الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
domk].
ابن الخطيب
ذو الوزارتين: وزارة القلم ووزارة السيف) Supplement: Dozy)، هو لسان الدين أو عبد الله محمد بن عبد الله بن سعيد بن عبد الله بن سعيد ابن علي بن أحمد السلْمانى (نسبة إلى حى من مُرَاد من عرب اليمن يدعى سليمان، وفيه تورية بسلمان الفارسي). وهو من أسرة هاجرت من الشام إلى الأندلس: إلى قُرْطُبَة فطُليطلة فلوشة فغرنَاطة، وكانت تعرف من قبل، "ببتى وزير" ثم أطلق عليها "بتى الخطيب" نسبة إلى سعيد الخطيب جده الأعلى، ولذلك يعرف محمد صاحب الترجمة عادة باسم لسان الدين بن الخطيب، أو ابن الخطيب السلمانى وحسب. ولد في الخامس والعشرين من رجب عام 713 هـ (15 نوفمبر 1313 م) ببلدة لوشة (وكانت تسمى قديمًا إليولا لاوس Ilipula Laus جنوبى غرناطة، على نهر شِنيل، على الحافة الغربية لبسيط المرج) وقضى شبابه في غرناطة، وكان أبوه قد انتقل إليها عاملًا من عمال بلاط بني نصر وهناك حضر دروسًا عدة على أكابر الشيوخ، ونبغ في التحصيل نبوغًا جعله أعظم الكتاب والشعراء ورجال الدولة وخاتمهم في غرناطة إن لم يكن في الأندلس كلها. واستشهد أبوه في وقعة طريف في 7 جمادى الأولى عام 741 هـ (أكتوبر 1340 م) فالتحق محمد بخدمة الوزير العالم أبي الحسن علي بن الجَياب وتلقى العلم عليه، ولما توفي ابن الجَيّاب بالطاعون في الثالث والعشرين من شوال عام 749 هـ (14 يناير 1349 م؛ انظر ترجمته في المَقرى، طبعة القاهرة 1302 هـ ، جـ 3، ص 222 - 240؛ جـ 4، ص 55) استوزره السلطان أبو الحجاج يوسف الأول (1333 - 1354 م). وبعد أن قتل هذا السلطان وزر لابنه وخليفته
محمد الخامس (1354 - 1359 هـ). ولما خلع محمد الخامس عام 1360 م سجن ابن الخطيب في غرناطة، ثم نفى مع السلطان المخلوع إلى مراكش، واعتكف هناك في سَلَا حتى عام 1362 م. وأعاد المرينيون في نفس هذا العام السلطان محمدًا الخامس إلى العرش (1391 م) فرجع ابن الخطيب إلى غَرْناطة ووزر له ثانية، وعاش هناك في سلام. وفر ابن الخطيب هاربا من دسائس أعدائه الخطيرة عام 1371 م من جبل طارق إلى سَبْتَة فتِلْمِسَان حيث ذهب إلى السلطان عبد العزيز أبي السعيد (1366 - 1372 م؛ وقد أخطأ ميلر Muller في كتابه-: Der Islam etc جـ 2، ص 669 وما بعدها، إذ جعل من عبد العزيز أبي السعيد شخصين مختلفين: هما عبد العزيز وأبو سعيد).
واتهم بالزندقة في غَرْناطة وطلب إبعاده فامتنع عن ذلك عبد العزيز وابنه ابن الخطيب وخليفته محمد الثالث السعيد (1372 - 1374 م) أما أبو العباس المستنصر المطالب بالعرش فقد شرع في التخلى عنه. وبينما كان تلميذه وخلفه في وزارة غرناطة أبو عبد الله (عبيد الله، في بروكلمان، جـ 2، ص 259) محمد بن زُمْزك (المَقرى، جـ 4، ص 274 - 322) ينظر قضية أستاذه في فاس، اقتحم جماعة من السفَّاحين سجن ابن الخطيب وخنقوه ليلاً، وكان قد استأجرهم لقتله سليمان بن داود نائب الوزير محمد بن عثمان مدفوعًا إلى ذلك بحقد شخصى. ولقد أثار هذا الحادث سخط الناس الشديد في صباح الغد.
ولم يبق من كتبه التي تناهز الستين- ومعظمها في التاريخ والجغرافيا والشعر والأدب والتصوف والفلسفة والطب - إلا ثلثها تقريبًا (انظر عن مصنفاته خاصة Pons Ensayo biobibliogr afica: Boigues رقم
ابن الخطيب
294،ص 334 - 347، Brockelmann . Gesch. der ar-Litt جـ 2،ص 260 - 263، والمراجع الواردة فيهما): وأهم تلك المصنفات كتابه المطول في تاريخ غَرْناطة المسمى "الإحاطة في تاريخ غَرنْاطة" ومعظمه في تراجم العلماء، ولا نزال في حاجة إلى نسخة علمية منه معتمدة على المخطوطات المختلفة لهذا الكتاب والفقرات المبعثرة منه، كما اننا في حاجة إلى ترجمة له. أما مختصر هذا الكتاب الذي صدر بالقاهرة منه جزءان عام 1319 هـ (لم يطبع الجزء الثالث بعد) فهو ناقص إلى حد كبير، ولا يوثق به فيما يختص بالأعلام الأندلسية (انظر فيما يتعلق بمخطوطات هذا الكتاب Cat. Cad. Arab .BibI. Acad. Lugd-Bat، جـ 2، الطبعة الثانية سنة 1907 م، رقم 1001، 1002، ص 103 ، 104). كذلك نحن في حاجة إلى طبعة علمية وترجمة لكتابيه في التاريخ اللذين أورد غزيرى Casiri منهما بعض الفقرات) Bibiotgeca، جـ 2، ص 117 - 246، 246 - 319) وهما "الحُلَل المَرْقُومة" و"اللَمْحة البَدْرية في الدولة النصرية"، ولقد أشار بروكلمان إلى طبعة لهذا الكتاب الأخير ظهرت بتونس عام 315 هـ ،وهذه الطبعة غير معروفة لكاتب هذه المادة، ولابد أن بروكلمان قد خلط بين هذا الكتاب وكتاب "رقَمْ الحُلَل في نَظْم الدول" الذي طبع بتونس عام 1316 هـ. ويذكر درنبورغ وغزيرى (غزيرى جـ 1، ص 136 نهر ب) وبروكلمان (ص 262) أن كتاب "خطْرَة الطَيْف في رحلة الشتاء والصيف" هو وصف لرحلته في إفريقية، بينما تبين طبعة ميلر (Beitrage جـ 1 ، ص 14 - 41) أنه وصف لرحلة قام بها الأمير أبو الحجاج في النواحى الشرقية لغرناطة. ولقد نشر ميلر وترجم عام 1863 م رسالة " (المقالة) مقنعة السائل عن
المرض الهائل" في الطاعون الذي تفشَّى عام 749 هـ (1348 - 1349 م) في (Sitzungsber der Bayr. Akad. der Wissenschafien) ويسمى هذا الكتاب عند بنون بويج Pons Boigues وغزيرى Casiri وبروكلمان باسم "منفعة السائل"، ونشر ميلر عام 1866 م كتاب "معيار الاختيار في ذكر المعاهد والديار" كاملا (Beitrage، جـ 1 ص 45 - 100) وطبع مرة أخرى بفاس عام 1325 هـ.
ونشر ماريانو جسيار رميرو. Mar iano Caspar Remiro عام 1912 م (في مجلته الدورية و Red. del، Centro. de Eetudios Itis or. de Granada su Reino. جـ 2 وما بعدها) جملة نصوص مع ترجمة لها من مجموعة الوثائق السياسية الكبيرة ذات الأسلوب المنمق المسماة "رَيْحانة الكتاب، ونجعة المنتاب". ونشر ميلر (في Beitrage جـ 1، ص 1 - 13) كتاب "مفاخرة (مُفاضلة) مالقة وسَلَا". وذكر حبيب الزيات في خزائن الكتب في دمشق وضواحيها ص 53 كتاب "روضة التعريف بالحسب الشريف للسان الدين بن الخطيب". ويحتوى المخطوط رقم 421 المحفوظ بمكتبة ميونخ على قصيدة له؛ وتحتوى المخطوطات المحفوظة بمكتبة ميونخ برقم 991 وما بعده على عدة نسخ من هذه القصيدة قام بها ميلر Muller: أما كتاب "الحلل المَوْشِيَّة في ذكر الأخبار المَراكُشِية" المطبوع في تونس عام 1329 هـ طبعة غير مرضية فقد نسب خطأ إلى صاحب هذه الترجمة (انظر مقالتى وملاحظاتى عن هذا الموضوع في مجلة. Rev. del Centro etc جـ 4، 137 - 138) ويوجد بأول هذا الكتاب أربع عشرة صفحة مشوهة في ترجمة لابن الخطيب استقيت من المقرى وابن خلدون.
[تسيبولد C.E. Seybold]
من قبيلة من كندة: وكان جدهما خالد - المعروف بخلدون (ومن هنا جاء اسم "ابن خلدون" الذي عرف به أفراد هذه الأسرة جميعًا) - أول من هاجر من اليمن إلى الأندلس في القرن الثالث الهجري (التاسع الميلادى).
ولقد تقلب أحفاده في مختلف المناصب الإدارية الهامة بالأندلس، بعضهم في قرمونة، وبعضهم في إشبيلية. ولما سقطت دولة الموحدين بالأندلس وأخذ النصارى يمضون في غزو تلك الباود، هاجر أفراد هذه الأسرة إلى سبتة، واستقر الحسن أبو جد الأخوين عبد الرحمن ويحيى في بلدة بونة، وكان قد استدعاه أبو زكريا الحفصى. وقد غمر أمراء الدولة الحفصية ورؤساؤها الحسن وابنه أبا بكر محمدا بفضلهم. وكان الحسن يلقب بعامل الأشغال، وقد توفي بالسجن مشنوقا، وتمكن ابنه محمد من الارتقاء أيضًا إلى عدة مناصب هامة في بلاط الحفصيين. إلا أن ابن محمد هذا، وكان يسمى محمدا أيضًا، زهد في المنصب فبقى في تونس وانصرف بكليته إلى الدرس والتعبد، وتوفى بالطاعون عام 750 هـ (1349 م) عن ثلاثة ذكور أكبرهم محمد، ولم يكن له أي شأن في السياسة والأدب. أما أخواه فقد اشتهرا بالسياسة والأدب، وهما موضوع مادتنا هذه:
1 -
عبد الرحمن (أبو زيد) ويلقب بولى الدين، ولد بتونس في أول رمضان عام 732 هـ (27 مايو 1332). وتوفى بالقاهرة في الخامس والعشرين من رمضان عام 808 هـ (19 مارس 1406). وبعد أن حفظ القرآن قرأ على والده وعلى أكابر علماء تونس، ودرس في شغف النحو واللغة والفقه والحديث، وكذلك الشعر. ولما احتل أبو الحسن المرينى عام 748 هـ (1347 م) تونس، حضر عبد الرحمن على العلماء المغاربة الذين قدموا مع هذا الأمير. وأتم دروسه في المنطق والفلسفة والتوحيد والشريعة وغير ذلك من العلوم العربية، ولقد ساعدته الصلات التي وثقها منذ ذلك العهد بالعلماء والرجال المبرزين في البلاط المرينى على أن يشغل فيما بعد المناصب
الرفيعة في ذلك البلاط بفاس. وأقيم ولما يبلغ الواحدة والعشرين من عمره كاتب علامة سلطان تونس، ولكن سرعان ما ترك هذا المنصب عندما شبت الفتن والاضطرابات في هذه العاصمة، ولجأ إلى بسكرة عند ابن مزنى صاحب الزاب. ولما استولى أبو عنان فارس المرينى على تلمسان وجميع البلاد التي تمتد شرقا حتى بجاية، التحق عبد الرحمن بخدمته، وعمل تحت إمرة أحد القواد المرينيين في إحدى الحملات، واستدعاه السلطان إلى فاس عام 755 هـ (1354 م) تلبية لرجاء علماء هذه المدينة فذهب إليها وأصبح كاتب سر أبي عنان، وواصل دراسته على أفاضل شيوخ عصره، وغضب عليه السلطان عام 757 هـ (1356 م) وزج به في السجن مرتين، وظل فيه في المرة الثانية حتى وفاة أبي عنان عام 759 هـ (1358). واستخدمه السلطان الجديد أبو سالم كاتبا لسره عام 760 هـ ثم عينه فيما بعد قاضيا للقضاة. وبعد مقتل أبي سالم الفظيع غضب عليه الوزير القبيح الصيت عمر بن عبد الله، ولكنه حصل منه على الإذن بالرحيل إلى غرناطة (763 - 764 هـ = 1361 - 1362 م) ولحق ببلاط بني الأحمر حيث اتصل بالوزير المعروف ابن الخطيب اتصال ود وصداقة. وبعد مضى عامين فتر ما بينهما من ود، فرحل ابن خلدون إلى بجاية بدعوة أميرها أبي عبد الله الحفصى الذي اتخذه حاجبا، وتولى في نفس الوقت منصب الخطيب، كما تولى منصب التدريس عام 766 هـ (1364 م). ولما سقطت بجاية في العام التالي في يد أمير قسنطينة، التجأ عبد الرحمن إلى بسكرة، وسرعان ما تراسل مع أبي حمو الثاني أمير للمسان من بني عبد الواد. وبعث إليه -كما حدثنا هو نفسه- أخاه يحيى ليكون حاجبه، وقام هو بدعوة القبائل العربية المختلفة إلى نصرة أبي حمو، كما مكنه من محالفة سلطان تونس أبي إسحاق وولده وخلفه خالد. ثم وفد بنفسه إلى تلمسان، ولكنه سرعان ما تخلى عن أبي حمو الثاني التعس عندما طرده السلطان عبد العزيز المرينى من عاصمة ملكه، وما لبث أن التحق بخدمة هذا السلطان، واستقر ابن خلدون في
بسكرة آمنا يواصل مناصرة عبد العزيز على أبي حمو حينما كانت تجتاح المغرب الفتن وتمزقه الحروب، ولم يذهب إلى فاس حتى عام 774 هـ (1372) ومنها رحل عام 776 هـ (1374) إلى غرناطة، ولكن سلطان تلك المدينة نفاه إلى هنين -وهي مرسى تلمسان- بتحريض المرينيين. ووجد في تلمسان للمرة الثانية صدرا رحبا لدى أبي حمو، ولكنه صمم حينئذ على أن يترك صداقة الأمراء، واعتكف في قلعة ابن سلامة (توغزوت) حيث بدأ يصنف كتابه العظيم في التاريخ،
ومكث بها حتى عام 780 هـ (1278 م) ثم ذهب إلى تونس للاطلاع على كتب عدة كان محتاجًا إليها في كتابة تاريخه. وفي عام 784 هـ خرج يقصد الحج إلى مكة، ولكنه توقف في رحلته عند الإسكندرية والقاهرة حيث ألقى دروسًا في الجامع الأزهر، ثم في المدرسة القمحية [بجوار جامع عمرو] وبعد ذلك عينه السلطان الظاهر برقوق عام 786 هـ ـ (1384 م) قاضيا لقضاة المالكية. ولما غرقت أسرته وأمواله مال إلى الزهد، وخرج إلى بيت الله حاجا عام 789 هـ (1367) وولى ثانية عام 801 هـ (1399 م) منصب قاضى قضاة القاهرة، وتخلى عنه مدة قصيرة ثم استعاده. وفي عام 803 هـ (1401 م) صحب السلطان الناصر إلى دمشق مع بقية القضاة في حملته على تيمورلنك. ولما. عاد إلى القاهرة شغل منصب القضاء مرة أخرى، وظل فيه إلى أن توفي، ويتخلل ذلك فترات انقطاع عدة.
ومما تقدم نرى أن عبد الرحمن ربما يكون قد أظهر كفاية سياسية فائقة في إدارة المناصب الهامة التي تولاها، كما أنه لم يتردد قط في التخلى عن أحد أرباب نعمته والالتحاق بخدمة آخر، وقد يكون هذا في كثير من الأحيان، خصما للأول. وقد رأينا كذلك أنه لعب دورًا خطيرًا في الشئون السياسية لشمالى إفريقية والأندلس، كما لاحت له فرص نادرة للحكم الصادق على حوادث ذلك العصر. ومؤلفه "كتاب العبر
…
" (طبع بالقاهرة: 1824 هـ في سبعة مجلدات) يعتبر بالرغم من تفاوت أجزائه في القيمة مصدرًا هامًا عن ذلك
العصر؛ وإذا كانت بعض أجزاء هذه الموسوعة التاريخية تشعر القارئ بالنقص في بسط الحقائق وفي قيمة الوثائق التاريخية فإن البعض الآخر - مع ضعف أسلوبه إلى حد ما- يضيف إلى التاريخ وثائق ذات قيمة كبرى. أما مؤلفه في "تاريخ البربر" فسيظل دائما مصدرا عظيم القيمة عن كل ما يتعلق بحياة القبائل العربية والبربرية بالمغرب وتاريخ هذه البلاد في العصور الوسطى، فهو ثمرة خمسين عاما (النصف الأخير من القرن الرابع عشر الميلادى) قضاها المؤلف في مشاهدة الحوادث عن كثب، وفي دراسة دائبة واسعة لكتب التاريخ الإخبارى ووثائق عصره السياسية والرسمية. أما "مقدمة" ابن خلدون التي تتناول الكلام "على كل فروع المعرفة والحضارة العربية، فستظل بلاشك أعظم مؤلفات ذلك العصر وأهمها من جهة العمق في التفكير، والوضوح في عرض المعلومات والإصابة في الحكم، ويظهر أنه لم يفقها كتاب ما لأى مؤلف إسلامى. وللاستزادة من أخبار عبد الرحمن انظر ترجمته التي كتبها لنفسه والتي نشرها وأتمها ده سلان De Slane في المجلة الأسيوية الباريسية عام 1844 م، وقد أعيد طبعها في الجزء الأول من كتاب "تاريخ البربر" وفي الجزء الأول من ترجمة المقدمة (باريس 1863) ، وانظر بروكلمان (. Gesch. d. ar . Litt جـ 2، ص 242 - 245) فيما يختص بمؤلفات ابن خلدون.
2 -
يحيى (أبو زكريا)، ولد بتونس حوالى عام 734 هـ (1333 م) وتوفى بتلمسان في رمضان عام 780 هـ (نوفمبر- ديسمبر 1378). وقد درس بمسقط رأسه كأخيه -والراجح أن يكون ذلك بصحبته- دراسة لا يعتورها كلل أو فتور، وكان على اتصال وثيق بمشاهير العلماء في عصره بقصبة بني حفص. ونستدل من مؤلفه الذي سنذكره فيما بعد أنه كان ذا ميل خاص للشعر والأدب، ولا نعرف عن شخصه إلا القليل؛ لأن المعلومات التي وصلت إلينا عنه مبعثرة هنا وهناك في كتب التاريخ" وخاصة في السيرة
التي كتبها أخوه عبد الرحمن عن نفسه، وفي الجزء الخاص بتاريخ البربر من "كتاب العبر". وقد وردت في هذا الكتاب صورة مفصلة عن مقتل يحيى في تلمسان، كما سرد يحيى تفصيلات قليلة عن حياته في كتابه "بغية الرواد".
ولم تبدأ حياته السياسية إلا عام 757 هـ (1356 م) إذ كان مع أخيه (الذي سجن بعد ذلك بقليل) في حاشية أبي سالم سلطان فاس عندما بعث هذا السلطان بأميريه الحفصين السجينين من تلمسان إلى بجاية، ولقد صحب نيابة عن أخيه هذين الأميرين وعمل حاجبا لأحدهما وهو الأمير أبو عبد الله. ولما أخفق هذا الأمير في استرداد بجاية بالرغم من حصاره الطويل لها، أرسل يحيى إلى أبي حمو الثاني أمير تلمسان يسأله المعونة والمساعدة عام 764 هـ (1362 م) فقوبل يحيى بالترحاب في تلمسان ومنح سؤله، وبعد أن حضر في تلك المدينة الاحتفال بالمولد النبوى ونظم قصيدة بهذه المناسبة، عاد أدراجه إلى مولاه، وصحبه إلى بلاط بني عبد الواد في الثامن من جمادى الآخرة (26 مارس 1363) وعاد الاثنان إلى بجاية برفقة كتائب من الجند أمدهما بها أبو حمو.
واستولى أمير قسنطينة الحفصى على بجاية، فاعتقل يحيى عام 767 هـ (1365 - 1366 م) وزج به في السجن بمدينة "بونة" وصادر أملاكه، ولكنه سرعان ما فر من سجنه وذهب إلى بسكرة ولحق بابن مزنى وبأخيه عبد الرحمن، والراجح أنه زار قبر عقبة، كما يؤخذ من وصفه له في كتابه "بغية الرواد"، أثناء إقامته في هذه المدينة. وعاد من بسكرة عام 769 هـ (1367 م) للحاق بأبى حمو في تلمسان تلبية لدعوة هذا الأمير، فوصل إليها في رجب عام 769 فبراير (1368 م) واتخذه أبو حمو كاتبا للإنشاء. ولما علم أن المرينيين يهددون تلمسان تناسى المعاملة الطيبة التي لقيها من أبى حمو، ولم يتردد في هجره عام 772 هـ (1371) والتحق بخدمة السلطان الممرينى عبد العزيز، ثم بخدمة خلفه محمد السعيد. ولم يرجع يحيى إلى تلمسان إلا بعد أن استولى السلطان أبو
العباس على "فاس الجديد" عام 775 هـ (1373 م) وهناك رجب به أبو حمو وأقامه ثانية على ديوان الإنشاء. وسرعان ما استعاد ثقة الأمير، ولكنه أثار بذلك حسد رجال البلاط وعلى الأخص أكبر أبناء أبي حمو وخلفه المنتظر أبي تاشفين الثاني، فاستأجر أبو تاشفين هذا بعض الأشقياء وهاجم معهم يحيى وقتله حين خروجه من القصر ليلاً في رمضان عام 780 هـ (1378 م) ولما علم أبو حمو أن ابنه كان المحرض على اقتراف هذا الجرم، لم يجد الشجاعة الكافية للاقتصاص من القتلة.
هكذا كانت حياة يحيى السياسية، أقصر من حياة أخيه وأقل خطرا، وَلكنها مع ذلك أتاحت له فرصة كتابة مؤلف غزير المادة في التاريخ هو "بغية الرواد في ذكر الملوك من بني عبد الواد"؛ وكثيرا ما اعتمد عليه بروسلار Brosselard وبارجس Barges في كتابة تاريخهما عن تلمسان. ولقد نشر كاتب هذه المادة النص العربي وترجمته الفرنسية بعنوان Hist. des Beni Abd El-Wad. rois de Tlemcen، (من ثلاثة أجزاء في مجلدين، الجزائر، السنوات 1904 ،1911، 1913) وهذا التاريخ المتعلق بسلطنة تلمسان مهم بصفة خاصة في معرفة حكم أبي حمو الثاني، ذلك الحكم الطويل المزدهر من بعض نواحيه، وقد كان صاحب الترجمة كاتب سره وموضع ثقته، فاستطاع بحكم منصبه هذا أن يطلع من غير شك على الوثائق السياسية بل يذكر بعضها كاملا في مصنفه. ومع أن يحيى لم يتناول في كتابه موضوعا متشعبا كموضوع أخيه عبد الرحمن، ولم يظهر سموا في التفكير ولا براعة في النقد مثل ما فعل أخوه في كتابه، إلا أنه بزه في الناحية الأدبية الخالصة، فقد أظهر يحيى في مؤلفه هذا بعض الملكات الأدبية والشعرية، كما كان أسلوبه الرشيق في غالب الأحيان موسيقيا، وكان يعلى كتابته بمقتطفات من أقوال فحول العرب القدماء. ولم يكن كتابه مجرد إلمام بالتاريخ السياسى لسلطنة المغرب الأوسط فحسب، بل أورد فيه كذلك كثيرا من قصائد شعراء البلاد الذين عاصروه،
كما أورد معلومات وافية عن علماء عصره وعن مجالس الشعر ببلاط للمسان، وليس من السهل الوقوف على مثل هذه المعلومات في كتاب آخر، وهو يعطينا لمحة صادقة عن الحياة العقلية في عاصمة بني عبد الواد في القرن الرابع عشر الميلادى.
المصادر:
غير ما ذكر من المصادر في صلب المادة انظر Complement de l'histoire: Barges ،des Beni Zeiyan باريس 1887، صه 205.
[الفرد بل Alfred Bel]
مصادر أخرى:
(1)
Umriss der Mu-: S. van den Bergh hammedanischen Wissenchaften nach Ibn Khaldun. رسالة مقدمة لجامعة فرايبورغ سنة 1912 ،ليدن 1912.
(2)
Etude analitique et: Taha Hussein critique de la philasophie Sociale d'lbn Khaldoun. باريس (رسالة جامعية) سنة 1917.
(3)
Ibn Khaldoun، Sa phi-: G. Bouthoul dosophie Sociale باريس سنة 1930.
Ibn Khaldoun historian،: N. Schmidt (4) sociologist and philosopher. نيويورك سنة 1329.
(5)
Die Geschichts-und: Kamil Ayad Gesellschaftlehre lbn Khalduns: شتوتكارت - برلين سنة. 1930 Geschichts-und) Gesellschaftlehre، طبعة Kurt Breysig جـ 2).
(6)
Ibn Khalduns Gedank-: E. Rosenthal en uber den Staat، ميونخ وبرلين سنة 1932 (Hist.Zeitschrift، جـ 25).
(7)
Les idees econ-: Sobhi Mahmassani -omiques d'Ibn Khaldoun، Essai his torique، analytique et critique، ليون سنة 1932.
(8)
The Islamic Back-: H. A. R. Gibb ground of Ibn Khaldun's Political Theory في B.S.O.S. جـ 7 (سنة 1933) ص 23 - 31.
(9)
محمد عبد الله عنان: ابن خلدون، حياته وتراثه الفكرى، القاهرة سنة 1352 هـ (1933 م).
[أرندنك C. Van Arendonk]