الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
272
- (ليس عليك هداهم. .). إن قلت: هل هذه مثل قوله: (إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ). أو خلافها؟ قلت: بل خلافها؛ لأن تلك اقتضت نفى كون الهداية مقدرة له، وإثبات القدرة عليها لله تعالى. وهذه اقتضت نفى التكليف بالهداية عنه، وإثبات القدرة عليها لله تعالى، فهذه أعم من تلك؛ لأن قولك:" أنت قدور على أن تهدي من أحببت " أخص من قولك له: " أنت تهدي من أحببت "، ونفى الأخص أعم من نفى الأعم.
وهل هذا الخطاب خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم أو عام له، ولسائر المؤمنين؟.
فعلى ما نقل ابن عطية عن سعيد بن جبير، وعن النقاش يقتضي الخصوص، وما نقله عن ابن عباس يقتضي العموم.
وعلى تقدير الخصوص فهو خصوص يستلزم العموم؛ لأنه إذا رفع التكليف بذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم الذي هو رسول مأمور بالتبليغ، والدعاء إلى الإِيمان فأحرى أن يرفع عن من سواه.
ابن عطية: ذكر النقاش أن النبي صلى الله عليه وسلم أُتي بصدقة فجاءه يهودي فقال: أعطني: فقال النبي صلى الله عليه وسلم: " ليس لك من صدقة المسلمين شيء ".
فذهب اليهودي غير بعيد فنزلت الآية فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم فأعطاه ثم نسخ اللَّه ذلك بقوله: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ. .) الآية. انتهى.
الظاهر أن هذا ليس بنسخ، ولكن المتقدمون يطلقون عليها نسخًا. والمتأخرون يقولون: العام إن عُمِل به ثم ورد بعده الخاص فهو ناسخ له، وإن ورد الخاص بعده قبل العمل به فهو تخصيص لا نسخ.
ابن عطية: " والهدى " المنفى هو: خلق الإِيمان في القلوب. وأما " الهدى " بمعنى: الدعاء إلى الإِيمان فهو عليه. انتهى
أما خلق الهدى فنفيه معلوم بالضرورة، فلا يحتاج إلى ذكره. وأما الدعاء إلى الإِيمان فغير منفي، وينفي قسم ثالث، وهو الدعاء المُحَصِّل للإِيمان الكسبيّ لا الجبري. فيقال: هديت فلانًا إلى الإِيمان أي: دعوته إليه فاهتدى بخلاف ما إذا دعوته إليه فلم يهتد فإنك لا تقول: هديته إلى الإِيمان فهذا هو المنفى في الآية أي: لست مطلوبًا بتحصيل الهداية الكسبية لهم، إنما عليك أن تدعوهم فقط، والإضافة إلى هذا للمفعول أي: أن تهديهم.
فإن قلت: لعل المعنى لا يجب عليك أن تجبرهم على الإِيمان.
قلت: يرده قوله: (ولكن اللَّه يهدى من يشاء)، ليس المراد به الجبر على الإِيمان، بل خلق الهداية.
ابن عصفور: الجملة التي بعد (لكن) تكون مضادة لما قبلها، ولا يجوز أن تكون موافقة.
واخْتُلِفَ هل تكون مخالفة لما قبلها أم لا؟. وهذه الجملة في الآية مخالفة لما قبلها.
؛ لأن ما قبلها اقتضى أنه ليس مكلفًا بالهداية، وما بعدها اقتضى إثبات القدرة على الهداية للَّه تعالى. وأما في قوله:(إنك لا تهدى من أحببت) فما بعدها مضاد لما قبلها؛ لأن ما قبلها يقتضي نفي القدرة على الهداية، وما بعدها اقتضى إثباتها للَّه تعالى.
فإن قلت: الأصل فى نسبة المتكلم إلى نفسه " فِعْلاً " أن يأتي بأسمه مضمرًا فعلى هذا كان يقال هنا: " ولكنا نهدي "!.
فالجواب: أنه لما كان ذلك خاصًا باللَّه تعالى أتى باسم الجلالة الخاص به بخلاف المضمر إذ هو غير خاص؛ لأن الضمائر كلية؛ ولأن ضمير " نا " النون، والألف يكون للمتكلم وحده إذا عظم نفسه، وللمتكلم ومعه غيره بخلاف اسم الجلالة فإنه خاص قطعًا.
- وقوله: (من يشاء) دليل لأهل السنة. ورده الزمخشري للألطاف
على مذهبه.