المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ ‌مالى هى إحدى ممالك القرون الوسطى الواقعة فى غرب القارة الافريقية - موجز دائرة المعارف الإسلامية - جـ ٢٩

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌الماتريدى

- ‌المصادر:

- ‌الماتريدية

- ‌الماذرائى

- ‌المصادر:

- ‌الـ ماردينى

- ‌‌‌المصادر:

- ‌المصادر:

- ‌مارية القبطية

- ‌المازنى

- ‌المصادر:

- ‌مالك بن أنس

- ‌المصادر:

- ‌مالك بن عوف

- ‌المصادر:

- ‌مالك بن نويرة

- ‌المصادر:

- ‌المالكية

- ‌1 - المذهب:

- ‌المصادر:

- ‌انتشار المذهب

- ‌السند القيروانى:

- ‌السند الأندلسى:

- ‌السند العراقى:

- ‌ السند المصرى

- ‌المبادئ والنظرية الفقهية:

- ‌المالكية والمخالفين

- ‌المالكية والتصوف

- ‌الطبقات والمصادر الأخرى للمالكية وأتباعها

- ‌2 - انتشار المذهب:

- ‌الغرب الإسلامى:

- ‌الأندلس:

- ‌أفريقيا وبلاد السودان:

- ‌المصادر:

- ‌مالى

- ‌المصادر:

- ‌المبرد

- ‌ومن أشهر أعمال المبرد:

- ‌المصادر:

- ‌المبرز

- ‌المصادر:

- ‌المبرقع

- ‌المنتقى الهندى

- ‌المصادر:

- ‌متى بن يونس

- ‌المصادر:

- ‌المثل

- ‌أولا: تعريفه

- ‌ثانيًا: الأمثال العربية

- ‌ثالثا: المجموعات العربية

- ‌رابعًا: مجموعات حديثة

- ‌ المصادر

- ‌مجاهد بن جبر

- ‌المصادر:

- ‌مجاهد الموفق

- ‌المصادر:

- ‌مجاور

- ‌المصادر:

- ‌المجتهد

- ‌أولًا: - بالنسبة للسنة:

- ‌ثانيًا: - الشيعة الأمامية الاثنا عشرية:

- ‌المصادر:

- ‌المجرة

- ‌المصادر:

- ‌مجنون ليلى

- ‌1 - زودت المراجع العربية القديمة هذه الشخصية بسلسلة كاملة من الأنساب

- ‌2 - فى الأدب الفارسى والكردى والباشتو

- ‌المصادر:

- ‌3 - فى الأدب التركى:

- ‌المصادر:

- ‌المحاسن والمساوئ

- ‌1 - المجادلات العقيدية (المناظرات):

- ‌2 - المجادلات الدنيوية (مفاخرات، مناظرات):

- ‌كتابات الجاحظ:

- ‌وتبلور فن المحاسن والمساوئ

- ‌الثعالبى وفن المحاسن والأضداد

- ‌المحاسن والأضداد بعد الثعالبى:

- ‌المصادر:

- ‌محكمة

- ‌1 - مدخل عام:

- ‌المصادر:

- ‌2 - الدولة العثمانية:

- ‌(أ) ما قبل إصلاح النظام القضائى

- ‌أثر تدهور الإمبراطورية على المحاكم الشرعية

- ‌(ب) عصر الإصلاح:

- ‌المصادر:

- ‌3 - إيران

- ‌المصادر:

- ‌4 - فى بعض البلدان العربية فى العصر الحديث

- ‌1 - مصر

- ‌المصادر:

- ‌2 - سوريا

- ‌المصادر:

- ‌3 - لبنان

- ‌المصادر:

- ‌4 - العراق

- ‌المصادر:

- ‌5 - فلسطين

- ‌المصادر:

- ‌6 - الأردن

- ‌المصادر:

- ‌7 - المملكة العربية السعودية

- ‌المصادر:

- ‌8 - اليمن

- ‌المصادر:

- ‌9 - دول الخليج

- ‌المصادر:

- ‌10 - مراكش

- ‌المصادر:

- ‌تعديلات القوانين المطبقة فى المحاكم الشرعية

- ‌11 - إندونيسيا

- ‌المصادر:

- ‌محمد [صلى الله عليه وسلم] نبى الإسلام

- ‌المصادر:

- ‌محمد بن إبراهيم بن طهماسب

- ‌محمد بن حازم

- ‌ المصادر

- ‌محمد بن الحسن بن دينار

- ‌محمد بن الحنفية

- ‌محمد بن خلف

- ‌المصادر:

- ‌محمد بن طاهر الحارثى

- ‌المصادر:

- ‌محمد عبده

- ‌المصادر:

- ‌محمد على باشا

- ‌محمد على حاكما لامبراطورية اقليمية (1828 - 1841 م):

- ‌المصادر:

- ‌محمد بن القاسم

- ‌محمد بن محمود أبو شجاع

- ‌المصادر:

- ‌محمد بن مروان

- ‌محمد بن وصيف

- ‌المصادر:

- ‌المحمل

- ‌المصادر:

- ‌مخا

- ‌مخزوم، بنو

- ‌المصادر:

- ‌المخزومى

- ‌المصادر:

- ‌المدائنى

- ‌المصادر:

- ‌مدراس

- ‌1 - التسمية:

- ‌2 - التاريخ:

- ‌المصادر:

- ‌مدين شعيب

- ‌المصادر:

- ‌المدينة الزاهرة

- ‌المدينة المنورة

- ‌تاريخ المدينة حتى سنة 1926 م:

- ‌المدينة من 661 م إلى 1929 م:

- ‌المصادر:

- ‌المرابطون

- ‌1 - أصلهم وتاريخهم فى الشمال الإفريقى:

- ‌2 - سقوط المرابطين:

- ‌مراد، بنو

- ‌المصادر:

- ‌مراسم

- ‌مراسم الخلافة والفاطميين:

- ‌فى أسبانيا الإسلامية

- ‌فى إيران

- ‌فى الامبراطورية العثمانية:

- ‌فى بلاد الهند الإسلامية

- ‌المصادر:

- ‌مرثية

- ‌ فى الأدب العربى:

- ‌ فى الأدب الفارسى:

- ‌فى الأدب التركى:

- ‌فى الأدب الأردى:

- ‌فى الأدب السواحيلى:

- ‌مرج دابق

- ‌المصادر:

- ‌مرداس بن أدية

الفصل: ‌ ‌مالى هى إحدى ممالك القرون الوسطى الواقعة فى غرب القارة الافريقية

‌مالى

هى إحدى ممالك القرون الوسطى الواقعة فى غرب القارة الافريقية وجمهورية مالى الحالية سميت على اسم هذه المملكة الوسيطة، سيطرت مملكة مالى الوسيطة على جميع مقاطعات مالى الحالية فى القرن الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين، بل وامتدت لتشمل كل المناطق التى تضمها الآن جمهورية السنغال وجمبيا والنيجر.

كانت المالينكى هى الجماعة العرقية الغالبة فى مالى الوسيطة، وعرفت هذه الجماعات أيضًا باسم ماندينكا Mandinka وهى من ضمن مجموعة الشعوب الناطقة بلغة الماندى.

عرف تاريخ مملكة مالى الوسيطة من المصادر العربية المدونة ومن المرويات الشفهية حيث يقدم لنا المصدران وجهتى نظر مختلفة، إلا أنهما متممان لبعضهما البعض، إذ تظهر المرويات الشفهية الروح الافريقية بينما تؤكد المصادر العربية على الجوانب الإسلامية.

ويصف البكرى عام 1067 م/ 460 هـ دولة مالال Malal ذات الزعامة القبلية وسط محيط من الفوضى والشعوب غير المنظمة، ويرجع التفوق النسبى لشعب المالال إلى اعتناق زعيمه الإسلام بعد قدوم زائر حدث أن صلى صلاة الاستسقاء فنزل المطر فعلا مما أنقذ البلاد من جفاف شديد ولا بد أن مالال التى وصفها البكرى كانت فى وقت من الأوقات مقسمة إلى زعامات محلية (غير موحدة) وأنها وفقا للمرويات الشفهية قد ظهرت بين شعب المالينكى.

خلال القرنين الحادى عشر والثانى عشر الميلادى وقد وصل المسلمون لهذه المنطقة من أعالى نهر النيجر وهم فى طريقهم إلى مدينة بورنى Burne حيث مناجم الذهب الذى بدأ اكتشافه فى حوالى ذلك الوقت خلفت مالى (الوسيطة غانه الوسيطة أيضًا) كقوة مسيطرة فى السودان الغربى (غريب افريقيا) ولكن بين بزوغ نجم مالى وضعف غانه فى أواخر القرن الثانى عشر الميلادى، قامت جماعة السوسو

ص: 8993

Susu الجنوبية وهم فرع من السوفنكى بغزو مناطق إلى الشمال (غانه) والى الجنوب (دويلات المالينكة).

أظهرت جماعة السوسو رد فعل تقليدى تجاه الإسلام الذى أصبح آنذاك عاملا فعالا يؤثر فى بعض الزعامات القبلية، وقد قاد سنجاتا Sunjata حربا لتحرير المالينكى من حكم السوسو، واعترفت كل القوى بسنجاتا كزعيم لشعوب المالينكى ولقب بمنسا Mansa.

وتوسعت مملكة مالى الجديدة شمالا نحومنطقة السهول فى النصف الأول من القرن الثالث عشر بعد الانتصار على السوسو وأصبحت التجارة عبر الصحراء الكبرى -حيث ازدهرت مجتمعات المسلمين- تنتهى جنوبا عند مالى وهكذا عمل الماليون كهمزة وصل مع العالم الإسلامى شمال الصحراء، لقد تحولت الزعامة القبلية الصغيرة المالينكى إلى مملكة متعددة الأعراق وتغلغل فيها النفوذ الإسلامى داخليًا وأرتبطت بمصالح مع العالم الإسلامى وروابط إسلامية مع العالم الخارجى فاعتنق حكام مالى الإسلام وتبنوا سياسة إسلامية شرقية.

وسع منسا والى Mansa uli أو اولى ابن مؤسس مالى فتوحات أبيه وأمن حدود مالى الشمالية فى الصحراء الكبرى مما أتاح له فرصة الحج إلى مكة مارًا بالقاهرة خلال حكم السلطان الظاهر بيبرس (658 - 676 هـ/ 1260 - 1277 م) كما سجل ابن خلدون الذى ندين له بتدوين رائع لتاريخ ملوك مالى فى القرنين الثالث عشر والرابع عشر رحلة حج الحاكم ساكورا Sakura خلال فترة الحكم الثانية للسلطان الملك الناصر بن قلاوون 698 - 708 هـ/ 1299 - 1309 م ولكن أكثر هؤلاء الحكام شهرة من الحجاج الملكيين هو منسا موسى الذى زار القاهرة عام 1324 م/ 724 هـ ورسخت زيارات هؤلاء الملوك لشمال افريقيا ومصر ومكة شهرة مالى (ويشار لها غالبًا فى التاريخ المصرى باسم تكرور) كمملكة غنية بالذهب وأصبحت الروابط الدينية والحضارية والتجارية بين مصر ومالى

ص: 8994

أكثر قوة. وفى داخل مالى كان الجميع -مسلمون وغير مسلمين- ينظرون للحجاج المسلمين بتوقير وقداسة، كما كان الحج من الأمور التى تدعم سلطان حاكم مالى وساعد أداء فريضة الحج وزيارة أراضى الإسلام الرئيسية على تنبيه الحكام إلى يسر الدين الإسلامى، كما سعى منسا موسى إلى مزيد من السياسة الإسلامية النشطة بعد عودته من الحج، فبنى المساجد وأرسل العلماء للدراسة فى الخارج (فى فاس). وفى عام 747 هـ/ 1337 م بدأ منسا موسى تبادل السفراء والمنح مع السلطان المغربى "أبو الحسن على" المرينى واستمرت هذه العلاقات الطيبة فى عهد خلفائهما حتى 762 هـ/ 1360 م.

زار مالى عام 753 - 754 هـ/ 1352 - 1353 م الرحالة المغربى ابن بطوطة خلال حكم منسا سليمان أخو منسا موسى وقابل سكانا مغاربة فى العديد من مدن مالى ويظهر وصف ابن بطوطة أن الإسلام غدًا دينًا قويًا فى مالى وذكر أن حضور الملك لصلاة العيدين فى موكب رسمى تجذب غير المسلمين أيضًا.

كل هذا مع بقاء عناصر من السكان على الوثنية وقد شجب ابن بطوطة ذلك كما شجب عادات جاهلية أخرى فى بلاط ملك مالى، ولكن كانت له أيضًا كلمات إطراء لخشوع المسلمين الماليين فى الصلاة وخاصة صلاة الجمعة واهتمامهم بحفظ القرآن الكريم عن ظهر قلب. وكانت للشعائر الإسلامية أهمية أكثر من الأمور التشريعية، فلم يتبع تعاليم الشريعة سوى السكان الأجانب وبعض التجار المحليين ورجال الدين.

تغلغل الإسلام فى المجتمعات الإفريقية عن طريق بلاط الحكام، وكان الإسلام قويًا ولعلمائه شأن خاصة فى المدن الإسلامية المحضة والمراكز التجارية فى المقام الأول، واحترمت ملوك مالى استقلال هذه المدن التى كانت مدينة تمبكتو أهمها جميعا.

وتحولت تمبكتو إلى مدينة تجارية ومركزا حضاريًا إسلاميًا مهما منذ القرن الرابع عشر الميلادى، ونشأت

ص: 8995

هذه البلدة كمكان للمعسكرات الصيفية ومركزًا تجاريًا للطوارق.

ومع بداية القرن الخامس عشر الميلادى امتلأت تمبكتو بالفقهاء من مختلف أنحاء غريب أفريقيا، ومن علماء تمبكتو البارزين موديبو محمد Modiba Mohammed الذى أتى من مدينة كابور Kabor المطلة على نهر النيجر جنوب تمبكتو. وذكر ابن بطوطة هذه المدينة جنبًا إلى جنب مع مدينة دياغا Diagha التى كان أهلها مسلمين يسهل التعرف عليهم من تقواهم وبحثهم الدائم عن المعرفة.

ضعفت مالى أواخر القرن الرابع عشر الميلادى بسبب المتنافسين على خلافة الحكم مما أفقدها السيطرة على المقاطعات فى مناطق السهول وفى عام 837 هـ/ 1433 - 1434 م إنتقلت تمبكتو إلى أيدى الطوارق، فقد شجع الفراغ السياسى الذى نتج عن إنهيار مالى إلى توسع مملكة سنغى (صنغى) Songhay التى ظهرت غرب النيجر. وواكب سيطرة سنغى على المنطقة الشمالية لجمهورية مالى الحالية فى النصف الثانى من القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر الميلادى أشهر مراحل التاريخ الفكرى والاقتصادى لمدينة تمبكتو، وأعيد ترتيب تاريخ سنغى من الرسائل الشخصية لأحمد بابا 1036 هـ/ 1627 م، ومن تاريخ تمبكتو فى منتصف القرن السابع عشر، وتاريخ السودان للسعدى وتاريخ الفتاش لابن المختار.

كانت جنى Djenne التى ربطها نهر النيجر مع مدينة تمبكتو مركزًا تجاريًا واسلاميًا لبلاد السودان الغربى. وعن مستوى التعليم الإسلامى فى جنى يمكننا معرفة ذلك من خلال السيرة الذاتية لاثنين من أبنائها وهم محمد وأحمد باغيوغو اللذين انتقلا لتمبكتو وأصبحا من علمائها البارزين. وهناك أيضًا التجار المسلمون من الديولا والماركا الذين وسعوا نشاطهم جنوبًا حتى النطاق الغابى ونقلوا معهم تعاليم الدين الإسلامى.

وامتدت إمبراطورية سنغى على طول نهر النيجر حتى مدينة جنى فى الجنوب وتقلصت مالى إلى مدن

ص: 8996

المالكينكى الرئيسية ولكنها استمرت فى شن الهجمات حتى بداية القرن السابع عشر الميلادى، وكانت نيانى Niani عاصمة مالى تقع على نهر سنكارانى Sankarani أحد روافد أعالى نهر النيجر (فى غينيا حاليًا). مكثت مالى لفترة تعد أطول من القوتين الأخريين بالسودان الغربى (غريب أفريقيا) وهما غانه وسنغى بسبب عمق جذورهما السياسية والعرقية فى إقليم السافانا، فكانت مراكز كليهما تقع فى السهل الشمالى مما جعلها عرضة لأى تدخل خارجى كما حدث أيام المرابطين فى القرن الحادى عشر الميلادى والمغاربة أواخر القرن السادس عشر الميلادى.

وفى عام 1591 م أرسلت حملة مغربية مؤلفة من قوة عسكرية بقيادة السلطان أحمد المنصور الذى هزم جيش سنغى لتفوق حملته فى الأسلحة النارية وبمساعدة جاو Gao وتمبكتو وجنى. وأصبحت تمبكتو عاصمة بشلق ولكنها سرعان ما استقلت فعليًا عن المغرب وحكمتها طبقة عسكرية مؤلفة من أبناء الغزاة المغاربة والمعروفين باسم الرماة أو أرما، وقد ظل البشلق موجودا بالفعل حتى بداية القرن التاسع عشر الميلادى، ثم ضعفت مالى لتصبح مملكة محدودة الأهمية خلال القرن الخامس عشر والسادس عشر الميلادى، ولكن البرتغاليين الذين وصلوا إلى غمبيا حينذاك كانوا على دراية تامة بقوة حاكم مالى داخليا والذى امتد نفوذه حتى الساحل الاطلنطى، وساعدت هجرة مقاتلى المالينكى والفلاحين والتجار إلى غمبيا على توسع مالى غربًا. وفى عام 1621 م أبحر الرحالة البريطانى جوبسون Jobson إلى أعالى نهر غمبيا وقابل العديد من التجار المسلمين ورجال الدين الذين كانوا يتحركون بحرية بجميع الأماكن حتى فى وقت الحرب (1).

وأصبح الإسلام فى مالى وسنغى جزءًا من النسيج العام على المستوى الفكرى والتنظيمى، بل وحتى الملوك العظام (الاساكى والمناسى)، الذين

(1) ترجم جانب كبير من هذه الرحلة فى أشهر الرحلات إلى غرب أفريقيا -سلسلة الألف كتاب- الهيئة المصرية العامة للكتاب). (المترجم)

ص: 8997

تعرضوا لمؤثرات إسلامية خارجية وحكموا فى مراكز التعليم الإسلامى ظلوا متعلقين بالتراث الوثنى، واقتصر الإسلام بوجهه الخالص على تجار المدن والعلماء. واستمر الحال كذلك فى القرنين السابع عشر والثامن عشر سوى أن حكام الدول الصغيرة التى ظهرت كنتيجة لتفتيت الامبراطوريات العظمى لم يكن لهم أى اتصال بالمراكز الإسلامية نظرًا لفرة الإقليمية التقليدية.

وكان البمبارا Bambara وهم أحد الجماعات العرقية الأساسية فى مالى حاليًا قد ارتبطوا بقوة مع المالينكى وهم يتحدثون بلهجة مماثلة مطلقين على أنفسهم اسم بانمانا Banmana، ويدل مصطلح بمبارا على معنى الشكوكيين "الكفرة". ففى مالى القديمة كانوا بين الرعية وعامة الفلاحين الذين ليس لهم نصيب فى الحضارة الإمبراطورية التى كان الإسلام أحد دعائمها الهامة. وتلى ضعف مالى دخول البمبارا فى عملية بناء دولة بلغت ذروتها بتأسيس دولة السيجو Segu وكارتا Kaarea البمبارية فى القرن الثامن عشر الميلادى. ومع ظهور العشائر البمبارية على الساحة السياسية تولى زعماؤهم السلطة تحت النفوذ الإسلامى. واخترقت المبادئ الإسلامية حضارة البمبارا.

وامتدت الحدود الشمالية لمالى الحديثة فى جنوب الصحراء الكبرى ونتج عن هذا اختلاط بالعناصر البربرية وعلى هذا فسكان مالى -مثل سكان النيجر وتشاد- يتكونون من رعاة جنوب الصحراء الكبرى وفلاحى السهول والسفانا. ولعب التوتر بين هذين القطبين دور، مهما فى الحياة السياسية لهذه الدول رغم تحديد فرنسا الاستعمارية للحدود الحالية، فالتفاعل بين الصحراء والسهل له عمق تاريخى طويل.

وكان لجنوب الصحراء الكبرى أهمية استراتيجية بالنسبة لدول غريب افريقيا كمخرج لطرق التجارة الصحراوية، ومن جهة أخرى جذبت المراعى الواعدة للسهل رعاة الصحراء الجنوبية خاصة فى سنوات الجفاف.

فحينما تسيطر دولة قوية على السهل (كغانا فى القرن الحادى عشر

ص: 8998

الميلادى ومالى فى القرن الرابع عشر وسنغى فى القرن السادس عشر الميلادى) فإن سلطتها تمتد حتى الطوارق فى جنوب الصحراء الكبرى ولكن تخلل تلك العصور تمركز الرعاة جنوبا، ومع ضعف قوة البشلق فى النصف الثانى من القرن السابع عشر الميلادى بدأت أكثر الغزوات حسب للطوارق لمنحنى النيجر.

ولم يكن جنوب الصحراء الكبرى مجرد تهديد للسهل فحسب بل مسقط رأس القيادة الروحية والدينية. وكان أكثر العلماء سيطرة فى تمبكتو من قبيلة صنهاجة البربرية مثل أسرة أفيت Akit الشهيرة. وقد هذب من قسوة رعاة الصحراء ظهور رجال صالحين من أسر متدينة كان لمكانتهم الدينية أثر سياسى، وفى القرن الثامن عشر أسست عشيرة الكونتا Kunta وهى من أصل بربرى عربى واحدة من مراكزها فى أزود Azawad الواقعة شمال تمبكتو. وكان زعيمهم سيدى مختار الكونتى (1728 - 1811 م) قد تغلغل مع جماعة من الطوارق المحاربين واستطاع بسط نفوذه على منحنى النيجر ومدينة تمبكتو، وامتدت سلطته الدينية كزعيم لجماعة القادرية الصوفية التى انتشرت لأول مرة بصورة فعلية بين المجتمعات الإسلامية فى إقليم السافانا عن طريق أتباع سيدى المختار الكثيرين.

وساهم دخول الصوفية إلى السودان الغربى (غريب أفريقيا) فى إحياء الإسلام وروح النضال التى تمخضت عنها روح الجهاد، فبدأ الشيخ أحمد وأحد أتباع القادرية فى مدينة كنتى الجهاد ضد زعماء عشيرة الفولبى Fulbe، فى ماسينا Massina التى مارست اسلامًا مشوبًا ببعض الخرافات. كما تحدى السلطة الدينية للعلماء الرسميين فى مدينة جنى لإقرارهم وجود نظام اجتماعى سياسى لا يترك إلا دورا هامشيا للإسلام، ونتج عن نجاح الشيخ أحمد عسكريًا إنشاء دولة ثيوقراطية عاصمتها مدينة حمد اللَّه الجديدة، والتى مكثت لأكثر من أربعين عامًا تحت القيادة الناجحة للشيخ أحمد وابنه وحفيده من بعده.

وفى عام 1862 م غزا مدينة حمد اللَّه ودمرها أحد المجاهدين المناوئين، وهو

ص: 8999

الحاج عمر بن سعيد الذى سد عليه الفرنسيون الطريق إلى وطنه فوتاتور Futa tora الواقعة فى السنغال الأدنى فوجه جهوده شرقًا نحو دولة البمبارا وهجم آنذاك على دولة حمد اللَّه الثيوقراطية التى لعنها لانحيازها لدولة بمبارا التى اعتبرها كافرة. ولكن خلف هذا الستار كمن صراع ضار بين جماعتين من الصوفية وهما القادرية فى مدينة حمد اللَّه والتيجانية التى يتزعمها الحاج عمر. وقدمت التيجانية نموذجا لطريقة أكثر قوة وأصولية وشعبية تتحدى به الطريقة الارستقراطية التى قامت على أساسها الطريقة القادرية، امتعض زعيم القادرية أحمد البكائى Ahmed Al Bakai " حفيد سيدى المختار الكونتى الأكبر" من العدوان الواقع على حمد اللَّه، فهب لمقاومة التهديد التيجانى للحاج عمر الذى قتل فى إحدى المعارك عام 1864 م.

حكم "أحمد" ابن الحاج عمر قرابة ثلاثين عاما فى مدينة سيجو Segu عاصمة بمبارا السالفة، وقوى سلطانه بسبب جيشه المؤلف من أتباع توكولور Tokolor ومن المجندين الإلزاميين ضد المقاومة المستمرة للجماعات العرقية الداخلية. فاستغل القواد العسكريون الفرنسيون فى تقدمهم نحو نهر النيجر الخلافات الداخلية فى الإمبراطورية التيجانية بمدينة سيجو وأوقعوا بهم الهزيمة الأخيرة عام 1893 م. وقد رحبت الجماعات العرقية غير المسلمة بتحررها من الحكم التيجانى، وارتد كثير ممن أجبرتهم التيجانية على الدخول فى الإسلام إلى سالف عهدهم.

وخلال الفترة الاستعمارية "عندما كانت جمهورية مالى الحالية معروفة باسم السودان الفرنسى" أحرز الإسلام تقدما ملحوظا بين أغلب الجماعات العرقية محققا انتصارًا على الذين نزحوا إلى المدن النامية والذين لحقوا بهجرة العمال الموسمية إلى أكثر المستعمرات ثراءً. ومع الطرق الأفضل والأكثر أمنًا زار المزيد من رجال الدين (الأولياء) القرى لهداية غير المسلمين وتقوية الدين بين المجتمعات الإسلامية

ص: 9000