المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: الرجل يوجب على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ١٥

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

- ‌ص: بابُ: الرجل يحلف لا يكِّلم الرجل شهرًا كم عدد ذلك الشهر من الأيام

- ‌ص: بابُ: الرجل يُوجب على نفسه أن يصلي في مكان فيصلي في غيره

- ‌ص: بابُ: الرجل يوجب على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام

- ‌ص: بابُ: الرجل ينذر وهو مشرك نذرًا ثم يُسلم

- ‌ص: كتاب العتاق

- ‌ص: باب: العبد يكون بين الرجلين فيعتقه أحدهما

- ‌ص: باب: الرجل يملك ذا رحم محرَّم منه هل يعتق عليه أم لا

- ‌ص: باب: المكاتب متى يعتق

- ‌ص: باب: الأَمة يطأها مولاها، ثم يموت وقد جاءت بولد في حياته هل يكون ابنه وتكون له أُمّ ولدٍ أَمْ لا

- ‌ص: كتاب الرهن

- ‌ص: باب: ركوب الرهن واستعماله وشرب لبنه

- ‌ص: باب: الرهن يهلك في يد المرتهن كيف حكمه

- ‌ص: كتاب الشفعة

- ‌ص: باب: الشفعة بالجوار

- ‌ص: كتاب الجنايات

- ‌ص: باب: ما يجب في قتل العمد وجرح العمد

- ‌ص: باب: الرجل يَقتل الرجل كيف يُقتَل

- ‌ص: باب: شبه العمد الذي لا قود فيه، ما هو

- ‌ص: باب: شبه العمد هل يكون فيما دون النفس كما يكون في النفس

- ‌ص: باب: الرجل يقول عند موته: إن مُت ففلان قتلني

- ‌ص: باب: المؤمن يقتل الكافر متعمدًا

- ‌ص: باب: القسامة هل تكون على ساكني الدار الموجود فيها القتيل أو مالكها

- ‌ص: باب: القسامة كيف هى

- ‌ص: باب: ما أصاب البهائم في الليل والنهار

- ‌ص: باب: غرة الجنين المحكوم بها فيه. لمن هي

- ‌ص: كتاب الحدود

- ‌ص: باب: حد البكر في الزنا

- ‌ص: باب: حد الزاني المحصن

- ‌ص: باب: الاعتراف بالزنا الذي يجب به الحد

- ‌ص: باب: الرجل يزني بجارية امرأته

- ‌ص: باب: من تزوج امرأة أبيه أو ذات محرم منه فدخل بها

- ‌ص: باب: حد الخمر

- ‌ص: باب: من سكر أربع مرات ما حده

- ‌ص: باب: المقدار الذي يقطع فيه السارق

الفصل: ‌ص: باب: الرجل يوجب على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام

‌ص: بابُ: الرجل يوجب على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام

ش: أي هذا باب في بيان حكم الرجل الذي يوجب على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام، هل يلزمه شيء أم لا؟

ص: حدثنا علي بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الله بن صالح، قال: حدثني الهِقْل بن زياد، قال: حدثني الأوزاعي، قال: حدثني عبد الرحمن بن اليمان، عن يحيى بن سعيد، أن حُميدًا الطويل أخبره، أنه سمع أنس بن مالك رضي الله عنه يقول:"مَرَّ رسول الله عليه السلام برجل يُهادى بين [ابنين] (1) له، فسأل عنه، فقالوا: نذر أن يمشي. فقال: إن الله عز وجل لغنيٌّ عن تعذيب هذا نفسه. وأمره أن يركب".

حدثنا ربيع الجيزي، قال: ثنا عبد الله بن صالح. . . . فذكر بإسناد مثله.

حدثنا محمد بن خزيمة وابن أبي داود، قالا: ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن حُميد، عن ثابت، عن أنس، عن النبي عليه السلام. . . . مثله.

ش: هذه ثلاث طرق صحاح:

الأول: عن علي بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن صالح المصري ورّاق الليث ابن سعد وشيخ البخاري، عن الِهقْل بن زياد بن عُبيد الله السكسكي الدمشقي كاتب الأوزاعي، واسمه محمد، وقيل: عبد الله. وهِقْل لقبٌ عليه، روى له الجماعة سوى البخاري.

يَروي عن عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي إمام أهل الشام عن عبد الرحمن بن اليمان أبي معاوية الحضرمي، قد سُكِت عنه.

عن يحيى بن سعد الأنصاري، عن حُميد الطويل، عن أنس رضي الله عنه.

(1) في "الأصل، ك": "اثنين"، والمثبت من "شرح معاني الآثار".

ص: 44

وأخرجه الترمذي (1): عن ابن مثنى، عن ابن أبي عديّ، عن حُميد، عن أنس. . . . إلى آخره نحوه.

الثاني: عن ربيع بن سليمان الجيزي الأعرج شيخ أبي داود والنسائي، عن عبد الله بن صالح، عن الهِقْل. . . . إلى آخره.

وأخرجه النسائي (2): عن أحمد بن حفص بن عبد الله، عن أبيه، عن إبراهيم ابن طهمان، عن يحيى بن سعيد، عن حُميد، عن أنس رضي الله عنه.

الثالث: عن محمد بن خزيمة وإبراهيم بن أبي داود البرلّسي، كلاهما عن مسدد بن مسرهد شيخ البخاري، عن يحيى بن سعيد، عن حُميد، عن ثابت البناني، عن أنس.

وأخرجه البخاري (3): عن مسدد، عن يحيى، عن حُميد، عن ثابت، عن أنس قال:"مرّ شيخ كبير يُهادى بين ابنَيْه، فقال: النبي عليه السلام: ما بال هذا؟ قالوا: نذر أن يمشي إلى البيت. قال: إن الله غني عن تعذيب هذا نفسه، مُرُوه فليركب".

وأخرجه مسلم (4) أيضًا.

قوله: "يُهادى" على صيغة المجهول أي يحمل بينهما، وقال ابن الأثير: أي يمشي بينهما معتمدًا عليها من ضعفه وتمايله، من تهادت المرأة في مشيها إذا تمايلت، وكل من فعل ذلك بأحد فهو يهاديه.

ص: حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عيسى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد العزيز ابن مسلم، قال: ثنا يزيد بن أبي منصور، عن دُخين الحجري، عن عقبة بن

(1)"جامع الترمذي"(4/ 111 رقم 1537).

(2)

"المجتبى"(7/ 30 رقم 3854).

(3)

"صحيح البخاري"(6/ 2464 رقم 6323).

(4)

"صحيح مسلم"(3/ 1263 رقم 1642).

ص: 45

عامر الجُهَني، قال:"إن أختي نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافيةً حاسرةً، فأتى عليها رسول الله عليه السلام فقال: ما هذه؟ قالوا: نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافيةً حاسرةً. فقال: مُرُوها فلتركب ولتختمر".

ش: عيسى بن إبراهيم بن سيّار شيخ أبي داود، وثقه ابن حبان والنسائي، وروى عنه البخاري في غير "الصحيح".

وعبد العزيز بن مسلم القَسْمَليّ المروزي، روى له الجماعة سوى ابن ماجه.

ويزيد بن أبي منصور الأزدي البصري وثقه ابن حبان وروى له الترمذي.

ودُخين -بالدال المهملة المضمومة وبالخاء المعجمة- بن عامر الحُجري أبو ليلى المصري وكان كاتب عقبة بن عامر الجهني، وثقه ابن حبان، وروى له أبو داود والنسائي وابن ماجه.

وأخرجه الطبراني (1): ثنا عبدان بن أحمد، نا عمار بن عمر بن المختار (ح).

وحدثنا حكيم بن يحيى المثوثي البصري، ثنا أحمد بن عَبْدة الضبي، قالا: ثنا أشهل بن أسلم العدوي، نا يزيد بن أبي منصور، عن دُخَيْن الحجري، عن عقبة بن عامر:"أن أخت عقبة نذرت أن تمشي إلى بيت الله حافيةً متحسرةً، فمر بها رسول الله عليه السلام، فقال: ما شأن هذه؟ قالوا: إنها نذرت أن تمشي إلى بيت الله حافيةً حاسرةً. قال رسول الله عليه السلام: مُرُوها فلتختمر ولتركب ولتحج".

وأخرجه البخاري (2): عن إبراهيم بن موسى، عن هشام بن يوسف، عن ابن جريج، عن سعيد بن أبي أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر قال:"نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله، فأمرتني أن أستفتي لها النبي عليه السلام، فاستفتيت النبي عليه السلام فقال: لتمشي ولتركب". قال: وكان أبو الخير لا يفارق عقبة.

(1)"المعجم الكبير"(17/ 320 رقم 886).

(2)

"صحيح البخاري"(2/ 660 رقم 1767).

ص: 46

وأخرجه مسلم (1): عن زكرياء بن يحيى كاتب العمري، عن مفضل، عن عبد الله بن عياش.

وعن (1) محمد بن رافع، عن عبد الرازق، عن ابن جريج، عن سعيد بن أبي أيوب، ثلاثتهم عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة.

وأخرجه أبو داود (2): عن مخلد بن خالد الشَّعِيري، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج، عن سعيد بن أبي أيوب، عن يزيد. . . . إلى آخره.

وأخرجه النسائي (3): عن يوسف بن سعيد، عن حجاج، عن ابن جريج. . . . بإسناده نحوه.

قوله: "نذرت أختي" وهي أم حِبَّان بنت عامر الأنصارية الصحابيّة، وحِبّان -بكسر الحاء المهملة، وتشديد الباء الموحدة.

قوله: "حاسرة" أي مكشوفة الرأس.

قوله: "لتختمر" أي لتجعل على رأسها الخمار.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى هذه الآثار، فقالوا: مَنْ نذر أن يحج ماشيًا؛ أُمر أن يركب، ولا شيء عليه غير ذلك.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: الأوزاعي ومالكًا وداود وسائر الظاهرية، فإنهم قالوا: إذا نذر أن يحجّ ماشيًا لا يلزمه المشي، ويركب ولا شيء عليه أصلًا.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: يركب. كما جاء بهذا الحديث، فإن كان أراد بقوله:"لله عليّ" معنى اليمين، فعليه مع ذلك كفارة يمين؛ لأن معنى "لله عليَّ" قد يكون في معنى والله؛ لأن النذر معناه معنى اليمين.

(1)"صحيح مسلم"(3/ 1264 رقم 1644).

(2)

"سنن أبي داود"(3/ 234 رقم 3299).

(3)

"المجتبى"(7/ 19 رقم 3814).

ص: 47

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: عطاء والشعبي والحسن البصري وقتادة والشافعي في قول، فإنهم قالوا: من نذر أن يمشي إلى بيت الله فله أن يركب؛ لمقتضى حديث عقبة المذكور، وإن كان قد نوى بكلامه اليمين فعليه كفارة اليمين.

وقال الخطابي: قال الشافعي: من نذر أن يمشي إلى بيت الله يمشي، فإن عجز أراق دمًا وركب.

وقال البيهقي: قال الشافعي: إن قدر لزمه.

وقال أصحابنا: لأن المشي إلى موضع البِّر بِرُّ.

قال تعالى: {يَأْتُوكَ رِجَالًا} (1).

وقال ابن حزم: قال الشافعي: من نذر المشي إلى مسجد المدينة أو بيت المقدس؛ أجزأه الركوب إليهما.

وقال الليث: من نذر أن يمشي إلى مسجد من مساجد الله مشى إلى ذلك المسجد. انتهى

قوله: "يركب كما جاء بهذا الحديث" أي حديث عقبة بن عامر، وحديث أنس أيضًا رضي الله عنهما.

ص: وقد رُوِيَ عن رسول الله عليه السلام: "أن في النذر كفارة يمين" فمما رُوِيَ في ذلك:

ما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني جرير بن حازم، عن محمد بن الزبير التميمي، عن أبيه، عن عمران بن الحُصَين رضي الله عنه، أن رسول الله عليه السلام قال:"لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين".

حدثنا يونس، قال: ثنا يحيى بن حسان، قال: ثنا حماد بن زيد، عن محمد ابن الزبير. . . . فذكر بإسناده مثله.

(1) سورة الحج، آية:[27].

ص: 48

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو سلمة المنقري، قال: ثنا أبان، قال: ثنا يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني محمد بن الزبير الحنظلي. . . . فذكر بإسناده مثله.

حدثنا أحمد بن عبد المؤمن، قال: ثنا علي بن الحسن، قال: ثنا عباد بن العوام، قال: ثنا محمد بن الزبير. . . . فذكر بإسناده مثله.

حدثنا فهدٌ، قال: ثنا أبو غسّان، قال: ثنا خالد بن عبد الله (ح).

وحدثنا علي بن مَعْبد، قال: ثنا عبد الوهاب بن عطاء، قالا: أنا محمد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن رجل، عن رسول الله عليه السلام. . . . مثله.

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أيوب بن سليمان، قال: حدثني أبو بكر بن أبي أُوَيس، عن سليمان بن بلال، عن محمد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير الذي كان يسكن اليمامة، أنه حدّثه، أنه سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن يخبر، عن عائشة رضي الله عنها قالت: إن رسول الله عليه السلام قال: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين".

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث، عن كعب بن علقمة، عن عبد الرحمن بن شُمَاسة المهدي، عن أبي الخير، عن عقبة ابن عامر، عن النبي عليه السلام قال:"كفارة النذر كفارة يمين".

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: سمعت يحيى بن عبد الله بن سالم يُحدث، عن سَهْل بن رافع، عن خالد بن يزيد، عن عقبة بن عامر، قال: أشهد لسمعتُ رسول الله عليه السلام يقول: "مَنْ نذر نذرًا لم يسمّه، فكفارته كفارة اليمين".

ش: هذا بيان لقوله: "إن النذر معناه معنى اليمين"، ولهذا جعل رسولُ الله عليه السلام في النذر كفارة يمين، والدليل عليه ما رُوِيَ عنه عليه السلام في ذلك من حديث عمران بن الحصين، وعن رجل عن النبي عليه السلام، وعن عائشة، وعقبة بن عامر رضي الله عنهم.

أما حديث عمران فأخرجه من أربع طرق:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن جرير بن حازم

ص: 49

البصري، عن محمد بن الزبير التميمي البصري، فيه مقال؛ فعن يحيى: ضعيف لا شيء. وقال البخاري: منكر الحديث وفيه نظر. وقال النسائي: ليس بثقة.

وفيه فسادٌ من وجه آخر وهو ما رواه البيهقي، عن عباس الدوري، قال ابن معين: قيل لمحمد بن الزبير الحنظلي: سمع أبوك من عمران بن الحصين؟ قال: لا.

وأيضًا قال الخطابي: الزبير هذا مجهول لا يُعرف.

وأخرجه النسائي (1): عن هناد، عن وكيع، عن ابن المبارك، عن يحيى، عن محمد بن الزبير الحنظلي، عن أبيه، عن عمران بن حصين، أن رسول الله عليه السلام قال:"لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين".

وأخرجه (2) عن عمرو بن عثمان، عن بقيّة، عن الأوزاعي.

وعن (3) علي بن ميمون، عن معمر بن سليمان، عن عبد الله بن بشر.

وعن (4) إبراهيم بن يعقوب، عن الحسن بن موسى، عن شيبان، كلهم عن يحيى بن أبي كثير، عن محمد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران. ومنهم من قال:"في غضب".

وعن قتيبة (5)، عن حماد، عن محمد، عن أبيه، به. وقال:"في غضب".

قال النسائي: محمد بن الزبير ضعيف لا تقوم بمثله حجّة، وقد اختلف عليه في هذا الحديث، وقيل: إن الزبير لم يسمع هذا من عمران. والله أعلم.

الثاني: عن يونس أيضًا، عن يحيى بن حسان التنيسي شيخ الشافعي، عن حماد بن زيد، عن محمد بن الزبير، عن أبيه الزبير، عن عمران.

(1)"المجتبى"(7/ 27 رقم 3840).

(2)

"المجتبى"(7/ 28 رقم 3841).

(3)

"المجتبى"(7/ 28 رقم 3842).

(4)

"المجتبى"(7/ 28 رقم 3843).

(5)

"المجتبى"(7/ 28 رقم 3844).

ص: 50

وأخرجه النسائى (1): عن قتيبة، عن حماد. . . . إلى آخره نحوه. وقد مَرَّ الآن.

الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي سلمة موسى بن إسماعيل المنقري التبوذكي شيخ البخاري وأبي داود، عن أبان بن يزيد العطار، عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، عن محمَّد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران.

وأخرجه البيهقي (2) نحوه بطرق مختلفة.

الرابع: عن أحمد بن عبد المؤمن المروزي، عن علي بن الحسن بن شقيق، عن عباد بن العوّام بن عمر الواسطي، عن محمَّد بن الزبير، عن أبيه، عن عمران.

وأما حديث رجل عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخرجه من طريقين:

الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي غَسَّان مالك بن إسماعيل شيخ البخاري، عن خالد بن عبد الله بن عبد الرحمن الطحان، عن محمَّد بن الزبير، عن أبيه، عن رجل، عن رسول الله عليه السلام.

الثاني: عن علي بن معبد بن نوح المصري، عن عبد الوهاب بن عطاء الخفاف، عن محمَّد بن الزبير، عن أبيه، عن رجل، عن النبي عليه السلام.

والظاهر أن هذا الرجل هو عمران بن الحصين.

وهذا الحديث قد اختلف في إسناده جدًّا.

فروى الطبراني (3) من حديث محمَّد بن الزبير، عن الحسن البصري، عن عمران، بدون ذكر أبيه.

قال: ثنا محمَّد بن عبد الله الحضرمي قال: حدثني أحمد بن يونس، نا أبو بكر النهشلي، عن محمَّد بن الزبير الحنظلي، عن الحسن، عن

(1)"المجتبى"(7/ 27 رقم 3840).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(10/ 69 - 70 رقم 19851).

(3)

"المعجم الكبير"(18/ 164 رقم 363).

ص: 51

عمران بن حصين، قال: قال رسول الله عليه السلام: "لا نذر في غضب وكفارته كفارة يمين".

وأخرجه البيهقي (1) من حديث أبي كريب، عن معاوية، عن سفيان، عن محمَّد بن الزبير، عن الحسن، عن عمران بن حصين، قال: قال رسول الله عليه السلام: "لا نذر في معصية، وكفارته كفارة يمين".

ورواه عبد الله بن الوليد العدني، عن سفيان فقال:"في معصية أو غضب".

قال البيهقي: وهذا أيضًا منقطع؛ لا يصح للحسن سماع من عمران. قاله ابن المديني.

قلت: ذكر البيهقي في "سننه"(2) في باب: لا تفريط على من نام عن صلاة أو نسيها حديث زائدة بن قدامة، عن هشام، عن الحسن، أن عمران بن حصين حدثه. . . . فذكر معناه، ومعنى حديث تعريسهم آخر الليل.

وقد صرَّح في هذا الحديث بأن عمران حدث الحسن.

وقال ابن حبان: سمع الحسن من عمران.

وكذا قال صاحب "المستدرك" وأخرج روايته عنه.

وقال في كتاب "اللباس": مشايخنا وإن اختلفوا في سماع الحسن من عمران؛ فإن أكثرهم على أنه سمع منه.

وذكر صاحب "الكمال" أنه سمع منه.

وأما حديث عائشة رضي الله عنها: فأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أيوب بن سليمان بن بلال القرشي التيمي المدني شيخ البخاري، عن أبي بكر عبد الحميد بن أبي أوس المدني الأعمى، عن سليمان بن بلال القرشي التيمي

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(10/ 70 رقم 19859).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(2/ 217 رقم 2994).

ص: 52

المدني، عن محمد بن عبد الله بن أبي عتيق محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق رضي الله عنه، وموسى بن عقبة بن أبي عياش المدني، كلاهما عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن سليمان بن أرقم البصري مولى الأنصار، عن يحيى بن أبي كثير الطائي اليمامي، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، عن عائشة رضي الله عنها.

وأخرجه أبو داود (1): عن أحمد بن محمَّد المروزي، عن أيوب بن سليمان بن بلال، عن أبي بكر بن أويس، عن سليمان بن بلال، عن محمَّد بن أبي عتيق وموسى بن عقبة، عن ابن شهاب، عن سليمان بن أرقم، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة. . . . الحديث.

قال أبو داود: سمعت أحمد بن شبُّوية يقول: قال ابن المبارك في هذا الحديث: حدث أبو سلمة، فدل ذلك على أن الزهري لم يسمعه من أبي سلمة.

وأخرجه الترمذي (2): عن أبي إسماعيل محمَّد بن إسماعيل بن يوسف، عن أيوب بن سليمان. . . . بهذا الإسناد مثله، وقال: غريب.

وأخرجه النسائي (3): عن أبي إسماعيل الترمذي بإسناده مثله، وقال: سليمان بن أرقم متروك الحديث، خالفه غير واحد من أصحاب يحيى في هذا الحديث.

قلت: قال أحمد: سليمان بن أرقم ليس بشيء.

وعن يحيى: ليس بشيء. ليس يُسْوى فلْسًا.

وقال أبو داود: متروك الحديث.

وقال الجوزجاني: ساقط.

(1)"سنن أبي داود"(3/ 233 رقم 3292).

(2)

"جامع الترمذي"(4/ 103 رقم 1525).

(3)

"المجتبى"(7/ 27 رقم 3839).

ص: 53

وقال ابن عدي: عامّة ما يرويه لا يتابع عليه.

وأما حديث عقبة بن عامر الجهني رضي الله عنه فأخرجه من طريقين:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث بن يعقوب، عن كعب بن علقمة بن كعب التَنُوخي، عن عبد الرحمن ابن شماسة بن ذُؤيب، عن أبي الخير مرثد بن عبد الله اليَزَني.

وهؤلاء كلهم مصريون ثقات، من رجال مسلم.

وأخرجه مسلم (1): عن هارون الأيلي ويونس بن عبد الأعلى وأحمد بن عيسى، عن ابن وهب. . . . إلى آخره نحوه.

وقد اشترك الطحاوي ومسلم في تخريج هذا الحديث، عن يونس بن عبد الأعلى.

وأخرجه أبو داود (2): عن هارون بن عَبَّاد الأزدي، عن أبي بكر بن عياش، عن محمَّد مولى المغيرة، حدثني كعب بن علقمة، عن أبي الخير به.

وعن محمَّد بن عوف، عن سعيد بن الحكم، عن يحيى بن أيوب، عن كعب ابن علقمة، أنه سمع ابن شهاب، عن أبي الخير، به.

وأخرجه الترمذي (3): عن أحمد بن منيع، عن أبي بكر بن عياش. . . . بإسناده نحوه، وزاد:"إذا لم يُسمِّ". وقال: حسن صحيح غريب.

الثاي: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن يحيى بن عبد الله بن سالم بن عبد الله بن عمر بن الخطاب، عن إسماعيل بن رافع بن عُوَيمر المزني المدني القاص، فيه مقال؛ فعن أحمد ويحيى: ضعيف الحديث. وقال النسائي: متروك الحديث. وكذا قال الدارقطني.

(1)"صحيح مسلم"(3/ 265 رقم 1645).

(2)

"سنن أبي داود"(3/ 241 رقم 3323).

(3)

"جامع الترمذي"(4/ 106 رقم 1528).

ص: 54

وهو يروي عن خالد بن يزيد -وقيل: زيد- الجهني، عن عقبة بن عامر رضي الله عنه.

وأخرجه ابن ماجه نحوه (1): عن علي بن محمَّد، عن وكيع، عن إسماعيل بن رافع، عن خالد بن يزيد، عن عقبة بن عامر.

ص: وذكروا في ذلك ما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني حُيي بن عبد الله المعافري، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عقبة بن عامر الجُهني:"أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافيةً غير مختمرة، فذكر ذلك عقبة لرسول الله عليه السلام، فقال رسول الله عليه السلام: مُر أختك فلتركب ولتختمر، ولتصم ثلاثة أيام".

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن زَحْر، أنه سمع أبا سعيد الرعيني يذكرُ، عن عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر، مثله.

حدثنا الحسن بن عبد الله بن منصور، قال: ثنا الهيثم بن جميل، قال: ثنا هشيم، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن زَحْر، عن أبي سعيد، عن عبد الله بن مالك، عن عقبة بن عامر، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم. . . . مثله.

قالوا: فتلك الثلاثة الأيام إنما كانت كفارة ليمينها التي كانت بها حالفةً؛ لقولها: لله عليّ أن أحُج ماشيةً.

ش: أي ذكر أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه: حديث عقبة بن عامر الذي أخرجه من ثلاث طرق:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن حُيَي -بضم الحاء المهملة، وفتح الياء آخر الحروف الأولى- بن عبد الله المَعَافري -بفتح الميم

(1)"سنن ابن ماجه"(1/ 687 رقم 2127).

ص: 55

والعين المهملة وكسر الفاء- نسبة إلى معافر بن يَعفر، قبيل ينسب إليه كثيرٌ عامّتهم بمصر.

وهو يروي عن أبي عبد الرحمن بن عبد الله بن يزيد الحُبُلى -بضم الحاء المهملة والباء الموحدة- نسبة إلى بني الحُبْلى حَيٌّ من اليمن من الأنصار، وذكر سيبويه: الحُبَلى -بضم الحاء وفتح الباء- منسوبًا إلى بني الحبلى، والمحدثون يضمون الباء.

وهؤلاء كلهم رجال الصحيح ما خَلا حُيَي بن عبد الله، قال البخاري: فيه نظر.

وهذا أخرجه عبد الله بن [أحمد](1) في "مسنده".

الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يزيد بن هارون، عن يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عبيد الله بن زَحْر الضَمْري الإفريقي، عن أبي سعيد جعثل بن هاعان الرعيني المصري قاضي إفريقية، وذكره ابن أبي حاتم فيمن اسمه جعيل ووهم في ذلك، وهو يروي عن عبد الله بن مالك اليَحْصبي المصري، وثقه ابن حبان، وقد فرق أبو حاتم الرازي بين هذا وبين أبي تميم عبد الله بن مالك الجَيْشاني الرعيني المصري، وجعلهما ابن يونس واحدًا، وقال الذهبي: هو الصواب. وتشهد له رواية ابن لهيعة لهذا الحديث عن بكر بن سوادة، عن أبي سعيد القتباني وهو الرعيني، عن أبي تميم الجيشاني، عن عقبة بن عامر به.

وأخرجه أبو داود (2): عن مسدد، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبيد الله بن زَحْر، أن أبا سعيد الرعيني أخبره، أن عبد الله بن مالك أخبره، عن عقبة بن عامر. . . . إلى آخره نحوه.

(1) ليست في "الأصل"، والحديث في "مسند أحمد"(4/ 149 رقم 17386).

(2)

"سنن أبي داود"(3/ 233 رقم 3293).

ص: 56

والترمذي (1): عن محمود بن غيلان، عن وكيع، عن سفيان، عن يحيى بن سعيد الأنصاري. . . . بإسناده نحوه.

وقال: حديث حسن.

الثالث: عن الحسن بن عبد الله بن منصور البالسي الأنطاكي، عن الهيثم بن جميل البغدادي الحافظ نزيل أنطاكية، عن هشيم بن بشير، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن عبيد الله بن زَحْر، عن أبي سعيد جعثل، عن عبد الله بن مالك. . . . إلى آخره.

وأخرجه النسائي (2): عن عمرو بن علي وابن مثنى، عن يحيى بن سعيد، عن عبيد الله بن زحر، عن أبي سعيد، عن عبد الله، به.

وابن ماجه (3): عن علي بن محمَّد، عن عبد الله بن نمير، عن يحيى بن سعيد، عن عُبيد الله به.

ص: وقد دل على ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سعيد بن سليمان، عن شريك، عن محمَّد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن كُريب، عن ابن عباس قال:"جاء رجل إلى رسول الله عليه السلام فقال: يا رسول اللهَ، إن أختي نذرت أن تحج ماشيةً، فقال: إن الله عز وجل لا يصنع بشقاء أختك شيئًا، لتحج راكبةً، وتكفر عن يمينها".

ش: أي وقد دل على كون الثلاثة الأيام في الحديث المذكور كفارة عن يمينها: حديث ابن عباس.

أخرجه بإسناد صحيح: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن سليمان الضبي الواسطي المعروف بِسَعْدَوَيه شيخ البخاري وأبي داود، عن

(1)"جامع الترمذي"(4/ 116 رقم 1544).

(2)

"المجتبى"(7/ 20 رقم 3815).

(3)

"سنن ابن ماجه"(1/ 689 رقم 2134).

ص: 57

شريك بن عبد الله النخعي، عن محمَّد بن عبد الرحمن بن عبيد مولى آل طلحة ابن عُبيد الله القرشي الكوفي، عن كريب مولى ابن عباس، عن عبد الله بن عباس.

وأخرجه أبو داود (1): عن حجاج بن أبي يعقوب، عن النضر، عن شريك، عن محمَّد بن عبد الرحمن مولى آل طلحة، عن كريب، عن ابن عباس .. إلى آخره نحوه.

ص: وخالف هؤلاء آخرون، فقالوا: بل نأمر هذا الذي نذر أن يحج ماشيًا أن يركب ويكفر إن كان أراد يمينًا، ونأمره مع هذا بالهدي.

ش: أي خالف أهل المقالتين المذكورتين جماعة آخرون، وأراد بهم: سعيد بن المسيب، وعكرمة، والثوري، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا رحمهم الله فإنهم قالوا: من نذر أن يحج ماشيًا فله أن يركب ويكفر، إن أراد به اليمين، ويُهدي هديًا أيضًا، وذلك لأنه عليه السلام أمر أخت عقبة بالهدي لأجل ركوبها، وبالتكفير لأجل يمينها، حيث قال في الحديث الآخر:"ولتصم ثلاثة أيام".

قلت: مذهب أبي حنيفة وأصحابه أن من نذر أن يمشي إلى بيت الله: يركب ويريق دمًا، سواء أطاق المشي أو لم يُطق.

وقال الحسن البصري: من نذر أن يحج ماشيًا يمشي، حتى إذا أعيي ركب وأهدى. وكذا قال قتادة.

وقال الشعبي: إذا ركب في نذر نصف الطريق، يجيء من قابل فيركب ما مشيَ ويمشي ما ركب، وينحر بدنة.

وكذا رواه عن ابن عباس، وقال عطاء: أيما امرأة جعلت عليها المشي إلى البيت فلم تستطع، فلتركب ولتُهْدٍ بدنة.

ص: وكان من الحجة لهم في ذلك: أن علي بن شيبة حدثنا، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا همام بن يحيى، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس: "أن

(1)"سنن أبي داود"(3/ 234 رقم 3295).

ص: 58

عقبة بن عامر الجُهنَي أتى النبي عليه السلام فأخبره أن أخته نذرت أن تمشي إلى الكعبة حافيةً ناشرةً شعرها. فقال له النبي عليه السلام: مُرها فلتركب ولتختمر، ولتُهْد هديا".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا عيسى بن إبراهيم، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم، قال: ثنا مطر الوراق، عن عكرمة، عن عقبة بن عامر الجهني، قال:"نذرت أختي أن تمشي إلى الكعبة، فأتى عليها عليه السلام فقال: ما لهذه؟ فقالوا: نذرت أن تمشي إلى الكعبة. فقال: إن الله لغني عن مشيها، مُرُوها فلتركب ولتُهد بدنة".

ففي هذا الحديث أن النبي عليه السلام أمرها بالهدي؛ لمكان ركوبها.

فتصحيح هذه الآثار كلها يوجب أن يكون حكم مَنْ نذر أن يحجّ ماشيًا أن يركب إن أحب ذلك، ويهدي هديًا لترك المشي، ويكفّر عن يمينه لحنثه فيها، وبهذا كان أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد يقولون.

ش: أي وكان من الدليل والبرهان لهؤلاء الآخرين فيما ذهبوا إليه [حديث](1) أخت عقبة بن عامر الذي رواه عبد الله بن عباس، وعكرمة مولاه، عن عقبة بن عامر.

وأخرج ما رواه ابن عباس بإسناد صحيح.

وأخرجه أبو داود (2): ثنا محمَّد بن المثنى، قال: نا أبو الوليد، قال: ثنا همّام، قال: ثنا قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس:"أن أخت عقبة بن عامر نذرت أن تحج ماشية، وأنها لا تطيق ذلك، فقال النبى عليه السلام: إن الله عز وجل لغنيٌّ عن مشي أختك ولتهد هديًا".

وأخرج ما رواه عكرمة عن عقبة بإسناد صحيح أيضًا.

(1) ليست في "الأصل، ك"، والسياق يقتضيها.

(2)

"سنن أبي داود"(3/ 234 رقم 3296، 3297).

ص: 59

وأخرجه أبو داود (1) أيضًا: ثنا شعيب بن أيوب، قال: ثنا معاوية بن هشام، عن سفيان، عن أبيه، عن عكرمة، عن عقبة بن عامر الجهني:"أنه قال للنبي عليه السلام: إن أختي نذرت أن تمشي إلى البيت، فقال: إن الله لا يصنع بمشي أختك إلى البيت شيئًا".

قوله: "ففي هذا الحديث" أي الحديث الذي رواه ابن عباس عن عقبة بن عامر.

والباقي ظاهر.

ص: وأما وجه النظر في ذلك: فإن قومًا قالوا: ليس المشي فيما يوجبه نذر؛ لأن فيه تعبًا للأبدان، وليس الماشي في حال مشيه في حرمة إحرام، فلم يوجبوا عليه المشي ولا بدلًا من المشي.

فنظرنا في ذلك، فرأينا الحج فيه الطواف بالبيت والوقوف بعرفة وبجَمْعٍ، وكان الطواف منه ما يفعله الرجل في حال إحرامه وهو طواف الزيارة، ومنه ما يفعله بعد أن يحل من إحرامه وهو طواف الصدر، فكان ذلك كله إذ كان من أسباب الحج قد أُريد أن يفعله الرجل ماشيًا، وكان من فعله راكبًا مقصرًا، وجُعل عليه الدم، هذا إذا كان فعله لا من عذر، وإن كان فعله من علّة فإن الناس مختلفون في ذلك، فقال بعضهم: لا شيء عليه. وممن قال بذلك: أبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد رحمهم الله.

وقال بعضهم: عليه دمٌ. وهذا هو النظر عندنا؛ لأن العلل إنما تُسْقط الآثام في انتهاك الحرمات، ولا تُسقط الكفارات، ألا ترى أن الله عز وجل قال:{وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ} (2) فكان حلق الرأس حرامًا على المحرم في إحرامه إلا من عذر، فإن حلقه فعليه الإثم والكفارة، وإن اضطر إلى

(1)"سنن أبي داود"(3/ 235 رقم 3304).

(2)

سورة البقرة، آية:[196].

ص: 60

حلقه فَحَلَقَهُ، فعليه الكفارة ولا إثم عليه، فكان العذر تسقط به الآثام ولا تسقط به الكفارات، فكان يجب في النظر أن يكون كذلك حكم الطواف بالبيت، إذا كان مَنْ طافه راكبًا للزيارة لا من عذر فعليه دم؛ إلا أن يكون من طافه من عذر راكبًا كذلك أيضًا.

فهذا حكم النظر في هذا الباب، وهو قياس قول زفر رحمه الله، ولكن أبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا لم يجعلوا على من طاف بالبيت طواف الزيارة راكبًا من عذرٍ شيئًا.

فلما ثبت بالنظر ما ذكرنا، كان كذلك المشي لما رأيناه، قد يجب بعد فراغ الإحرام إذ كان من أسبابه، كما يجب في الإحرام، كان كذلك المشي الذي قبل الإحرام من أسباب الإحرام، حكمه حكم المشي الواجب في الإحرام؛ فلما كان على تارك المشي الواجب في الإحرام دم؛ كان على تارك هذا المشي الواجب قبل الإحرام دم أيضًا، وذلك واجب عليه في حال قُوَّتهِ على المشي، وفي حال عجزه عنه في قول أبى حنيفة وأبى يوسف ومحمد أيضًا؛ وذلك دليلٌ لنا صحيح على ما بيناه من حكم الطواف في حال القوة عليه، وفي حال العجز عنه.

ش: أي وأمّا وجه القياس في الحكم المذكور: فإن قومًا وأراد بهم: أهل المقالة الأولى، وهم: عطاء والشعبي والحسن وقتادة قالوا: ليس المشي يعني مَنْ نذره أن يحج ماشيًا مما يوجبه أي من الذي يوجبه نذرٌ، أراد أن النذر لا يوجب المشي؛ لأن فيه تعبًا للأبدان، فإذا لم يجب عليه المشي، لا يجب عليه بدله أيضًا عند تركه إياه.

قوله: "وبِجَمع" أراد به المزدلفة.

قوله: "وكان الطواف. . . ." إلى آخره تقسيم الطواف في الحج.

قوله: "إذ كان" أي حين كان.

قوله: "فقال بعضهم" أراد به: الثوري والنخعي وأبا حنيفة وصاحبيه.

ص: 61

قوله: "وقال بعضهم: عليه دم" أراد به: زفر والشافعي ومالكًا وأحمد رحمهم الله.

قوله: "وهذا هو النظر عندنا" أشار بهذا إلى أن القياس يقتضي ما قاله زفر ومن تبعه، وهو مختارُه أيضًا وَبَيَّن وجه ذلك بقوله:"لأن العلل. . . ." إلى آخره.

قوله: "فكان يجب في النظر" أي في القياس، والباقي ظاهر جدًّا.

ص: فإن قال قائل: فإذا وجب عليه المشي بإيجابه على نفسه أن يحج ماشيًا، فكان ينبغي إذا ركب أن يكون في معنى مَن لم يأت بما أوجب على نفسه، فيكون عليه أن يحج بعد ذلك ماشيًا، ويكون كمن قال: لله علىّ أن أصلي ركعتين قائمًا. فصلاهما قاعدًا.

فمن الحجة على قائل هذا القول عندنا: أنَّا رأينا الصلوات المفروضات التي علينا أن نصليها قيامًا لو صليناها قعودًا لَا لعذر؛ وجب علينا إعادتُها، وكنا في حكم من لم يصلها، وكان من حجَّ منا حجة الإِسلام التي يجب علينا المشى في الطواف لها، فطاف ذلك الطواف راكبًا ثم رجع إلى أهله، لم يُجْعل في حكم من لم يطف ويؤمر بالعود؛ بل قد قبل في حكم من طاف، وأجزأه طوافه ذلك؛ إلا أنه جعل عليه دم لتقصيره، فكذلك الصلاة الواجبة بالنذر والحج الواجب بالنذر هما مقيسان على الصلاة والحج الواجبين بإيجاب الله عز وجل، فما كان من ذلك مما وجب بإيجاب الله عز وجل يكون المقصر فيه في حكم تاركه، كان كذلك ما وجب عليه من ذلك بإيجابه إياه على نفسه فقصّر فيه، فلم يجب عليه إعادة، ولم يكن بذلك التقصير في حكم تاركه، كان كذلك ما وجب عليه من ذلك الجنس بإيجابه إياه على نفسه فقصّر فيه، فلا يكون بذلك التقصر في حكم تاركه فيجب عليه إعادته، ولكنه في حكم فاعله وعليه لتقصيره ما يجب عليه من التقصير في أشكاله من الدماء.

وهذا قول أبي حنيفة، وأبي يوسف، ومحمد رحمهم الله.

ص: 62

ش: تقرير السؤال أن يقال: إذا وجب على الناذر المذكور بإيجابه إياه على نفسه كان ينبغي إذا ركب ألا يكون آثمًا بما أوجبه على نفسه، فيجب عليه أن يحج بعد ذلك ماشيًا، وكذلك قلنا على من نذر أن يُصلِّي ركعتين قائمًا فصلاهما قاعدًا بغير عذر فإنه يجب عليه إعادتهما.

وأجاب عن ذلك بقوله: "فمن الحجة على قائل هذا القول. . . ." إلى آخره.

وهو ظاهر غني عن البيان.

قوله: "في أشكاله" بفتح الهمزة أي في أمثاله وأقرانه.

ص: 63