الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: حد الزاني المحصن
ش: أي هذا باب في بيان كيفية الحد على الزاني المحصن.
والإحصان على نوعين: إحصان الرجم، وإحصان القذف.
أما إحصان الرجم فهو في الشرع عبارة عن اجتماع صفات اعتبرها الشرع لوجوب الرجم وهي سبعة: العقل، والبلوغ، والحرية، والإسلام، والنكاح الصحيح، وكون الزوجين جميعًا على هذه الصفات، وهو أن يكونا عاقلين بالغين حرين مسلمين، فوجود هذه الصفات فيهما جميعًا شرط لكون كل واحد منهما محصنًا، والدخول في النكاح الصحيح بعد سائر الشروط متأخرًا عنها، وإن تقدمها لم يعتبر ما لم يوجد دخول آخر بعدها.
وأما إحصان القذف فهو في الشرع عبارة عن اجتماع صفات اعتبرها الشرع، وهي خمسة: العقل، والبلوغ، والحرية والإسلام، والعفة عن الزنا.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: سمعت ابن جريج، يحدث عن أبي الزبير، عن جابر رضي الله عنه:"أن رجلًا زنى، فأمر به النبي عليه السلام فجلد، ثم أخبر أنه كان قد أحصن فأمر به فرجم".
ش: إسناده صحيح، ورجاله كلهم رجال الصحيح.
ويونس هو ابن عبد الأعلى، شيخ مسلم.
وابن وهب هو عبد الله بن وهب، روى له الجماعة.
وابن جريج هو عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج المكي، روى له الجماعة.
وأبو الزبير هو محمَّد بن مسلم بن تدرس المكي، روى له الجماعة البخاري مقرونًا بغيره.
وأخرجه أبو داود (1): نا ابن السرح، قال: نا عبد الله بن وهب، عن ابن جريج، عن أبي الزبير، عن جابر. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه أيضًا (2)، عن أبي يحيى البزاز، عن أبي عاصم، عن ابن جريج. . . . إلى آخره نحوه.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى هذا فقالوا: هكذا حد المحصن إذا زنى: الجلد والرجم جميعًا.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبي والحسن البصري وإسحاق وداود وأحمد في رواية؛ فإنهم قالوا: المحصن يُجلد ويرجم.
وقال الترمذي: وهو مذهب بعض أهل العلم من الصحابة منهم: علي بن أبي طالب وأبي بن كعب وعبد الله بن مسعود وغيرهم رضي الله عنه، قالوا: الثيب يجلد ويرجم، وإلى هذا ذهب بعض أهل العلم، وهو قول أحمد وإسحاق.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون فقالوا: بل حده الرجم دون الجلد، وقالوا: قد يجوز أن يكون النبي عليه السلام إنما رجمه لما أخبر أنه محصن؛ لأن الجلد الذي كان جلده إياه ليس من حده في شيء؛ لأن حده كان الرجم دون الجلد، ويجوز أن يكون رجمه؛ لأن ذلك الرجم هو حده مع الجلد.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون وأراد بهم: إبراهيم النخعي والزهري والثوري والأوزاعي وعبد الله بن المبارك وابن أبي ليلى والحسن بن صالح وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا ومالكًا والشافعي وأحمد في الأصح؛ فإنهم قالوا: المحصن إذا زنى يرجم فقط.
قال المنذري: قال أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب والنخعي والزهري ومالك وأهل المدينة والأوزاعي وأهل الشام وسفيان وأبو حنيفة وأهل الكوفة
(1)"سنن أبي داود"(2/ 555 رقم 4438).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 556 رقم 4439).
والشافعي وأصحابه ما عدا ابن المنذر: إن الثيب إنما عليه الرجم ولا يجلد، ورأوا حديث عبادة منسوخًا، وتمسكوا بأحاديث تدل على النسخ، واحتج الشافعي بحديث أبي هريرة وفيه:"فإن اعترفت فارجمها، فغدا عليها فاعترفت فرجمها".
قال: فهذا الحديث آخر الأمرين؛ لأن أبا هريرة قد رواه، وهو متأخر الإسلام ولم يعرض للجلد.
وقال الترمذي: وقال بعض أهل العلم من أصحاب النبي عليه السلام منهم: أبو بكر وعمر وغيرهما: الثيب إنما عليه الرجم دون الجلد، وقد روي عن النبي عليه السلام مثل هذا في غير حديث في قصة ماعز وغيره، أنه أمر بالرجم ولم يأمر أن يجلد قبل أن يرجم، والعمل على هذا عند بعض أهل العلم، وهو قول سفيان الثوري وابن المبارك والشافعي.
قوله: "وقالوا: قد يجوز" أي قال هؤلاء الآخرون، وهذا جواب عن حديث جابر الذي احتج به أهل المقالة الأولى، وهو على وجهين:
الأول: قوله: قد يجوز أن يكون النبي عليه السلام. . . . إلى آخره.
والثاني: قوله: ويجوز أن يكون رجمه. . . . إلى آخره.
ص: واحتج أهل المقالة الأولى أيضًا لقولهم:
بما حدثنا يونس، قال: ثنا أسد بن موسى، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت رضي الله عنه، أن النبي عليه السلام قال:"خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر يجلد وينفى، والثيب يجلد ويرجم".
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا سعيد بن منصور، قال: ثنا هشيم، قال: أنا منصور بن زاذان، عن الحسن، قال: ثنا حطان بن عبد الله الرقاشي، عن عبادة بن الصامت، قال: قال رسول الله عليه السلام: "خذوا عني، فقد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم".
قالوا: فبهذا نقول: نرى أن يجلد المحصن ثم يرجم بعد ذلك كما، قال رسول الله -عليه السلام-.
ش: احتجاجهم بحديث عبادة ظاهر، ولكنه منسوخ على ما يأتي إن شاء الله تعالى.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن أسد بن موسى، عن شعبة. . . . إلى آخره.
وأخرجه الطحاوي مرة في باب: حد البكر، عن ابن أبي داود، عن علي بن الجعد، عن شعبة، عن قتادة. . . . إلى آخره.
الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن سعيد بن منصور، عن هشيم بن بشير. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (1): عن يحيى بن يحيى، عن هشيم، عن منصور. . . . إلى آخره نحوه.
وأخرجه الأربعة (2) أيضًا، وقد استوفينا الكلام فيه في باب: حد البكر.
ص: وكان من الحجة للآخرين عليهم في ذلك: ما قد رويناه عن رسول الله عليه السلام في أمره أنيسًا الأسلمي برجم المرأة التي أمره أن يغدو عليها فيرجمها إن اعترفت، ولم يأمره بجلدها.
وقد ذكرت ذلك بإسناده في الباب الأول، وفي ذلك الحديث أيضًا أن الذي قام إلى النبي عليه السلام قال له:"إني سألت رجالًا من أهل العلم، فأخبروني أن على أمرأة هذا الرجم " ولم يذكر معه الجلد، فلم ينكر ذلك عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدل
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1316 رقم 1690).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 549 رقم 4415). و"جامع الترمذي"(4/ 41 رقم 1434). و"السنن الكبرى"(4/ 270 رقم 7143). و"سنن ابن ماجه"(2/ 852 رقم 2550).
هذا أن جميع ما كان عليها من الحد في الزنا الذي كان منها: هو الرجم دون الجلد.
وقد شد ذلك أيضًا ما قد روي عن رسول الله عليه السلام فيما فعل بماعز رضي الله عنه.
حدثنا علي بن معبد، قال: ثنا الأسود بن عامر، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سماك، عن جابر بن سمرة:"أن النبي عليه السلام رجم ماعزًا" ولم يذكر جلدًا.
ففيما ذكرنا من ذلك ما يدل أن حد المحصن هو الرجم دون الجلد.
ش: أي وكان من الدليل والبرهان للجماعة الأولى وهم أهل المقالة الثانية "عليهم" أي على أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه: ما قد رويناه عن النبي عليه السلام وهو حديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني؛ فإنهما أخبرا في حديثهما: "أن النبي عليه السلام أمر أنيسًا الأسلمي بأن يغدو على تلك المرأة ويرجمها إن اعترفت، فغدا عليها فسألها فاعترفت فرجمها". ولم يأمره بجلدها، فدل ذلك على أن حد المحصن هو الرجم فقط.
وأيضًا لما قال ذلك الرجل مخبرًا عن أهل العلم أن عليها الرجم لم ينكر عليه رسول الله عليه السلام في ذلك، ولو كان الجلد من جملة الحد لأنكر عليه.
وقد شد هذا -أي عضده- وقواه ما رواه جابر بن سمرة أنه عليه السلام رجم ماعزًا، ولم يذكر فيه جلدًا، فدل أن حد المحصن هو الرجم فقط.
وأخرجه بإسناد صحيح.
وأخرجه مسلم (1) مطولًا: عن أبي كامل، عن أبي عوانة، عن سماك بن حرب، عن جابر بن سمرة.
وأخرجه أبو داود (2) والنسائي (3) أيضًا.
(1)"صحيح مسلم"(2/ 1319 رقم 1692).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 551 رقم 4422).
(3)
"السنن الكبرى"(4/ 282 رقم 7183).
ص: فإن قال قائل: فلم لا كان ما فيه الرجم والجلد أولى مما فيه الرجم خاصةً.
قيل له: لدلالة قد دلت على نسخ الجلد مع الرجم، وهو أنا رأينا أصل ما كان على الزاني قبل أن يفرق بين حكمه إذا كان محصنًا وبين حكمه إذا كان غير محصن ما وصف الله عز وجل في كتابه بقوله:{وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ فَإِنْ شَهِدُوا فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} (1)، فكان هذا هو حد الزانية أن تمسك في البيوت حتى تموت أو يجعل الله لها سبيلًا، ثم قال النبي عليه السلام:"خذوا عني قد جعل الله لهن سبيلًا". فذكر ما قد ذكرناه في حديث عبادة، فكان ذلك هو السبيل الذي قال الله عز وجل {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} ، فجعل الله ذلك السبيل على ما قد بينه على لسان نبيه عليه السلام، وفرض في ذلك الجلد والرجم على الثيب والجلد والنفي على غير الثيب فعلمنا أن ذلك القول كان من النبي عليه السلام بعد نزول هذه الآية وأنه لم يتقدم نزول هذه الآية وجوب الرجم على الزاني؛ لأن حده كان ما وصف الله عز وجل في كتابه من الحبس في البيوت، ولم يكن بين قوله:{أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} وبين حديث عبادة رضي الله عنه حكم آخر، فعلمنا أن حديث عبادة كان بعد نزول هذه الآية، وأن حديث ماعز الذي سأله رسول الله عليه السلام فيه عن إحصانه لتفرقته بين حد المحصن وغير المحصن، وحديث أبي هريرة وزيد بن خالد الجهني رضي الله عنهما أنه فرق رسول الله عليه السلام فيه بين حكم البكر والثيب، فجعل على البكر جلد مائة وتغريب عام، وعلى الثيب الرجم، متأخرًا عنه، فكان ذلك ناسخًا له؛ لأن ما تأخر من حكم رسول الله عليه السلام ينسخ ما تقدم منه، فلهذا كان ما ذكرنا من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد وحديث ماعز أولى من حديث عبادة مع ما قد شد ذلك من النظر الصحيح وذلك أنا رأينا
(1) سورة النساء، آية:[15].
العقوبات المتفق عليها في انتهاك الحرمات كلها إنما هي شيء واحد، من ذلك أنا رأينا أن السارق عليه القطع لا غير، والقاذف عليه الجلد لا غير. فكان النظر على ذلك أن يكون كذلك الزاني عليه شيء واحد لا غير فيكون عليه الرجم الذي قد اتفق أنه عليه، وينتفي عنه الجلد الذي لم يتفق به عليه. وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: تقرير السؤال أن يقال: لمَّا كان حديث عبادة بن الصامت رضي الله عنه الذي فيه الزيادة -وهي الرجم والجلد- أولى من حديث أبي هريرة وزيد بن خالد، وجابر بن سمرة في قصة ماعز التي فيها الرجم فقط، والأخذ بالزائد أولى لشموله الكل، فيكون العمل بكل الآثار، وهو أولى من إعمال بعضها إهمال بعضها.
والجواب ما ذكره بقوله: "قيل له: لدلالة. . . ." إلى آخره.
وملخصه أن يقال: إن الذي ذكرتم إنما يتمشى إذا لم يكن ثمة نسخ، وحديث عبادة منسوخ فلا يُعمل به، ووجه النسخ ما بينه مستقصى.
وقال أبو عمر: أما حديث عبادة فإنما كان هذا في أول نزول الجلد؛ وذلك أن الزناة كانت عقوبتهم إذا شهد عليهم أربعة من العدول في أول الإسلام أن يُمْسَكوا في البيوت إلى الموت، أو يجعل الله لهم سبيلًا، فلما نزلت آية الجلد قام رسول الله عليه السلام فقال:"خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا، البكر بالبكر .. الحديث". فكان هذا في أول الأمر، ثم رجم رسول الله عليه السلام ولم يجلد، فعلمنا أن هذا كان حكمًا أحدثه الله نسخ به ما قبله، ومثل هذا كثير في أحكامه وأحكام رسوله عليه السلام ليبتلي عباده، وإنما يؤخذ بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله عليه السلام، وقد كان الزهري يُنكر الجلد مع الرجم ويقول:"رجم رسول الله عليه السلام ولم يجلد" ذكره عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري.
قال أبو عمر (1): حدثنا عبد الوارث بن سفيان، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا
(1)"التمهيد"(9/ 83).
بكر بن حماد، ثنا مسدد، ثنا حماد بن زيد، عن علي بن زيد، عن يوسف بن مهران، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "أيها الناس إن الرجم حق فلا تخدعن عنه، وإن آية ذلك أن رسول الله عليه السلام قد رجم، وأن أبا بكر قد رجم، وإنا قد رجمنا بعدهما، وسيكون قوم من هذه الأمة يكذبون بالرجم، ويكذبون بالدجال، ويكذبون بطلوع الشمس من مغربها، ويكذبون بعذاب القبر، ويكذبون بالشفاعة، ويكذبون بقوم يخرجون من النار بعدما امتحشوا".
قال أبو عمر: الخوارج والمعتزلة يكذبون بهذا كله. نعوذ بالله من ذلك. انتهى.
قلت: لم يختلف السلف في حد الزَّانِيَيْن في أول الإسلام ما قال الله عز وجل: {وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ} (1) إلى قوله: {فَآذُوهُمَا} ، فكان حد المرأة: الحبس والأذى بالتعيير، وكان حد الرجل: التعيير ثم نسخ ذلك عن غير المحصن بقوله تعالى: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ} (2) ونسخ عن المحصن بالرجم؛ وذلك لأن في حديث عبادة: "خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلًا" بيانًا على أن المراد من السبيل هو ما ذكره من قوله: "البكر بالبكر. . . ." الحديث. ولم يكن بينهما حكم آخر؛ وذلك لأنه لو كان كذلك لكان السبيل المجعول لهن متقدمًا لقول النبي عليه السلام، وقد بيَّن عليه السلام بحديث عبادة أن المراد من السبيل هو ما ذكره دون غيره.
فإذا كان كذلك كان الأذى والحبس منسوخين عن غير المحصن بالآية، وعن المحصن بالسنة وهو الرجم، ثم جاء حديث أبي هريرة بعد حديث عبادة، فصار ناسخًا لما فيه من الجلد؛ إذ لو كان الجمع بينهما ثابتًا لاستعمله النبي عليه السلام
(1) سورة النساء، آية:[15 - 16].
(2)
سورة النور، آية:[2].
ولاسيما في قضية ماعز، وقد وردت قصة ماعز رضي الله عنه من جهات مختلفة، ولم يذكر في شيء منها الجلد مع الرجم.
فإن قيل: سلمنا أن حديث عبادة بعد نزول الآية فمن أين لنا التاريخ الذي يدل على أن حديث أبي هريرة ناسخ لحديثه؟
قلت: قد ثبت فيما مضى أنه لم يكن بين قوله تعالى: {أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلًا} (1) وبين حديث عبادة حكم آخر، وأن الآية المذكورة في سورة النور ونزولها كان في قصة الإفك، وقصة الإفك كانت قبل إسلام أبي هريرة رضي الله عنه، فبالضرورة يكون حديثه متأخرًا فيكون ناسخًا. والله أعلم.
قوله: "مما قد شد ذلك" أشار به إلى عدم جواز الجمع بين الجلد والرجم، وأراد بالنظر الصحيح: القياس وبيَّن وجهه بقوله: "وذلك أنا رأينا العقوبات. . . ." إلى آخره.
ولقائل أن يقول: السارق عليه القطع والضمان عندي، فلم يصح القياس فيه، فافهم.
ص: فإن قال قائل: وكيف يجوز أن يكون ذلك منسوخًا، وقد عمل به علي رضي الله عنه بعد رسول الله عليه السلام؟
فذكر ما حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى، قال: ثنا أبو الأحوص، عن سماك، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال:"جاءت امرأة من همدان -يقال لها: شراحة- إلى علي رضي الله عنه فقالت: "إني زنيت، فردَّدها حتى شهدت على نفسها أربع شهادات، فأمر بها فجلدت، ثم أمر بها فرجمت".
حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص. . . . فذكر بإسناده مثله.
(1) سورة النساء، آية:[15].
حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي، قال: ثنا محمد بن بكار بن بلال، قال: ثنا سعيد بن بَشِير، عن قتادة، عن الرضراض بن أسْعَد، قال:"شهدت عليًّا رضي الله عنه جلد شراحة ثم رجمها".
حدثنا محمد بن حميد، قال: ثنا علي بن معبد، قال: ثنا موسى بن أعين، عن مسلم الأعور، عن حبة، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال:"أتته شراحة فأقرت عنده أنها زنت، فقال لها علي رضي الله عنه: لعلك غُصبت نَفْسُكِ؟ قالت: أتيت طائعة غير مكرهة، قال: فأخرها حتى ولدت وفطمت ولدها، ثم جلدها الحد بإقرارها، ثم دفنها في الرحبة إلى منكبها، ثم رماها هو أول الناس، ثم قال: ارموا، ثم قال: جلدتها بكتاب الله عز وجل، ورجمتها بسنة محمد صلى الله عليه وسلم".
حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا شعبة، عن سلمة، عن الشعبي قال:"جلد علي رضي الله عنه شراحة يوم الخميس، ورجمها يوم الجمعة، وقال: جلدتها بكتاب الله عز وجل، ورجمتها بسنة رسول الله عليه السلام".
ش: تقرير السؤال أن يقال: لا نسلم أن يكون حديث عبادة منسوخًا، والدليل على أن حكمه وهو الجمع بين الجلد والرجم في الزاني باقٍ: فعل علي بن أبي طالب رضي الله عنه فإنه جمع بين الجلد والرجم بعد النبي عليه السلام، وذلك في قضية شراحة الهمدانية، ولو كان حكم الجمع بين الجلد والرجم منسوخًا لما عمل به علي رضي الله عنه بعد النبي عليه السلام.
وأخرج في ذلك، عن علي من خمس طرق:
الأول: عن علي بن شيبة بن الصلت السدوسي، عن يحيى بن يحيى النيسابوري شيخ الشيخين، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن سماك بن حرب، عن عبد الرحمن بن أبي ليلى الأنصاري.
وهذا إسناد صحيح، وفيه حجة لأصحابنا حيث يشترطون إقرار الزاني أربع مرات، وقال مالك والشافعي وأحمد وأبو ثور: يكفي مرة واحدة، وهو قول حماد بن أبي سليمان والحسن بن حي.
الثاني: أيضًا صحيح، عن روح بن الفرج القطان المصري، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص. . . . إلى آخره.
الثالث: عن عبد الرحمن بن عمرو الدمشقي حافظ الشام، عن محمد بن بكار بن بلال العاملي الدمشقي قاضيها، عن سعيد بن بشير الأزدي النصري -بالنون والصاد المهملة- فيه مقال، فعن يحيى: ليس بشيء. وعنه: ضعيف. وكذا عن النسائي. روى له الأربعة.
وهو يروي عن قتادة، عن الرضراض بن أسعد وثقه ابن حبان.
الرابع: عن محمد بن حميد بن هشام الرعيني، عن علي بن معبد بن شداد، عن موسى بن أعين الجزري الحراني، عن مسلم بن كيسان البراد الكوفي الأعور، فيه مقال، فعن يحيى: لا شيء. وعن أبي زرعة: ضعيف الحديث. وعن النسائي: متروك.
روى عن حبة -بفتح الحاء المهملة وتشديد الباء الموحدة- بن جوين بن علي العرني البجلي الكوفي قيل: إنه رأى النبي عليه السلام.
الخامس: عن يزيد بن سنان القزاز شيخ النسائي، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن شعبة، عن سلمة بن كهيل، عن عامر الشعبي.
وهذا إسناده صحيح.
وأخرجه البخاري (1): ثنا آدم، نا شعبة، نا سلمة بن كهيل، قال: سمعت الشعبي، يحدث عن علي رضي الله عنه حين رجم المرأة يوم الجمعة وقال:"قد رجمتها بسنة رسول الله عليه السلام".
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): نا علي بن مسهر، عن الأجلح، عن الشعبي قال: "أتي علي رضي الله عنه بشراحة -امرأة من همدان- وهي حبلى من زنا،
(1)"صحيح البخاري"(6/ 2498 رقم 6427).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 543 رقم 28811).
فأمر بها علي رضي الله عنه فحبست في السجن، فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس فضربها مائة سوط، ورجمها يوم الجمعة".
وأخرجه أحمد في "مسنده"(1): ثنا عفان، قال: ثنا حماد بن سلمة، عن سلمة بن كهيل، عن الشعبي، أن عليًّا رضي الله عنه قال لشراحة:"لعلك استكرهت؟ لعل زوجك أتاك؟ لعلك. . . . قالت: لا، فلما وضعت جلدها، ثم رجمها، فقيل له: لم جلدتها ثم رجمتها؟ قال: جلدتها بكتاب الله، ورجمتها بسنة رسول الله عليه السلام".
وأخرجه البيهقي في "سننه"(2) مطولًا من حديث جعفر بن عون: أنا الأجلح، عن الشعبي قال:"جيء بشراحة إلى علي رضي الله عنه فقال لها: ويلك، لعلك وقع عليك وأنت نائمة؟ قالت: لا، قال: لعلك استكرهت؟ قالت: لا، قال: لعل زوجك من عدونا هذا أتاك، فأنت تكرهي أن تدلي عليه، يلقنها لعلها تقول: نعم، قال: فأمر بها فحبست، فلما وضعت ما في بطنها أخرجها يوم الخميس فضربها مائة، وحفر لها يوم الجمعة في الرحبة وأحاط الناس بها وأخذوا الحجارة، فقال: ليس هكذا الرجم، إذًا يصيب بعضكم بعضًا، صفوا كصف الصلاة صفًّا خلف صف، ثم قال: أيها الناس، أيما امرأة جيء بها وبها حبل، أو رجل زانٍ فشهد عليه أربعة بالزنا، فالشهود أول من يَرجم، ثم الإمام، ثم الناس، ثم رجمها، ثم أمرهم فرجم صف ثم صف، ثم قال: افعلوا بها ما تفعلون بموتاكم".
ص: قيل له: إن هذا وإن كان قد روي عن علي رضي الله عنه كما ذكرنا، فإن غير علي من أصحاب رسول الله عليه السلام قد روى عنه في ذلك خلاف ما قد روي عن علي رضي الله عنه، فمن ذلك:
ما حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عبيد الله بن عبد الله، أن أبا واقد الليثي ثم الأشجعي -
(1)"مسند أحمد"(1/ 153 رقم 1316).
(2)
"سنن البيهقي"(8/ 220 رقم 11).
وكان من أصحاب رسول الله عليه السلام قال: "بينما نحن عند عمر رضي الله عنه مقدمه الشام بالجابية، أتاه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، إن امرأتي زنت بغلام، فهي هذه تعترف بذلك، فأرسلني عمر رضي الله عنه في رهط إليها لنسألها عن ذلك، فجئتها فإذا هي جارية حديثة السن، فقلت: اللهم أفرج فاها اليوم عما شئت، فسألتها وأخبرتها بالذي قال زوجها، فقالت: صدق، فبلغنا عمر رضي الله عنه، فأمر برجمها".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا، حدثه عن يحيى بن سعيد، عن سليمان بن يسار، عن أبي واقد الليثي "أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أتاه رجل وهو بالشام، فذكر له أنه وجد مع امرأته رجلًا، فبعث عمر بن الخطاب أبا واقد الليثي إلى امرأته ليسألها عن ذلك، فأتاها وعندها نسوة حولها، فذكر لها الذي قال زوجها لعمر بن الخطاب رضي الله عنه، وأخبرها أنها لا تؤخذ بقوله، وجعل يلقنها أشباه ذلك لتنزع، ذهبت أن تنتزع وثبتت على الاعتراف، فأمر بها عمر رضي الله عنه فرجمت".
فهذا عمر رضي الله عنه بحضرة أصحاب رسول الله عليه السلام لم يجلدها قبل رجمه إياها، فهذا خلاف لما فعل علي رضي الله عنه بشراحة، مِن جلده إياها قبل رجمها، وهو أولى الفعلين عندنا لما قد ذكرنا في هذا الباب. والله أعلم.
ش: هذا جواب عن السؤال المذكور، بيانه أن يقال: إن فعل علي رضي الله عنه معارض بفعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه؛ وذلك أنه أمر برجم امرأة اعترفت بالزنا ولم يجلدها، وكان ذلك بحضرة الصحابة فلم ينكر عليه أحد منهم، فصار فعل عمر أولى الفعلين لما قد ذكر في هذا الباب من دلالة أحاديث أبي هريرة وزيد بن خالد، وجابر بن سمرة، على عدم الجمع بين الجلد والرجم، وأنها ناسخة لحديث عبادة بن الصامت مع شهادة القياس الصحيح على عدم الجمع بينهما، على ما مر مستوفى.
ويمكن أن يجاب بوجه آخر: وهو أنه يحتمل أن يكون علي رضي الله عنه لم يعلم يإحصان شراحة فجلدها، ثم لما علم أنها محصنة أمر برجمها.
فإن قيل: قد روي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أيضًا أنه جلد ورجم.
فروى ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن حفص بن غياث، عن أشعث، عن ابن سيرين قال:"كان عمر رضي الله عنه يرجم ويجلد، وكان علي رضي الله عنه يرجم ويجلد".
قلت: الجواب عنه من وجوه:
الأول: أن ابن سيرين لم يدرك عمر رضي الله عنه؛ لأن مولده لسنتين بقيتا من خلافة عثمان بن عفان رضي الله عنه، فيكون منقطعًا.
والثاني: أن قوله: يرجم ويجلد لا يدل على أنه كان يجمع بينهما، فيحتمل أن يكون معناه: يرجم في الثيب، ويجلد في البكر.
والثالث: أن أفعال الصحابة رضي الله عنهم إذا تعارضت يرجع إلى نقل النبي عليه السلام، ولم يثبت عن النبي عليه السلام في قضية ماعز أنه جلد ورجم، ولا في تحصينه تلك المرأة التي بعث إليها أنيسًا الأسلمي، فكان هذا آخر الفعل من النبي عليه السلام.
ثم إنه أخرج أثر عمر بن الخطاب من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن يونس بن يزيد الأيلي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبي واقد الليثي الصحابي، قيل: اسمه الحارث بن مالك، وقيل: الحارث بن عوف، وقيل: عوف بن الحارث.
الثاني: عن يونس أيضًا، عن عبد الله بن وهب، عن مالك بن أنس، عن يحيى بن سعيد الأنصاري، عن سليمان بن يسار المدني. . . . إلى آخره.
وأخرجه مالك في "موطإه"(2).
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 541 رقم 28790).
(2)
"موطأ مالك"(2/ 823 رقم 1505).
قوله: "بينما" أصله "بين" فزيدت فيه "ما" فصار "بينما" وهو ظرف زمان بمعنى المفاجأة، ويضاف إلى جملة من فعل وفاعل، ومبتدأ وخبر، ويحتاج إلى جواب يتم المعنى، والأفصح في جوابه أن يكون فيه إذْ أو إذا، وهاهنا هكذا وقع الجواب وهو قوله:"أتاه"، وكذا الكلام في "بينا".
قوله: "مقدمه الشام" أي وقت قدومه الشام، ومنه قولك: وردت مقدم الحاج، تجعله ظرفًا، وهو مصدر، أي وقت قدوم الحاج، وكان قدوم عمر رضي الله عنه الشام أربع مرات: مرتين في سنة ست عشرة، ومرتين في سنة سبع عشرة، ولم يدخلها في الأولى من الأخريين.
قال ابن جرير: وفي سنة سبع عشرة قدم عمر بن الخطاب إلى الشام فوصل إلى سرغ في قول ابن إسحاق، وقال سيف: وصل إلى الجابية وهي مدينة بالشام والآن هي قرية ومن أبواب سور الشام باب ينسب إليها، فيقال لها: باب الجابية.
قوله: "في رهط" وهو اسم لما دون العشرة، ليس فيهم امرأة.
قوله: "وجعل يلقنها أشباه ذلك"، وفي أكثر نسخ "الموطأ":"وجعل يلقنها أشياء".
قوله: "وثبتت على الاعتراف" وفي بعض نسخ "الموطأ": "وتمت على الاعتراف"، والله أعلم.