الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: الاعتراف بالزنا الذي يجب به الحد
ش: أي هذا باب في بيان حكم إقرار الرجل بالزنا الذي يجب به الحد.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: ذهب قوم إلى أن الرجل إذا أقر بالزنا مرة واحدة، أقيم عليه حد الزنا، واحتجوا في ذلك بما رويناه عن رسول الله عليه السلام في هذا الكتاب من قوله لأنيس:"واغد يا أنيس على امرأة هذا، فإن اعترفت فارجمها"، ففي هذا دليل على أن الاعتراف بالزنا مرة واحدة يوجب الحد.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: حماد بن أبي سليمان وعثمان البتي والحسن بن حي ومالكًا والشافعي وأحمد وأبا ثور؛ فإنهم قالوا: إذا أقر الرجل بالزنا مرة واحدة يجب عليه الحد، واحتجوا في ذلك بحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني المدني:"أمر رسول الله عليه السلام أنيسًا الأسلمي بأن يغدو على تلك المرأة؛ فإن اعترفت فليرجمها، فاعترفت فرجمها".
فهذا صريح على أنه حدَّها بإقرارها مرة واحدة.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: لا يجب حدّ الزنا على المعترف بالزنا حتى يقر به على نفسه أربع مرات، وقالوا: ليس فيما ذكرتم من حديث أنيس دليل على ما قد وصفتم وذلك أنه قد يجوز أن يكون أنيس قد كان علم حد الاعتراف الذي يوجب حدَّ الزنا على المعترف ما هو بما علمهم النبي صلى الله عليه وسلم في ماعز وغيره، فخاطبه النبي عليه السلام بهذا الخطاب بعد علمه أنه قد علم الاعتراف الذي يوجب الحد ما هو؟
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: سفيان الثوري وابن أبي ليلى والحكم بن عتيبة وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وزفر وأحمد في الأصح عنه وإسحاق؛ فإنهم قالوا: بإقرار واحدٍ لا يثبت حد الزنا، ولا يجب عليه الحد حتى يعترف أربع مرات، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
قوله: "وقالوا" أي قال هؤلاء الآخرون في الجواب عن حديث أبي هريرة الذي احتج به أهل المقالة الأولى، بيانه أن يقال: إن أُنيسًا الذي أمر له عليه السلام بأن يغدو على تلك المرأة ويرجمها إن اعترفت يجوز أن يكون قد علم من قبل ذلك حد الاعتراف الموجب لحد الزنا بتعليم النبي عليه السلام إياهم في قضية ماعز وغيره، فأمره النبي عليه السلام بإقامة الحد عليها بعد علمه الاعتراف الموجب لحد الزنا بأنه أربع مرات، فاكتفى لذلك على قوله:"فإن اعترفت فارجمها" والمعنى على هذا: إن اعترفت الاعتراف الذي تعلمه وهو أربع مرات.
ص: وقد جاء غير هذا الأثر من الآثار ما قد بيَّن الاعتراف بالزنا الذي يوجب الحد على المعترف ما هو؟
من ذلك ما قد حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو أحمد الزبيري، قال: ثنا إسرائيل، عن جابر، عن الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبي بكر رضي الله عنه:"أن النبي صلى الله عليه وسلم رد ماعزًا أربع مرات".
ش: أي قد جاء غير حديث أبي هريرة -الذي فيه الأمر لأنيس الأسلمي برجم تلك المرأة إن اعترفت- من الآثار ما قد بيَّن كمية الاعتراف الذي يجب به الحد، فمنها حديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه؛ فإنه أخبر أنه عليه السلام رد ماعزًا أربع مرات.
فدل ذلك أن الحد لا يجب بإقراره مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا.
وأخرجه عن يزيد بن سنان القزاز، عن أبي أحمد محمد بن عبد الله الزبيري روى له الجماعة، عن إسرائيل بن يونس بن أبي إسحاق السبيعي روى له الجماعة، عن جابر بن يزيد الجُعفي، فيه مقال، عن عامر الشعبي، عن عبد الرحمن بن أبزى الخزاعي، المختلف في صحبته، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا وكيع، عن إسرائيل، عن جابر، عن عامر، عن عبد الرحمن بن أبزى، عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: "كنت
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 538 رقم 28769).
عند النبي عليه السلام فجاء ماعز بن مالك فاعترف عنده مرةً فرده، ثم جاء فاعترف الثانية فرده، ثم جاء فاعترف الثالثة فرده، فقلت له: إن اعترفت الرابعة رجمك، فاعترف الرابعة فحبسه، ثم سأل عنه فقالوا: ما نعلم إلا خيرًا فأمر برجمه".
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): عن أسود بن عامر، عن إسرائيل. . . . إلى آخره نحوه.
وقد طعنوا في هذا الحديث بسبب جابر الجعفي، ولكن ابن حبان أخرج له في "صحيحه"، وقال صاحب "التمهيد": أجمعوا على أنه يُكتب حديثه، واختلفوا في الاحتجاج به، وشهد له بالصدق والحفظ: الثوري وشعبة ووكيع وزهير بن معاوية، وقال وكيع: مهما شككتم في شيء فلا تشكوا في أن جابرًا الجعفي ثقة، وزاد في "الاستذكار": كان شعبة والثوري يشهدان له بالحفظ والإتقان، وكان وكيع وزهير بن معاوية يوثقانه ويثنيان عليه.
فإن قيل: الإقرار حجة في الشرع لرجحان جانب الصدق فيه على جانب الكذب، وهذا المعنى عند التكرار والتوحُّد سواء؛ لأن الإقرار إخبار، والإخبار لا يزيد رجحانًا بالتكرار، ولهذا لم يشترط في سائر الحدود.
قلت: هذا هو القياس، ولكنا تركناه بالنص، وهو أنه عليه السلام رد ماعزًا أربع مرات، فلو كان الإقرار مرةً مظهرًا للحد لما أخره عليه السلام إلى الأربع؛ لأن الحد بعدما ظهر وجوبه للإمام لا يحتمل التأخير.
فإن قيل: يحتمل رد النبي عليه السلام ماعزًا أربع مرات لكونه أفهمه أنه لا يدري ما الزنا، فردده لذلك، لا لكون اشتراط الأربع في الإقرار، ألا ترى كيف قال له:"لعلك قبَّلت، أو غمزت، أو نظرت". وفي رواية قال بعد ذلك: "قبلتها؟ قال: نعم".
أخرجها النسائي (2) وغيره من حديث ابن عباس، فدل ذلك أن ترديده عليه السلام
(1)"مسند أحمد"(1/ 8 رقم 41).
(2)
"السنن الكبرى"(4/ 278 رقم 7168).
لم يكن مراعاة لتمام الإقرار أربع مرات أصلًا، وإنما كان لتهمته إياه في عقله، وفي جهله ما هو الزنا.
قلت: يرد هذا كله حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه فإنه يخبر فيه: "أن ماعزًا لما أقر مرة رده رسول الله، فلما كان من الغد أتاه أيضًا فاعترف أيضًا بالزنا. . . ." الحديث على ما يأتي، عن قريب إن شاء الله إلى أن قال بريدة في آخره:"كنا نتحدث بيننا أصحاب رسول الله عليه السلام أن ماعز بن مالك لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يطلبه، وإنما رجمه عند الرابعة". وهذا أدل دليل على أن ترديده عليه السلام أربع مرات لم يكن إلا لكون اشتراط الأربع؛ إذْ لو كانت لتهمته إياه في عقله لرجمه في اليوم الثاني؛ لأن عقله كان يعلم في ترديده.
فإن قلت: يعارض هذا ما رواه النسائي (1): عن إسحاق بن إبراهيم، عن عبد الرزاق، عن ابن جريج عن أبي الزبير، عن عبد الرحمن بن الصامت ابن عم أبي هريرة أخبره، أنه سمع أبا هريرة يقول:"جاء الأسلمي إلى رسول الله عليه السلام فشهد على نفسه أربع مرات بالزنا يقول: زنيت بامرأة حرامًا، كل ذلك يُعرض عنه رسول الله عليه السلام، فأقبل في الخامسة فقال له: أنكحتها؟ قال: نعم، قال: فهل تدري ما الزنا؟ قال: نعم، أتيتُ منها حرامًا مثل ما يأتي الرجل من امرأته حلالا، قال: فما تريد بهذا القول؟ قال: أريد أن تطهرني، فأمر به رسول الله عليه السلام أن يرجم فرجم، فسمع رسول الله عليه السلام رجلين من أصحابه يقول أحدهما لصاحبه: انظروا إلى هذا الذي ستر الله عليه فلم تدعه نفسه حتى رُجم رَجمَ الكلب، فسكت عنهما رسول الله عليه السلام ساعةً، فمر بجيفة حمار شائل برجله، فقال: أين فلان وفلان؟ فقالا: نحن يا رسول الله، فقال لهما: كلا من جيفة هذا الحمار، فقالا: يا رسول الله غفر الله لك مَن يأكل هذا؟! فقال رسول الله عليه السلام: ما نلتما من عرض هذا آنفًا أشد من أكل هذه الجيفة، فوالذي نفسي بيده إنه الآن في أنهار الجنة".
(1)"السنن الكبرى"(4/ 277 رقم 7165).
فهذا حديث صحيح، وفيه أنه عليه السلام لم يكتف بإقراره أربع مرات، ولا بتقريره أربع مرات حتى أقر في الخامسة، ثم لم يكتف بذلك حتى سأله السادسة: هل تعرف ما الزنا؟ ولم يكتف بذلك حتى سأله السابعة: ما تريد بهذا القول؟ فهذا يدل على أن ترديده عليه السلام لم يكن إلا لتهمته إياه في عقله، ولو جعل العدد شرطًا كان ينبغي أن يشترط أكثر من أربع؛ على ما في الحديث.
قلت: لم يكن ما فوق الأربع في هذا الحديث من الإقرار بالزنا، وإنما كان في الخامسة سؤالا وجوابًا عن صحة وقوع الزنا، وفي السادسة كان سؤالا وجوابًا عن ماهية الزنا، والسابع: كان سؤالا وجوابًا عما يخرج به من هذه الورطة وليس ذلك داخلا في الآثار المعتبرة والأقارير المشروطة هي التي حصلت بقوله: "فشهد على نفسه أربع مرات" فافهم.
ص: حدثنا أحمد بن الحسن، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي، عن عبد الله بن المقدام، عن ابن شداد، عن أبي ذر رضي الله عنه قال:"كنا مع رسول الله عليه السلام في سفر فأتاه رجل فأقر بالزنا، فردده أربعًا، ثم نزل فأمرنا فحفرنا حفرة ليست بالطويلة، فأمر به فرجم، فارتحل رسول الله عليه السلام كئيبًا حزينًا، فسرنا حتى نزلنا منزلا فقال لي رسول الله عليه السلام: يا أبا ذر ألم تر إلى صاحبكم قد غُفر له وأدخل الجنة".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن عبد الحميد، قال: ثنا إبراهيم بن الزبرقان وأبو خالد الأحمر، عن الحجاج. . . . فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان:
الأول: عن أحمد بن الحسن، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن الحجاج بن أرطاة النخعي فيه مقال، عن عبد الملك بن المغيرة الطائفي وثقه ابن حبان، وروى له الترمذي، عن عبد الله بن المقدام بن الورد الطائفي، عن ابن شداد وهو نسعة -بكسر النون وسكون السين وفتح العين المهملتين- ابن شداد، عن أبي ذر الغفاري رضي الله عنه جندب بن جنادة.
وأخرجه البزار في "مسنده"(1): ثنا يوسف بن موسى، نا سلمة بن الفضل، ثنا الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن مغيرة، عن عبد الله بن المقدام، عن ابن شداد.
وثنا الحسن بن عرفة، ثنا إسماعيل بن عياش، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الله بن المقدام، عن نسعة بن شداد، عن أبي ذر -متقاربان في حديثهما- قال:"كنتُ مع رسول الله عليه السلام وهو راكب، فجاء رجل فقال: يا رسول الله، إن الأخِر زنى، فأعرض عنه، ثم أتاه الثانية فقال: إن الأخِر زنى، فأعرض عنه، ثم عاد الثالثة فقال: إن الأخِر زنى، فأعرض عنه، ثم أعاد له الرابعة فقال: إن الأخِر زنى، فنزل فأمر برجمه، ثم ركب، ثم نزل فقال: يا أبا ذر، قد غفر لصاحبكم وأدخل الجنة" واللفظ لفظ سلمة بن الفضل.
وقال البزار: لا نعلمهما أي عبد الله بن المقدام وابن شداد ذُكِرا في حديث مسند إلا في هذا الحديث.
قوله: "إن الأخِر" بوزن الكَبِدَ، بقصر الهمزة وكسر الخاء المعجمة، ومعناه: الأبعد على الذم، وقيل: الأرذل.
الطريق الثاني: عن علي بن شيبة بن الصلت، عن يحيى بن عبد الحميد الحماني، عن إبراهيم بن الزبرقان وثقه ابن معين، وقال أبو حاتم: لا يحتج به. يروي هو وأبو خالد الأحمر سليمان بن حيان، كلاهما عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك بن المغيرة، عن عبد الله بن المقدام بن الورد، عن نسعة بن شداد، عن أبي ذر رضي الله عنه.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(2): ثنا يزيد، عن الحجاج بن أرطاة، عن عبد الملك ابن المغيرة الطائفي، عن عبد الله بن المقدام، عن ابن شداد، عن أبي ذر قال: "كنا
(1)"مسند البزار"(9/ 428 رقم 4036).
(2)
"مسند أحمد"(5/ 179 رقم 21594).
مع رسول الله عليه السلام في سفر، فأتى رجل فقال: إن الأخِر قد زنى، فأعرض عنه، ثم ثلث ثم ربع، فنزل النبي عليه السلام-وقال مرة: فأقر عنده بالزنا فرده أربعًا، ثم نزل- فأمرنا فحفرنا له حفرة ليست بالطويلة فرجم، فارتحل رسول الله عليه السلام كئيبًا حزينًا، فسرنا حتى نزل منزلًا، فسري عن رسول الله عليه السلام فقال: يا أبا ذر، ألم تر إلى صاحبكم؛ غفر له، وأدخل الجنة".
ص: حدثنا إبراهيم بن محمد الصيرفي، قال: ثنا أبو الوليد، قال: ثنا أبو عوانة، عن سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما:"أن رسول الله عليه السلام قال لماعز: أحقٌّ ما بلغني عنك؟ قال: وما بلغك عني؟ قال: بلغني أنك أتيت جارية آل فلان، فأقر على نفسه أربع مرات، فأمر به فرجم".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو غسان، قال: ثنا أبو عوانة. . . . فذكر بإسناده مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن محمد الصيرفي، عن أبي الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح اليشكري، .. إلى آخره.
وأخرجه مسلم (1): ثنا قتيبة بن سعيد وأبو كامل الجحدري -واللفظ لقتيبة- قالا: ثنا أبو عوانة، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس:"أن النبي عليه السلام قال لماعز بن مالك. . . ." إلى آخره نحوه.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي غسان مالك بن إسماعيل النهدي شيخ البخاري، عن أبي عوانة الوضاح، عن سماك، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وأخرجه أبو داود (2): عن مسدد، عن أبي عوانة،. . . إلى آخره نحوه، ولكن
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1320 رقم 1693).
(2)
"سنن أبي داود"(4/ 147 رقم 4425).
في روايته: عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس موضع: عن عكرمة، عن ابن عباس كما في رواية مسلم.
وأخرجه الترمذي (1) والنسائي (2) أيضًا.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني أبو سلمة بن عبد الرحمن، عن جابر بن عبد الله الأنصاري رضي الله عنه:"أن رجلًا من أسلم أتى رسول الله عليه السلام وهو في المسجد، فناداه فحدثه أنه زنى، فأعرض رسول الله عليه السلام، فتنحى لشقه الذي أعرض قبله فأحبره أنه زنى وشهد على نفسه أربع مرات، فدعاه رسول الله عليه السلام فقال: هل بك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به رسول الله عليه السلام أن يرجم بالمصلى، فلما أذلفته الحجارة جمز حتى أدرِك بالحرة، فقتل بها رجمًا".
ش: إسناده صحيح ورجاله كلهم رجال الصحيح.
ويونس الأول هو ابن عبد الأعلى شيخ مسلم. والثاني هو ابن يزيد الأيلي. وابن شهاب هو محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف.
والحديث أخرجه الجماعة غير ابن ماجه:
فقال البخاري (3): حدثني محمود، ثنا عبد الرزاق، أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر:"أن رجلًا من أسلم جاء النبي عليه السلام فاعترف بالزنا، فأعرض عنه النبي عليه السلام حتى شهد على نفسه أربع مرات، قال له النبي عليه السلام: أَبِكَ جنون؟ قال: لا، قال: أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به فرجم بالمصلى، فلما أذلقته الحجارة فَرَّ، فأدرك فرجم حتى مات. فقال له النبي عليه السلام خيرًا، وصلى عليه".
(1)"جامع الترمذي"(4/ 35 رقم 1427).
(2)
"السنن الكبرى"(4/ 279 رقم 7171).
(3)
"صحيح البخاري"(6/ 2500 رقم 6434).
ولم يقل يونس وابن جريج، عن الزهري:"فصلى عليه".
وقال مسلم (1): حدثني أبو الطاهر وحرملة، قالا: أنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله، عن النبي عليه السلام نحوه.
وقال أبو داود (2): نا محمد بن المتوكل العسقلاني والحسن بن علي، قالا: نا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن الزهري، عن أبي سلمة، عن جابر بن عبد الله. . . . إلى آخره نحوه.
وقال الترمذي (3): ثنا الحسن بن علي، عن عبد الرزاق. . . . إلى آخره نحوه. وقال النسائي (4).
قوله: "فلما أذلقته الحجارة" أي أصابته بحدها فعقرته، وذلق كل شيء حده، والإذلاق أيضًا سرعة الرمي، فيكون معناه على هذا: أنه لما تتابع عليه وقع الحجارة وتناولته من كل وجه فرَّ. ومادته ذال معجمة ولام وقاف.
قوله: "جَمز" بالجيم والزاي المعجمة، أي أسرع هاربًا من القتل، يقال: جَمَزَ يَجْمِزُ جَمْزًا من باب ضَرَبَ يَضْرِبُ.
قوله: "حتى أُدرك" على صيغة المجهول.
قوله: "بالحرة" بفتح الحاء المهملة وتشديد الراء وهي أرض ذات حجارة سود، والمراد بها أرض بظاهر المدينة بها حجارة سود كثيرة، وكانت بها وقعة مشهورة زمن يزيد بن معاوية.
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1318 رقم 1691).
(2)
"سنن أبي داود"(4/ 148 رقم 4430).
(3)
"جامع الترمذي"(4/ 148 رقم 1429).
(4)
بيض له المؤلف رحمه الله، والحديث في "المجتبى"(4/ 62 رقم 1956)، وفي "الكبرى"(1/ 635 رقم 2083) من طريق عبد الرزاق، به.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر وعثمان بن عمر، قالا: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة رضي الله عنه قال:"أتى النبي صلى الله عليه وسلم رجل أشعر قصير ذو عضلات، فأقر له بالزنا، فأعرض عنه، فأتاه من قبل وجهه الآخر، فأعرض عنه، قال -لا أدري مرتين أو ثلاثًا- فأمر به فرجم. قال: فذكرت ذلك لسعيد بن جبير فقال: رده أربع مرات".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة. . . . فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال:"يردده مرتين".
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي وعثمان بن عمر، كلاهما عن شعبة. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (1): عن إسحاق بن إبراهيم، عن أبي عامر العقدي، عن شعبة. . . . إلى آخره نحوه، وفيه:"فرده مرتين أو ثلاثًا".
الثاني: عن إبراهيم أيضًا، عن وهب بن جرير، عن شعبة. . . . إلى آخره.
وأخرجه أبو داود (2): عن محمد بن المثنى، عن محمد بن جعفر، عن شعبة. . . . إلى آخره نحوه، وفيه:"فرده مرتين".
وأخرجه النسائي (3) أيضًا.
وأخرج مسلم (4) أيضًا، عن محمد بن المثنى وابن بشار -واللفظ لابن المثنى- قالا: ثنا محمد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، عن سماك بن حرب، قال: سمعت
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1320 رقم 1692).
(2)
"سنن أبي داود"(4/ 147 رقم 4423).
(3)
"السنن الكبرى"(4/ 282 رقم 7182).
(4)
"صحيح مسلم"(3/ 1319 رقم 1692).
جابر بن سمرة قال: "أتي النبي عليه السلام برجل قصير أشعث ذي عضلات، وعليه إزار قد زنى، فرده مرتين، ثم أمر به فرجم، فقال رسول الله عليه السلام: كلما نفرنا غازين في سبيل الله نخلف أحدهم ينبُّ نبيب التيس، يمنح إحداهن الكثبة، إن الله لا يمكنني من أحدهم إلا جعلته نكالًا أو نكلته. قال: فحدثته سعيد بن جبير فقال: إنه رده أربع مرات".
قوله: "أشعث" هو الذي لم يحلق شعره ولم يرجِّله، وقيل: هو كثير الشعر، وقيل: طويله.
قوله: "ذو عضلات" جمع عضلة، والعضلة في البدن كل لحمة صلبة مكتنزة، ومنه عضلة الساق، ويجوز أن يكون أريد به أن عضلة ساقيه كبيرة.
قوله: "ينب نبيب التيس" نبيب التيس: صوته عند السفاد، يقال: نبَّ التيس يَنِبُّ نبيبًا إذا صاح وهاج وبابه من باب: ضرب يضرب، والكثبة: كل قليل جمعته من طعام وغيره.
قوله: "يمنح" بفتح النون وكسرها، أي يعطي.
قوله: "نكالًا" بفتح النون أي: عقوبة.
قوله: "نكلته" أي منعته عنهن، يقال: نكل عن الأمر يَنْكُل بالضم، ونكل بالكسر ينكل لغة فيه وأنكره الأصمعي: إذا امتنع، ومنه النكول عن اليمين وهو الامتناع منها.
ص: فقال قائل: ففي هذا الحديث أنه حدَّه بعد إقراره أقل من أربع مرات.
قيل له: في هذا الحديث علة؛ وذلك أن ربيعًا المؤذن حدثنا، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا إسرائيل، عن سماك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"أتى رسول الله عليه السلام ماعز بن مالك، فاعترف مرتين، فقال: اذهبوا به، ثم ردوه فاعترف مرتين، حتى اعترف أربعًا، فقال رسول الله عليه السلام: اذهبوا به فارجموه".
ففي هذا الحديث أنه أقر مرتين، ثم ذهبوا به، ثم ردوه فأقر مرتين، فيجوز أن يكون جابر بن سمرة حضر المرتين الأخريين ولم يحضر ما كان قبل ذلك، وحضر ابن عباس الإقرار كله، وكذلك من وافقه على أنه كان أربعًا.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم شرطتم في وجوب الحد على المعترف بالزنا أربع مرات، ولم توجبوا الحد إذا أقر مرة أو مرتين أو ثلاثًا، فقد جاء في حديث جابر بن سمرة رضي الله عنه أنه حده بعد إقراره مرتين أو ثلاثًا.
وتقرير الجواب أن يقال: يحتمل أن يكون جابر بن سمرة قد حضر في قصة ماعز عند إقراره المرتين الأخريين ولم يحضر عند إقراره المرتين الأوليين، فحكى بحسب ما شاهد من ذلك، والدليل عليه حديث ابن عباس فإنه قال: "أتى ماعز رسول الله عليه السلام فاعترف مرتين، فقال لهم النبي عليه السلام: اذهبوا به لعله أن ينزع، عن ذلك ثم ردوه، فاعترف مرتين أخريين حتى كمل اعترافه أربعًا، ثم أمرهم رسول الله عليه السلام أن يذهبوا به ويرجموه، فصار أقاريره الأربع في مجلسين، في كل مجلس إقراران، فيحتمل أن يكون بين المجلسين يوم أو أقل منه أو أكثر، ويكون جابر بن سمرة قد حضر المجلس الأخير فعاين منه إقرارين فحكى على ذلك، وحضر ابن عباس المجلسين جميعًا فحكى أقاريره الأربعة، وكذلك كل مَن روى أربعًا عن ابن عباس على هذا فافهم.
وهذا المعنى هو المراد من قوله: "في هذا الحديث علة"، أي معنى قد بينه، والله أعلم.
وإسناد حديث ابن عباس صحيح، ورجاله ثقات قد تكرر ذكرهم.
ص: حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن عبد الرحمن بن هضاض، عن أبي هريرة رضي الله عنه: "أن ماعز بن مالك زنى، فأتى هزالًا فأقر له أنه زنى، فقال له هزال: ائت رسول الله عليه السلام-
فأخبره قبل أن ينزل فيك قرآن، فأتى النبي عليه السلام فقال: إني زنيت، فأعرض عنه حتى قال ذلك أربعًا، ثم أمر به فرجم".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، قال: أخبرني أبو سلمة وسعيد بن المسيب، أن أبا هريرة رضي الله عنه قال:"أتى رجل من أسلم رسول الله عليه السلام وهو في المسجد، فناداه، فحدثه أنه زنى، فأعرض عنه رسول الله عليه السلام فتنحى لشقه الذي أعرض قِبَلَه، فأخبره أنه زنى وشهد على نفسه أربع مرات، فدعاه رسول الله عليه السلام فقال: هل بك جنون؟ قال: لا، قال: فهل أحصنت؟ قال: نعم، فأمر به رسول الله عليه السلام أن يرجم بالمصلى".
ش: ذكره شاهدًا لما ذكره من قوله: "وكذلك من وافقه على أنه كان أربعًا".
وأخرجه من وجهين:
الأول: حسن جيد، عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير محمد بن مسلم المكي، عن عبد الرحمن ابن هضاض، ويقال: هضاب، ويقال: هضهاض، ويقال: ابن الصامت الدوسي ابن عم أبي هريرة، وقيل: ابن أخي أبي هريرة، وثقه ابن حبان.
وأخرجه النسائي (1): نا محمد بن حاتم بن نعيم، أنا حبان بن موسى، أنا عبد الله بن المبارك، عن حماد بن سلمة، عن أبي الزبير، عن عبد الرحمن بن هضاض، عن أبي هريرة:"أن ماعزًا أتى رجلًا يقال له: هزال [فقال: يا هزال] (2): إن الأخِرَ قد زنى، قال: ائت رسول الله عليه السلام قبل أن ينزل فيك قرآن، فأتى رسول الله عليه السلام فأخبره أنه زنى، فأعرض عنه، ثم أخبره فأعرض عنه، ثم أخبره فأعرض عنه أربع مرات، فلما كانت الرابعة، أمر برجمه، فلما رجم أتى إلى شجرة فقتل".
(1)"السنن الكبرى"(4/ 277 رقم 7166).
(2)
ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "السنن الكبرى".
فإن قيل: قال ابن حزم: عبد الرحمن بن هضاض مجهول لا يدرى من هو، ثم روى حديثًا من طريق عبد الرحمن بن الصامت، عن أبي هريرة. . . . إلى آخره نحوه، وقال: هذا خبر صحيح.
قلت: قد اشتبه على ابن حزم فوهم في الاسمين وظن أن كل واحد منهما اسم لشخص، فحكم على أحدهما بالجهالة، وليس كذلك، بل هما واحد كما ذكرنا، وقد ذكره البخاري في "تاريخه" وحكى الخلاف فيه بأن عبد الرحمن هذا يقال له: ابن الصامت، ويقال فيه: ابن هضهاض، وابن هضاض، وصحح بعضهم ابن الهضهاض، وقال البخاري: حديثه في أهل الحجاز، ليس يعرف إلا بهذا الحديث الواحد، وذكر له هذا الحديث.
الوجه الثاني: إسناده صحيح، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمد بن مسلم الزهري، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف. . . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (1): نا سعيد بن عُفير، قال: حدثني الليث، حدثني عبد الرحمن بن خالد، عن ابن شهاب، عن ابن المسيب وأبي سلمة، أن أبا هريرة قال:"أتى رسول الله عليه السلام رجل من الناس وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله إني زنيت، يريد نفسه، فأعرض عنه النبي عليه السلام، فتنحى لشق وجهه الذي أعرض قبله، فقال: يا رسول الله، إني زنيت، فأعرض عنه، فجاء لشق وجه النبي عليه السلام الذي أعرض عنه، فلما شهد على نفسه أربع شهادات، دعاه النبي عليه السلام فقال: أَبِكَ جنون؟ قال: لا يا رسول الله، فقال: أحصنت؟ قال: نعم يا رسول الله، قال: اذهبوا فارجموه".
وأخرجه مسلم (2): عن عبد الملك بن شعيب بن الليث، قال: نا أبي، عن جدي، قال: حدثني عقيل، عن ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وسعيد بن
(1)"صحيح البخاري"(6/ 2502 رقم 6439).
(2)
"صحيح مسلم"(3/ 1318 رقم 1691).
المسيب، عن أبي هريرة أنه قال:"أتى رجل من المسلمين رسول الله عليه السلام وهو في المسجد، فناداه: يا رسول الله، إني زنيت. . . ." إلى آخره نحوه.
ص: حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا بشير بن المهاجر الغنوي، قال: حدثني عبد الله بن بريدة، عن أبيه قال:"كنت جالسًا عند النبي عليه السلام فأتاه رجل يقال له: ماعز بن مالك، فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت وإني أريد أن تطهرني، فقال له: ارجع، فلما كان من الغد أتاه أيضًا فاعترف عنده بالزنا، فقال له النبي عليه السلام: ارجع، ثم أرسل النبي عليه السلام إلى قومه فسألهم عنه، فقال: ما تقولون في ماعز بن مالك، هل ترون به بأسًا أو تنكرون من عقله شيئًا؟ فقالوا: يا رسول الله، ما ننكر من عقله شيئًا، وما نرى به بأسًا، ثم عاد إلى النبي عليه السلام الثالثة فاعترف أيضًا عنده بالزنا، فقال: يا رسول الله، طهرني، فأرسل النبي عليه السلام إلى قومه فسألهم عنه، فقالوا له كما قالوا له في المرة الأولى: ما نرى به بأسًا وما ننكر من عقله شيئًا، ثم رجع إلى النبي عليه السلام الرابعة فاعترف عنده بالزنا، فأمر به النبي عليه السلام فحفرت له حفرة فجعل فيها إلى صدره، ثم أمر الناس أن يرجموه، قال بريدة: كنا نتحدث بيننا أصحاب النبي عليه السلام أن ماعز بن مالك لو جلس في رحله بعد اعترافه ثلاث مرات لم يطلب، وإنما رجمه عند الرابعة".
فلما كان رسول الله عليه السلام لم يرجمه بإقراره مرة ولا مرتين ولا ثلاثًا، دل ذلك أن الحد لم يكن وجب عليه بذلك الإقرار، ثم رجمه رسول الله عليه السلام بإقراره في المرة الرابعة، فثبت بذلك أن الإقرار بالزنا الذي يوجب الحد على المُقرِّ هو إقراره أربع مرات، فمن أقر كذلك حُد، ومن أقر أقل من ذلك لم يُحد، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله، وقد عمل بذلك علي رضي الله عنه في شراحة فرددها أربع مرات.
ش: ذكر حديث بريدة رضي الله عنه لكونه دليلًا صريحًا على اشتراط الإقرار أربع مرات في وجوب الحد على الزاني.
وأخرجه بإسناده صحيح، عن فهد بن سليمان، عن أبي نُعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن بشير بن المهاجر الغنوي الكوفي التابعي الثقة، عن عبد الله بن بريدة الأسلمي أبي سهل المروزي قاضي مرو روى له الجماعة، عن أبيه بريدة بن الحصيب الأسلمي الصحابي رضي الله عنه.
وأخرجه مسلم (1) بأتم منه: نا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا عبد الله بن نمير (ح).
ونا محمد بن عبد الله بن نمير -وتقاربا في لفظ الحديث- قال: نا أبي، قال: نا بشير بن المهاجر، قال: ثنا عبد الله بن بريدة، عن أبيه: "أن ماعز بن مالك الأسلمي أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله، إني قد ظلمت نفسي وزنيت، وإني أريد أن تطهرني فرده، فلما كان من الغداة أتاه فقال: يا رسول الله، إني قد زنيت، فرده الثانية، فأرسل رسول الله عليه السلام إلى قومه فقال: تعلمون بعقله بأسًا تنكرون منه شيئًا؟ فقالوا: ما نعلمه إلا وفي العقل من صالحينا فيما نرى، فأتاه الثالثة، فأرسل إليهم أيضًا فسأل عنه، فأخبروا أنه لا بأس به ولا بعقله، فلما كان الرابعة حفر له حفرة، ثم أمر به فرجم، قال: فجاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله، إني قد زنيت فطهرني، وأنه ردها، فلما كان الغد قالت: يا رسول الله، لم تردني؟ لعلك أن تردني كما رددت ماعزًا، فوالله إني لحبلى، قال: أما لا فاذهبي حتى تلدي، فلما ولدت أتته بالصبي في خرقة، قالت: هذا ولدته، قال: اذهبي فأرضعيه حتى تفطميه، فلما فطمته أتته بالصبي في يده كسرة خبز، فقالت: هذا يا رسول الله قد فطمته وقد أكل الطعام، فدفع الصبي إلى رجل من المسلمين، ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد ابن الوليد رضي الله عنه بحجر فرمى به فينضح الدم على وجه خالد فسبها، فسمع
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1323 رقم 1695).
النبي عليه السلام سبه إياها فقال: مهلًا يا خالد، فوالذي نفسي بيده لقد تابت توبة لو تابها صاحب مكس لغفر له، ثم أمر بها فصلي عليها؛ فدفنت".
وأخرجه أبو داود (1) والنسائي (2) كرواية الطحاوي مقتصرا على قصة ماعز دون قصة الغامدية.
واستفيد منه فوائد:
الأول: اشتراط الأربعة في الإقرار بالزنا صريح، الحديث دل على هذا والحديث صريح صحيح.
فإن قيل: كيف تقول صحيح، وفي إسناده بشير بن المهاجر الغنوي؛ وقد قال أحمد: منكر الحديث يجيء بالعجائب، مرجئ متهم، وقال في أحاديث ماعز كلها تريده إنما كان في مجلس إلا ذاك الشيخ بشير بن المهاجر، وقال أبو حاتم: يكتب حديثه ولا يحتج به؟
قلت: يكفي في صحته إخراج مسلم إياه، والله أعلم.
الثائية: فيه أن الإمام إذا اعترف رجل عنده بالزنى يسوف به، ويرد عليه لعله ينتزع؛ فإن ثبت على إقراره إلى أربع مرات يحده.
الثالثة: فيه أنه يحفر للرجل أيضًا كما يحفر للمرأة، وقال أصحابنا: يحفر للمرأة ولا يحفر للرجل، بل يرجم قائما، وقالوا: لأنه عليه السلام لم يفعل شيئا من ذلك بماعز.
وهذا الحديث يرد عليهم؛ لأنه فيه: "فأمر النبي عليه السلام فحفرت له حفرة" وكذلك في حديث أبي ذر المذكور فيما مضى.
(1)"سنن أبي داود"(2/ 554 رقم 4434).
(2)
"السنن الكبرى"(4/ 278 رقم 7167).
الرابعة: احتج أحمد وإسحاق بما في رواية مسلم من قوله: "اذهبي فأرضعيه حتى تفطمي" أن الحبلى لا تحد حتى تضع ما في بطنها، ثم تترك حولين حتى تفطم.
وقال أصحابنا ومالك والشافعي: تحد حين تضع حملها ولا تؤخر بعد ذلك.
فكأنهم ذهبوا إلى ما روى عمران بن حصين الذي رواه مسلم والأربعة: "أن امرأة من جهينة أتت إلى النبي عليه السلام فقالت: إنها قد زنت، وهي حبلى فدعا رسول الله عليه السلام وليها؛ فقال له رسول الله عليه السلام: "أحسن إليها، فإذا وضعت فجئ بها" فلما وضعت جاءه بها، فأمر بها النبي عليه السلام فشكت عليها ثيابها، ثم أمر بها فرجمت، ثم أمرهم فصلوا عليها".
فإن قيل: تعارض حديثا عمران وبريدة ظاهرا.
قلت: قد أجاب بعضهم عن هذا أن حديث عمران أجود من حديث بريدة؛ لأن في حديث بريدة بشير بن المهاجر، وقد قيل فيه ما قيل.
قلت: هذا ليس سديدا؛ لأن كلا من الحديثين أخرجه مسلم، متساويان في الصحة، والأحسن في الجواب أن يقال: أن يكونا امرأتين؛ إحداهما وجد لوليها كفيل وقتلها، والأخرى لم يوجد لها كفيل ولم تقتل فوجب إمهالها حتى يستغني عنها ولدها لئلا يهلك بهلاكها، ويكون الحديث محمولا على حالتين، ويرتفع الخلاف.