المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌المبحث الرابع: الأولياء والكرامات - موسوعة الفرق المنتسبة للإسلام - جـ ٧

[مجموعة من المؤلفين]

فهرس الكتاب

- ‌المبحث الأول: الزواج

- ‌المبحث الثاني: المسيحية وترك الدنيا:

- ‌المبحث الثالث: الزّاويَةُ وَالملْبَسُ:

- ‌المبحث الرابع: المذاهبُ الهنْديّة وَالفَارسيَّة:

- ‌المبحث الخامس: الأفلَاطونيّة الحَدِيثَة:

- ‌الفصل العاشر: التصوف عند الوثنيين وأهل الكتاب

- ‌المبحث الأول: الصوفية عند الوثنيين

- ‌المطلب الأول: الطاوية (منتشرة في الصين)

- ‌المطلب الثاني: الجينينة (نسبة إلى جينا، أي: القاهر والمتغلب)

- ‌المطلب الثالث: الهندوسية

- ‌المطلب الأول: عند اليهود

- ‌المطلب الثاني: عند النصارى

- ‌الفصل الحادي عشر: الخلوات الصوفية ومنها الخلوات التجانية

- ‌المبحث الأول: الدليل على الخلوات الصوفية حسب زعمهم

- ‌المطلب الأول: مدة الخلوة

- ‌المطلب الثاني: شروط الخلوة الصوفية

- ‌المبحث الثالث: أقسام الخلوات الصوفية

- ‌المبحث الرابع: تثبيط الصوفية أتباعهم عن الجهاد في سبيل الله وقتال الكفار وتسميتهم للجهاد بالجهاد الأصغر وتسميتهم لما يسمونه جهاد النفس بالجهاد الأكبر

- ‌الفصل الثاني عشر: كيفية الدخول في المذهب الصوفي

- ‌الفصل الثالث عشر: أصول الصوفية

- ‌المبحث الأول: عقيدة المتصوفة في الإله عز وجل

- ‌المبحث الثاني: وحدة الشهود أو الفناء وبيان العلاقة بين وحدة الشهود ووحدة الوجود

- ‌المبحث الثالث: الولاية وبيان بعض المصطلحات الصوفية

- ‌المبحث الأول: معنى التزكية وأهميتها

- ‌المبحث الثاني: مقارنة بين أهل السنة والصوفية في مناهج التزكية

- ‌المبحث الثالث: منهج التزكية عند الصوفية

- ‌المبحث الرابع: مقارنة بين أهل السنة والصوفية في غاية التزكية

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: الشرعيَّة والحقيقة

- ‌المبحث الثاني: الحقيقة المحمَدية

- ‌المبحث الثالث: وحدة الأديان

- ‌المبحث الرابع: الأولياء والكرامات

- ‌المبحث الخامس: الأقطاب والأوتاد

- ‌المبحث السادس: الشطح واللامعقول

- ‌المبحث الأول: تربية ذليلة

- ‌المبحث الثاني: المتصَوفة وعلم الحَديث

- ‌المبحث الثالث: البطالة والانحِلَال

- ‌المبحث الرابع: السَّمَاع وَالذِكر

- ‌المبحَث الخامِس المتصَوفة والجهَاد

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: الإيمان بالغيب في الكتاب والسنة

- ‌المبحث الثاني: الغيب في المعتقد الصوفي

- ‌المبحث الثالث: عبدالكريم الجيلي وكتابه (الإنسان الكامل)

- ‌المبحث الرابع: ادعاء رؤية العوالم العلوية والسفلية

- ‌المبحث الخامس: ما الذي يريده هؤلاء الملاحدة

- ‌المبحث السادس: الغزالي وطريق الكشف

- ‌المبحث السابع: ابن عربي والكشف الصوفي

- ‌المبحث الثامن: نماذج من الكشف الصوفي

- ‌الفصل التاسع عشر: الشطحات الصوفية

- ‌الفصل العشرون: التكاليف في نظر الصوفية

- ‌المبحث الأول: تعريف الذكر الجماعي

- ‌المبحث الثاني: نشأة الذكر الجماعي

- ‌المبحث الثالث: حجج المجوّزين للذكر الجماعي وأدلتهم

- ‌المبحث الرابع: حجج المانعين من الذكر الجماعي وأدلتهم

- ‌المبحث الخامس: صفة الذكر

- ‌المبحث السادس: حكم الذكر الجماعي

- ‌المبحث السابع: مفاسد الذكر الجماعي

- ‌المبحث الثامن: فضائل مكذوبة للأذكار الصوفية

- ‌الفصل الثاني والعشرون: الوجد والرقص عند الصوفية

- ‌الفصل الثالث والعشرون: الكرامات وخوارق العادات عند الصوفية

- ‌المبحث الأول: أبو يزيد البسطامي ومعراجه

- ‌المبحث الثاني: معراج إسماعيل بن عبدالله السوداني

- ‌المبحث الأول: الولاية الرحمانية

- ‌المبحث الثاني: الولاية الصوفية الشيطانية

- ‌المبحث الثالث: مراتب الولاية عند الصوفية

- ‌المبحث الرابع: القطب الغوث واحد في الزمان فقط

- ‌المبحث الخامس: قطب سنة 593هـ من مدينة فاس بالمغرب

- ‌المبحث السادس: وظيفة القطب

- ‌المبحث السابع: الأبدال السبعة ووظائفهم

- ‌المبحث الثامن: مدة حكم القطب ووظيفته

- ‌المبحث التاسع: ابن عربي القطب الأعظم

- ‌المبحث الأول: الحكيم الترمذي وكتابه (ختم الأولياء)

- ‌المبحث الثاني: ابن عربي وختم الولاية

- ‌المبحث الثالث: محمد عثمان الميرغني وختم الولاية

- ‌المبحث الرابع: أحمد التيجاني وختم الولاية

- ‌المطلب الأول: الإسلام لم يأت بتقديس القبور والأضرحة

- ‌المطلب الثاني: تعامل الصحابة مع ما عرف من قبور الأنبياء

- ‌المطلب الثالث استمرار ما درج عليه الصحابة من الهدي في تسوية القبور والنهي عن تعظيمها إلى نهاية القرون المفضلة

- ‌المطلب الأول هدي اليهود والنصارى في اتخاذ القبور مساجد واستحقاقهم اللعن على ذلك وتحذير النبي صلى الله عليه وسلم من فعلهم

- ‌المطلب الثاني: النهي عن التشبه باليهود والنصارى

- ‌المطلب الثالث: الرافضة هم أول من أحدث المشاهد المعظمة في الملة الإسلامية وغلوا في أصحابها حتى عبدت من دون الله تعالى

- ‌المبحث الثالث: واقع القبورية في العالم الإسلامي

- ‌المبحث الرابع: أشهر هذه القبور في العالم الإسلامي

- ‌تمهيد

- ‌المطلب الأول: الفضائل المفتراة التي يروجون بها لزيارة هود عليه السلام

- ‌المطلب الثاني: نماذج من أشعار القوم في الترويج لها

- ‌المطلب الثالث: وسائل جذب الزوار لهذه الزيارة

- ‌المطلب الرابع: مظاهر وثنية في هذه الزيارة

- ‌المطلب الخامس: الطقوس الوثنية فيها

- ‌أولا: المناسك الزمانية

- ‌ثانياً: المناسك المكانية

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: هيئة الديوان

- ‌المبحث الثاني: زعمهم أن النبي صلى الله عليه وسلم يحضر الديوان

- ‌المبحث الثالث: ساعة انعقاد الديوان

- ‌المبحث الرابع: زوجات النبي صلى الله عليه وسلم والديوان

- ‌المبحث الخامس: زعمهم حضور الملائكة للديوان

- ‌المبحث السادس: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي وفاطمة والحسن والحسين أعضاء في الديوان

- ‌المبحث السابع: لغة أهل الديوان

- ‌المبحث الثامن: أولياء يحضرون الديوان بأرواحهم فقط

- ‌المبحث التاسع: الديوان يعقد في صحراء السودان أحياناً

- ‌المبحث العاشر: ماذا لو غاب الغوث

- ‌المبحث الحادي عشر: الغوث الصوفي دكتاتور كبير

- ‌المبحث الثاني عشر: أولياء ينظرون في اللوح المحفوظ

- ‌المبحث الثالث عشر: لماذا يجتمع أهل الديوان

- ‌تمهيد

- ‌المبحث الأول: اتخاذ الشيخ

- ‌المبحث الثاني: مواصفات الشيخ

- ‌المبحث الثالث: آداب المريد

- ‌الفصل الثلاثون: تراجم زعماء الصوفية

- ‌الفصل الحادي والثلاثون: موقف بعض العلماء من التصوف

- ‌المبحث الأول: موقف الإمام الشافعي

- ‌المبحث الثاني: موقف الإمام أحمد بن حنبل

- ‌المبحث الثالث: موقف الإمام أبو زرعة الدمشقي

- ‌المبحث الرابع: موقف الإمام أبو اليسر محمد بن محمد بن عبدالكريم البزودي المتوفى سنة 478هـ ببخارى

- ‌المبحث الخامس: موقف الإمام ابن الجوزي

- ‌المبحث السادس: موقف الإمام شيخ الإسلام ابن تيمية

- ‌المبحث السابع: موقف الإمام برهان الدين البقاعي المتوفى سنة 885ه

- ‌المبحث الثامن: شهادة الدكتور الشيخ تقي الدين الهلالي

- ‌المبحث التاسع: مع الشيخ الفاطمي الشرادي

- ‌المبحث العاشر: مع الشيخ عبدالعزيز بن إدريس

- ‌المبحث الحادي عشر: شهادة الشيخ عبدالرحمن الوكيل

- ‌المبحث الأول: أوائل المتصوفة وعلاقتهم بالتشيع

- ‌المبحث الثاني: دلالة اسم عبدك

- ‌المبحث الثالث: سلاسل التصوف

- ‌المبحث الرابع: نزول الوحي وإتيان الملائكة

- ‌المبحث الخامس: المساواة بين النبي والولي

- ‌المبحث السادس: تفضيل الولي على النبي

- ‌المبحث السابع: إجؤاء النبوة

- ‌المبحث الثامن: العصمة

- ‌المبحث التاسع: عدم خلو الأرض من حجة

- ‌المبحث العاشر: وجوب معرفة الإمام

- ‌المبحث الحادي عشر: الولاية والوصاية

- ‌المبحث الثاني عشر: الحلول والتناسخ

- ‌المبحث الثالث عشر: مراتب الصوفية

- ‌المبحث الرابع عشر: التقية

- ‌المبحث الخامس عشر: الظاهر والباطن

- ‌المبحث السادس عشر: نسخ الشريعة ووضع التكاليف

- ‌المبحث السابع عشر: تقديس القبور وزيارة المشاهد

- ‌المطلب الأول: الحلاج والتشيع

- ‌المطلب الثاني: الحلاج داعية الإسماعيلية في المشرق

- ‌المطلب الثالث: شهادة العمار الحنبلي أن الحلاج قرمطي

- ‌المطلب الرابع: الحلول عند الحلاج الصوفي وعند أبي الخطاب الشيعي

- ‌المبحث التاسع عشر: الطرق الصوفية والتشيع

- ‌المطلب الأول: الطريقة البكتاشية

- ‌المطلب الثاني: الطريقة البكتاشية تنتشر في مصر

- ‌المطلب الثالث: أصول الطريقة البكتاشية

- ‌المطلب الرابع: مراتب الطريقة البكتاشية

- ‌المطلب الخامس: التكية البكتاشية

- ‌المطلب السادس: العهد ودخول الطريقة

- ‌المطلب السابع: آداب الطريقة البكتاشية

- ‌المطلب الثامن: الأوراد البكتاشية

- ‌المطلب التاسع: دور الفرس في التشيع والتصوف

- ‌المبحث الأول: طلب الهداية في غير الكتاب والسنة

- ‌المبحث الثاني اعتقادهم بأن هناك حقيقة تخالف الشريعة

- ‌المبحث الثالث: الغلو الزائد في الرسول صلى الله عليه وسلم والأولياء

- ‌المطلب الأول: غلوهم في الرسول محمد صلى الله عليه وسلم

- ‌المطلب الثاني غلوهم في الأولياء

- ‌المبحث الرابع: تأثرهم بالفكر اليوناني الوثني

الفصل: ‌المبحث الرابع: الأولياء والكرامات

‌المبحث الرابع: الأولياء والكرامات

من أكثر الأشياء التي يدندن حولها الصوفية قديماً وحديثاً موضوع الأولياء والكرامات التي تحصل لهم، وقبل إن نتكلم عن مدى مطابقة ما يذهبون إليه للكتاب والسنة، قبل هذا لا بد تعريف الولي وكيف تطورت هذه اللفظة لتصبح مصطلحاً خاصاً علماً على فئة معينة ثم نتكلم عن الكرامات وما هو مقبول منها وما هو مردود. جاء في كتاب (قَطْر الولي على حديث الولي (1): الولي في اللغة: القريب والولاية ضد العداوة، وأصل الولاية المحبة والتقريب، والمراد بأولياء الله خلص المؤمنين، وقد فسر سبحانه هؤلاء الأولياء قوله: الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ [يونس:63] أي يؤمنون بما يجب الإيمان به ويتقون ما يجب عليهم اتقاؤه من المعاصي، قال ابن تيمية: الولي سمي ولياً من موالاته للطاعات أي متابعته لها، وهذا المعنى الذي يدور بين الحب والقرب والنصرة هو الذي أراده القرآن الكريم من كلمة ولي مشتقاتها في كل موضع أتى بها فيه، سواء في جانب أولياء الله أو في جانب أعداء الله. ومن ثم فليس لنا أن نخرج هذا المصطلح عن المعنى الذي حدده القرآن بلسان عربي مبين. يقول ابن حجر العسقلاني:" المراد بولي الله: العالم بالله تعالى، المواظب على طاعته. "، هكذا كان استعمالها وظلت النظرة إليها بهذا المعنى إلى أن دخلت أوساط الشيعة ثم في دائرة الصوفية فأطلقوها على أئمتهم ومشايخهم مراعين فيه اعتبارات أخرى، غير هذه الاعتبارات الإسلامية فأصبحت محصورة في طائفة خاصة بعد أن كانت صفة محتملة لي إنسان يقوم بنصرة دين الله من عباده المسلمين، وأول من صرف هذا المعنى إلى معنى خاص هم الشيعة فأطلقوها على أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب رضي الله عنه على اعتبار أنه هو وذريته (بشراً نورانين من طينة مكنونة تحت العرش) ثم أضاف لها الشيعة والصوفية (العلم اللدني لأن الشيعة يعتقدون أن علي ابن أبي طالب أخذ علماً خاصاً عن الرسول صلى الله عليه وسلم.

والقشيري من الصوفية يرى: " بأن من أجل الكرامات التي تكون للأولياء العصمة من المعاصي والمخالفات " وهذه قلدوا فيها الشيعة الذين يعتقدون العصمة لأئمتهم، وربما تلطف الصوفية فسموها (الحفظ) كما يقول الكلاباذي " ولطائف الله في عصمة أنبيائه وحفظ أوليائه .... " وأكبر مقامات الولي عند الصوفية هو (الفناء) وهو باب الولاية ومقامها أما عند ابن عربي فهي مراتب ومنها مرتبة الولاية الخاصة وهو الورثة لأنهم أخذوا علمهم عن الله مباشرة!!؟، وهم عن ابن عربي أفضل من الأنبياء نظراً لما هم عليه من ذوق أدركوا به علم الوجود ووقفوا على سر القدر.

(1) هذا الجزء من المبحث عن الولي مختصر من هذا الكتاب للإمام الشوكاني مع مقدمة وتحقيق الدكتور إبراهيم هلال.

ص: 124

هذا هو التحديد التعسفي لمفهوم الولاية عند الصوفية، أما شخصية الولي في القرآن الكريم فهي شخصية إيجابية يترسم خطى الدين في كل ما أمر أو نهي، والصحابة ومن تبع أثرهم من العلماء العاملين هم أولى الناس بهذا اللفظ ويصدق عليهم حديث:" من عادى لي ولياً .... " وطريق الوصول إلى الولاية عند الصوفية طريق معكوس لأن الغاية من مجاهداتهم هي معرفة أو الفناء ووالمفروض أن معرفة الله سبحانه هي خطوة أولى للإيمان وهذه المعرفة فطرية كما يحدثنا القرآن، والعمل الصالح هو الذي يوصل إلى أن يحب الله عبدَه، وأما فناؤهم فهو يوصلهم إلى كفر الاتحاد والحلول فطريق الولاية عند أهل السنة سهل ميسر ومن أول هذا الطريق تبدأ المحبة بين الله سبحانه وعبده بينما طريق الصوفية طريق شكلي إلى، لا بد أن يمر المريد بكذا وكذا ثم يصل إلى شطحات يظن فيها أنه شاهد الحق. وأفضل الأولياء عند أهل السنة الأنبياء والرسل بينما عند الصوفية النبي يقصر عن الفلاسفة المتألهين في البحث والحكمة كما يقول السهروردي المقتول على يد صلاح الدين الأيوبي رحمه الله، فالولي عند أهل السنة هو ذاك المسلم الإيجابي الذي يقوم بالطاعات، والولي عند الصوفية هو المستغرق في الفناء (1).

بعد هذا البيان والإيضاح لكلمة الولي وكيف تطورت، والمعنى السني لها، لا بد من توضيح المقصود بـ (الكرامات) وما هو رأي أهل السنة فيها وهل التزم الصوفي بهذا الرأي؟ وهل هناك ارتباط بين الولاية والكرامة فنقول:

خلق الله سبحانه وتعالى هذا الكون وسيره على سنن محكمة مطردة لا تتعارض ولا تتخلف، وربط المسببات بأسبابها والنتائج بمقدماتها وأودع في الأشياء خواصها، فالنار للإحراق، والماء للإرواء والطعام للجائع، ثم هذا النظام الكوني البديع المتناسق الشمس والقمر والنجوم، وتعاقب الليل والنهار .. كل بنظام محكم، فإذا لم ترتبط الأسباب بنتائجها وخرقت هذه العادة المألوفة بإذن الله لمصلحة دينية أو دعاء رجل صالح، فهذا الخرق إذا كان لنبي فهو معجزة، وإذا كان لأناس صالحين فهو كرامة وهذه الكرامة إن حصلت لولي حقاً فهي الحقيقة تدخل في معجزات الرسول صلى الله عليه وسلم وتحصل ببركة إتباعه.

وهذه الخوارق إما أن تكون من جهة العلم بأن يسمع النبي ما لا يسمع غيره أو يرى ما لا يراه غيره يقظة ومناماً أو يعلم مالا يعلم غيره حياً وإلهاماً أو فراسة صادقة لعبد صالح، وإما أن تكون من باب القدرة والتأثير مثل دعوة مستجابة أو تكثير الطعام وعدم إحراق النار، وقد حصل للصحابة رضوان الله عليهم كرامات من هذا النوع وكانت إما لحاجة أو حجة في الدين، كما أكرم الله سبحانه أم أيمن عندما هاجرت وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش وكانت صائمة، فلما كان وقت الفطر سمعت حساً على رأسها فإذا دلو معلق فشربت منه، وكان البراء بن مالك إذا أقسم على الله أبّر قسمه، وكان سعد بن أبي وقاص مستجاب الدعوة، مشى أمير الجيوش الإسلامية في البحرين العلاء بن الحضرمي وجنوده فوق الماء لما أعترضهم البحر ولم يكن معهم سفن تحملهم وأُلقي أبو مسلم الخولاني في النار فلم تحرقه (2).

(1) انتهى ما نقلناه مختصراً وبتصرف عن كتاب (قطر الولي).

(2)

ابن تيمية: ((الفتاوى)) (11/ 279) وفي هذا الجزء بحث قيم حول المعجزات والكرامات.

ص: 125

هذه حوادث صحيحة وقعت للصحابة رضوان الله عليهم، وأكثر منها وقع في عصر ما بعد التابعين. فأهل السنة لا ينكرون الكرامات كما ينكرها المبتدعة، وهم يعلمون أن الله الذي وضع الأسباب ومسبباتها قادر على خرق هذه السنن لعبد من عباده، ولكن الصوفية جعلوا مجرد وقوعها دليلاً على فضل صاحبها حتى ولو وقعت من فاجر قالوا هذه كرامة لشيخ الطريقة ولذلك لا بد من ملاحظات وتحفظات حول هذا الموضوع.

أولاً: هذه الخوارق كانت تقع للصحابة دون تكلف منهم أو تطلب لها أو رياضات روحية يستجلبون بها هذه الخوارق، بل تقع إكراماً من الله لهم أو دعاء يرون فيه مصلحة دينية إما لحجة أو لحاجة للمسلمين كما كانت معجزات نبيهم صلى الله عليه وسلم، أما المتأخرون فيطلبونها ويتكلفون لها الرياضات الروحية وربما أفسد جسمه ونفسيته بسبب هذا مع أن " طلب الكرامات ليس عليه دليل، بل الدليل خلاف ذلك فإنما غيب عن الإنسان ولا هو من التكاليف لا يطالب به "(1) وهذا من التأثير بالفلاسفة حيث يقررون رياضات معينة للوصول إلى هذه الخوارق.

ثانياً: إن كرامات أولياء الله لا بد أن يكون سببها الإيمان والتقوى والولي لله هو المحافظ على الفرائض والسنن والنوافل، عالماً بأمر الله عاملاً بما يعلم فمن صفت عقيدته وصح عمله كان ولياً لله يستحق إكرام الله له إن شاء، فهذا إذا خرقت له العادة لا تضر ولا يغتر بذلك ولا تصيبه رعونه، وقد لا تحصل لمن هو أفضل منه فليست هي بحد ذاتها دليلاً على الأفضلية، فالصديق رضي الله عنه لم يحتج إليها، وحصلت لغيره من الصحابة، كما أنه ليس كل من خرقت له العادة يكون ولياً لله كما أنه ليس كل من حصل له نِعَمٌ دنيوية تعد كرامة له، بل قد تخرق العادة لمن يكون تاركاً للفرائض مباشراً للفواحش فهذه لا تعدوا أن تكون إما مساعدة من شياطين الجن ليضلوا الناس عن سبيل الله، أو استدراج من الله ومكر به أو رياضة مثل الرياضات التي يمارسها الهنود والبوذيون الكفرة ثم يضربون أنفسهم بآلات حادة ولا تؤثر فيهم أو يتركون الطعام أياماً عديدة إلى غير ذلك ويظن الفسقة أن هذه كرامة لهم.

ثالثاً: هناك سؤال مهم في هذا الصدد وهو لماذا كانت هذه الحوادث من خرق العادات قليلة في زمن الصحابة والتابعين ثم كثرت بعدئذ؟

يجيب ابن تيمية: " أنها بحسب حاجة الرجل فإذا احتاج إليها ضعيف الإيمان أو المحتاج أتاه فيها ما يقوي إيمانه ويكون من هو أكمل ولاية منه مستغنياً عن ذلك لعلو درجته (2)، كما أن عدم وجودها لا يضر المسلم ولا ينقص ذلك في مرتبته والصحابة مع علو مرتبتهم جاءتهم هذه الخوارق إكراماً لهم أو لحاجة في الدين، وكثرتها في المتأخرين دليل على ما قاله ابن تيمية أو لتطلبهم إياها بالرياضة الروحية (3).

(1) الشاطبي: ((الموافقات)) (2/ 283).

(2)

هذا فيما ثبت صحة نقله من الكرامات إلا أننا لا نغفل أنه بعد هذا العصر بدأ أهل الأهواء والبدع في نشر مذاهبهم ولا نرى مانعاً من أن يكون هؤلاء قد استظهروا على صحة مذاهبهم باختلاف كرامات لا أساس لها من الصحة تناقلتها الألسن فكثرت فيها الكرامات فيما تلى ذلك من العصور.

(3)

((الفتاوى)): (11/ 323).

ص: 126

رابعاً: إن معجزة هذا الدين الكبرى هو القرآن الكريم الذي أنزله الله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، وعندما طلب منه صلى الله عليه وسلم معجزات مادية رفض ذلك لأن هذا ليس هو منهج هذا الدين وقد ذكر القرآن الكريم هذا الطلب، قال تعالى: " وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً، أو تكون لك جنة من نخيل فتفجر الأنهار خلالها تفجيراً أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفاً، أو تأتي بالله والملائكة قبيلاً أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتاباً نقرؤه قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنتُ إَلَاّ بَشَرًا رَّسُولاً [الإسراء:93].

كما أمر صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من دعوى الغنى والقدرة وعلم الغيب إلا ما علمه الله سبحانه وتعالى: قُل لَاّ أَقُولُ لَكُمْ عِندِي خَزَآئِنُ اللهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَاّ مَا يُوحَى إِلَيَّ [الأنعام:50]، ولذلك كانت حياته وسيرته تجري كبقية عادات البشر ومألوفاتهم مع ما أعطي من شرف المنزلة (1)، وعندما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يطر في الهواء ولم تطو له الأرض وإنما سار كما يسير أي راكب ويقطع المسافة في تسعة أيام، لماذا؟ لأن هذا هو الأصل، الأصل أن يسير الناس على السنن الكونية التي أودعها الله في الخلق، ولكن كثرة الناس يؤذيها أن يكون الكون سائراً على قانون محكم ويسعدها أن يكون هذا القانون بيد المجاذيب والدراويش يتصرفون به (2).

وتبقى الحقيقة أن الاستقامة على طريق الهدى، طريق السنة والإتباع، طريق الصحابة ومن تبعهم بإحسان، هذه الاستقامة هي عين الكرامة، فإن حصل بعدئذ خرق العادة إكراماً من الله سبحانه وتعالى لمؤمن صادق فهذه يجب أن يخفيها ولا يذيعها ويشكر الله سبحانه على ما منّ به عليه.

‌المصدر:

الصوفية نشأتها وتطورها لمحمد العبدة، وطارق عبد الحليم

(1) الشاطبي: ((الموافقات)) (2/ 248).

(2)

انظر: زكي نجيب محمود في كتابه: ((ثقافتنا)) (72).

ص: 127