الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
[زعم الرافضي أن الإمامية ينزهون الله وملائكته وأنبياءه وأئمته]
(فَصْلٌ)(1) .
قَالَ الرَّافِضِيُّ (2) : " فَلْيَنْظُرِ الْعَاقِلُ أَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ: الَّذِي نَزَّهَ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَنْبِيَاءَهُ وَأَئِمَّتَهُ ; وَنَزَّهَ (3) الشَّرْعَ عَنِ الْمَسَائِلِ الرَّدِيَّةِ (4) ، وَمَنْ يُبْطِلُ (5) الصَّلَاةَ بِإِهْمَالِ الصَّلَاةِ عَلَى أَئِمَّتِهِمْ، وَيَذْكُرُ أَئِمَّةَ غَيْرِهِمْ (6) ، أَمِ الَّذِي فَعَلَ ضِدَّ ذَلِكَ وَاعْتَقَدَ خِلَافَهُ؟ ".
وَالْجَوَابُ أَنْ يُقَالَ: مَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنَ التَّنْزِيهِ إِنَّمَا هُوَ تَعْطِيلٌ وَتَنْقِيصٌ لِلَّهِ وَلِأَنْبِيَائِهِ. [بَيَانُ] ذَلِكَ أَنَّ (7) قَوْلَ الْجَهْمِيَّةِ نُفَاةِ الصِّفَاتِ يَتَضَمَّنُ وَصْفَ اللَّهِ تَعَالَى بِسَلْبِ صِفَاتِ الْكَمَالِ الَّتِي يُشَابِهُ فِيهَا الْجَمَادَاتِ وَالْمَعْدُومَاتِ، فَإِذَا قَالُوا: إِنَّهُ لَا تَقُومُ بِهِ حَيَاةٌ وَلَا عِلْمٌ وَلَا قُدْرَةٌ، وَلَا كَلَامٌ وَلَا مَشِيئَةٌ، وَلَا حُبٌّ وَلَا بُغْضٌ، وَلَا رِضًا وَلَا سَخَطٌ، وَلَا يَرَى وَلَا يَفْعَلُ بِنَفْسِهِ فِعْلًا، وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَتَصَرَّفَ بِنَفْسِهِ، كَانُوا قَدْ شَبَّهُوهُ بِالْجَمَادَاتِ الْمَنْقُوصَاتِ، وَسَلَبُوهُ صِفَاتِ الْكَمَالِ، فَكَانَ هَذَا تَنْقِيصًا وَتَعْطِيلًا لَا تَنْزِيهًا، وَإِنَّمَا التَّنْزِيهُ أَنْ يُنَزَّهَ
(1) عِنْدَ كَلِمَةِ " فَصْلٌ " تَبْدَأُ نُسْخَةُ (ر) الْجُزْءُ الرَّابِعُ وَفِيهَا وَفِي (ص) ، الْفَصْلُ الْأَوَّلُ كَمَا تَبْدَأُ هُنَا نُسْخَةُ (ح) ، (ي) كَمَا أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي الْمُقَدِّمَةِ.
(2)
فِي (ك) ص 119 (م) .
(3)
وَنَزَّهَ: كَذَا فِي (ب) ، (ك)، (ح) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَنَزَّهُوا.
(4)
ب (فَقَطْ) : الرَّدِيئَةِ.
(5)
ك: وَيُبْطِلُ.
(6)
ك: أَئِمَّتَهُمْ - عَلَيْهِمُ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ - وَاذْكُرْ غَيْرَهُمْ.
(7)
بَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ: كَذَا فِي (أ) ، (ب)، وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: وَذَلِكَ أَنَّ.
عَنِ النَّقَائِصِ الْمُنَافِيَةِ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ، فَيُنَزَّهَ عَنِ الْمَوْتِ وَالسِّنَةِ وَالنَّوْمِ، وَالْعَجْزِ وَالْجَهْلِ وَالْحَاجَةِ، كَمَا نَزَّهَ نَفْسَهُ فِي كِتَابِهِ، فَيُجْمَعُ لَهُ بَيْنَ إِثْبَاتِ صِفَاتِ الْكَمَالِ، وَنَفْيِ النَّقَائِصِ الْمُنَافِيَةِ لِلْكَمَالِ، وَيُنَزَّهَ عَنْ مُمَاثَلَةِ شَيْءٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ صِفَاتِهِ، وَيُنَزَّهَ عَنِ النَّقَائِصِ مُطْلَقًا، وَيُنَزَّهَ فِي صِفَاتِ الْكَمَالِ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِيهَا مِثْلٌ مِنَ الْأَمْثَالِ.
وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ فَإِنَّكُمْ سَلَبْتُمُوهُمْ مَا أَعْطَاهُمُ اللَّهُ مِنَ الْكَمَالِ وَعُلُوِّ الدَّرَجَاتِ، بِحَقِيقَةِ التَّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ، وَالِانْتِقَالِ مِنْ كَمَالٍ إِلَى مَا هُوَ أَكْمَلُ مِنْهُ (1) ، وَكَذَّبْتُمْ مَا أَخْبَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ ذَلِكَ، وَحَرَّفْتُمُ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ، وَظَنَنْتُمْ أَنَّ انْتِقَالَ الْآدَمِيِّ مِنَ الْجَهْلِ إِلَى الْعِلْمِ، وَمِنَ الضَّلَالِ إِلَى الْهُدَى، وَمِنَ الْغَيِّ إِلَى الرَّشَادِ، تَنَقُّصًا (2) ، وَلَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ نِعَمِ اللَّهِ وَأَعْظَمِ قُدْرَتِهِ، حَيْثُ يَنْقُلُ الْعِبَادَ مِنَ النَّقْصِ إِلَى الْكَمَالِ، وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ الَّذِي يَذُوقُ الشَّرَّ وَالْخَيْرَ وَيَعْرِفُهُمَا، يَكُونُ (3) حُبُّهُ لِلْخَيْرِ وَبُغْضُهُ لِلشَّرِّ أَعْظَمَ مِمَّنْ لَا يَعْرِفُ إِلَّا الْخَيْرَ. كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رضي الله عنه:" إِنَّمَا تُنْقَضُ عُرَى الْإِسْلَامِ عُرْوَةً عُرْوَةً إِذَا نَشَأَ فِي الْإِسْلَامِ مَنْ لَا يَعْرِفُ الْجَاهِلِيَّةَ ".
وَأَمَّا تَنْزِيهُ الْأَئِمَّةِ فَمِنَ الْفَضَائِحِ الَّتِي يُسْتَحْيَا (4) مِنْ ذَكْرِهَا، لَا سِيَّمَا الْإِمَامِ الْمَعْدُومِ الَّذِي لَا يُنْتَفَعُ بِهِ لَا فِي دِينٍ وَلَا دُنْيَا.
وَأَمَّا تَنْزِيهُ الشَّرْعِ عَنِ الْمَسَائِلِ الرَّدِيَّةِ، فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَمْ يَتَّفِقُوا
(1) ن، م، و: وَالِانْتِقَالِ مِنْ نَقْصٍ إِلَى كَمَالٍ، وَكَلِمَةُ (مِنْهُ) سَاقِطَةٌ مِنْ نُسْخَةِ (ح) ، (ي) .
(2)
تَنَقُّصًا: كَذَا فِي (ص)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: نَقْصٌ.
(3)
وَيَعْرِفُهُمَا قَدْ يَكُونُ. .
(4)
(ح) : يَسْتَحِقُّ، وَهُوَ تَحْرِيفٌ.
عَلَى مَسْأَلَةٍ رَدِيَّةٍ، بِخِلَافِ الرَّافِضَةِ ; فَإِنَّ لَهُمْ مِنَ الْمَسَائِلِ الرَّدِيَّةِ مَا لَا يُوجَدُ لِغَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا قَوْلُهُ: " وَمَنْ يُبْطِلُ الصَّلَاةَ بِإِهْمَالِ الصَّلَاةِ عَلَى أَئِمَّتِهِمْ، وَيَذْكُرُ أَئِمَّةَ غَيْرِهِمْ ".
فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى الْأَئِمَّةِ الِاثْنَيْ عَشَرَ، أَوْ عَلَى وَاحِدٍ مُعَيَّنٍ غَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ أَوْ مِنْ غَيْرِهِمْ.
وَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ وُجُوبَ الصَّلَاةِ عَلَى [آلِ](1) النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم. فَإِنْ أَرَادَ (2) الْأَوَّلَ فَهَذَا مِنْ أَعْظَمِ ضَلَالِهِمْ وَخُرُوجِهِمْ عَنْ شَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم ; فَإِنَّا نَحْنُ وَهُمْ نَعْلَمُ بِالِاضْطِرَارِ أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم لَمْ يَأْمُرِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يُصَلُّوا عَلَى الِاثْنَيْ عَشَرَ: لَا فِي الصَّلَاةِ، وَلَا فِي غَيْرِ [الصَّلَاةِ](3) ، وَلَا كَانَ أَحَدٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ يَفْعَلُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عَلَى عَهْدِهِ، وَلَا نَقَلَ هَذَا أَحَدٌ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا ضَعِيفٍ، وَلَا كَانَ يَجِبُ عَلَى أَحَدٍ فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم أَنْ يَتَّخِذَ أَحَدًا مِنَ الِاثْنَيْ عَشَرَ إِمَامًا، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَجِبَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ.
وَكَانَتْ صَلَاةُ الْمُسْلِمِينَ صَحِيحَةً فِي عَهْدِهِ (4) بِالضَّرُورَةِ وَالْإِجْمَاعِ. فَمَنْ أَوْجَبَ الصَّلَاةَ عَلَى هَؤُلَاءِ فِي الصَّلَاةِ، وَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِإِهْمَالِ الصَّلَاةِ
(1) آلِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (ص) .
(2)
عِنْدَ عِبَارَةِ " فَإِنْ أَرَادَ " تَنْتَهِي نُسْخَةُ (ص) كَمَا أَشَرْتُ إِلَى ذَلِكَ فِي مُقَدِّمَةِ الْكِتَابِ.
(3)
ن، م، و: وَلَا فِي غَيْرِهَا.
(4)
ب: فِي هَذِهِ صَحِيحَةً، ح: فِي عَهْدِهِ صَحِيحَةً ; م: صَحِيحَةً فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم.
عَلَيْهِمْ، فَقَدْ غَيَّرَ دِينَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَبَدَّلَهُ، كَمَا بَدَّلَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى دِينَ الْأَنْبِيَاءِ.
وَإِنْ قِيلَ: الْمُرَادُ أَنْ يُصَلَّى عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، وَهُمْ مِنْهُمْ.
قِيلَ: آلُ مُحَمَّدٍ يَدْخُلُ فِيهِمْ (1) بَنُو هَاشِمٍ وَأَزْوَاجُهُ، وَكَذَلِكَ بَنُو الْمُطَّلِبِ عَلَى أَحَدِ (2) الْقَوْلَيْنِ. وَأَكْثَرُ هَؤُلَاءِ تَذُمُّهُمُ الْإِمَامِيَّةُ ; فَإِنَّهُمْ (3) يَذُمُّونَ وَلَدَ الْعَبَّاسِ، لَا سِيَّمَا خُلَفَاؤُهُمْ، وَهُمْ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم وَيَذُمُّونَ مَنْ يَتَوَلَّى أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ. وَجُمْهُورُ بَنِي هَاشِمٍ يَتَوَلَّوْنَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَلَا يَتَبَرَّأُ مِنْهُمْ صَحِيحُ النَّسَبِ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ إِلَّا نَفَرٌ قَلِيلٌ (4) بِالنِّسْبَةِ إِلَى كَثْرَةِ بَنِي هَاشِمٍ. وَأَهْلُ الْعِلْمِ [وَالدِّينِ](5) مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ رضي الله عنهما.
وَمِنَ الْعَجَبِ مِنْ هَؤُلَاءِ الرَّافِضَةِ أَنَّهُمْ يَدَّعُونَ تَعْظِيمَ آلِ مُحَمَّدٍ - عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ - وَهُمْ سَعَوْا فِي مَجِيءِ التَّتَرِ (6) الْكُفَّارِ إِلَى بَغْدَادَ دَارِ الْخِلَافَةِ، حَتَّى قَتَلَتِ الْكُفَّارُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَا لَا يُحْصِيهِ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى [مِنْ بَنِي هَاشِمٍ وَغَيْرِهِمْ](7) وَقَتَلُوا بِجِهَاتِ بَغْدَادَ أَلْفَ أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ أَلْفٍ وَنَيِّفًا وَسَبْعِينَ أَلْفًا (8) وَقَتَلُوا الْخَلِيفَةَ الْعَبَّاسِيَّ، وَسَبَوُا النِّسَاءَ الْهَاشِمِيَّاتِ وَصِبْيَانَ الْهَاشِمِيِّينَ.
(1) ن، م، و: فِيهِ.
(2)
ب: فِي أَحَدِ.
(3)
ن، م، و: فَهُمْ.
(4)
ن، م: يَسِيرٌ.
(5)
وَالدِّينِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(6)
ن، م، و، أ، ي: التُّرْكِ.
(7)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ زِيَادَةٌ فِي (ب) فَقَطْ.
(8)
(88) سَاقِطٌ مِنْ (ب) وَسَقَطَ بَعْضُهُ مِنْ (و) .
فَهَذَا هُوَ الْبُغْضُ لِآلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم بِلَا رَيْبٍ. [وَكَانَ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْكُفَّارِ بِمُعَاوَنَةِ الرَّافِضَةِ، وَهُمُ الَّذِينَ سَعَوْا فِي سَبْيِ الْهَاشِمِيَّاتِ وَنَحْوِهِمْ إِلَى يَزِيدَ وَأَمْثَالِهِ، فَمَا يَعِيبُونَ عَلَى غَيْرِهِمْ بِعَيْبٍ إِلَّا وَهُوَ فِيهِمْ أَعْظَمُ](1) .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ وَالْمَسَانِيدِ وَالسُّنَنِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ «أَنَّ الْمُسْلِمِينَ سَأَلُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَيْفَ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ. قَالَ: " قُولُوا: اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى [إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى] آلِ إِبْرَاهِيمَ (2) إِنَّكَ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. وَبَارِكْ عَلَى مُحَمَّدٍ وَعَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ» (3) مَجِيدٌ (4)، وَفِي لَفْظٍ:" «وَعَلَى أَزْوَاجِهِ وَذُرِّيَّتِهِ» "(5) .
(1) مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(2)
ي: عَلَى إِبْرَاهِيمَ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ. وَالْمُثْبَتُ هُوَ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ 4/146 147.
(3)
م، ح، أ: كَمَا بَارَكْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ: ي، ر، ب، و: كَمَا بَارَكْتَ عَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّكَ حَمِيدٌ.
(4)
الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ وَأَبِي مَسْعُودٍ الْأَنْصَارِيِّ رضي الله عنهما فِي: الْبُخَارِيِّ 4/146 147 (كِتَابُ الْأَنْبِيَاءِ، بَابُ (يَزِفُّونَ) النَّسَلَانُ فِي الْمَشْيِ) ; 6/120 (كِتَابُ التَّفْسِيرِ، سُورَةُ الْأَحْزَابِ، بَابُ: إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ. . .) ، 8/77 (كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ. .) ; مُسْلِمٍ 1/305 306 (كِتَابُ الصَّلَاةِ بَابُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ. . .) ; سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 1/301 302 (كِتَابُ الْوِتْرِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي صِفَةِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) . وَجَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ رضي الله عنه فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 2/365. وَوَرَدَ الْحَدِيثُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ وَالنَّسَائِيِّ وَالدَّارِمِيِّ.
(5)
الْحَدِيثُ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ رضي الله عنه فِي: الْبُخَارِيِّ 4/146 (الْمَوْضِعِ السَّابِقِ فِي التَّعْلِيقِ السَّابِقِ) ; مُسْلِمٍ 1/306 (الْمَوْضِعِ السَّابِقِ فِي التَّعْلِيقِ السَّابِقِ) .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ قَالَ: " «إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ» ". وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ «أَنَّ الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ وَ [عَبْدَ الْمُطَّلِبِ] (1) بْنَ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ طَلَبَا مِنْهُ عليه الصلاة والسلام أَنْ يُوَلِّيَهُمَا عَلَى الصَّدَقَةِ، فَقَالَ: " إِنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِمُحَمَّدٍ وَلَا لِآلِ مُحَمَّدٍ، وَإِنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ» " (2) فَبَيَّنَ (3) أَنَّ وَلَدَ الْعَبَّاسِ وَوَلَدَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ.
وَثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ «أَنَّهُ أَعْطَى مِنْ سَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى لِبَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ، وَقَالَ: " إِنَّمَا بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ شَيْءٌ وَاحِدٌ، إِنَّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا (4) فِي جَاهِلِيَّةٍ وَلَا إِسْلَامٍ» " (5) .
وَهَؤُلَاءِ أَبْعَدُ مِنْ بَنِي الْعَبَّاسِ وَبَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ; فَهَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى. وَلِهَذَا اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ بَنِي الْعَبَّاسِ وَبَنِي الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ مِنْ آلِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ،
(1) عَبْدَ الْمُطَّلِبِ: زِيَادَةٌ فِي (ب) فَقَطْ.
(2)
الْحَدِيثُ عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَالْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فِي: مُسْلِمٍ 2/752 753 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ تَرْكِ اسْتِعْمَالِ آلِ النَّبِيِّ عَلَى الصَّدَقَةِ) ; سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/203 204 (كِتَابُ الْخَرَاجِ وَالْإِمَارَةِ وَالْفَيْءِ، بَابٌ فِي بَيَانِ مَوَاضِعِ قَسْمِ الْخُمُسِ وَسَهْمِ ذِي الْقُرْبَى) ; سُنَنِ النَّسَائِيِّ 5/79 80 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ اسْتِعْمَالِ آلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم عَلَى الصَّدَقَةِ) ; الْمُوَطَّأِ 2/1000 (كِتَابُ الصَّدَقَةِ، بَابُ مَا يُكْرَهُ مِنَ الصَّدَقَةِ) ; الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/166.
(3)
ب: فَتَبَيَّنَ.
(4)
ب (فَقَطْ) : لَمْ يُفَارِقُونِي.
(5)
الْحَدِيثُ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ رضي الله عنه فِي: سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/200 201 (كِتَابُ الْخَرَاجِ وَالْإِمَارَةِ وَالْفَيْءِ، بَابٌ فِي بَيَانِ مَوَاضِعِ قَسْمِ الْخُمُسِ وَسَهْمِ ذَوِي الْقُرْبَى) ; سُنَنِ النَّسَائِيِّ 7/118 119 (كِتَابُ قَسْمِ الْفَيْءِ) ; الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/81.
وَيَدْخُلُونَ فِي الصَّلَاةِ، وَيَسْتَحِقُّونَ [مِنَ] (1) الْخُمُسِ وَتَنَازَعُوا (2) فِي بَنِي الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ: هَلْ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، وَيَدْخُلُونَ فِي آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ: إِحْدَاهُمَا: أَنَّهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ. وَالثَّانِيَةُ: لَا تَحْرُمُ، كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ. وَآلُ مُحَمَّدٍ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَنْصُوصِ عَنْهُ - وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّرِيفِ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي مُوسَى وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ - هُمُ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ. وَفِي بَنِي الْمُطَّلِبِ رِوَايَتَانِ.
وَكَذَلِكَ أَزْوَاجُهُ: هَلْ هُنَّ مِنْ آلِهِ الَّذِينَ تَحْرُمُ عَلَيْهِمُ الصَّدَقَةُ؟ عَنْ أَحْمَدَ فِيهِ رِوَايَتَانِ. وَأَمَّا عَتْقَى أَزْوَاجِهِ: كَبَرِيرَةَ، فَتَحِلُّ لَهُنَّ الصَّدَقَةُ وَبِالْإِجْمَاعِ، وَإِنْ حَرُمَتْ عَلَى مَوَالِي بَنِي هَاشِمٍ. وَعِنْدَ طَائِفَةٍ أُخْرَى مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا: هُمْ أُمَّتُهُ. وَعِنْدَ طَائِفَةٍ مِنَ الصُّوفِيَّةِ: هُمُ الْأَتْقِيَاءُ مِنْ أُمَّتِهِ.
وَلَمْ يَأْمُرِ اللَّهُ بِالصَّلَاةِ عَلَى مُعَيَّنٍ غَيْرَ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّلَاةِ، وَلَوْ صَلَّى عَلَى بَعْضِ أَهْلِ بَيْتِهِ دُونَ بَعْضٍ، كَالصَّلَاةِ عَلَى وَلَدِ الْعَبَّاسِ دُونَ عَلِيٍّ أَوْ بِالْعَكْسِ - لَكَانَ مُخَالِفًا لِلشَّرِيعَةِ، فَكَيْفَ إِذَا صَلَّى عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ؟ .
ثُمَّ إِبْطَالُ الصَّلَاةِ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ عَلَى هَؤُلَاءِ مِنَ الْعَجَائِبِ. وَالْفُقَهَاءُ مُتَنَازِعُونَ فِي وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم فِي الصَّلَاةِ، وَجُمْهُورُهُمْ لَا يُوجِبُهَا، وَمَنْ أَوْجَبَهَا يُوجِبُ الصَّلَاةَ عَلَيْهِ دُونَ آلِهِ، وَلَوْ
(1) مِنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2)
ب: وَاخْتَلَفُوا، م: وَيَتَنَازَعُونَ.
أَوْجَبَ (1) الصَّلَاةَ عَلَى آلِهِ عُمُومًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يَجْعَلَ الْوَاجِبَ الصَّلَاةَ عَلَى قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ دُونَ غَيْرِهِمْ، بَلْ قَدْ تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا إِذَا دَعَا لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ فِي الصَّلَاةِ هَلْ تَبْطُلُ [صَلَاتُهُ](2) ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَإِنْ كَانَ الصَّحِيحُ أَنَّهَا لَا تَبْطُلُ، وَلَا [أَنْ يَجْعَلَ](3) مَنَاطَ الْوُجُوبِ كَوْنَهُمْ أَئِمَّةً، وَلِهَذَا لَمْ يُوجِبْ أَهْلُ السُّنَّةِ الصَّلَاةَ عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم: لَا أَئِمَّتِهِمْ وَلَا غَيْرِ [أَئِمَّتِهِمْ](4) لِأَنَّ إِيجَابَ هَذَا مِنَ الْبِدَعِ الْمُضِلَّةِ الْمُخَالِفَةِ لِشَرِيعَةِ اللَّهِ تَعَالَى، كَمَا أَنَّ الشَّهَادَتَيْنِ لَيْسَ فِيهِمَا (5) إِلَّا ذِكْرُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، لَا فِي الْأَذَانِ وَلَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ (6) ، فَلَوْ (7) ذُكِرَ فِي الشَّهَادَتَيْنِ غَيْرُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ مِنَ الْأَئِمَّةِ كَانَ ذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الضَّلَالَاتِ (8) ، وَكَذَلِكَ إِبْطَالُهُ (9) الصَّلَاةِ بِالصَّلَاةِ عَلَى أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ قَوْلٌ بَاطِلٌ ; فَإِنَّهُ لَوْ دَعَا لِمُعَيَّنٍ أَوْ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ بِدُعَاءٍ جَائِزٍ لَمْ تَبْطُلِ الصَّلَاةُ بِذَلِكَ (10) عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي صَلَاتِهِ: " «اللَّهُمَّ أَنْجِ (11) الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ،
(1) و: وَالْوَاجِبُ.
(2)
صَلَاتُهُ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(3)
عِبَارَةُ " أَنْ يَجْعَلَ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4)
ن، م: وَلَا غَيْرِهِمْ.
(5)
ن، م، و: فِيهَا.
(6)
أ: وَلَا فِي غَيْرِ ذَلِكَ.
(7)
ن (فَقَطْ) . . وَلَوْ.
(8)
ب، ر، ي، ح: الضَّلَالِ.
(9)
ب، ر، ح، ي: إِبْطَالُ.
(10)
بِذَلِكَ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(11)
ن، م، ر: نَجِّ.
وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (1) ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ» " (2) .
وَكَذَلِكَ كَانَ يَقُولُ: " «اللَّهُمَّ الْعَنْ رِعْلًا وَذَكْوَانَ وَعُصَيَّةَ» "(3) . فَقَدْ دَعَا فِي صَلَاتِهِ (4) لِقَوْمٍ مُعَيَّنِينَ بِأَسْمَائِهِمْ، وَدَعَا عَلَى قَبَائِلَ مُعَيَّنِينَ بِأَسْمَائِهِمْ ; فَمَنْ أَبْطَلَ الصَّلَاةَ بِمِثْلِ ذَلِكَ كَانَ فَسَادُ قَوْلِهِ كَفَسَادِ قَوْلِهِ بِإِيجَابِ الصَّلَاةِ عَلَى نَاسٍ مُعَيَّنِينَ.
وَأَهْلُ السُّنَّةِ لَا يُوجِبُونَ (5) هَذَا وَلَا يُحَرِّمُونَ هَذَا، إِنَّمَا يُوجِبُونَ مَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى وَرَسُولُهُ، وَيُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ.
وَأَمَّا إِنْ أَرَادَ أَنَّهُ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ دُونَ غَيْرِهِمْ.
فَيُقَالُ: أَوَّلًا: هَذَا فِيهِ نِزَاعٌ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ ; فَمَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ فِي الصَّلَاةِ [أَنْ يُصَلَّى](6) عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَلَا آلِهِ. وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ، وَادَّعَى بَعْضُ النَّاسِ [- وَهُوَ الطَّحَاوِيُّ -](7) وَغَيْرُهُ أَنَّ هَذَا إِجْمَاعٌ قَدِيمٌ. وَالْقَوْلُ الثَّانِي
(1) ب (فَقَطْ) : الْمُسْلِمِينَ.
(2)
سَبَقَ الْحَدِيثُ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ 1/41.
(3)
هَذِهِ الْأَلْفَاظُ جُزْءٌ مِنْ حَدِيثَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ. الْأَوَّلُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي: مُسْلِمٍ 1/466 467 (كِتَابُ الْمَسَاجِدِ، بَابُ اسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي جَمِيعِ الصَّلَاةِ)، وَالثَّانِي عَنْ خُفَافِ بْنِ إِيمَاءَ بْنِ رَحَضَةَ الْغِفَارِيِّ رضي الله عنه فِي: مُسْلِمٍ 4/1953 (كِتَابُ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ، بَابُ دُعَاءِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم لِغِفَارٍ وَأَسْلَمَ.) . وَهَذَا الْحَدِيثُ الثَّانِي جَاءَ بِأَلْفَاظٍ مُقَارِبَةٍ عَنِ ابْنِ عُمَرَ رضي الله عنهما فِي: الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 8/285 286.
(4)
ن، م، و: فِي الصَّلَاةِ.
(5)
و: لَا يُحِلُّونَ.
(6)
عِبَارَةُ " أَنْ يُصَلَّى ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(7)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ زِيَادَةٌ فِي (ح) ، (ب) .
أَنَّهُ تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم[فِي الصَّلَاةِ](1)، كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَنْهُ. ثُمَّ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ: هَلْ هِيَ رُكْنٌ أَوْ وَاجِبٌ تَسْقُطُ بِالسَّهْوِ فِيهِ؟ (2) عَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ.
وَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَوْجَبُوا الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم مِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَهَا بِاللَّفْظِ الْمَأْثُورِ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ. فَعَلَى هَذَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ. وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُوجِبِ اللَّفْظَ، بَلْ مِنْهُمْ مَنْ لَا يُوجِبُ إِلَّا الصَّلَاةَ عَلَيْهِ دُونَ آلِهِ، كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ ; فَعَلَى هَذَا لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَى آلِهِ.
وَإِذَا عُرِفَ أَنَّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نِزَاعًا مَشْهُورًا، فَيُقَالُ: عَلَى تَقْدِيرِ وُجُوبِ الصَّلَاةِ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ (3) فَهَذِهِ (4) الصَّلَاةُ لِجَمِيعِ آلِ مُحَمَّدٍ لَا تَخْتَصُّ (5) بِصَالِحِيهِمْ (6) ، فَضْلًا عَنْ أَنْ تَخْتَصَّ (7) بِمَنْ هُوَ مَعْصُومٌ، بَلْ تَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ دَخَلَ فِي آلِ مُحَمَّدٍ، كَمَا أَنَّ الدُّعَاءَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ يَتَنَاوَلُ كُلَّ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنَ الدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ عُمُومًا وَلَا لِأَهْلِ الْبَيْتِ عُمُومًا أَنْ يَكُونَ كُلٌّ مِنْهُمْ بَرًّا تَقِيًّا، بَلِ الدُّعَاءُ لَهُمْ طَلَبًا لِإِحْسَانِ اللَّهِ تَعَالَى إِلَيْهِمْ وَتَفَضُّلِهِ عَلَيْهِمْ، وَفَضْلُ اللَّهِ
(1) عِبَارَةُ " فِي الصَّلَاةِ ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) .
(2)
ن، م: عَنْهُ.
(3)
ن: آلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم.
(4)
فَهَذِهِ: كَذَا فِي (ب) فَقَطْ. وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: هَذِهِ.
(5)
ر، ح، ي: لَا تَخْصِيصَ ; ب: لَا تُخَصَّصُ.
(6)
أ، ب، ح: بِصَالِحِهِمْ.
(7)
ح، ب: تُخَصَّصَ.
سُبْحَانَهُ وَإِحْسَانُهُ يُطْلَبُ لِكُلِّ أَحَدٍ (1)، لَكِنْ يُقَالُ: إِنَّ هَذَا حَقٌ لِآلِ مُحَمَّدٍ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ.
وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ لِآلِ مُحَمَّدٍ صلى الله عليه وسلم حَقًّا عَلَى الْأُمَّةِ لَا يَشْرَكُهُمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ، وَيَسْتَحِقُّونَ مِنْ زِيَادَةِ الْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ سَائِرُ بُطُونِ قُرَيْشٍ، كَمَا أَنَّ قُرَيْشًا يَسْتَحِقُّونَ (2) مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ غَيْرُ قُرَيْشٍ مِنَ الْقَبَائِلِ، كَمَا أَنَّ جِنْسَ الْعَرَبِ يَسْتَحِقُّ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْمُوَالَاةِ مَا لَا يَسْتَحِقُّهُ سَائِرُ أَجْنَاسِ بَنِي آدَمَ. وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ الَّذِينَ يَرَوْنَ فَضْلَ الْعَرَبِ عَلَى غَيْرِهِمْ، وَفَضْلَ قُرَيْشٍ عَلَى سَائِرِ الْعَرَبِ، وَفَضْلَ بَنِي هَاشِمٍ عَلَى سَائِرِ قُرَيْشٍ. وَهَذَا هُوَ الْمَنْصُوصُ عَنِ الْأَئِمَّةِ كَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِ.
وَالنُّصُوصُ دَلَّتْ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ (3)، كَقَوْلِهِ صلى الله عليه وسلم فِي [الْحَدِيثِ] الصَّحِيحِ:(4)" «إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ، وَاصْطَفَى بَنِي هَاشِمٍ مِنْ قُرَيْشٍ، وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ» "(5) . وَكَقَوْلِهِ فِي [الْحَدِيثِ] الصَّحِيحِ: (6)" «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ; خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا» "(7) ، وَأَمْثَالِ ذَلِكَ.
(1) عِبَارَةُ " لِكُلِّ أَحَدٍ " سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(2)
ن، م، و: تَسْتَحِقُّ.
(3)
ب: وَعَلَى هَذَا دَلَّتِ النُّصُوصُ، و: وَالْمَنْصُوصُ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ.
(4)
ن، م: فِي الصَّحِيحِ.
(5)
الْحَدِيثُ عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ رضي الله عنه مَعَ اخْتِلَافٍ فِي اللَّفْظِ فِي: مُسْلِمٍ 4/1782 (كِتَابُ الْفَضَائِلِ، بَابُ فَضْلِ نَسَبِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 5/243 (كِتَابُ الْمَنَاقِبِ، بَابُ مَا جَاءَ فِي فَضْلِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم) ; الْمُسْنَدِ 4/107.
(6)
ن، م: فِي الصَّحِيحِ.
(7)
سَبَقَ الْحَدِيثُ فِي هَذَا الْجُزْءِ، ص 353.
وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إِلَى عَدَمِ التَّفْضِيلِ بَيْنَ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ. وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْكَلَامِ، كَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الطَّيِّبِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى فِي الْمُعْتَمَدِ. وَهَذَا الْقَوْلُ يُقَالُ لَهُ مَذْهَبُ الشُّعُوبِيَّةِ (1) ، وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ مِنْ أَقْوَالِ أَهْلِ الْبِدَعِ، كَمَا بُسِطَ فِي مَوْضِعِهِ، وَبَيَّنَّا أَنَّ تَفْضِيلَ الْجُمْلَةِ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا يَقْتَضِي تَفْضِيلَ كُلِّ فَرْدٍ عَلَى كُلِّ فَرْدٍ، كَمَا أَنَّ تَفْضِيلَ الْقَرْنِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي وَالثَّانِي عَلَى الثَّالِثِ لَا يَقْتَضِي ذَلِكَ، بَلْ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ (2) مِنْ كَثِيرٍ مِنَ الْقَرْنِ الثَّانِي.
وَإِنَّمَا تَنَازَعَ الْعُلَمَاءُ: هَلْ فِي غَيْرِ الصَّحَابَةِ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْ بَعْضِهِمْ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ. وَلَا رَيْبَ أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ اخْتِصَاصُ قُرَيْشٍ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ، وَهُوَ كَوْنُ الْإِمَامَةِ فِيهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ. وَثَبَتَ اخْتِصَاصُ بَنِي هَاشِمٍ بِتَحْرِيمِ الصَّدَقَةِ عَلَيْهِمْ، وَكَذَلِكَ اسْتِحْقَاقُهُمْ مِنَ الْفَيْءِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ، فَالصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ مِنْ هَذَا الْبَابِ، فَهُمْ مَخْصُوصُونَ بِأَحْكَامٍ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ، وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ تَثْبُتُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَجُلًا صَالِحًا، بَلْ كَانَ عَاصِيًا.
وَأَمَّا نَفْسُ تَرْتِيبِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ عَلَى الْقَرَابَةِ، وَمَدْحُ اللَّهِ عز وجل لِلشَّخْصِ الْمُعَيَّنِ، وَكَرَامَتُهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى - فَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِيهِ النَّسَبُ، وَإِنَّمَا
(1) قَالَ ابْنُ مَنْظُورٍ فِي " لِسَانِ الْعَرَبِ ": " وَالشُّعُوبُ فِرْقَةٌ لَا تُفَضِّلُ الْعَرَبَ عَلَى الْعَجَمِ. وَالشُّعُوبِيُّ: الَّذِي يُصَغِّرُ شَأْنَ الْعَرَبِ، وَلَا يَرَى لَهُمْ فَضْلًا عَلَى غَيْرِهِمْ ". وَانْظُرْ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ تَيْمِيَةَ عَنِ الشُّعُوبِيَّةِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِمْ فِي " اقْتِضَاءِ الصِّرَاطِ الْمُسْتَقِيمِ " 1/372 409، تَحْقِيقُ الدُّكْتُورِ نَاصِرِ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْعَقْلِ، ط. الرِّيَاضِ، 1404.
(2)
ب: بَلْ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ خَيْرٌ. .، أ. . بَلْ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ، ر: بَلْ فِي الْقَرْنِ الثَّالِثِ مَنْ هُوَ أَخْيَرُ.
يُؤَثِّرُ فِيهِ الْإِيمَانُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَهُوَ التَّقْوَى. كَمَا قَالَ تَعَالَى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} .
وَ [ثَبَتَ عَنْهُ] فِي الصَّحِيحِ (3) أَنَّهُ قَالَ: " «مَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ» " رَوَاهُ مُسْلِمٌ (4) .
وَلِهَذَا أَثْنَى اللَّهُ فِي الْقُرْآنِ عَلَى [السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مِنَ] الْمُهَاجِرِينَ (5)
(1) ن، م: وَفِي الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ. .
(2)
جَاءَ جُزْءٌ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فِي هَذَا الْجُزْءِ مِنْ قَبْلُ، وَهُوَ بِهَذَا اللَّفْظِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي: الْبُخَارِيِّ 4/140. (كِتَابُ الْأَنْبِيَاءِ، بَابُ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا) ، 4/149 (كِتَابُ الْأَنْبِيَاءِ، بَابُ قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى: لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ) .
(3)
ن، م: وَفِي الصَّحِيحِ.
(4)
الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه فِي: مُسْلِمٍ 4/2074 (كِتَابُ الذِّكْرِ وَالدُّعَاءِ. .، بَابُ فَضْلِ الِاجْتِمَاعِ عَلَى تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ وَعَلَى الذِّكْرِ) وَأَوَّلُهُ: " مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا. . الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ: " وَمَنْ بَطَّأَ بِهِ عَمَلُهُ لَمْ يُسْرِعْ بِهِ نَسَبُهُ ". وَجَاءَ الْحَدِيثُ بِتَمَامِهِ فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/265 (كِتَابُ الْقُرْآنِ، بَابٌ مِنْهُ رَقْمُ 3) ، سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/82 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابُ فَضْلِ الْعُلَمَاءِ وَالْحَثِّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ،. وَجَاءَ الْحَدِيثُ مُخْتَصَرًا، وَفِيهِ الْعِبَارَةُ الَّتِي أَوْرَدَهَا ابْنُ تَيْمِيَةَ فِي: سِنَنِ أَبِي دَاوُدَ 3/433 (كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابُ الْحَثِّ عَلَى طَلَبِ الْعِلْمِ) ; سُنَنِ الدَّارِمِيِّ 1/99 (الْمُقَدِّمَةُ، بَابٌ فِي فَضْلِ الْعِلْمِ وَالْعَالِمِ) ; الْمُسْنَدِ (ط. الْمَعَارِفِ) 13/161، 18/49 - 50.
(5)
ن، م، ر: عَلَى الْمُهَاجِرِينَ. .
وَالْأَنْصَارِ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُ رَضِيَ عَنْهُمْ، كَمَا أَثْنَى عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عُمُومًا. فَكَوْنُ الرَّجُلِ مُؤْمِنًا وَصْفٌ اسْتَحَقَّ بِهِ (1) الْمَدْحَ وَالثَّوَابَ [عِنْدَ اللَّهِ، وَكَذَلِكَ كَوْنُهُ مِمَّنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَصَحِبَهُ وَصْفٌ يَسْتَحِقُّ بِهِ الْمَدْحَ وَالثَّوَابَ](2) . ثُمَّ هُمْ مُتَفَاوِتُونَ فِي الصُّحْبَةِ، فَأَقْوَمُهُمْ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ وَرَسُولُهُ فِي الصُّحْبَةِ، أَفْضَلُ مِمَّنْ هُوَ دُونَهُ، كَفَضْلِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ عَلَى مَنْ دُونَهُمْ، وَهُمُ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلُوا. وَمِنْهُمْ أَهْلُ (3) بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ، وَكَانُوا أَكْثَرَ مِنْ أَلْفٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ، وَهَؤُلَاءِ لَا يَدْخُلُ النَّارَ مِنْهُمْ أَحَدٌ، كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم (4) .
وَأَمَّا نَفْسُ الْقَرَابَةِ فَلَمْ يُعَلِّقْ بِهَا ثَوَابًا وَلَا عِقَابًا، وَلَا مَدَحَ [أَحَدًا](5) بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ أَنَّ بَعْضَ الْأَجْنَاسِ وَالْقَبَائِلِ أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ، فَإِنَّ هَذَا التَّفْضِيلَ مَعْنَاهُ كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم:" «النَّاسُ مَعَادِنُ كَمَعَادِنِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ خِيَارُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ إِذَا فَقِهُوا» "، فَالْأَرْضُ إِذَا كَانَ فِيهَا مَعْدِنُ ذَهَبٍ وَمَعْدِنُ فِضَّةٍ، كَانَ مَعْدِنُ الذَّهَبِ خَيْرًا، لِأَنَّهُ مَظِنَّةُ وُجُودِ أَفْضَلِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ، فَإِنْ قُدِّرَ أَنَّهُ تَعَطَّلَ وَلَمْ يُخْرِجْ ذَهَبًا، كَانَ مَا يُخْرِجُ الْفِضَّةَ أَفْضَلَ مِنْهُ.
فَالْعَرَبُ فِي الْأَجْنَاسِ، وَقُرَيْشٌ فِيهَا ثُمَّ هَاشِمٌ فِي قُرَيْشٍ مَظِنَّةَ أَنْ يَكُونَ فِيهِمْ مِنَ (6) الْخَيْرِ أَعْظَمُ مِمَّا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِمْ. وَلِهَذَا كَانَ فِي بَنِي هَاشِمٍ النَّبِيُّ
(1) ن، م، و: يَسْتَحِقُّ بِهِ.
(2)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) .
(3)
ن، م: وَقَاتَلُوا وَهُمْ أَهْلُ. .
(4)
سَبَقَ هَذَا الْحَدِيثُ فِيمَا مَضَى 2/28.
(5)
أَحَدًا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(6)
مِنْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ر) ، (ي) ، (ح) ، (ب) .
- صلى الله عليه وسلم الَّذِي لَا يُمَاثِلُهُ أَحَدٌ فِي قُرَيْشٍ، فَضْلًا عَنْ وُجُودِهِ فِي سَائِرِ الْعَرَبِ [وَغَيْرِ الْعَرَبِ](1) ، وَكَانَ فِي قُرَيْشٍ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ وَسَائِرُ الْعَشَرَةِ وَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْعَرَبِ وَغَيْرِ الْعَرَبِ، وَكَانَ فِي الْعَرَبِ مِنَ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ مَنْ لَا يُوجَدُ لَهُ نَظِيرٌ فِي سَائِرِ الْأَجْنَاسِ.
فَلَا بُدَّ أَنْ يُوجَدَ فِي الصِّنْفِ الْأَفْضَلِ مَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي الْمَفْضُولِ، وَقَدْ يُوجَدُ فِي الْمَفْضُولِ مَا يَكُونُ أَفْضَلَ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّا يُوجَدُ فِي الْفَاضِلِ. كَمَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ الَّذِينَ لَيْسُوا مِنَ الْعَرَبِ أَفْضَلُ مِنَ الْعَرَبِ الَّذِينَ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ، وَالْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ أَفْضَلُ مِنَ الْقُرَشِيِّينَ الَّذِينَ لَيْسُوا مِثْلَهُمْ فِي الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، وَكَذَلِكَ الْمُؤْمِنُونَ الْمُتَّقُونَ مِنْ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ أَفْضَلُ مِمَّنْ لَيْسَ مِثْلَهُمْ فِي الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى مِنْ بَنِي هَاشِمٍ.
فَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ الْمُعْتَبَرُ فِي هَذَا الْبَابِ دُونَ مَنْ أَلْغَى فَضِيلَةَ الْأَنْسَابِ (2) مُطْلَقًا، وَدُونَ مَنْ ظَنَّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُفَضِّلُ الْإِنْسَانَ بِنَسَبِهِ عَلَى مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى، فَضْلًا عَمَّنْ هُوَ أَعْظَمُ إِيمَانًا وَتَقْوَى. فَكِلَا الْقَوْلَيْنِ خَطَأٌ، وَهُمَا مُتَقَابِلَانِ. بَلِ الْفَضِيلَةُ بِالنَّسَبِ (3) فَضِيلَةُ جُمْلَةٍ، وَفَضِيلَةٌ لِأَجْلِ الْمَظِنَّةِ وَالسَّبَبِ، وَالْفَضِيلَةُ بِالْإِيمَانِ وَالتَّقْوَى فَضِيلَةُ تَعْيِينٍ وَتَحْقِيقٍ وَغَايَةٍ ; فَالْأَوَّلُ يُفَضَّلُ بِهِ لِأَنَّهُ سَبَبٌ وَعَلَامَةٌ، وَلِأَنَّ الْجُمْلَةَ أَفْضَلُ مِنْ جُمْلَةٍ تُسَاوِيهَا فِي الْعَدَدِ. وَالثَّانِي: يُفَضَّلُ بِهِ لِأَنَّهُ الْحَقِيقَةُ وَالْغَايَةُ (4) ، وَلِأَنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ أَتْقَى
(1) وَغَيْرِ الْعَرَبِ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن)، (م) . وَفِي (و) : أَوْ غَيْرِ الْعَرَبِ.
(2)
الْأَنْسَابِ كَذَا فِي (ن)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: الْإِنْسَانِ.
(3)
ن: فِي النَّسَبِ.
(4)
ن: لِأَنَّهُ الْغَايَةُ وَالْحَقِيقَةُ.
لِلَّهِ كَانَ أَكْرَمَ عِنْدَ اللَّهِ، وَالثَّوَابُ مِنَ اللَّهِ يَقَعُ عَلَى هَذَا، لِأَنَّ الْحَقِيقَةَ قَدْ وُجِدَتْ، فَلَمْ يُعَلَّقِ الْحُكْمُ بِالْمَظِنَّةِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْلَمُ الْأَشْيَاءَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ، فَلَا يَسْتَدِلُّ بِالْأَسْبَابِ وَالْعَلَامَاتِ.
وَلِهَذَا كَانَ رِضَا اللَّهِ عَنِ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ أَفْضَلَ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ، لِأَنَّ ذَلِكَ إِخْبَارٌ بِرِضَا اللَّهِ عَنْهُمْ، فَالرِّضَا قَدْ حَصَلَ، وَهَذَا طَلَبٌ وَسُؤَالٌ لِمَا لَمْ يَحْصُلْ (1) . وَمُحَمَّدٌ صلى الله عليه وسلم قَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ [عَنْهُ] (2) أَنَّهُ يُصَلِّي عَلَيْهِ هُوَ وَمَلَائِكَتُهُ بِقَوْلِهِ:{إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 56] فَلَمْ تَكُنْ فَضِيلَتُهُ بِمُجَرَّدِ كَوْنِ الْأُمَّةِ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ، بَلْ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ، وَإِنْ كَانَ اللَّهُ وَمَلَائِكَتُهُ يُصَلُّونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ عُمُومًا، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 43] ، وَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِي (3) النَّاسِ الْخَيْرَ، كَمَا فِي الْحَدِيثِ:" «إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِي (4) النَّاسِ الْخَيْرَ» "(5) .
(1) ن، م: لِمَا لَا يَحْصُلُ، ب: مَا لَمْ يَحْصُلْ.
(2)
عَنْهُ: زِيَادَةٌ فِي (ب) فَقَطْ.
(3)
ب (فَقَطْ) كَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ سبحانه وتعالى بِقَوْلِهِ. .
(4)
ب، ح: عَلَى مُعَلِّمِ.
(5)
الْحَدِيثُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ رضي الله عنه فِي: سُنَنِ التِّرْمِذِيِّ 4/154 155 (كِتَابُ الْعِلْمِ، بَابٌ فِي فَضْلِ الْفِقْهِ عَلَى الْعِبَادَةِ) وَنَصُّهُ: " فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ كَفَضْلِي عَلَى أَدْنَاكُمْ " ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: " إِنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ وَأَهْلَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، حَتَّى النَّمْلَةَ فِي جُحْرِهَا، وَحَتَّى الْحُوتَ لَيُصَلُّونَ عَلَى مُعَلِّمِ النَّاسِ الْخَيْرَ ". قَالَ التِّرْمِذِيُّ: " هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ صَحِيحٌ. وَذَكَرَ السُّيُوطِيُّ الْحَدِيثَ فِي " صَحِيحِ الْجَامِعِ الصَّغِيرِ " وَقَالَ: " طب (الطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ، وَالضِّيَاءِ) عَنْ أَبِي أُمَامَةَ ". وَصَحَّحَ الْأَلْبَانِيُّ الْحَدِيثَ.
فَمُحَمَّدٌ (1) صلى الله عليه وسلم لَمَّا كَانَ أَكْمَلَ النَّاسِ فِيمَا يَسْتَحِقُّ بِهِ الصَّلَاةَ مِنَ الْإِيمَانِ وَتَعْلِيمِ الْخَيْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، كَانَ لَهُ مِنَ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ خَبَرًا (2) وَأَمْرًا، خَاصِّيَّةٌ لَا يُوجَدُ [مِثْلُهَا](3) لِغَيْرِهِ صلى الله عليه وسلم.
فَبَنُو هَاشِمٍ لَهُمْ حَقٌّ وَعَلَيْهِمْ حَقٌّ، وَاللَّهُ تَعَالَى إِذَا أَمَرَ الْإِنْسَانَ بِمَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ غَيْرَهُ، لَمْ يَكُنْ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ، بَلْ إِنِ امْتَثَلَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهِ بِالطَّاعَةِ، كَوُلَاةِ الْأُمُورِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أُمِرَ بِمَا لَمْ يُؤْمَرْ بِهِ غَيْرُهُ: مَنْ أَطَاعَ مِنْهُمْ كَانَ أَفْضَلَ، لِأَنَّ طَاعَتَهُ أَكْمَلُ، وَمَنْ لَمْ يُطِعْ مِنْهُمْ كَانَ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ فِي التَّقْوَى أَفْضَلَ مِنْهُ. وَلِهَذَا فُضِّلَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ عَلَى سَائِرِ النَّاسِ، وَفُضِّلَ مَنْ فُضِّلَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى سَائِرِ النِّسَاءِ ; لِأَنَّ اللَّهَ أَمَرَ الْخُلَفَاءَ بِمَا لَمْ يَأْمُرْ بِهِ غَيْرَهُمْ، فَقَامُوا مِنَ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ بِمَا لَمْ يَقُمْ غَيْرُهُمْ بِنَظِيرِهِ، فَصَارُوا أَفْضَلَ. وَكَذَلِكَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم قَالَ اللَّهُ لَهُنَّ:{مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا - وَمَنْ يَقْنُتْ مِنْكُنَّ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَتَعْمَلْ صَالِحًا نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ وَأَعْتَدْنَا لَهَا رِزْقًا كَرِيمًا} [سُورَةُ الْأَحْزَابِ: 13، 30] وَهُنَّ - وَلِلَّهِ الْحَمْدُ (4) - قَنَتْنَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَعَمِلْنَ صَالِحًا، فَاسْتَحْقَقْنَ الْأَجْرَ مَرَّتَيْنِ، فَصِرْنَ أَفْضَلَ لِطَاعَةِ الْأَمْرِ، لَا لِمُجَرَّدِ الْأَمْرِ. وَلَوْ قُدِّرَ - وَالْعِيَاذُ بِاللَّهِ - أَنَّ وَاحِدَةً تَأْتِي بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ (5) لَضُوعِفَ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ.
(1) ب، ح: وَمُحَمَّدٌ.
(2)
خَبَرًا: كَذَا فِي (ح) ، (ر)، (ب) . وَفِي سَائِرِ النُّسَخِ: خَبَرًا.
(3)
مِثْلُهَا: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) ، (م) ، (و) .
(4)
ح، ب: وَهُنَّ لِلَّهِ الْحَمْدُ.
(5)
مُبَيِّنَةٍ: زِيَادَةٌ فِي (ن) ، (م) ، (ي) .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ جَعَلَ هَذَا الْحُكْمَ عَامًّا فِي آلِ الْبَيْتِ، وَأَنَّ عُقُوبَةَ الْوَاحِدِ مِنْهُمْ تُضَاعَفُ، وَتُضَاعَفُ حَسَنَاتُهُ، كَمَا تُضَاعَفُ الْعُقُوبَةُ وَالثَّوَابُ عَلَى مَنْ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَعَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ (1) ، وَنَحْوِ ذَلِكَ.
وَهَذَا كُلُّهُ مِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ كَرَامَةَ اللَّهِ تَعَالَى [لِعِبَادِهِ](2) إِنَّمَا هِيَ بِالتَّقْوَى فَقَطْ. كَمَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي فِي السُّنَنِ عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ: " «لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عَجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَسْوَدَ (3) عَلَى أَبْيَضَ، وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ إِلَّا بِالتَّقْوَى. النَّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ» "(4) .
وَقَالَ: " «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَذْهَبَ عَنْكُمْ عُبِّيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ وَفَخْرَهَا بِالْآبَاءِ، النَّاسُ رَجُلَانِ:: مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ، وَفَاجِرٌ شَقِيٌّ» "(5) .
فَالصَّلَاةُ عَلَى آلِ مُحَمَّدٍ حَقٌّ لَهُمْ عِنْدَ الْمُسْلِمِينَ، وَذَلِكَ سَبَبٌ لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ بِهَذَا النَّسَبِ (6) ، لِأَنَّ ذَلِكَ يُوجِبُ أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ بَنِي
(1) ن، م، و، أ: فِي شَهْرِ الصِّيَامِ.
(2)
لِعِبَادِهِ: زِيَادَةٌ فِي (ب) فَقَطْ.
(3)
ن: بِالْأَسْوَدِ، و: أَسْوَدَ.
(4)
فِي الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 5/411 عَنْ أَبِي نَضْرَةَ: حَدَّثَنِي مَنْ سَمِعَ خُطْبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم فِي وَسَطِ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ فَقَالَ: " يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَلَا إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَإِنَّ أَبَاكُمْ وَاحِدٌ. أَلَا لَا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى أَعْجَمِيٍّ، وَلَا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلَا لِأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلَا أَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ إِلَّا بِالتَّقْوَى. أَبَلَّغْتُ؟ قَالُوا: بَلَّغَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم. . . " الْحَدِيثَ.
(5)
مَضَى الْحَدِيثُ مِنْ قَبْلُ 1/521.
(6)
ن، م، و، ر، ي: السَّبَبِ.
هَاشِمٍ لِأَجْلِ الْأَمْرِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ تَبَعًا لِلنَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم أَفْضَلَ مِمَّنْ لَمْ يُصَلَّ عَلَيْهِ. أَلَا تَرَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِنَبِيِّهِ صلى الله عليه وسلم: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ} [سُورَةُ التَّوْبَةِ: 103] .
وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى «أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم كَانَ إِذَا أَتَاهُ بِصَدَقَتِهِمْ صَلَّى عَلَيْهِمْ، وَإِنَّ أَبِي أَتَاهُ بِصَدَقَتِهِ فَقَالَ: " اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى آلِ أَبِي أَوْفَى» " (1) .
فَهَذَا فِيهِ إِثْبَاتُ فَضِيلَةٍ لِمَنْ صَلَّى عَلَيْهِ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم مِمَّنْ كَانَ يَأْتِيهِ بِالصَّدَقَةِ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ كُلُّ مَنْ لَمْ يَأْتِهِ بِصَدَقَةٍ (2) لِفَقْرِهِ دُونَ مَنْ أَتَاهُ بِصَدَقَةٍ (3) وَصَلَّى عَلَيْهِ ; بَلْ قَدْ يَكُونُ مِنْ فُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ صَدَقَةٌ يَأْتُونَهُ بِهَا مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ كَثِيرٍ مِمَّنْ أَتَاهُ بِالصَّدَقَةِ وَصَلَّى عَلَيْهِ، وَقَدْ يَكُونُ بَعْضُ مَنْ يَأْخُذُ الصَّدَقَةَ أَفْضَلَ مِنْ بَعْضِ مَنْ يُعْطِيهَا، وَقَدْ يَكُونُ فِيمَنْ يُعْطِيهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضِ مَنْ يَأْخُذُهَا، وَإِنْ كَانَتِ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرًا مِنَ الْيَدِ السُّفْلَى.
فَالْفَضِيلَةُ بِنَوْعٍ لَا تَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ صَاحِبُهَا أَفْضَلَ مُطْلَقًا. وَلِهَذَا كَانَ فِي الْأَغْنِيَاءِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ جُمْهُورِ الْفُقَرَاءِ، وَفِي الْفُقَرَاءِ مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ
(1) الْحَدِيثُ عَنِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى رضي الله عنه فِي: الْبُخَارِيِّ 8/77 (كِتَابُ الدَّعَوَاتِ، بَابُ هَلْ يُصَلَّى عَلَى غَيْرِ النَّبِيِّ؟) ، سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ 2/142 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ دُعَاءِ الْمُصَّدِّقِ لِأَهْلِ الصَّدَقَةِ) ; سُنَنِ النَّسَائِيِّ 5/22 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ صَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى صَاحِبِ الصَّدَقَةِ) ; سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ 1/572 (كِتَابُ الزَّكَاةِ، بَابُ مَا يُقَالُ عِنْدَ إِخْرَاجِ الزَّكَاةِ) ، الْمُسْنَدِ (ط. الْحَلَبِيِّ) 4/353 355، 381، 383.
(2)
ن: بِصَدَقَتِهِ.
(3)
ن: بِصَدَقَتِهِ.
جُمْهُورِ الْأَغْنِيَاءِ ; فَإِبْرَاهِيمُ وَدَاوُدُ وَسُلَيْمَانُ وَيُوسُفُ وَأَمْثَالُهُمْ أَفْضَلُ مِنْ أَكْثَرِ الْفُقَرَاءِ، وَيَحْيَى وَعِيسَى وَنَحْوُهُمَا أَفْضَلُ مِنْ أَكْثَرِ الْأَغْنِيَاءِ.
فَالِاعْتِبَارُ الْعَامُّ هُوَ التَّقْوَى، كَمَا قَالَ تَعَالَى:{إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} . فَكُلُّ مَنْ كَانَ أَتْقَى كَانَ أَفْضَلَ مُطْلَقًا، وَإِذَا تَسَاوَى اثْنَانِ فِي التَّقْوَى اسْتَوَيَا فِي الْفَضْلِ، سَوَاءٌ كَانَا - أَوْ أَحَدُهُمَا - (1) غَنِيَّيْنِ أَوْ فَقِيرَيْنِ، أَوْ أَحَدُهُمَا غَنِيًّا وَالْآخَرُ فَقِيرًا، وَسَوَاءٌ كَانَا - أَوْ أَحَدُهُمَا - (2) عَرَبِيَّيْنِ أَوْ أَعْجَمِيَّيْنِ، أَوْ قُرَشِيَّيْنِ أَوْ هَاشِمِيَّيْنِ، أَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا مِنْ صِنْفٍ وَالْآخَرُ مِنْ صِنْفٍ آخَرَ. وَإِنْ قُدِّرَ أَنَّ أَحَدَهُمَا لَهُ مِنْ سَبَبِ الْفَضِيلَةِ وَمَظِنَّتِهَا [مَا لَيْسَ لِلْآخَرِ](3) ، فَإِذَا كَانَ ذَاكَ [قَدْ](4) أَتَى بِحَقِيقَةِ الْفَضِيلَةِ كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ لَمْ يَأْتِ بِحَقِيقَتِهَا، وَإِنْ كَانَ أَقْدَرَ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا، فَالْعَالِمُ خَيْرٌ مِنَ الْجَاهِلِ، وَإِنْ كَانَ الْجَاهِلُ أَقْدَرَ عَلَى تَحْصِيلِ الْعِلْمِ، وَالْبَرُّ أَفْضَلُ مِنَ الْفَاجِرِ، وَإِنْ كَانَ الْفَاجِرُ أَقْدَرَ عَلَى الْبِرِّ، وَالْمُؤْمِنُ الضَّعِيفُ خَيْرٌ مِنَ الْكَافِرِ الْقَوِيِّ، وَإِنْ كَانَ ذَاكَ يَقْدِرُ عَلَى الْإِيمَانِ أَكْثَرَ مِنَ الْمُؤْمِنِ الْقَوِيِّ. وَبِهَذَا تَزُولُ شُبَهٌ كَثِيرَةٌ تَعْرِضُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْأُمُورِ (5) .
(1) عِبَارَةُ " أَوْ أَحَدُهُمَا ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(2)
عِبَارَةُ " أَوْ أَحَدُهُمَا ": سَاقِطَةٌ مِنْ (ب) فَقَطْ.
(3)
مَا بَيْنَ الْمَعْقُوفَتَيْنِ سَاقِطٌ مِنْ (ن) فَقَطْ.
(4)
قَدْ: سَاقِطَةٌ مِنْ (ن) .
(5)
أ، و، ر، ي: الْأُمُورِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ.