2)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (هـ)

(3)

أ، ب: لَمْ يَبْدَءُوا

(4)

مَا بَيْنَ الْقَوْسَيْنِ مِنْ (ن)، (م) (هـ) : وَفِي (ر) : وَلَكِنَّ الْخَوَارِجَ بَدَأَتْهُ. وَفِي (ص) : وَلَكِنَّ الْخَوَارِجَ بَدَءُوهُ

(5)

أ، ب، ر، ص، هـ: وَقِتَالُ الْخَوَارِجِ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ

(6)

ن، م: فَإِنْ قَالَ الْقَائِلُ الذَّابُّ

(7)

مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (و)

(8)

عَلِيٌّ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب)

(9)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (هـ)

(10)

ر، ص: وَمُعَاوِيَةُ مُجْتَهِدٌ أَيْضًا

ص: 391

بَلْ مُعَاوِيَةُ مُجْتَهِدٌ مُخْطِئٌ، وَخَطَأُ الْمُجْتَهِدِ مَغْفُورٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلِ الْمُصِيبُ أَحَدُهُمَا لَا بِعَيْنِهِ. [وَمِنَ الْفُقَهَاءِ (1) .

مَنْ يَقُولُ: كِلَاهُمَا كَانَ مُجْتَهِدًا، لَكِنْ عَلِيٌّ كَانَ مُجْتَهِدًا (2) .

مُصِيبًا، وَمُعَاوِيَةُ كَانَ مُجْتَهِدًا مُخْطِئًا. وَالْمُصِيبُ (3) .

لَهُ أَجْرَانِ، وَالْمُخْطِئُ لَهُ أَجْرٌ. وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ كِلَاهُمَا مُجْتَهِدٌ مُصِيبٌ (4) .

(5 بِنَاءً عَلَى قَوْلِهِمْ كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ 5)(5 - 5) : (5) ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَشْعَرِيِّ وَكَثِيرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ، وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِ (6) .

أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ (7) .

: الْمُصِيبُ وَاحِدٌ لَا بِعَيْنِهِ.

وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ ذَكَرَهَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ حَامِدٍ عَنْ أَصْحَابِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ (8) .

، لَكِنَّ الْمَنْصُوصَ عَنْهُ نَفْسِهِ وَعَنْ أَمْثَالِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ أَنَّ تَرْكَ الْقِتَالِ كَانَ خَيْرًا مِنْ فِعْلِهِ، وَأَنَّهُ قِتَالُ فِتْنَةٍ.

وَلِهَذَا كَانَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ رضي الله عنه يَنْهَى (9)

عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ فِيهِ، وَيَقُولُ ر، ص: عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ وَيَقُولُ ; أ: عَنْ بَيْعِ السِّلَاحِ، وَفِيهِ يَقُولُ.

: لَا يُبَاعُ السِّلَاحُ فِي الْفِتْنَةِ. وَهَذَا قَوْلُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ

(1) ر، ص: وَمِنَ الْعُلَمَاءِ

(2)

عِبَارَةُ " لَكِنْ عَلِيٌّ كَانَ مُجْتَهِدًا ": سَاقِطَةٌ مِنْ (أ)

(3)

ر، ص: فَالْمُصِيبُ

(4)

أ، ب: يَقُولُ كِلَاهُمَا مُصِيبٌ. سَقَطَتْ " بَلْ " مِنْ (ص)

(5)

سَاقِطَةٌ مِنْ (ر) ، (ص) .

(6)

ر، ص: مِنْ أَصْحَابِهِ وَمِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ

(7)

وَغَيْرِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: كَذَا فِي (أ)، وَفِي (ب) : وَغَيْرُهُ تَقُولُ، وَفِي (ر)، (ص) : وَغَيْرُهُ مَنْ يَقُولُ

(8)

ب، ر: عَنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ ; ص: عَنْ أَحْمَدَ

(9)

أ، ب: رضي الله عنه وعَنَّا بِهِ و " رضي الله عنه " لَيْسَتْ فِي (ر) ، (ص) .

ص: 392

- رضي الله عنه، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ (1) .

، وَابْنِ عُمَرَ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رضي الله عنهم، وَأَكْثَرِ مَنْ كَانَ بَقِيَ (2) . .

مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَئِمَّةِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ.

وَقَالَتِ الْكَرَّامِيَّةُ: بَلْ كِلَاهُمَا إِمَامٌ مُصِيبٌ، وَيَجُوزُ عَقْدُ الْبَيْعَةِ (3) .

لِإِمَامَيْنِ لِلْحَاجَةِ] (4) .

، وَمَنْ نَازَعَهُ فِي أَنَّهُ كَانَ إِمَامَ حَقٍّ لَمْ يُمَكِّنِ الرَّافِضِيَّ أَنْ يَحْتَجَّ (5) .

عَلَى إِمَامَتِهِ بِحُجَّةٍ إِلَّا نَقَضَهَا ذَلِكَ الْمُعَارِضُ، وَمَنْ سَلَّمَ لَهُ أَنَّهُ كَانَ إِمَامَ حَقٍّ كَأَهْلِ السُّنَّةِ فَإِنَّهُ يَقُولُ: الْإِمَامُ الْحَقُّ لَيْسَ مَعْصُومًا، وَلَا يَجِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ أَنْ يُقَاتِلَ مَعَهُ كُلَّ مَنْ خَرَجَ عَنْ طَاعَتِهِ، وَلَا يُطِيعُهُ الْإِنْسَانُ فِيمَا يَعْلَمُ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ لِلَّهِ، أَوْ أَنَّ تَرْكَهُ خَيْرٌ مِنْ فِعْلِهِ.

وَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوا مَعَهُ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ تَرْكَ الْقِتَالِ خَيْرٌ مِنَ الْقِتَالِ، أَوْ أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ، فَلَمْ يَجِبْ عَلَيْهِمْ مُوَافَقَتَهُ فِي ذَلِكَ.

وَالَّذِينَ قَاتَلُوهُ لَا يَخْلُو: إِمَّا أنْ يَكُونُوا عُصَاةً، أَوْ مُجْتَهِدِينَ مُخْطِئِينَ، أَوْ مُصِيبِينَ. وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي إِيمَانِهِمْ وَلَا يَمْنَعُهُمُ الْجَنَّةَ.

فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ: {وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ

(1) أ: وَمُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ

(2)

ر، ص: وَمَنْ كَانَ قَدْ بَقِيَ

(3)

ر، ص: وَتَجُوزُ الْبَيْعَةُ

(4)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) ، (هـ)

(5)

أ: الرَّافِضَةَ أَنْ يَحْتَجَّ ; ب: الرَّافِضَةَ أَنْ يَحْتَجُّوا

ص: 393

الْمُقْسِطِينَ} ، {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} ، فَسَمَّاهُمْ إِخْوَةً وَوَصَفَهُمْ بِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، مَعَ وُجُودِ الِاقْتِتَالِ بَيْنَهُمْ، وَالْبَغْيِ مِنْ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ.

فَمَنْ قَاتَلَ عَلِيًّا: فَإِنَّ (1) .

كَانَ بَاغِيًا فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمُخْرِجِهِ مِنَ (2) .

الْإِيمَانِ، وَلَا بِمُوجِبٍ (3) لَهُ النِّيرَانَ، وَلَا مَانِعٍ لَهُ مِنَ الْجِنَانِ ; فَإِنَّ الْبَغْيَ إِذَا كَانَ بِتَأْوِيلٍ (4) .

كَانَ صَاحِبُهُ مُجْتَهِدًا.

وَلِهَذَا اتَّفَقَ أَهْلُ السُّنَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَفْسُقُ وَاحِدَةٌ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ، وَإِنْ قَالُوا فِي إِحْدَاهُمَا: إِنَّهُمْ كَانُوا بُغَاةً؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مُتَأَوِّلِينَ مُجْتَهِدِينَ، وَالْمُجْتَهِدُ الْمُخْطِئُ لَا يُكَفَّرُ وَلَا يُفَسَّقُ، وَإِنْ تَعَمَّدَ الْبَغْيَ فَهُوَ ذَنْبٌ مِنَ الذُّنُوبِ، وَالذُّنُوبُ يُرْفَعُ عِقَابُهَا بِأَسْبَابٍ مُتَعَدِّدَةٍ: كَالتَّوْبَةِ، وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ، وَالْمَصَائِبِ الْمُكَفِّرَةِ، وَشَفَاعَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَدُعَاءِ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ.

وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّ سَبَبَ ذَلِكَ مَحَبَّةُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ لِعَلِيٍّ، وَمُفَارَقَتُهُ لِأَبِيهِ ".

فَكَذِبٌ بَيِّنٌ. وَذَلِكَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فِي حَيَاةِ أَبِيهِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا طِفْلًا لَهُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثِ سِنِينَ، وَبَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ كَانَ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ تَعْظِيمًا لِأَبِيهِ، وَبِهِ كَانَ يَتَشَرَّفُ، وَكَانَتْ لَهُ بِذَلِكَ حُرْمَةٌ عِنْدَ النَّاسِ.

(1) ب: إِنْ. وَسَقَطَ الْحَرْفُ مِنْ (أ)

(2)

ب، ص: عَنِ

(3)

ب: مُوجِبٍ ; أ: يُوجِبُ

(4)

أ: يَتَأَوَّلُ ; ب: بِتَأَوُّلٍ

ص: 394

وَأَمَّا قَوْلُهُ: " إِنَّ سَبَبَ قَوْلِهِمْ لِمُعَاوِيَةَ: إِنَّهُ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ دُونَ مُحَمَّدٍ، أَنَّ مُحَمَّدًا هَذَا كَانَ يُحِبُّ عَلِيًّا، وَمُعَاوِيَةُ كَانَ يُبْغِضُهُ ".

فَيُقَالُ: هَذَا كَذِبٌ أَيْضًا ; فَإِنَّ [عَبْدَ اللَّهِ] بْنَ عُمَرَ [كَانَ] أَحَقَّ (1) بِهَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذَا وَهَذَا، وَهُوَ لَمْ يُقَاتِلْ لَا مَعَ هَذَا، وَلَا مَعَ هَذَا، وَكَانَ مُعَظِّمًا لِعَلِيٍّ، مُحِبًّا لَهُ، يَذْكُرُ فَضَائِلَهُ وَمَنَاقِبَهُ، وَكَانَ مُبَايِعًا لِمُعَاوِيَةَ لَمَّا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ غَيْرَ خَارِجٍ عَلَيْهِ، وَأُخْتُهُ أَفْضَلُ مِنْ أُخْتِ مُعَاوِيَةَ، وَأَبُوهُ أَفْضَلُ مِنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ، وَالنَّاسُ أَكْثَرُ مَحَبَّةً وَتَعْظِيمًا لَهُ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَمُحَمَّدٍ، وَمَعَ هَذَا فَلْمْ يُشْتَهَرْ عَنْهُ أَنَّهُ خَالُ الْمُؤْمِنِينَ. فَعُلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ سَبَبُ ذَلِكَ مَا ذَكَرَهُ.

وَأَيْضًا فَأَهْلُ السُّنَّةِ يُحِبُّونَ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوا عَلِيًّا أَعْظَمَ مِمَّا يُحِبُّونَ مَنْ قَاتَلَهُ، وَيُفَضِّلُونَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْهُ عَلَى مَنْ قَاتَلَهُ، كَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَأَسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ، وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ (2) .

، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رضي الله عنهم. فَهَؤُلَاءِ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِينَ قَاتَلُوا عَلِيًّا عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ. وَالْحُبُّ لِعَلِيٍّ وَتَرْكُ قِتَالِهِ (3) .

خَيْرٌ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ بُغْضِهِ وَقِتَالِهِ. وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُجُوبِ مُوَالَاتِهِ وَمَحَبَّتِهِ، وَهُمْ مِنْ أَشَدِّ النَّاسِ ذَبًّا عَنْهُ، وَرَدًّا عَلَى مَنْ يَطْعَنُ عَلَيْهِ مِنَ الْخَوَارِجِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ النَّوَاصِبِ، لَكِنْ لِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ.

وَالرَّافِضَةُ لَا يُمْكِنُهُمْ أَنْ يُثْبِتُوا وُجُوبَ مُوَالَاتِهِ كَمَا يُمْكِنُ أَهْلُ السُّنَّةِ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى ذَمِّ الْخَوَارِجِ الَّذِينَ هُمْ أَشَدُّ بُغْضًا لَهُ وَعَدَاوَةً مِنْ غَيْرِهِمْ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ مُتَّفِقُونَ عَلَى وُجُوبِ قِتَالِهِمْ، فَكَيْفَ يَفْتَرِي الْمُفْتَرِي

(1) ن، م: فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ أَحَقُّ.

(2)

و: مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمَةَ

(3)

ن: وَالتَّرْكُ لِقِتَالِهِ

ص: 395

عَلَيْهِمْ بِأَنْ قَدَحَ هَذَا لِبُغْضِهِ عَلِيًّا وَذَمَّ هَذَا لِحُبِّهِ عَلِيًّا (1) .

، مَعَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ يَجْعَلُ بُغْضَ عَلِيٍّ طَاعَةً وَلَا حَسَنَةً، وَلَا يَأْمُرُ بِذَلِكَ، وَلَا مَنْ يَجْعَلُ مُجَرَّدَ حُبِّهِ سَيِّئَةً وَلَا مَعْصِيَةً، وَلَا يَنْهَى عَنْ ذَلِكَ.

وَكُتُبُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ جَمِيعِ الطَّوَائِفِ مَمْلُوءَةٌ بِذِكْرِ فَضَائِلِهِ وَمَنَاقِبِهِ، وَبِذَمِّ الَّذِينَ يَظْلِمُونَهُ مِنْ جَمِيعِ الْفِرَقِ، وَهُمْ يُنْكِرُونَ عَلَى مَنْ سَبَّهُ، وَكَارِهُونَ لِذَلِكَ. وَمَا جَرَى مِنَ التَّسَابِّ وَالتَّلَاعُنِ بَيْنَ الْعَسْكَرَيْنِ، مِنْ جِنْسِ مَا جَرَى مِنَ الْقِتَالِ. وَأَهْلُ السُّنَّةِ مِنْ أَشَدِّ (2) .

النَّاسِ بُغْضًا وَكَرَاهَةً لِأَنْ يُتَعَرَّضَ لَهُ بِقِتَالٍ أَوْ سَبٍّ، بَلْ هُمْ كُلُّهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى أَنَّهُ أَجَلُّ قَدْرًا، وَأَحَقُّ بِالْإِمَامَةِ، وَأَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ رَسُولِهِ وَعِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَأَبِيهِ وَأَخِيهِ الَّذِي كَانَ خَيْرًا مِنْهُ، وَعَلِيٌّ أَفْضَلُ مِمَّنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه، فَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ كُلُّهُمْ أَفْضَلُ مِنَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا عَامَ الْفَتْحِ، وَفِي هَؤُلَاءِ خَلْقٌ كَثِيرٌ أَفْضَلُ مِنْ مُعَاوِيَةَ، وَأَهْلُ الشَّجَرَةِ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ، وَعَلِيٌّ أَفْضَلُ جُمْهُورِ ن (3) .

الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ، [بَلْ](4) .

هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُمْ كُلِّهِمْ إِلَّا الثَّلَاثَةَ، فَلَيْسَ فِي أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ يُقَدِّمُ عَلَيْهِ [أَحَدًا](5) .

غَيْرَ الثَّلَاثَةِ، بَلْ يُفَضِّلُونَهُ عَلَى جُمْهُورِ أَهْلِ بَدْرٍ وَأَهْلِ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَعَلَى السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ.

(1) أ: لِبُغْضِ عَلِيٍّ وَذَمِّ هَذَا مَحَبَّةَ عَلِيٍّ ; ب: لِبُغْضِهِ عَلِيًّا وَذَمَّ هَذَا لِمَحَبَّةِ عَلِيٍّ

(2)

أ، ب: وَهُمْ مِنْ أَشَدِّ

(3)

، م، ر: أَفْضَلُ مِنْ جُمْهُورِ

(4)

بَلْ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب)

(5)

أ: أَحَدٌ. وَسَقَطَتْ مِنْ سَائِرِ النُّسَخِ، وَأَثْبَتُّهَا مِنْ (ب)

ص: 396

وَمَا فِي أَهْلِ السُّنَّةِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرَ وَسَعْدًا وَعَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ أَفْضَلُ مِنْهُ، بَلْ غَايَةُ مَا قَدْ (1) .

يَقُولُونَ السُّكُوتُ عَنِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ أَهْلِ الشُّورَى، وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الشُّورَى عِنْدَهُمْ أَفْضَلُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ، وَالسَّابِقُونَ [الْأَوَّلُونَ](2) .

أَفْضَلُ مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدِ الْفَتْحِ وَقَاتَلُوا، وَهُمْ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ الَّذِينَ بَايَعُوا تَحْتَ الشَّجَرَةِ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقِيلَ: مَنْ صَلَّى [إِلَى](3) .

الْقِبْلَتَيْنِ، وَلَيْسَ بِشَيْءٍ.

وَمِمَّنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ، وَعَمْرُو بْنُ الْعَاصِ، وَشَيْبَةُ الْحَجَبِيُّ (4) ".

وَغَيْرُهُمْ. وَأَمَّا سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو، وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ، وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ، وَابْنَاهُ يَزِيدُ وَمُعَاوِيَةُ، وَصَفْوَانُ بْنُ أُمَيَّةَ، وَغَيْرُهُمْ، فَهَؤُلَاءِ مُسْلِمَةُ الْفَتْحِ. وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه أَسْلَمَ قَبْلَ أَبِيهِ، فَيَجْعَلُونَهُ مِنَ الصِّنْفِ الْأَوَّلِ.

وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَلَامٌ، فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " «يَا خَالِدُ لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي، فَلَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ (5) .

مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ» " (6) \ 21.

فَنَهَى خَالِدًا وَنَحْوَهُ، مِمَّنْ أَنْفَقَ مِنْ بَعْدِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ، أَنْ

(1) قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب)

(2)

الْأَوَّلُونَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)

(3)

إِلَى: فِي (ص) ، (ب) فَقَطْ

(4)

فِي " الْإِصَابَةِ " 2/157: " شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ، وَهُوَ الْأَوْقَصُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَبْدِ الدَّارِ الْقُرَشِيُّ الْعَبَدَرِيُّ الْحَجَبِيُّ، أَبُو عُثْمَانَ

(5)

ر، م، هـ، و: مَا بَلَغَ

(6)

مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 2

ص: 397

يَتَعَرَّضُوا (1) .

لِلَّذِينَ صَحِبُوهُ قَبْلَ ذَلِكَ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ مِنْ: سَاقِطَةٌ (2) .

قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلُوا، وَبَيَّنَ أَنَّ الْوَاحِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ لَوْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ.

فَإِذَا كَانَ [هَذَا] نَهْيُهُ (3) .

لِخَالِدِ [بْنِ الْوَلِيدِ](4)) .

وَأَمْثَالِهِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْحُدَيْبِيَةِ، فَكَيْفَ مُسْلِمَةُ (5) .

الْفَتْحِ الَّذِينَ لَمْ يُسْلِمُوا إِلَّا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ؟ مَعَ أَنَّ أُولَئِكَ كَانُوا مُهَاجِرِينَ ; فَإِنَّ خَالِدًا وَعَمْرًا وَنَحْوَهُمَا مِمَّنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَقَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ، وَهَاجَرَ إِلَى الْمَدِينَةِ، هُوَ (6) .

مِنَ الْمُهَاجِرِينَ. وَأَمَّا الَّذِينَ أَسْلَمُوا بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ فَلَا هِجْرَةَ لَهُمْ ; فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ، وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ، وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا» " رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ (7) ..

وَلِهَذَا كَانَ إِذَا أُتِيَ بِالْوَاحِدِ مِنْ هَؤُلَاءِ لِيُبَايِعَهُ بَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَا يُبَايِعُهُ عَلَى الْهِجْرَةِ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ أَكْثَرُ بَنِي هَاشِمٍ، كَعَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ،

(1) أَنْ يَتَعَرَّضُوا: كَذَا فِي (أ)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَنْ يَتَعَرَّضَ

(2)

مِنْ (أ) ، (ب)

(3)

ن، م: وَإِذَا كَانَ نَهْيُهُ ; فَإِذَا كَانَ نَهْيُهُ

(4)

بْنِ الْوَلِيدِ: زِيَادَةٌ فِي (أ) ، (ب

(5)

ن، م، و، هـ: فَكَذَلِكَ مُسْلِمَةُ، أ، ب: فَكَيْفَ لِمُسْلِمَةِ

(6)

ن: وَهُوَ ; ب: فَهُوَ

(7)

الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهم فِي: الْبُخَارِيِّ 4/15 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ فَضْلِ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ) ; مُسْلِمٍ 3/1487 (كِتَابُ الْإِمَارَةِ، بَابُ الْمُبَايَعَةِ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ. .) ; سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 3 - 75 (كِتَابُ السِّيَرِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي الْهِجْرَةِ) وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ: " وَفِي الْبَابِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبَشِيٍّ " ; الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 3/307 - 308، 4/127، 321. وَالْحَدِيثُ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى فِي الْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالدَّارِمِيِّ وَالْمُسْنَدِ

ص: 398

وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَرَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ (1) .

، وَكَذَلِكَ الْعَبَّاسُ ; فَإِنَّهُ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فِي الطَّرِيقِ وَهُوَ ذَاهِبٌ إِلَى مَكَّةَ، لَمْ يَصِلْ إِلَى الْمَدِينَةِ. وَكَذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، [وَهَذَا غَيْرُ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ](2) .

، وَكَانَ شَاعِرًا يَهْجُو النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم، وَأَدْرَكَهُ فِي الطَّرِيقِ، وَكَانَ مِمَّنْ حَسُنَ إِسْلَامُهُ، وَكَانَ هُوَ وَالْعَبَّاسُ مَعَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم يَوْمَ حُنَيْنٍ [لَمَّا انْكَشَفَ النَّاسُ آخِذَيْنِ بِبَغْلَتِهِ](3) .

. فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ مَرَاتِبُ الصَّحَابَةِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ، وَهُمْ مُتَّفِقُونَ عَلَى تَأَخُّرِ مُعَاوِيَةَ وَأَمْثَالِهِ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ عَمَّنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعَلَى تَأَخُّرِ هَؤُلَاءِ عَنِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ، وَعَلَى أَنَّ الْبَدْرِيِّينَ أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِ الْبَدْرِيِّينَ (4) .

، وَعَلَى أَنَّ عَلِيًّا أَفْضَلُ مِنْ جَمَاهِيرِ هَؤُلَاءِ - لَمْ يُقَدَّمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ، فَكَيْفَ يُنْسَبُ إِلَى أَهْلِ السُّنَّةِ تَسْوِيَتُهُ بِمُعَاوِيَةَ، أَوْ تَقْدِيمُ مُعَاوِيَةَ عَلَيْهِ؟ .

نَعَمْ مَعَ مُعَاوِيَةَ طَائِفَةٌ كَثِيرَةٌ (5) .

مِنَ الْمَرْوَانِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ، كَالَّذِينَ قَاتَلُوا مَعَهُ وَأَتْبَاعِهِمْ بَعْدَهُمْ، يَقُولُونَ: إِنَّهُ كَانَ فِي قِتَالِهِ عَلَى الْحَقِّ مُجْتَهِدًا مُصِيبًا، وَأَنَّ عَلِيًّا وَمَنْ مَعَهُ كَانُوا إِمَّا ظَالِمِينَ وَإِمَّا مُجْتَهِدِينَ (6) مُخْطِئِينَ. وَقَدْ صُنِّفَ

(1) ن، م: وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ ; أ: وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ، وَرَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ; ب: وَأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ، وَرَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ

(2)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م)(و)

(3)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و)

(4)

ن، م: مِنْ غَيْرِهِمْ

(5)

ن: كَبِيرَةٌ

(6)

أ، ب: كَانُوا ظَالِمِينَ أَوْ مُجْتَهِدِينَ

ص: 399

لَهُمْ فِي ذَلِكَ مُصَنَّفَاتٌ مِثْلُ كِتَابِ " الْمَرْوَانِيَّةِ " الَّذِي صَنَّفَهُ الْجَاحِظُ (1) .

، وَطَائِفَةٌ وَضَعُوا لِمُعَاوِيَةَ فَضَائِلَ وَرَوَوْا أَحَادِيثَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي ذَلِكَ كُلُّهَا كَذِبٌ، وَلَهُمْ [فِي ذَلِكَ](2) .

حُجَجٌ طَوِيلَةٌ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا.

وَلَكِنَّ هَؤُلَاءِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ مُخْطِئُونَ فِي ذَلِكَ، وَإِنْ كَانَ خَطَأُ الرَّافِضَةِ أَعْظَمُ [مِنْ خَطَئِهِمْ](3) .

. وَلَا يُمْكِنُ الرَّافِضَةَ أَنْ تَرُدَّ (4) .

عَلَى هَؤُلَاءِ بِحُجَّةٍ صَحِيحَةٍ مَعَ اعْتِقَادِهِمْ مَذْهَبَ الْإِمَامِيَّةِ، فَإِنَّ حُجَجَ الْإِمَامِيَّةِ مُتَنَاقِضَةٌ، يَحْتَجُّونَ بِالْحُجَجِ (5) .

الَّتِي يَنْقُضُونَهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ، وَيَحْتَجُّونَ بِالْحُجَّةِ الْعَقْلِيَّةِ أَوِ السَّمْعِيَّةِ مَعَ دَفْعِهِمْ لِمَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهَا، بِخِلَافِ أَهْلِ السُّنَّةِ فَإِنَّ حُجَجَهُمْ صَحِيحَةٌ مُطَّرِدَةٌ، كَالْمُسْلِمِينَ مَعَ [النَّصَارَى وَغَيْرِهِمْ مِنْ](6) .

أَهْلِ الْكِتَابِ، فَيُمْكِنُ لِأَهْلِ (7) .

السُّنَّةِ الِانْتِصَارُ لِعَلِيٍّ مِمَّنْ يَذُمُّهُ [وَيَسُبُّهُ](8) .

أَوْ يَقُولُ: إِنَّ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ كَانُوا أَوْلَى بِالْحَقِّ مِنْهُ، كَمَا يُمْكِنُ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَنْصُرُوا الْمَسِيحَ (9) .

مِمَّنْ كَذَّبَهُ مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ، بِخِلَافِ النَّصَارَى

(1) يَنْقُلُ الْأُسْتَاذُ عَبْدُ السَّلَامِ هَارُونَ فِي مُقَدِّمَةِ كِتَابِ " الْعُثْمَانِيَّةِ " لِلْجَاحِظِ (ص 9) عَنِ الْمَسْعُودِيِّ فِي كِتَابِهِ " مُرُوجِ الذَّهَبِ "(3/253) قَوْلَهُ: " ثُمَّ لَمْ يَرْضَ بِهَذَا الْكِتَابِ الْمُتَرْجَمِ بِكِتَابِ الْعُثْمَانِيَّةِ حَتَّى أَعْقَبَهُ بِتَصْنِيفِ كِتَابٍ آخَرَ فِي إِمَامَةِ الْمَرْوَانِيَّةِ وَأَقْوَالِ شِيعَتِهِمْ ". وَلَمْ يَذْكُرْ بُرُوكِلْمَانَ هَذَا الْكِتَابَ ضِمْنَ كُتُبِ الْجَاحِظِ الْمَخْطُوطَةِ

(2)

فِي ذَلِكَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و)

(3)

مِنْ خَطَئِهِمْ سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و)

(4)

ن، م: أَنْ تَحْتَجَّ

(5)

و: بِالْحُجَّةِ

(6)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ: (ن) ، (م) ، (و)

(7)

لِأَهْلِ: كَذَا فِي (أ)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَهْلِ

(8)

وَيَسُبُّهُ: سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و)

(9)

ب: أَنْ يَنْتَصِرُوا لِلْمَسِيحِ ; م: أَنْ يَنْتَصِرُوا الْمَسِيحَ

ص: 400

فَإِنَّهُمْ (1) .

لَا يُمْكِنُهُمْ نَصْرُ قَوْلِهِمْ فِي الْمَسِيحِ بِالْحُجَجِ الْعِلْمِيَّةِ عَلَى مَنْ كَذَّبَهُ مِنَ الْيَهُودِ وَغَيْرِهِمْ.

وَالْمُنْتَقِصُونَ لِعَلِيٍّ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ طَوَائِفُ: طَائِفَةٌ تُكَفِّرُهُ كَالْخَوَارِجِ، وَهَؤُلَاءِ يُكَفِّرُونَ مَعَهُ عُثْمَانَ وَجُمْهُورَ الْمُسْلِمِينَ، فَيُثْبِتُ أَهْلُ السُّنَّةِ إِيمَانَ عَلِيٍّ وَوُجُوبَ مُوَالَاتِهِ بِمِثْلِ مَا يُثْبِتُونَ بِهِ (2) .

إِيمَانَ عُثْمَانَ وَوُجُوبَ مُوَالَاتِهِ.

وَطَائِفَةٌ يَقُولُونَ: إِنَّهُ وَإِنْ كَانَ (3) . . .

أَفْضَلَ مِنْ مُعَاوِيَةَ،. لَكِنْ كَانَ مُعَاوِيَةُ مُصِيبًا فِي قِتَالِهِ، وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ مُصِيبًا فِي قِتَالِ مُعَاوِيَةَ. وَهَؤُلَاءِ كَثِيرُونَ كَالَّذِينِ قَاتَلُوهُ مَعَ مُعَاوِيَةَ، وَهَؤُلَاءِ يَقُولُونَ - أَوْ جُمْهُورُهُمْ -: إِنَّ عَلِيًّا لَمْ يَكُنْ إِمَامًا مُفْتَرَضَ الطَّاعَةِ (4) .

لِأَنَّهُ لَمْ تَثْبُتْ خِلَافَتُهُ بِنَصٍّ وَلَا إِجْمَاعٍ.

وَهَذَا الْقَوْلُ قَالَهُ طَائِفَةٌ أُخْرَى مِمَّنْ يَرَاهُ أَفْضَلَ مِنْ مُعَاوِيَةَ، وَأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى الْحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ، وَيَقُولُونَ: إِنَّ مُعَاوِيَةَ لَمْ يَكُنْ مُصِيبًا فِي قِتَالِهِ، لَكِنْ يَقُولُونَ مَعَ ذَلِكَ: إِنَّ الزَّمَانَ كَانَ زَمَانَ فِتْنَةٍ وَفُرْقَةٍ، لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ إِمَامُ جَمَاعَةٍ وَلَا خَلِيفَةٌ.

وَهَذَا الْقَوْلُ قَالَهُ كَثِيرٌ (5) .

مِنْ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ الْبَصْرِيِّينَ وَالشَّامِيِّينَ وَالْأَنْدَلُسِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ. وَكَانَ بِالْأَنْدَلُسِ كَثِيرٌ مِنْ بَنِي أُمَيَّةَ يَذْهَبُونَ إِلَى هَذَا الْقَوْلِ، وَيَتَرَحَّمُونَ عَلَى عَلِيٍّ، وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ، لَكِنْ يَقُولُونَ: لَمْ يَكُنْ

(1) أ، ب: فَإِنَّهُ

(2)

بِهِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب)

(3)

أ: يَقُولُونَ وَإِنْ كَانَ ; ب: يَقُولُونَ عَلِيٌّ وَإِنْ كَانَ

(4)

ن: مُفْتَرَضٌ طَاعَتُهُ ; م: مُفْتَرَضَةٌ طَاعَتُهُ

(5)

أ، ب: قَالَ كَثِيرُونَ ; قَالَ جَمَاعَةٌ

ص: 401

خَلِيفَةً، وَإِنَّمَا (1) .

الْخَلِيفَةَ مَنِ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ (2) .

وَلَمْ يَجْتَمِعُوا (3) .

عَلَى عَلِيٍّ، وَكَانَ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يُرَبِّعُ بِمُعَاوِيَةَ فِي خُطْبَةٍ (4) .

الْجُمْعَةِ، فَيَذْكُرُ الثَّلَاثَةَ وَيُرَبِّعُ بِمُعَاوِيَةَ، وَلَا يَذْكُرُ عَلِيًّا، وَيَحْتَجُّونَ بِأَنَّ مُعَاوِيَةَ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ (5) .

[بِالْمُبَايَعَةِ](6) .

لَمَّا بَايَعَهُ الْحَسَنُ، بِخِلَافِ عَلِيٍّ فَإِنَّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ (7) .

، وَيَقُولُونَ لِهَذَا: رَبَّعْنَا بِمُعَاوِيَةَ (8) .

، لَا لِأَنَّهُ أَفْضَلُ مِنْ عَلِيٍّ، بَلْ عَلِيٌّ أَفْضَلُ مِنْهُ، كَمَا أَنَّ كَثِيرًا مِنَ الصَّحَابَةِ أَفْضَلُ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُونُوا خُلَفَاءَ.

وَهَؤُلَاءِ قَدِ احْتَجَّ عَلَيْهِمُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ بِحَدِيثِ سَفِينَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «الْخِلَافَةُ بَعْدِي ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ تَصِيرُ مُلْكًا» " وَقَالَ أَحْمَدُ: مَنْ لَمْ يُرَبِّعْ بِعَلِيٍّ فِي الْخِلَافَةِ (9) .

فَهُوَ أَضَلُّ مِنْ حِمَارِ أَهْلِهِ. وَتَكَلَّمَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ فِي أَحْمَدَ بِسَبَبِ هَذَا الْكَلَامِ، وَقَالَ: قَدْ أَنْكَرَ خِلَافَتَهُ مِنَ الصَّحَابَةِ طَلْحَةُ (10) .

وَالزُّبَيْرِ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ لَا يُقَالُ (11) .

فِيهِ هَذَا

(1) وَإِنَّمَا: كَذَا فِي (و)، (ر) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَإِنَّ

(2)

أ، ب: مَا اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ ; ن، م، و، هـ، ص: مَنْ أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ر)

(3)

وَلَمْ يَجْتَمِعُوا: كَذَا فِي (أ)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَلَمْ يُجْمِعُوا

(4)

ن، م، و: فِي خُطَبِ

(5)

اجْتَمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ: كَذَا فِي (أ)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: أَجْمَعَ عَلَيْهِ النَّاسُ

(6)

بِالْمُبَايَعَةِ: فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ وَسَقَطَتْ مِنْ سَائِرِ النُّسَخِ

(7)

لَمْ يَجْتَمِعُوا عَلَيْهِ: كَذَا فِي (أ)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: لَمْ يُجْمِعُوا عَلَيْهِ

(8)

ن، م، و: رَبَّعْنَا بِهِ

(9)

أ، ب: فِي الْخِلَافَةِ بِعَلِيٍّ

(10)

ن، م، هـ، ر، أ: كَطَلْحَةَ

(11)

أ، و، ر: مَنْ لَا يُقَالُ ; ن، م: وَلَا يُقَالُ

ص: 402

[الْقَوْلُ](1) .

. وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ خِلَافَةِ النُّبُوَّةِ لَا يُذْكَرُ فِيهَا إِلَّا الْخُلَفَاءُ الثَّلَاثَةُ.

مِثْلُ مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَوْمًا: " «أَيُّكُمْ رَأَى رُؤْيَا؟ " فَقُلْتُ: أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَأَيْتُ كَأَنَّ مِيزَانًا دُلِّيَ مِنَ السَّمَاءِ فَوُزِنْتَ بِأَبِي بَكْرٍ (2) .

فَرَجَحْتَ بِأَبِي بَكْرٍ، ثُمَّ وُزِنَ أَبُو بَكْرٍ بِعُمَرَ فَرَجَحَ أَبُو بَكْرٍ بِعُمَرَ، ثُمَّ وُزِنَ عُمَرُ بِعُثْمَانَ فَرَجَحَ عُمَرُ [بِعُثْمَانَ](3) .

ثُمَّ رُفِعَ الْمِيزَانُ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " خِلَافَةُ نُبُوَّةٍ ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ» "(4) . .

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ حَدِيثًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «رَأَى اللَّيْلَةَ رَجُلٌ صَالِحٌ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نِيطَ بِرَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَنِيطَ عُمَرُ بِأَبِي بَكْرٍ، وَنِيطَ عُثْمَانُ بِعُمَرَ ". قَالَ جَابِرٌ: فَلَمَّا قُمْنَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قُلْنَا: أَمَّا الرَّجُلُ الصَّالِحُ فَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، وَأَمَّا نَوْطُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ فَهُمْ وُلَاةُ هَذَا الْأَمْرِ الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ بِهِ نَبِيَّهُ» (5) \ 491.

".

وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ «أَنَّ رَجُلًا قَالَ (6) .

: يَا رَسُولَ

(1) الْقَوْلُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و)

(2)

ب (فَقَطْ) : فُوزْتَ أَنْتَ بِأَبِي بَكْرٍ

(3)

بِعُثْمَانَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م)

(4)

مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 1/490، وَذَكَرْتُ هُنَاكَ أَنَّهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيِّ، وَأَنَّهُ فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 5/44، 50

(5)

مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 1

(6)

ص، هـ: رَجُلًا رَأَى قَالَ ; ر: رَجُلًا رَأَى فَقَالَ

ص: 403

اللَّهِ رَأَيْتُ كَأَنَّ دَلْوًا دُلِّيَ مِنَ السَّمَاءِ، فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا، فَشَرِبَ شُرْبًا ضَعِيفًا، ثُمَّ جَاءَ عُمَرُ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ، ثُمَّ جَاءَ عُثْمَانُ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَشَرِبَ حَتَّى تَضَلَّعَ، ثُمَّ جَاءَ عَلِيٌّ فَأَخَذَ بِعَرَاقِيهَا فَانْتَشَطَتْ (1) .

فَانْتَضَحَ (2) .

عَلَيْهِ مِنْهَا (3)

شَيْءٌ» (4) ..

وَرُوِيَ عَنِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُمْ قَالُوا: الْخُلَفَاءُ ثَلَاثَةٌ: أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ.

وَمَا جَاءَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ النَّبَوِيَّةُ الصَّحِيحَةُ حَقٌّ كُلُّهُ، فَالْخِلَافَةُ (5) .

التَّامَّةُ الَّتِي أَجْمَعَ عَلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ، وَقُوتِلَ بِهَا الْكَافِرُونَ، وَظَهَرَ بِهَا الدِّينُ، كَانَتْ خِلَافَةَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ. وَخِلَافَةُ عَلِيٍّ اخْتَلَفَ فِيهَا أَهْلُ الْقِبْلَةِ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا زِيَادَةُ قُوَّةٍ لِلْمُسْلِمِينَ، [وَلَا قَهْرٌ](6) .

وَنَقْصٌ لِلْكَافِرِينَ، وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَقْدَحُ فِي أَنَّ عَلِيًّا كَانَ خَلِيفَةً رَاشِدًا مَهْدِيًّا، وَلَكِنْ لَمْ يَتَمَكَّنْ كَمَا تَمَكَّنَ غَيْرُهُ، وَلَا أَطَاعَتْهُ الْأُمَّةُ كَمَا أَطَاعَتْ غَيْرَهُ، فَلَمْ يَحْصُلْ فِي زَمَنِهِ مِنَ الْخِلَافَةِ التَّامَّةِ الْعَامَّةِ مَا حَصَلَ فِي زَمَنِ الثَّلَاثَةِ، مَعَ أَنَّهُ مِنَ الْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ الْمَهْدِيِّينَ.

وَأَمَّا الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه كَانَ مُصِيبًا فِي قِتَالِهِ لَهُ (7) .

،

(1) ن، و: فَانْبَسَطَتْ ; م: فَانْبَسَطَ

(2)

أ: فَنَضَحَ ; ب: وَانْتَضَحَ

(3)

مِنْهَا: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: مِنْهُ.

(4)

مَضَى الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 1/514 515

(5)

ن، م، هـ: وَالْخِلَافَةُ

(6)

وَلَا قَهْرٌ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و)

(7)

لَهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (م) ، (ب)

ص: 404

وَلَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ رضي الله عنه (1) ، فِي قِتَالِهِ لِمُعَاوِيَةَ، فَقَوْلُهُمْ أَضْعَفُ مِنْ قَوْلِ هَؤُلَاءِ. وَحُجَّةُ هَؤُلَاءِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه كَانَ طَالِبًا (2) .

بِدَمِ عُثْمَانَ رضي الله عنه، وَكَانَ هُوَ ابْنُ عَمِّهِ وَوَلِيُّهُ، وَبَنُو عُثْمَانَ وَسَائِرُ عَصَبَتِهِ اجْتَمَعُوا إِلَيْهِ وَطَلَبُوا مِنْ عَلِيٍّ أَنْ يُمَكِّنَهُمْ مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ أَوْ يُسَلِّمَهُمْ إِلَيْهِمْ، فَامْتَنَعَ عَلِيٌّ مِنْ ذَلِكَ، فَتَرَكُوا مُبَايَعَتَهُ فَلَمْ (3) .

يُقَاتِلُوهُ، ثُمَّ إِنَّ عَلِيًّا بَدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ فَقَاتَلُوهُ دَفْعًا عَنْ أَنْفُسِهِمْ وَبِلَادِهِمْ. قَالُوا: وَكَانَ عَلِيٌّ بَاغِيًا عَلَيْهِمْ.

وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ لِعَمَّارٍ: " «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» "(4)

فَبَعْضُهُمْ ضَعَّفَهُ، وَبَعْضُهُمْ تَأَوَّلَهُ. فَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ: الطَّالِبَةُ (5) .

لِدَمِ عُثْمَانَ رضي الله عنه، كَمَا قَالُوا: نَبْغِي ابْنَ عَفَّانَ بِأَطْرَافِ الْأَسَلِ. وَبَعْضُهُمْ قَالَ (6) .

: مَا يُرْوَى عَنْ مُعَاوِيَةَ رضي الله عنه أَنَّهُ قَالَ لَمَّا ذُكِرَ (7) .

لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ: أَوَنَحْنُ قَتَلْنَاهُ؟ إِنَّمَا قَتَلَهُ عَلِيٌّ وَأَصْحَابُهُ حَيْثُ أَلْقَوْهُ بَيْنَ أَسْيَافِنَا.

وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رضي الله عنه أَنَّهُ ذُكِرَ لَهُ هَذَا التَّأْوِيلُ، فَقَالَ: فَرَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ يَكُونُونَ حِينَئِذٍ قَدْ قَتَلُوا حَمْزَةَ وَأَصْحَابَهُ يَوْمَ أُحُدٍ؛ لِأَنَّهُ قَاتَلَ مَعَهُمُ الْمُشْرِكِينَ.

(1) مُصِيبًا ن، م، ر، ص، هـ، و: وَلَمْ يَكُنْ هُوَ مُصِيبًا

(2)

أ، ب: طَالِبًا دَمَ

(3)

ب (فَقَطْ) : وَلَمْ

(4)

انْظُرِ الْكَلَامَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بَعْدَ صَفَحَاتٍ، ص 413 420.

(5)

أ: الْمُطَالِبَةُ ; ص: الطِّلْبَةُ

(6)

أ، ب: قَالُوا

(7)

أ، ب: لَمَّا ذَكَرُوا

ص: 405

وَهَذَا الْقَوْلُ لَا أَعْلَمُ لَهُ قَائِلًا مِنْ أَصْحَابِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَنَحْوِهِمْ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ، وَلَكِنْ هُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنَ الْمَرْوَانِيَّةِ (1) .

وَمَنْ وَافَقَهُمْ. وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّ عَلِيًّا (2) .

شَارَكَ فِي دَمِ عُثْمَانَ، فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهُ (3) .

أَمَرَ عَلَانِيَةً، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ إِنَّهُ (4) .

: أَمَرَ سِرًّا، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: بَلْ رَضِيَ بِقَتْلِهِ وَفَرِحَ بِذَلِكَ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ غَيْرَ ذَلِكَ. وَهَذَا كُلُّهُ كَذِبٌ عَلَى عَلِيٍّ رضي الله عنه وَافْتِرَاءٌ عَلَيْهِ (5) .

، فَعَلِيٌّ رضي الله عنه لَمْ يُشَارِكْ (6) .

فِي دَمِ عُثْمَانَ وَلَا أَمَرَ وَلَا رَضِيَ. وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ - وَهُوَ الصَّادِقُ الْبَارُّ (7) .

- أَنَّهُ قَالَ: وَاللَّهِ مَا قَتَلْتُ عُثْمَانَ وَلَا مَالَأْتُ عَلَى قَتْلِهِ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ: مَا قَتَلْتُ وَلَا رَضِيتُ. وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ سَمِعَ أَصْحَابَ مُعَاوِيَةَ يَلْعَنُونَ قَتَلَةَ عُثْمَانَ، فَقَالَ: اللَّهُمَّ الْعَنْ قَتَلَةَ عُثْمَانَ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ، وَالسَّهْلِ وَالْجَبَلِ. وَرُوِيَ أَنَّ أَقْوَامًا (8) .

شَهِدُوا عَلَيْهِ بِالزُّورِ عِنْدَ أَهْلِ الشَّامِ أَنَّهُ شَارَكَ فِي دَمِ عُثْمَانَ (9) .

، وَكَانَ هَذَا مِمَّا دَعَاهُمْ إِلَى تَرْكِ مُبَايَعَتِهِ لِمَا اعْتَقَدُوا أَنَّهُ ظَالِمٌ وَأَنَّهُ (10) .

مِنْ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، وَأَنَّهُ آوَى قَتَلَةَ عُثْمَانَ لِمُوَافَقَتِهِ لَهُمْ عَلَى قَتْلِهِ.

(1) و: قَوْلُ آخَرِينَ مِنَ الْمَرْوَانِيَّةِ

(2)

عِبَارَةُ " إِنَّ عَلِيًّا " سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب)

(3)

إِنَّهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) ، (ص)

(4)

إِنَّهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب) فَقَطْ

(5)

ن، م: كَذِبٌ وَافْتِرَاءٌ عَلَى عَلِيٍّ

(6)

ن، م، و: لَمْ يَشْرَكْ

(7)

ن، م: وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ الْبَارُّ

(8)

أ، ب: أَنَّ نَاسًا

(9)

ن، م، و: فِي قَتْلِ عُثْمَانَ

(10)

وَأَنَّهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب)

ص: 406

وَهَذَا وَأَمْثَالُهُ [مِمَّا](1) .

يُبَيِّنُ شُبْهَةَ الَّذِينَ قَاتَلُوهُ، وَوَجْهَ اجْتِهَادِهِمْ فِي قِتَالِهِ (2) .

، لَكِنْ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا مُصِيبِينَ فِي تَرْكِ مُبَايَعَتِهِ وَقِتَالِهِ ; وَكَوْنُ قَتَلَةِ عُثْمَانَ مِنْ رَعِيَّتِهِ لَا يُوجِبُ أَنَّهُ كَانَ مُوَافِقًا لَهُمْ (3) .

، وَقَدِ اعْتَذَرَ بَعْضُ النَّاسِ عَنْ عَلِيٍّ بِأَنَّهُ (4) .

لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْقَتَلَةَ بِأَعْيَانِهِمْ، أَوْ بِأَنَّهُ كَانَ (5) .

لَا يَرَى قَتْلَ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ، أَوْ بِأَنَّهُ لَمْ يَدَّعِ عِنْدَهُ وَلِيُّ الدَّمِ دَعْوًى تُوجِبُ الْحُكْمَ لَهُ.

وَلَا حَاجَةَ إِلَى هَذِهِ الْأَعْذَارِ (6) .

، بَلْ لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ مَعَ تَفَرُّقِ النَّاسِ عَلَيْهِ مُتَمَكِّنًا مِنْ قَتْلِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ إِلَّا بِفِتْنَةٍ تَزِيدُ الْأَمْرَ شَرًّا وَبَلَاءً، وَدَفْعُ أَفْسَدِ الْفَاسِدَيْنِ بِالْتِزَامِ أَدْنَاهُمَا أَوْلَى مِنَ الْعَكْسِ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا عَسْكَرًا، وَكَانَ لَهُمْ قَبَائِلُ تَغْضَبُ لَهُمْ، وَالْمُبَاشِرُ مِنْهُمْ لِلْقَتْلِ ن، م: الْقَتْلِ.

- وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا - فَكَانَ رِدْؤُهُمْ (7) ".

أَهْلَ الشَّوْكَةِ، وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَتَمَكَّنُوا. وَلَمَّا سَارَ طَلْحَةُ وَالزُّبَيْرُ إِلَى الْبَصْرَةِ لِيَقْتُلُوا قَتَلَةَ عُثْمَانَ، قَامَ بِسَبَبِ ذَلِكَ حَرْبٌ قُتِلَ فِيهَا (8) .

خَلْقٌ.

وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّ مُعَاوِيَةَ قَدْ أَجْمَعَ (9) .

النَّاسُ عَلَيْهِ بَعْدَ مَوْتِ عَلِيٍّ،

(1) مِمَّا زِيَادَةٌ فِي (ص) ، (ب)

(2)

ن: فِي قَتْلِهِ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ. وَعِبَارَةُ " فِي قِتَالِهِ " مِنْ (و)

(3)

ن، م: أَنَّهُ يَكُونُ مُوَافِقًا لَهُمْ ; ص: أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُمْ

(4)

أ، ب: أَنَّهُ

(5)

أ، ب: أَوْ كَانَ ; هـ: أَوْ أَنَّهُ كَانَ

(6)

ن، م، أ: إِلَى هَذَا الِاعْتِذَارِ

(7)

ن، م، أ، و: رَدُّهُمْ ; ب: رَدَّاهُ. وَفِي " الْقَامُوسِ الْمُحِيطِ ": " الرِّدْءُ (بِالْكَسْرِ) : الْعَوْنُ

(8)

أ، ب: فِيهِ

(9)

ب: (فَقَطْ) : اجْتَمَعَ

ص: 407

وَصَارَ أَمِيرًا عَلَى جَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ، وَمَعَ هَذَا فَلَمْ (1) .

يَقْتُلْ قَتَلَةَ عُثْمَانَ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ بَقَوْا (2) .

بَلْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ [لَمَّا](3) .

قَدِمَ الْمَدِينَةَ (4)) .

حَاجًّا فَسَمِعَ الصَّوْتَ فِي دَارِ (5) .

عُثْمَانَ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهُ، يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهُ "(6) .

، فَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: بِنْتُ عُثْمَانَ تَنْدُبُ عُثْمَانَ. فَصَرَفَ (7) .

النَّاسَ، ثُمَّ ذَهَبَ إِلَيْهَا فَقَالَ: يَا ابْنَةَ عَمِّ إِنَّ النَّاسَ قَدْ بَذَلُوا لَنَا الطَّاعَةَ عَلَى كُرْهٍ، وَبَذَلْنَا لَهُمْ حِلْمًا عَلَى غَيْظٍ، فَإِنْ رَدَدْنَا حِلْمَنَا رَدُّوا طَاعَتَهُمْ؛ وَلَأَنْ تَكُونِي بِنْتَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَكُونِي وَاحِدَةً مِنْ عُرْضِ النَّاسِ، فَلَا أَسْمَعَنَّكِ بَعْدَ الْيَوْمِ ذَكَرْتِ عُثْمَانَ.

فَمُعَاوِيَةُ رضي الله عنه، الَّذِي يَقُولُ الْمُنْتَصِرُ لَهُ: إِنَّهُ كَانَ مُصِيبًا فِي قِتَالِ عَلِيٍّ، لِأَنَّهُ كَانَ طَالِبًا لِقَتْلِ (8) .

قَتَلَةَ عُثْمَانَ، لَمَّا (9) .

تَمَكَّنَ وَأَجْمَعَ النَّاسُ عَلَيْهِ لَمْ يَقْتُلْ قَتَلَةَ عُثْمَانَ. فَإِنْ كَانَ قَتْلُهُمْ وَاجِبًا، وَهُوَ مَقْدُورٌ لَهُ، كَانَ فِعْلُهُ بِدُونِ قِتَالِ الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يُقَاتِلَ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، وَلَوْ قَتَلَ مُعَاوِيَةُ قَتَلَةَ عُثْمَانَ لَمْ يَقَعْ مِنَ الْفِتْنَةِ أَكْثَرَ مِمَّا وَقَعَ لَيَالِيَ

(1) أ، ب: لَمْ

(2)

أ، ب: بَغَوْا

(3)

لَمَّا: فِي (أ) ، (ب) . فَقَطْ

(4)

الْمَدِينَةَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ر) ، (ص) ، (هـ

(5)

ن، م: فِي ذِكْرِ

(6)

عِبَارَةُ: " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَاهُ " الثَّانِيَةُ سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب)

(7)

ن، و، أ: فَضَرَبَ

(8)

ر، ص، هـ: لِيَقْتُلَ

(9)

ر، ص، هـ: فَلَمَّا

ص: 408

صِفِّينَ. وَإِنْ كَانَ مُعَاوِيَةُ مَعْذُورًا فِي كَوْنِهِ لَمْ يَقْتُلْ قَتَلَةَ عُثْمَانَ إِمَّا (1) .

لِعَجْزِهِ عَنْ ذَلِكَ، أَوْ لِمَا يُفْضِي إِلَيْهِ ذَلِكَ مِنَ الْفِتْنَةِ وَتَفْرِيقِ (2) .

الْكَلِمَةِ وَضَعْفِ سُلْطَانِهِ، فَعَلِيٌّ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَعْذُورًا [أَكْثَرَ](3) .

مِنْ مُعَاوِيَةَ، إِذْ كَانَتِ الْفِتْنَةُ وَتَفْرِيقُ (4)

الْكَلِمَةِ وَضَعْفُ سُلْطَانِهِ بِقَتْلِ الْقَتَلَةِ لَوْ سَعَى فِي ذَلِكَ أَشَدَّ. وَمَنْ قَالَ: إِنَّ قَتْلَ الْخَلْقِ الْكَثِيرِ الَّذِينَ قُتِلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيٍّ كَانَ صَوَابًا مِنْهُ لِأَجْلِ قَتْلِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، فَقَتْلُ مَا هُوَ دُونَ ذَلِكَ لِأَجْلِ قَتْلِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ أَوْلَى أَنْ يَكُونَ صَوَابًا، وَهُوَ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ لَمَّا تَوَلَّى (5) .

، وَلَمْ يَقْتُلْ قَتَلَةَ عُثْمَانَ.

وَذَلِكَ أَنَّ الْفِتَنَ إِنَّمَا يُعْرَفُ مَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ إِذَا أَدْبَرَتْ. فَأَمَّا إِذَا أَقْبَلَتْ فَإِنَّهَا تُزَيَّنُ، وَيُظَنُّ أَنَّ فِيهَا خَيْرًا، فَإِذَا ذَاقَ النَّاسُ مَا فِيهَا مِنَ الشَّرِّ وَالْمَرَارَةِ وَالْبَلَاءِ، صَارَ ذَلِكَ مُبَيِّنًا لَهُمْ مَضَرَّتَهَا، وَوَاعِظًا لَهُمْ أَنْ يَعُودُوا فِي مِثْلِهَا. كَمَا أَنْشَدَ [بَعْضُهُمْ] (6) .: -

الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةٌ

تَسْعَى بِزِينَتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ

حَتَّى إِذَا اشْتَعَلَتْ وَشَبَّ ضِرَامُهَا

وَلَّتْ (7) . عَجُوزًا غَيْرَ ذَاتِ حَلِيلِ (8) .

(1) إِمَّا: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب)

(2)

ر، ص، هـ، ب: وَتَفَرُّقِ

(3)

أَكْثَرَ: فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ

(4)

ر، ص، هـ: إِذَا كَانَتِ الْفِتْنَةُ وَتَفَرُّقُ. . . ; ن، م، و: إِذَا كَانَتِ الْفِتْنَةُ وَتَفَرُّقُ الْكَلِمَةِ.

(5)

ر، هـ: لَمَّا تَوَلَّى ذَلِكَ

(6)

بَعْضُهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م)، (و) . وَفِي (أ) : كَمَا أَنْشَدُوا

(7)

ب (فَقَطْ) : عَادَتْ

(8)

ن، و: خَلِيلِ

ص: 409

شَمْطَاءَ يُنْكَرُ (1) .

لَوْنُهَا وَتَغَيَّرَتْ (2) .

مَكْرُوهَةً لِلشَّمِّ وَالتَّقْبِيلِ (3) ..

وَالَّذِينَ دَخَلُوا فِي الْفِتْنَةِ مِنَ الطَّائِفَتَيْنِ لَمْ يَعْرِفُوا مَا فِي الْقِتَالِ مِنَ الشَّرِّ، وَلَا عَرَفُوا مَرَارَةَ الْفِتْنَةِ حَتَّى وَقَعَتْ، وَصَارَتْ (4) .

عِبْرَةً لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ.

وَمَنِ اسْتَقْرَأَ أَحْوَالَ الْفِتَنِ الَّتِي تَجْرِي بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ، تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ مَا دَخَلَ فِيهَا أَحَدٌ فَحَمِدَ عَاقِبَةَ دُخُولِهِ، لِمَا يَحْصُلُ لَهُ مِنَ الضَّرَرِ فِي دِينِهِ، وَدُنْيَاهُ (5) .

. وَلِهَذَا كَانَتْ مِنْ بَابِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ، وَالْإِمْسَاكُ عَنْهَا مِنَ الْمَأْمُورِ بِهِ، الَّذِي قَالَ اللَّهُ فِيهِ:{فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .

وَأَمَّا قَوْلُ الْقَائِلِ: " إِنَّ عَلِيًّا بَدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ ".

قِيلَ لَهُ (6) .

: وَهُمْ أَوَّلًا امْتَنَعُوا (7) .

مِنْ طَاعَتِهِ وَمُبَايَعَتِهِ، وَجَعَلُوهُ ظَالِمًا مُشَارِكًا (8) .

فِي دَمِ (9) .

عُثْمَانَ، وَقَبِلُوا عَلَيْهِ شَهَادَةَ الزُّورِ، وَنَسَبُوهُ إِلَى مَا هُوَ بَرِيءٌ مِنْهُ.

وَإِذَا قِيلَ (10) .

: هَذَا وَحْدَهُ لَمْ يُبِحْ لَهُ (11) .

قِتَالَهُمْ.

(1) ب (فَقَطْ) : تُنْكَرُ

(2)

ن: يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَحَدِيثُهَا وَتَغَيَّرَتْ ; م، ر، هـ: يُنْكَرُ لَوْنُهَا وَحَدِيثُهَا

(3)

هَذِهِ الْأَبْيَاتُ لِعَمْرِو بْنِ مَعْدِ يكَرِبَ الزُّبَيْدِيِّ، وَجَاءَتْ فِي دِيوَانِهِ ص 156 157، صَنَعَهُ هَاشِمٌ الطَّعَّانُ، (ط. بَغْدَادَ) 1390/1970 مَعَ اخْتِلَافٍ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْأَبْيَاتِ

(4)

ر، ص، هـ، و: فَصَارَتْ

(5)

ر، ص، هـ، و: أَوْ دُنْيَاهُ

(6)

ن، م، هـ، أ: قِيلَ لَهُمْ ; ب: فَقَدْ قِيلَ لَهُ

(7)

ن، م، و: امْتَنَعُوا أَوَّلًا

(8)

ص: مُشْرَكًا

(9)

ن، م، و، هـ، ص: فِي قَتْلِ

(10)

ن، م: وَإِنْ قَالُوا

(11)

ب (فَقَطْ) : لَا يُبِيحُ لَهُ

ص: 410

قِيلَ: وَلَا كَانَ قِتَالُهُ مُبَاحًا لِكَوْنِهِ عَاجِزًا عَنْ قَتْلِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ، بَلْ لَوْ كَانَ قَادِرًا عَلَى قَتْلِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ وَقُدِّرَ أَنَّهُ تَرَكَ هَذَا الْوَاجِبَ: إِمَّا مُتَأَوِّلًا وَإِمَّا مُذْنِبًا، لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مُوجِبًا لِتَفْرِيقِ الْجَمَاعَةِ، وَالِامْتِنَاعِ عَنْ مُبَايَعَتِهِ، وَلِمُقَاتَلَتِهِ ن: وَمُقَاتَلَتِهِ.

، بَلْ كَانَتْ مُبَايَعَتُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ (1) .

، أَصْلَحَ فِي الدِّينِ، وَأَنْفَعَ لِلْمُسْلِمِينَ، وَأَطْوَعَ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ مِنْ تَرْكِ مُبَايَعَتِهِ.

فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلَاثًا: أَنْ تَعْبُدُوهُ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وَأَنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا، وَأَنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلَّاهُ اللَّهُ أَمْرَكُمْ» "(2) ..

وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِي: عُسْرِهِ وَيُسْرِهِ، وَمَنْشَطِهِ وَمَكْرَهِهِ، وَأَثَرَةٍ عَلَيْهِ، مَا لَمْ يُؤْمَرْ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ» "(3) ..

وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ رضي الله عنه قَالَ: «بَايَعَنَا رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم عَلَى السَّمْعِ وَالطَّاعَةِ: فِي يُسْرِنَا وَعُسْرِنَا، وَمَنْشَطِنَا وَمَكْرَهِنَا، وَأَثَرَةٍ عَلَيْنَا، وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، وَأَنْ نَقُولَ - أَوْ نَقُومَ - بِالْحَقِّ حَيْثُ مَا كُنَّا (4) .

، لَا نَخَافُ فِي اللَّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ» " (5) .

. وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ

(1) ر، ص، هـ، و: تَقْدِيرٍ

(2)

مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا سَبَقَ 3/161 162

(3)

أَدْمَجَ ابْنُ تَيْمِيَةَ هُنَا حَدِيثَيْنِ الْأَوَّلَ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنه وَنَصُّهُ: " عَلَى الْمَرْءِ الْمُسْلِمِ السَّمْعُ وَالطَّاعَةُ فِيمَا أَحَبَّ وَكَرِهَ، إِلَّا أَنْ يُؤْمَرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَإِذَا أُمِرَ بِمَعْصِيَةٍ، فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ ". وَالْحَدِيثُ الثَّانِي هُوَ حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ التَّالِي لِهَذَا الْحَدِيثِ. وَمَضَى الْحَدِيثَانِ مِنْ قَبْلُ 1/119، 1/563 564

(4)

ص، ب: حَيْثُ كُنَّا

(5)

مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا سَبَقَ 1/118، 1/563 564

ص: 411

النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ رَأَى مِنْ أَمِيرٍ شَيْئًا يَكْرَهُهُ فَلْيَصْبِرْ عَلَيْهِ ; فَإِنَّهُ مَنْ فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ [فَقَدْ خَلَعَ رِبْقَةَ الْإِسْلَامِ مِنْ عُنُقِهِ ". وَفِي رِوَايَةٍ: فَارَقَ الْجَمَاعَةَ قَيْدَ شِبْرٍ] (1) .

فَمَاتَ فَمِيتَتُهُ [مِيتَةٌ](2) .

جَاهِلِيَّةٌ» " (3) \ 113..

وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ (4) .

رضي الله عنه قَالَ: سَمِعْتُ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: " «مَنْ خَلَعَ يَدًا مِنْ طَاعَةٍ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا حُجَّةَ لَهُ، وَمَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً» "(5) \ 561..

وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ (6)) .

: " «ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ (7) .

، وَلَا يُزَكِّيهِمْ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ لَا يُبَايِعُ إِمَامًا إِلَّا لِدُنْيَا: إِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا رَضِيَ وَإِنْ مُنِعَ سَخِطَ» . . " الْحَدِيثَ. (8) . .

(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ زِيَادَةٌ فِي (و) فَقَطْ

(2)

مِيتَةٌ: زِيَادَةٌ فِي (ص) ، (ب) فَقَطْ

(3)

مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 1

(4)

أ، ب: عَنِ ابْنِ عُمَرَ

(5)

مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 1/111، 1

(6)

أَنَّهُ قَالَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب

(7)

عِبَارَةُ " يَوْمَ الْقِيَامَةِ " سَاقِطَةٌ مِنْ (أ) ، (ب)

(8)

الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي: الْبُخَارِيِّ 3/178. (كِتَابُ الشَّهَادَاتِ، بَابُ الْيَمِينِ بَعْدَ الْعَصْرِ) وَنَصُّهُ: " ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِطَرِيقٍ يَمْنَعُ مِنْهُ ابْنَ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ يُرِيدُ: وَفَى لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَفِ لَهُ، وَرَجُلٌ سَاوَمَ رَجُلًا بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ بِاللَّهِ لَقَدْ أُعْطِيَ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَأَخَذَهَا ". وَالْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه أَيْضًا فِي: الْبُخَارِيِّ 3/110 111 (كِتَابُ الشُّرْبِ وَالْمُسَاقَاةِ، بَابُ إِثْمِ مَنْ مَنَعَ ابْنَ السَّبِيلِ مِنَ الْمَاءِ) . 9/79 (كِتَابُ الْأَحْكَامِ، بَابُ مَنْ بَايَعَ رَجُلًا لَا يُبَايِعُهُ إِلَّا لِلدُّنْيَا) ; مُسْلِمٍ 1 (كِتَابُ الْإِيمَانِ، بَابُ غِلَظِ تَحْرِيمِ إِسْبَالِ الْإِزَارِ وَالْمَنِّ بِالْعَطِيَّةِ. .) ; سُنَنِ النَّسَائِيِّ 7/217 (كِتَابُ الْبُيُوعِ، بَابُ الْحَلِفِ الْوَاجِبِ لِلْخَدِيعَةِ فِي الْبَيْعِ) ; الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 13/180

ص: 412

وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «اسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَإِنِ اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِيٌّ كَأَنَّ رَأْسَهُ زَبِيبَةٌ» "(1) \ 382..

وَعَلِيٌّ رضي الله عنه كَانَ قَدْ بَايَعَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ (2) .

، وَلَمْ يَكُنْ فِي وَقْتِهِ أَحَقُّ مِنْهُ بِالْخِلَافَةِ، وَهُوَ خَلِيفَةٌ رَاشِدٌ تَجِبُ طَاعَتُهُ. [وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَتْلَ الْقَاتِلِ إِنَّمَا شُرِعَ عِصْمَةً لِلدِّمَاءِ، فَإِذَا أَفْضَى قَتْلُ الطَّائِفَةِ الْقَلِيلَةِ إِلَى قَتْلِ أَضْعَافِهَا، لَمْ يَكُنْ هَذَا طَاعَةً وَلَا مَصْلَحَةً، وَقَدْ قُتِلَ بِصِفِّينَ أَضْعَافُ أَضْعَافِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ](3) ..

وَأَيْضًا فَقَوْلُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ: " «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ عَلَى حِينِ فُرْقَةٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، تَقْتُلُهُمْ أَدْنَى الطَّائِفَتَيْنِ إِلَى الْحَقِّ» "(4) \ 306.

يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ أَدْنَى إِلَى الْحَقِّ مِنْ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابِهِ، [فَلَا يَكُونُ مُعَاوِيَةُ وَأَصْحَابُهُ فِي قِتَالِهِمْ لِعَلِيٍّ أَدْنَى إِلَى الْحَقِّ](5) ..

وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَمَّارِ [بْنِ يَاسِرٍ](6) .

ت: " «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» " قَدْ رَوَاهُ

(1) مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 3

(2)

أ، ب، ر، ص، هـ: أَهْلُ الْكُوفَةِ بِالْمَدِينَةِ ; و: أَهْلُ الشَّوْكَةِ بِالْمَدِينَةِ. وَالْمُثْبَتُ مِنْ (ن) ، (م)

(3)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و)

(4)

سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 1

(5)

مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و)

(6)

بْنِ يَاسِرٍ: زِيَادَةٌ فِي (م)

ص: 413

مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ، لَكِنْ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ لَمْ يَذْكُرْهُ تَامًّا (1) .

. وَأَمَّا تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ: أَنَّ عَلِيًّا وَأَصْحَابَهُ قَتَلُوهُ، وَأَنَّ الْبَاغِيَةَ الطَّالِبَةُ بِدَمِ عُثْمَانَ ; فَهَذَا مِنَ التَّأْوِيلَاتِ الظَّاهِرَةِ الْفَسَادِ، الَّتِي يَظْهَرُ فَسَادُهَا لِلْعَامَّةِ وَالْخَاصَّةِ. وَالْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ، وَقَدْ صَحَّحَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُ مِنَ الْأَئِمَّةِ، وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ ضَعَّفَهُ، فَآخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ تَصْحِيحُهُ (2) ..

قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ فِي مُسْنَدِهِ [فِي الْمَكِّيِّينَ](3) .

فِي مُسْنَدِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ، لَمَّا ذَكَرَ أَخْبَارَ عَمَّارٍ: سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ سُئِلَ عَنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي عَمَّارٍ: " «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» " فَقَالَ أَحْمَدُ: قَتَلَتْهُ (4) .

الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم. وَقَالَ: فِي هَذَا غَيْرُ حَدِيثٍ صَحِيحٍ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَكَرِهَ أَنْ يَتَكَلَّمَ فِي هَذَا بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا. وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ: 1 (5) . " حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ [الْمُخْتَارِ](6) .

، حَدَّثَنَا خَالِدٌ الْحَذَّاءُ عَنْ عِكْرِمَةَ، قَالَ:

(1) مَضَى هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ فِي هَذَا الْجُزْءِ ص 405 وَانْظُرْ كَلَامِي عَلَيْهِ فِي الصَّفَحَاتِ التَّالِيَةِ

(2)

أ، ب،: أَنَّهُ صَحَّحَهُ

(3)

فِي الْمَكِّيِّينَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م)، (هـ) . وَفِي (و) : فِي مُسْنَدِهِ الْكَبِيرِ. وَذَكَرَ سِزْكِينُ أَنَّهُ: " لَمْ يَصِلْ إِلَيْنَا مِنْهُ إِلَّا الْجُزْءُ الْعَاشِرُ بِعُنْوَانِ " مُسْنَدُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ " وَذَلِكَ بِالْمَكْتَبَةِ الْخَاصَّةِ بِسَامِي حَدَّادٍ فِي بَيْرُوتَ (25 وَرَقَةً) وَنُسْخَةٌ مُصَوَّرَةٌ بِالْقَاهِرَةِ، مُلْحَقٌ 3/60 61 تَحْتَ رَقْمِ 19060، وَطُبِعَ فِي بَيْرُوتَ سَنَةَ 1940 م "

(4)

هـ: فَقَالَ قَتَلَتْهُ، ن، م: قَالَ أَحْمَدُ قَتَلَتْهُ

(5)

\ 93 (كِتَابُ الصَّلَاةِ، بَابُ التَّعَاوُنِ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ) وَسَأُقَابِلُ الْكَلَامَ التَّالِيَ عَلَيْهِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ

(6)

الْمُخْتَارِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م)، (و) . وَفِي الْبُخَارِيِّ: مُخْتَارٌ

ص: 414

«قَالَ لِيَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلِابْنِهِ (1) .

: انْطَلِقَا إِلَى أَبِي سَعِيدٍ وَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ، فَانْطَلَقْنَا فَإِذَا هُوَ فِي حَائِطٍ يُصْلِحُهُ، فَأَخَذَ رِدَاءَهُ فَاحْتَبَى، ثُمَّ أَنْشَأَ يُحَدِّثُنَا، حَتَّى أَتَى عَلَى ذِكْرِ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ، فَقَالَ: كُنَّا نَحْمِلُ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَعَمَّارٌ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَرَآهُ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم، فَجَعَلَ يَنْفُضُ التُّرَابَ عَنْهُ، وَيَقُولُ:" وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ " قَالَ: يَقُولُ عَمَّارٌ: أَعُوذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفِتَنِ» .

وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ 4 (2)) .، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (3) ".

، لَكِنْ فِي كَثِيرٍ مِنَ النُّسَخِ لَا يُذْكَرُ الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ، بَلْ فِيهَا:" «وَيْحَ عَمَّارٍ يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» ". وَلَكِنْ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ هِيَ فِي الْحَدِيثِ.

قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ: " قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ خَالِدٍ الْحَذَّاءِ، عَنْ عِكْرِمَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنهما ". وَظَنَّ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ لَمْ يَذْكُرِ الزِّيَادَةَ، وَاعْتَذَرَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَمْ يَسْمَعْهَا

(1) الْبُخَارِيِّ: وَلِابْنِهِ عَلِيٍّ

(2)

\ 21 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابُ مَسْحِ الْغُبَارِ عَنِ الرَّأْسِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي الْأَصْلِ: عَنِ النَّاسِ فِي السَّبِيلِ وَالتَّصْحِيحُ مِنْ فَتْحِ الْبَارِي 6

(3)

فِي الْبُخَارِيِّ: حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُوسَى، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ، حَدَّثَنَا خَالِدٌ، عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لَهُ وَلِعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ: ائْتِيَا أَبَا سَعِيدٍ فَاسْمَعَا مِنْ حَدِيثِهِ فَأَتَيْنَاهُ وَهُوَ وَأَخُوهُ فِي حَائِطٍ لَهُمَا يَسْقِيَانِهِ، فَلَمَّا رَآنَا جَاءَ فَاحْتَبَى وَجَلَسَ، فَقَالَ: كُنَّا نَنْقُلُ لَبِنَ الْمَسْجِدِ لَبِنَةً لَبِنَةً وَكَانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ، فَمَرَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم، مَسَحَ عَنْ رَأْسِهِ الْغُبَارَ، وَقَالَ " وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، عَمَّارٌ يَدْعُوهُمْ إِلَى اللَّهِ، وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ

ص: 415

أَبُو سَعِيدٍ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنْ حَدَّثَهُ بِهَا أَصْحَابُهُ، مِثْلُ أَبِي قَتَادَةَ (1) ..

كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ (2) .

مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ (3) .

، قَالَ: أَخْبَرَنِي مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي: أَبُو قَتَادَةَ (4) .

، أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم قَالَ لِعَمَّارٍ:" «تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» ".

وَفِي حَدِيثِ دَاوُدَ بْنِ أَبِي هِنْدٍ، عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" «تَمْرُقُ مَارِقَةٌ فَتَقْتُلُهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِاللَّهِ» "(5) ..

وَكَانَ عَمَّارٌ يَحْمِلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ. قَالَ: فَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، وَلَكِنْ جِئْتُ إِلَى أَصْحَابِي وَهُمْ يَقُولُونَ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «وَيْحَكَ ابْنَ سُمَيَّةَ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» "(6) .

رَوَاهُ مُسْلِمٌ

(1) انْظُرِ: السُّنَنَ الْكُبْرَى لِلْبَيْهَقِيِّ 8/189، وَلَمْ أَجِدْ نَصَّ كَلَامِ ابْنِ تَيْمِيَةَ

(2)

الْحَدِيثُ فِي: مُسْلِمٍ 4/2235 - 2236 (كِتَابُ الْفِتَنِ، بَابُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ. .)

(3)

فِي مُسْلِمٍ 4/2235: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى وَابْنُ بَشَّارٍ (وَاللَّفْظُ لِابْنِ الْمُثَنَّى) قَالَا: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرٍ، حَدَّثَنَا شُعْبَةُ عَنْ أَبِي مَسْلَمَةَ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا نَضْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ. . . إِلَخْ

(4)

عِبَارَةُ " أَبُو قَتَادَةَ " لَيْسَتْ فِي حَدِيثِ رَقْمِ 70 فِي الْبَابِ وَلَكِنَّهَا وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ التَّالِي لَهُ رَقْمِ 71

(5)

سَبَقَ الْحَدِيثُ 1/306، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ فِي مُسْلِمٍ وَسَنَدُهَا فِيهِ 2/746: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ الْمُثَنَّى، حَدَّثَنَا عَبْدُ الْأَعْلَى، حَدَّثَنَا دَاوُدُ عَنْ أَبِي نَضْرَةَ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ:" تَمْرُقُ مَارِقَةٌ فِي فُرْقَةٍ مِنَ النَّاسِ، فَيَلِي قَتْلَهُمْ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ "

(6)

لَيْسَ هَذَا لَفْظَ مُسْلِمٍ وَلَكِنِ الْحَدِيثُ رَقْمُ 70 فِيهِ لَفْظُهُ " بُؤْسَ ابْنِ سُمَيَّةَ، تَقْتُلُكَ فِئَةٌ بَاغِيَةٌ " وَالْحَدِيثُ رَقْمُ 71 فِيهِ نَحْوُهُ وَلَكِنْ فِيهِ: " وَيْسَ " أَوْ يَقُولُ: " يَا وَيْسَ ابْنِ سُمَيَّةَ ". وَوَجَدْتُ الْحَدِيثَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَهَذَا اللَّفْظِ تَقْرِيبًا فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 2/5

ص: 416

فِي صَحِيحِهِ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَوْنٍ، عَنِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ، عَنْ أُمِّهِ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ، قَالَتْ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " «تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ» "(1) .

. وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ، عَنْ خَالِدٍ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي الْحَسَنِ، وَالْحَسَنِ، عَنْ أُمِّهِمَا (2) .

، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها (3) .

. وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ (4) ..

وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ هَذَا غَلَطٌ. وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَهُ يَوْمَ بِنَاءِ الْمَسْجِدِ. وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَهُ مَرَّتَيْنِ.

وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ (5) .

، وَمِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ (6) -.

، وَمِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ نَفْسِهِ (7) .

. وَأَسَانِيدُ هَذِهِ مُقَارِبَةٌ (8) .

. وَقَدْ رُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ أُخْرَى وَاهِيَةٍ. وَفِي الصَّحِيحِ مَا يُغْنِي عَنْ غَيْرِهِ.

(1) الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَبِهَذَا اللَّفْظِ هُوَ الْحَدِيثُ رَقْمُ 73 فِي: مُسْلِمٍ، وَلَمْ أَعْرِفْ مَكَانَ الْحَدِيثِ فِي النَّسَائِيِّ

(2)

ن، م: عَنْ أُمِّهِ

(3)

الْحَدِيثُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ هُوَ الْحَدِيثُ رَقْمُ 72 فِي مُسْلِمٍ وَلَفْظُهُ " تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ "

(4)

النَّصُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَفْرِ الْخَنْدَقِ فِي الْحَدِيثِ رَقْمِ 70 فِي مُسْلِمٍ الَّذِي أَشَرْتُ إِلَيْهِ مِنْ قَبْلُ

(5)

فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) الْأَرْقَامُ 6499، 6500، 6538، 6926، 6927 وَصَحَّحَ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر رحمه الله هَذِهِ الْأَحَادِيثَ كُلَّهَا وَتَكَلَّمَ عَلَيْهَا

(6)

لَمْ أَعْرِفْ مَكَانَ حَدِيثِ عُثْمَانَ رضي الله عنه

(7)

فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/197، 199

(8)

أ، ب: مُتَقَارِبَةٌ

ص: 417

وَالْحَدِيثُ ثَابِتٌ صَحِيحٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ (1) ، وَالَّذِينَ قَتَلُوهُ هُمُ الَّذِينَ بَاشَرُوا قَتْلَهُ. وَالْحَدِيثُ أَطْلَقَ فِيهِ لَفْظَ " الْبَغْيِ " لَمْ يُقَيِّدْهُ بِمَفْعُولٍ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{لَا يَبْغُونَ عَنْهَا حِوَلًا} سُورَةُ الْكَهْفِ، وَكَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:" «الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعٌ لَا يَبْغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا» "(2) ..

وَلَفْظُ الْبَغْيِ إِذَا أُطْلِقَ فَهُوَ الظُّلْمُ، كَمَا قَالَ تَعَالَى:((3)) سُورَةُ الْحُجُرَاتِ وَقَالَ: ((4)) سُورَةُ الْبَقَرَةِ.

(1) الْحَدِيثُ فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/333 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَنَاقِبِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ) عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه وَلَفْظُهُ: " أَبْشِرْ يَا عَمَّارُ تَقْتُلُكَ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ " قَالَ التِّرْمِذِيُّ: " وَفِي الْبَابِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَأَبِي الْيُسْرِ وَحُذَيْفَةَ. هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ حَدِيثِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ". وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ فِي (سِلْسِلَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ " 2/269 (رَقْمِ 710) وَتَكَلَّمَ عَلَى طُرُقِهِ وَأَلْفَاظِهِ. وَالْحَدِيثُ أَيْضًا فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رضي الله عنه 3/5، 22، 28، 90 91، 5/306، 307 وَعَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ رضي الله عنه فِيهِ 5/214 215 وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ رضي الله عنها 6/289 290، 300، 311، 315. وَذَكَرَ الْأَلْبَانِيُّ مَكَانَهُ فِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ وَحِلْيَةِ أَبِي نُعَيْمٍ وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ وَتَارِيخِ الْخَطِيبِ.

(2)

هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ حِمَارٍ الْمُجَاشِعِيِّ رضي الله عنه فِي: 4/2197 2199 (كِتَابِ الْجَنَّةِ وَصِفَةِ نَعِيمِهَا وَأَهْلِهَا، بَابِ الصِّفَاتِ الَّتِي يُعْرَفُ بِهَا فِي الدُّنْيَا أَهْلُ الْجَنَّةِ وَأَهْلُ النَّارِ) وَنَصُّهُ فِيهِ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ فِي خُطْبَتِهِ: " «أَلَا إِنَّ رَبِّي أَمَرَنِي أَنْ أُعَلِّمَكُمْ مَا جَهِلْتُمْ مِمَّا عَلَّمَنِي يَوْمِي هَذَا. كُلُّ مَالٍ نَحَلْتُهُ عَبْدًا حَلَالٌ وَإِنِّي خَلَقْتُ عِبَادِي حُنَفَاءَ كُلَّهُمْ» . . . الْحَدِيثَ وَفِيهِ. . . وَأَهْلُ النَّارِ خَمْسَةٌ: الضَّعِيفُ الَّذِي لَا زَبْرَ لَهُ، الَّذِينَ هُمْ فِيكُمْ تَبَعًا وَلَا يَبْغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا. . . الْحَدِيثَ. وَذَكَرَ مُسْلِمٌ لَهُ طَرِيقًا آخَرَ جَاءَ فِيهِ: "«وَهُمْ فِيكُمْ تَبَعًا لَا يَبْغُونَ أَهْلًا وَلَا مَالًا» ". وَمَعْنَى لَا زَبْرَ لَهُ: أَيْ لَا عَقْلَ لَهُ يَزْبُرُهُ وَيَمْنَعُهُ مِمَّا لَا يَنْبَغِي

(3)

{فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي}

(4)

{فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ}

ص: 418

وَأَيْضًا فَإِنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ذَكَرَ هَذَا لَمَّا كَانُوا يَنْقُلُونَ اللَّبِنَ لِبِنَاءِ الْمَسْجِدِ، وَكَانُوا يَنْقُلُونَ لَبِنَةً لَبِنَةً، وَكَانَ عَمَّارٌ يَنْقُلُ لَبِنَتَيْنِ لَبِنَتَيْنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:" «وَيْحَ عَمَّارٍ تَقْتُلُهُ الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ، يَدْعُوهُمْ إِلَى الْجَنَّةِ وَيَدْعُونَهُ إِلَى النَّارِ» "(1) .

. وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ ذَمٌّ لِعَمَّارٍ، بَلْ مَدْحٌ لَهُ. وَلَوْ كَانَ الْقَاتِلُونَ لَهُ مُصِيبِينَ فِي قَتْلِهِ لَمْ يَكُنْ مَدْحًا لَهُ، وَلَيْسَ فِي كَوْنِهِمْ يَطْلُبُونَ دَمَ عُثْمَانَ مَا يُوجِبُ مَدْحَهُ.

وَكَذَلِكَ مَنْ تَأَوَّلَ قَاتِلَهُ (2) .

بِأَنَّهُمُ الطَّائِفَةُ الَّتِي قَاتَلَ مَعَهَا، فَتَأْوِيلُهُ ظَاهِرُ الْفَسَادِ، وَيَلْزَمُهُمْ مَا أَلْزَمَهُمْ إِيَّاهُ عَلِيٌّ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم وَأَصْحَابُهُ قَدْ قَتَلُوا كُلَّ مَنْ قُتِلَ مَعَهُمْ فِي الْغَزْوِ، كَحَمْزَةَ وَغَيْرِهِ. وَقَدْ يُقَالُ: فُلَانٌ قَتَلَ فَلَانًا، إِذَا أَمَرَهُ بِأَمْرٍ كَانَ فِيهِ حَتْفُهُ، وَلَكِنَّ هَذَا مَعَ الْقَرِينَةِ، لَا يُقَالُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ، بَلِ الْقَاتِلُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ الَّذِي قَتَلَهُ دُونَ الَّذِي أَمَرَهُ.

ثُمَّ هَذَا يُقَالُ لِمَنْ أَمَرَ غَيْرَهُ، وَعَمَّارٌ لَمْ يَأْمُرْهُ أَحَدٌ بِقِتَالِ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ، بَلْ [هُوَ] كَانَ مِنْ (3) أَحْرَصِ النَّاسِ عَلَى قِتَالِهِمْ، وَأَشَدِّهِمْ رَغْبَةً فِي ذَلِكَ، وَكَانَ حِرْصُهُ عَلَى ذَلِكَ أَعْظَمَ مِنْ حِرْصِ غَيْرِهِ، وَكَانَ هُوَ يَحُضُّ عَلِيًّا وَغَيْرَهُ عَلَى قِتَالِهِمْ.

وَلِهَذَا لَمْ يَذْهَبْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ الَّذِينَ تُذْكَرُ مَقَالَاتُهُمْ إِلَى هَذَا التَّأْوِيلِ، بَلْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ: فَطَائِفَةٌ ضَعَّفَتْهُ لِمَا رُوِيَ عِنْدَهَا بِأَسَانِيدَ لَيْسَتْ ثَابِتَةً عِنْدَهُمْ، وَلَكِنْ رَوَاهُ أَهْلُ

(1) سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي هَذَا الْجُزْءِ، ص 415

(2)

ن، م: تَأَوَّلَ قَوْلِي

(3)

ن، م: وَعَمَّارٌ لَمْ يَأْمُرْ غَيْرَهُ بِقِتَالِ أَصْحَابِ مُعَاوِيَةَ بَلْ كَانَ هُوَ مِنْ. . .

ص: 419

الصَّحِيحِ: رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ: وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ أُمِّهِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ [رضي الله عنها، وَمِنْ حَدِيثِ] أَبِي سَعِيدٍ (1) . .

عَنْ أَبِي قَتَادَةَ وَغَيْرِهِ.

وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُعَاوِيَةَ وَأَصْحَابَهُ بُغَاةٌ، وَأَنَّ قِتَالَ عَلِيٍّ لَهُمْ قِتَالُ أَهْلِ الْعَدْلِ لِأَهْلِ الْبَغْيِ، لَكِنَّهُمْ بُغَاةٌ مُتَأَوِّلُونَ لَا يُكَفَّرُونَ وَلَا يُفَسَّقُونَ.

وَلَكِنْ يُقَالُ: لَيْسَ فِي مُجَرَّدِ كَوْنِهِمْ بُغَاةً مَا يُوجِبُ الْأَمْرَ بِقِتَالِهِمْ ; فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِ كُلِّ بَاغٍ، بَلْ وَلَا أَمَرَ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ ابْتِدَاءً، وَلَكِنْ قَالَ:{وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ - إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} سُورَةُ الْحُجُرَاتِ، فَلَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالِ الْبُغَاةِ ابْتِدَاءً، بَلْ أَمَرَ إِذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يُصْلَحَ بَيْنَهُمَا. وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَا إِذَا كَانَتَا بَاغِيَتَيْنِ أَوْ إِحْدَاهُمَا بَاغِيَةً.

ثُمَّ قَالَ: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} وَقَوْلُهُ: {فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي} قَدْ يُقَالُ: الْمُرَادُ بِهِ الْبَغْيُ بَعْدَ الْإِصْلَاحِ، وَلَكِنَّ هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ ; فَإِنَّ قَوْلَهُ:{بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى} يَتَنَاوَلُ الطَّائِفَتَيْنِ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ، سَوَاءٌ أُصْلِحَ بَيْنَهُمَا أَوْ لَمْ يُصْلَحْ. كَمَا أَنَّ الْأَمْرَ

(1) ن، م، و: عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ; هـ: عَنْ أُمِّ مَسْلَمَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ

ص: 420

بِالْإِصْلَاحِ يَتَنَاوَلُ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ (1) .

مُطْلَقًا ; فَلَيْسَ فِي الْقُرْآنِ أَمْرٌ بِقِتَالِ الْبَاغِي (2) .

ابْتِدَاءً، لَكِنْ أَمَرَ إِذَا اقْتَتَلَتْ طَائِفَتَانِ أَنْ يُصْلَحَ بَيْنَهُمَا، وَأَنَّهُ إِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى بَعْدَ الْقِتَالِ أَنْ تُقَاتَلَ حَتَّى تَفِيءَ. وَهَذَا يَكُونُ إِذَا لَمْ تُجِبْ إِلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا، وَإِلَّا فَإِذَا (3) .

أَجَابَتْ إِلَى الْإِصْلَاحِ بَيْنَهُمَا لَمْ تُقَاتَلْ، فَلَوْ قُوتِلَتْ ثُمَّ فَاءَتْ إِلَى الْإِصْلَاحِ لَمْ تُقَاتَلْ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى:{فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} فَأَمَرَ بَعْدَ الْقِتَالِ إِلَى أَنْ تَفِيءَ أَنْ يُصْلَحَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَنْ يُقْسَطَ.

وَقِتَالُ الْفِتْنَةِ لَا يَقَعُ فِيهِ هَذَا، وَذَلِكَ قَدْ يَكُونُ لِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَأْمُرْ بِالْقِتَالِ ابْتِدَاءً، وَلَكِنْ أَمَرَ * إِذَا اقْتَتَلُوا وَبَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى بِقِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ. وَقَدْ تَكُونُ الْآيَةُ أَمْرًا * (4) . بِالْإِصْلَاحِ (5) .

وَقِتَالُ الْبَاغِيَةِ جَمِيعًا لَمْ يَأْمُرْ بِأَحَدِهِمَا، وَقَدْ تَكُونُ الطَّائِفَةُ بَاغِيَةً ابْتِدَاءً، لَكِنْ لَمَّا بَغَتْ أَمَرَ بِقِتَالِهَا، وَحِينَئِذٍ لَمْ يَكُنِ الْمُقَاتِلُ لَهَا قَادِرًا لِعَدَمِ الْأَعْوَانِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ، وَقَدْ يَكُونُ عَاجِزًا ابْتِدَاءً عَنْ قِتَالِ الْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ، أَوْ عَاجِزًا عَنْ قِتَالٍ تَفِيءُ فِيهِ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى الْقِتَالِ كَانَ قَادِرًا عَلَى قِتَالٍ يَفِئُ فِيهِ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، وَإِذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ قِتَالِهَا حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِقِتَالِهَا: لَا أَمْرَ إِيجَابٍ وَلَا أَمْرَ اسْتِحْبَابٍ، وَلَكِنْ قَدْ يَظُنُّ أَنَّهُ قَادِرٌ

(1) أ، هـ: الْمُقْتَتِلِينَ

(2)

ن، م، و، ر: أَمْرٌ يَتَنَاوَلُ الْبَاغِيَ

(3)

أ، ب: وَأَمَّا إِذَا ; ص: وَأَمَّا مَا إِذَا

(4)

(*. *) مَا بَيْنَ النَّجْمَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (م)

(5)

ن، م: وَقَدْ تَكُونُ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ

ص: 421

عَلَى ذَلِكَ، فَتَبَيَّنَ (1) .

لَهُ فِي آخِرِ الْأَمْرِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا. فَهَذَا مِنَ الِاجْتِهَادِ الَّذِي يُثَابُ صَاحِبُهُ عَلَى حُسْنِ الْقَصْدِ وَفِعْلِ مَا أُمِرَ، وَإِنْ أَخْطَأَ فَيَكُونُ لَهُ فِيهِ أَجْرٌ، لَيْسَ مِنَ الِاجْتِهَادِ الَّذِي يَكُونُ لَهُ فِيهِ أَجْرَانِ ; فَإِنَّ هَذَا إِنَّمَا يَكُونُ إِذَا وَافَقَ حُكْمَ اللَّهِ فِي الْبَاطِنِ.

كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " «إِذَا اجْتَهَدَ الْحَاكِمُ فَأَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ، وَإِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ» "(2) .

. وَمِنَ الِاجْتِهَادِ أَنْ يَكُونَ وَلِيُّ الْأَمْرِ - أَوْ نَائِبُهُ - مُخَيَّرًا بَيْنَ أَمْرَيْنِ فَأَكْثَرَ (3) .، تَخْيِيرُ تَحَرٍّ لِلْإِصْلَاحِ، لَا تَخْيِيرُ شَهْوَةٍ، كَمَا يُخَيَّرُ الْإِمَامُ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالِاسْتِرْقَاقِ (4) .

وَالْمَنِّ وَالْفِدَاءِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.

فَإِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً} لَيْسَ بِمَنْسُوخٍ. وَكَذَلِكَ تَخْيِيرُ مَنْ نَزَلَ الْعَدُوُّ عَلَى حُكْمِهِ، كَمَا نَزَلَ بَنُو قُرَيْظَةَ عَلَى حُكْمِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم، فَسَأَلَهُ حُلَفَاؤُهُمْ مِنَ الْأَوْسِ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ كَمَا مَنَّ عَلَى بَنِي النَّضِيرِ حُلَفَاءِ الْخَزْرَجِ، فَقَالَ النَّبِيُّ -

(1) هـ، ر، ص، ب: فَيُبَيَّنُ

(2)

الْحَدِيثُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رضي الله عنه فِي: الْبُخَارِيِّ 9/108 (كِتَابُ الِاعْتِصَامِ، بَابُ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ فَأَصَابَ أَوْ أَخْطَأَ) ; مُسْلِمٍ 5/131 132 (كِتَابُ الْأَقْضِيَةِ، بَابُ بَيَانِ أَجْرِ الْحَاكِمِ إِذَا اجْتَهَدَ. .) وَلَفْظُ الْحَدِيثِ فِيهِمَا: " إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ ". وَجَاءَ الْحَدِيثُ بِلَفْظٍ آخَرَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنهما فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 11/39 40 (رَقْمُ 6755) وَفِي مُسْنَدِ عَمْرٍو (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/198 - 205. وَقَالَ الشَّيْخُ أَحْمَد شَاكِر فِي تَعْلِيقِهِ 11/41: " وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ (ص. 510) وَالْحَاكِمُ (4: 88 "

(3)

ن، م: فَالْأَكْثَرُ

(4)

أ، ب: بَيْنَ الِاسْتِرْقَاقِ وَالْقَتْلِ

ص: 422

صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ -: " «أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ أُحَكِّمَ فِيهِمْ (1) .

سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ سَيِّدَ الْأَوْسِ؟ " فَرَضِيَتِ الْأَوْسُ بِذَلِكَ، فَأَرْسَلَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم خَلْفَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ، فَجَاءَ وَهُوَ رَاكِبٌ، وَكَانَ مُتَمَرِّضًا مِنْ أَثَرِ جُرْحٍ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ، وَبَنُو قُرَيْظَةَ شَرْقِيَّ الْمَدِينَةِ بَيْنَهُمْ نِصْفُ نَهَارٍ (2) .

أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ، فَلَمَّا أَقْبَلَ سَعْدٌ رضي الله عنه قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:" قُومُوا إِلَى سَيِّدِكُمْ "[فَقَامُوا](3) .

وَأَقَارِبُهُ فِي الطَّرِيقِ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَمُنَّ عَلَيْهِمْ، وَيُذَكِّرُونَهُ بِمُعَاوَنَتِهِمْ (4) .

وَنَصْرِهِمْ لَهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا دَنَا قَالَ: لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَنْ لَا تَأْخُذَهُ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ، فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ، فَحَكَمَ بِأَنْ (5) .

تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيُّهُمْ وَتُغْنَمَ أَمْوَالُهُمْ. فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: " لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ» ". وَالْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ (6) ..

وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بُرَيْدَةَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ: " «إِذَا حَاصَرْتَ أَهْلَ حِصْنٍ فَسَأَلُوكَ أَنْ تُنْزِلَهُمْ (7) .

عَلَى حُكْمِ اللَّهِ فَلَا تُنْزِلْهُمْ (8) .

عَلَى حُكْمِ اللَّهِ ; فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي مَا حُكْمُ اللَّهِ فِيهِمْ،

(1) ص: أَنْ أُحَكِّمَ فِيكُمْ ; أ: يَحْكُمَ فِيكُمْ

(2)

أ، ب: نِصْفُ يَوْمٍ

(3)

فَقَامُوا: فِي (أ) ، (ب) فَقَطْ

(4)

ص، هـ، ر، م، ب: مُعَاوَنَتَهُمْ

(5)

ر، هـ: فَحَكَمَ فِيهِمْ بِأَنْ. وَسَقَطَتْ فَحَكَمَ مِنْ (ص)

(6)

سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي هَذَا الْجُزْءِ

(7)

ص، ب: تَنْزِلَ لَهُمْ

(8)

ص، ب: فَلَا تَنْزِلْ لَهُمْ

ص: 423

وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ (1) .

عَلَى حُكْمِكَ وَحُكْمِ أَصْحَابِكَ» " (2) .

فَدَلَّ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ [الصَّحِيحَانِ] عَلَى أَنَّ لِلَّهِ حُكْمًا مُعَيَّنًا فِيمَا يَكُونُ وَلِيُّ الْأَمْرِ مُخَيَّرًا فِيهِ تَخْيِيرَ مَصْلَحَةٍ، وَإِنْ كَانَ لَوْ حَكَمَ بِغَيْرِ ذَلِكَ نَفَذَ حُكْمُهُ [فِي الظَّاهِرِ](3) .

، فَمَا كَانَ مِنْ بَابِ الْقِتَالِ فَهُوَ (4) .

أَوْلَى أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْأَمْرَيْنِ أَحَبَّ إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ: إِمَّا فِعْلُهُ وَإِمَّا تَرْكُهُ، وَيَتَبَيَّنُ (5) .

ذَلِكَ بِالْمَصْلَحَةِ [وَالْمَفْسَدَةِ](6) .

; فَمَا كَانَ وُجُودُهُ خَيْرًا مِنْ عَدَمِهِ لِمَا حَصَلَ فِيهِ مِنَ الْمَصْلَحَةِ الرَّاجِحَةِ فِي الدِّينِ، فَهَذَا مِمَّا يَأْمُرُ اللَّهُ بِهِ أَمْرَ إِيجَابٍ أَوِ اسْتِحْبَابٍ، وَمَا كَانَ عَدَمُهُ خَيْرًا مِنْ وُجُودِهِ، فَلَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَا مُسْتَحَبٍّ، وَإِنْ كَانَ فَاعِلُهُ مُجْتَهِدًا مَأْجُورًا عَلَى اجْتِهَادِهِ.

وَالْقِتَالُ إِنَّمَا يَكُونُ لِطَائِفَةٍ مُمْتَنِعَةٍ، فَلَوْ بَغَتْ ثُمَّ أَجَابَتْ إِلَى الصُّلْحِ

(1) ص، ب: انْزِلْ لَهُمْ

(2)

هَذَا جُزْءٌ مِنْ حَدِيثٍ طَوِيلٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رضي الله عنه وَأَوَّلُهُ فِي: مُسْلِمٍ 3/1356 1358 (كِتَابُ الْجِهَادِ وَالسِّيَرِ، بَابُ تَأْمِيرِ الْإِمَامِ وَالْأُمَرَاءِ. . .) : " كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم إِذَا أَمَّرَ أَمِيرًا عَلَى جَيْشٍ أَوْ سَرِيَّةٍ أَوْصَاهُ. . . ثُمَّ قَالَ: اغْزُوا بِسْمِ اللَّهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ. . . وَإِذَا حَاصَرْتَ حِصْنًا، فَأَرَادُوكَ عَلَى أَنْ تُنْزِلَهُمْ عَلَى حُكْمِ اللَّهِ. . . وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ عَلَى حُكْمِكَ، فَإِنَّكَ لَا تَدْرِي أَتُصِيبُ حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ أَمْ لَا ". وَالْحَدِيثُ مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/51 52 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابٌ فِي وَصِيَّةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الْقِتَالِ) ; سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 2/953 - 954 (كِتَابُ الْجِهَادِ، بَابُ وَصِيَّةِ الْإِمَامِ) ; الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 5/358.

(3)

فِي الظَّاهِرِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م)

(4)

أ، ب، ر، ص، هـ، و: هُوَ

(5)

ر، ص، هـ: وَيُبَيَّنُ

(6)

وَالْمَفْسَدَةِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و)

ص: 424

بِالْعَدْلِ لَمْ تَكُنْ مُمْتَنِعَةً، فَلَمْ يَجُزْ قِتَالُهَا. وَلَوْ كَانَتْ بَاغِيَةً، وَقَدْ أُمِرَ بِقِتَالِ الْبَاغِيَةِ إِلَى أَنْ تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، أَيْ تَرْجِعَ، ثُمَّ قَالَ:( «فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ» ) فَأَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ بَعْدَ قِتَالِ الْفِئَةِ [الْبَاغِيَةِ](1) .

، كَمَا أَمَرَ بِالْإِصْلَاحِ إِذَا اقْتَتَلَتَا ابْتِدَاءً، وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ رضي الله عنها لَمَّا وَقَعَتِ الْفِتْنَةُ:" تَرَكَ النَّاسُ الْعَمَلَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ". وَهُوَ كَمَا قَالَتْ ; فَإِنَّهُمَا لَمَّا اقْتَتَلَتَا لَمْ يُصْلَحْ بَيْنَهُمَا، وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ قُوتِلَتِ الْبَاغِيَةُ، فَلَمْ تُقَاتَلْ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، ثُمَّ أُصْلِحَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ - وَاللَّهُ تَعَالَى أَمَرَ بِالْقِتَالِ إِلَى الْفَيْءِ، ثُمَّ الْإِصْلَاحِ، لَمْ يَأْمُرْ بِقِتَالٍ مُجَرَّدٍ، بَلْ قَالَ:{فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ} - وَمَا حَصَلَ قِتَالٌ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَقْدُورًا فَمَا وَقَعَ، وَإِنْ كَانَ مَعْجُوزًا عَنْهُ لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ (2) ..

وَعَجْزُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ عَنِ الْقِتَالِ الَّذِي يَقْتَضِي انْتِصَارَهُمْ كَانَ بِتَرْكِ طَاعَةِ الرَّسُولِ وَذُنُوبِهِمْ، وَكَذَلِكَ التَّوَلِّي يَوْمَ حُنَيْنٍ كَانَ مِنَ الذُّنُوبِ. يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنَّ طَائِفَةً بَغَتْ عَلَى طَائِفَةٍ، وَأَمْكَنَ دَفْعُ الْبَغْيِ بِلَا قِتَالٍ، لَمْ يَجُزِ الْقِتَالُ، فَلَوِ انْدَفَعَ الْبَغْيُ (3) .

بِوَعْظٍ أَوْ فُتْيَا (4) .

أَوْ أَمْرٍ بِمَعْرُوفٍ لَمْ يَجُزِ

(1) الْبَاغِيَةِ: فِي (و) . وَفِي (أ) : الْفِتْنَةِ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: الْفِئَةِ. وَلَعَلَّ الصَّوَابَ مَا أَثْبَتُّهُ

(2)

قَوْلُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ: وَلَوْ قُدِّرَ أَنَّهُ قُوتِلَتْ. . . لَمْ يَكُنْ مَأْمُورًا بِهِ. الْكَلَامُ هُنَا غَيْرُ وَاضِحٍ، وَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ هُنَاكَ تَحْرِيفٌ أَوْ سَقْطٌ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ يَجِبُ أَنْ تُقَاتَلَ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ فَاءَتْ فَيَجِبُ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ الْفِئَتَيْنِ بِالْعَدْلِ، وَلَكِنْ مَا حَدَثَ فِي الْفِتْنَةِ لَمْ يُطَابِقْ أَمْرَ اللَّهِ إِذْ إِنَّ عَلِيًّا رضي الله عنه لَمْ يُقَاتِلِ الْفِئَةَ الْبَاغِيَةَ حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ ثُمَّ أَصْلَحَ بَيْنَ فِئَتِهِ وَالْفِئَةِ الْبَاغِيَةِ بِالْعَدْلِ، وَلَوْ كَانَ مَا أَرْشَدَتْ إِلَيْهِ الْآيَةُ الْكَرِيمَةُ غَيْرَ مُمْكِنٍ مَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ

(3)

ص: فَلَوِ انْدَفَعَ الْقِتَالُ

(4)

أَوْ فُتْيَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (و)

ص: 425

الْقِتَالُ، وَلَوِ انْدَفَعَ الْبَغْيُ بِقَتْلِ وَاحِدٍ مَقْدُورٍ عَلَيْهِ، أَوْ إِقَامَةِ حَدٍّ أَوْ تَعْزِيزٍ، مِثْلُ قَطْعِ سَارِقٍ وَقَتْلِ مُحَارِبٍ وَحَدِّ قَاذِفٍ لَمْ يَجُزِ الْقِتَالُ. وَكَثِيرًا مَا تَثُورُ الْفِتْنَةُ إِذَا ظَلَمَ بَعْضُ طَائِفَةٍ (1) .

لِطَائِفَةٍ أُخْرَى، فَإِذَا أَمْكَنَ اسْتِيفَاءُ حَقِّ الْمَظْلُومِ بِلَا قِتَالٍ لَمْ يَجُزِ الْقِتَالُ.

وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّ كُلَّ مَنِ امْتَنَعَ مِنْ مُبَايَعَةِ إِمَامٍ عَادِلٍ (2) .

يَجِبُ قِتَالُهُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، وَإِنْ سُمِّيَ بَاغِيًا لِتَرْكِ طَاعَةِ الْإِمَامِ، فَلَيْسَ كُلُّ مَنْ تَرَكَ طَاعَةَ [الْإِمَامِ](3) .

يُقَاتَلُ.

وَالصِّدِّيقُ قَاتَلَ مَانِعِي الزَّكَاةِ لِكَوْنِهِمُ امْتَنَعُوا عَنْ أَدَائِهَا بِالْكُلِّيَّةِ، فَقُوتِلُوا بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ، وَإِلَّا فَلَوْ أَقَرُّوا بِأَدَائِهَا، وَقَالُوا: لَا نُؤَدِّيهَا إِلَيْكَ، لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُمْ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ.

وَأُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ. وَلِهَذَا كَانَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ - حَدِيثِ عَمَّارٍ - إِنَّ قَاتِلَ عَمَّارٍ طَائِفَةٌ بَاغِيَةٌ، لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا عَلِيًّا، وَلَا يَمْتَنِعُوا عَنْ مُبَايَعَتِهِ وَطَاعَتِهِ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَلِيٌّ مَأْمُورًا بِقِتَالِهِمْ، وَلَا كَانَ فَرْضًا عَلَيْهِ قِتَالُهُمْ لِمُجَرَّدِ امْتِنَاعِهِمْ عَنْ طَاعَتِهِ، مَعَ كَوْنِهِمْ مُلْتَزِمِينَ شَرَائِعَ (4) .

الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ كُلٌّ مِنَ الْمُقْتَتِلَتَيْنِ مُتَأَوِّلِينَ مُسْلِمِينَ مُؤْمِنِينَ، [وَكُلُّهُمْ](5) .

يُسْتَغْفَرُ لَهُمْ وَيُتَرَحَّمُ عَلَيْهِمْ، عَمَلًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى:{وَالَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَلَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا رَبَّنَا إِنَّكَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ} سُورَةُ الْحَشْرِ

(1) أ: بَعْضُ الطَّائِفَةِ

(2)

ص: إِمَامٍ عَدْلٍ

(3)

الْإِمَامِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) . وَفِي (ر)، (هـ) : إِمَامٍ

(4)

ن، م: لِشَرَائِعَ

(5)

وَكُلُّهُمْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م)

ص: 426