الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: حد الخمر
ش: أي هذا باب في بيان حد الخمر، واعلم أن أهل اللغة اختلفوا في اشتقاق اسم الخمر على ألفاظ قريبة المعاني متداخلة، كلها موجودة المعنى في الخمر، فقال بعضهم: إنما سميت خمرًا لأنها تخمر العقل -أي تغطيه وتستره- ومنه خمار المرأة؛ لأنه يغطي رأسها، قال النحاس: هذا أصح ما قيل في اشتقاقها، قاله أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه على المنبر بحضرة الصحابة رضي الله عنهم.
وعن سعيد بن المسيب: إنما سميت الخمر خمرًا لأنها صعد صفوها ورَسَب كدرها.
وفي كتاب "الأشربة" لأحمد: ثنا أبو كامل، ثنا زهير، ثنا أبو إسحاق، عن أبي بردة قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "فأخمرته عبقته فهو خمر"، وفي لفظ:"ما عبقت وخمرت فهي خمر".
وقال بعضهم: سميت خمرًا لأنها اشتقت من المخامرة وهي المخالطة لأنها تخالط العقل، وقال بعضهم: إنما سميت خمرًا لأنها تُركت حتى أدركت يقال: خمر العجين أي بلغ إدراكه، وقيل: سميت خمرًا لتغطيتها العقل، وقيل: لتغظيتها الدماغ، قال عليه السلام:"خمروا آنيتكم" أي غطوها، وقال أبو حنيفة: هي مؤنثة وقد تُذكر، ذكر ذلك الفراء وأنشد قول الأعشى:
وكأن الخمر العتيق من الأسفنـ
…
ـط ممزوجة بماء زلال
ويقال ذكرها على إرادة الشراب، وقيل ذكَّرها كما ذكر غيره النار، وقال الفراء: نعوتها مؤنثات. والخمر تكنى أم ليلى ولها أسماء كثيرة منها: الراح والدم والخمول والقهوة والعقار والقرقف والسلافة والسُّلَاف والخرطوم والمُدام والرحيق والكلفاء والكُمَيت والطلاء والجريال والماذي والماتع والمزة والدرياق والدرياقة والفيهج والسُّخامية والخندريس والشموس وأم زبنق وبكر وعاتق وعانس والخميطة والخلة والأسفنط والرساطون والمقذية والعانية والهيتية والبابلية
والبيسانية والزيتية والثميلية والآسرة والساهرية والمفتاح والمصرعة والمنوِّمة والرينية والمسلية والمنسية والسارية والمغنية والنمامة والدبابة والطاردة، وفؤاد الدن، والضريع، والحلس، والسويق، والمصطار، والعنقوان، والفضيخ، والجمهوري، والباذق، والاستيداف، والنطل، والحاذق، والقارص، وثقيف، ونا قس بالقاف وقيل بالفاء، والباسل، والكأس، الرياح، والمشمولة، والوردة، والدنوانا، والصفراء، والمزاء، والمعتقة، والعتيق، والشراب، والشروب، والمعرقة، والمصفقة، والبتع، والجعة، والصهباء، والمشَعْشِعَة، والسكركة، السكر.
ص: حدثنا ابن أبي داود قال: ثنا مسدد بن مسرهد، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سعيد بن أبي عروبة، عن الداناج، عن حُضَين بن المنذر الرقاشي أبو ساسان، عن علي رضي الله عنه قال:"جلد رسول الله عليه السلام في الخمر أربعين، وأبو بكر رضي الله عنه أربعين، وكملها عمر رضي الله عنه ثمانين، وكلٌّ سنة".
ش: إسناده صحيح. ويحيى هو ابن سعيد القطان.
والداناج هو عبد الله بن فيروز البصري روى له الجماعة وهو معرَّب داناه بالفارسية وهو العالم.
وحُضَين -بضم الحاء المهملة وفتح الضاد المعجمة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره نون- هو ابن المنذر بن الحارث البصري كنيته أبو محمَّد ولقبه أبو ساسان، قال العجلي والنسائي: ثقة، روى له مسلم ومن الأربعة غير الترمذي.
والحديث أخرجه أبو داود (1): ثنا مسدد قال: ثنا يحيى، عن ابن أبي عروبة عن الداناج، عن حُصين بن المنذر، عن علي رضي الله عنه على آخره نحوه.
قوله: "وكلٌّ سنة" أي كل واحد -من الأربعين والثمانين- سُنَّة. قال الخطابي: نقول إن الأربعين سُنَّة قد عمل بها النبي عليه السلام في زمانه، والثمانين سُنَّة قد عمل بها عمر رضي الله عنه في زمانه.
(1)"سنن أبي داود"(4/ 164 رقم 4481).
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا عبد العزيز ابن المختار الأنصاري، قال: ثنا عبد الله الداناج، قال: ثنا حُضين بن المنذر الرقاشي قال: "شهدت عثمان بن عفان رضي الله عنه وقد أوتي بالوليد بن عقبة وقد صلى بأهل الكوفة أربعًا، وقال: أزيدكم؟ قال: فشهد عليه حمران ورجل آخر، قال: فشهد عليه أحدُهما أنه رآه يشربها، وشهد الآخر أنه رآه يقيئها، قال: فقال عثمان رضي الله عنه: لم يقيئها حتى شربها، قال: فقال عثمان لعلي رضي الله عنهما: أقم عليه الحد، فقال علي لابنه الحسن رضي الله عنهما: أقم عليه الحد، فقال الحسن: ولِّ حارها مَن تولَّى قارَّها، قال: فقال علي لعبد الله بن جعفر رضي الله عنهم: أقم عليه الحد، فأخذ السوط، فجعل يجلده، وعلي رضي الله عنه يعدّ حتى بلغ أربعين، ثم قال له: أمسك، ثم قال: إن النبي عليه السلام جلد أربعين، وجلد أبو بكر رضي الله عنه أربعين، وجلد عمر رضي الله عنه ثمانين، وكلٌّ سُنَّة، وهذا أحبُّ إليّ".
ش: إسناده صحيح.
ومسلم بن إبراهيم الأزدي القصاب البصري، شيخ البخاري وأبي داود.
وعبد العزيز بن المختار الأنصاري أبو إسحاق الدباغ البصري، روى له الجماعة.
وأخرجه مسلم (1): ثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب، وعلي بن حُجر قالوا: نا إسماعيل وهو ابن علية، عن ابن أبي عروبة، عن عبد الله الداناج (ح).
وثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي -واللفظ له- قال: أنا يحيى بن حماد، قال: نا عبد العزيز بن المختار، قال: ثنا عبد الله بن فيروز مولى أبي عامر الداناج قال: نا حُصين بن المنذر أبو ساسان قال: "شهدت عثمان بن عفان رضي الله عنه أُتِيَ بالوليد قد صلى الصبح ركعتين، ثم قال: أزيدكم؟ فشهد عليه رجلان. . . ." إلى آخره نحوه.
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1331 رقم 1707).
وأخرجه أبو داود (1): عن مسدد، عن عبد العزيز بن المختار. . . . إلى آخره نحوه.
وابن ماجه (2): عن محمَّد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، عن عبد العزيز بن المختار. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "أوتي بالوليد" هو الوليد بن عقبة بن أبي مُعَيط، واسم أبي معيط أبان بن أبي عمرو، واسم أبي عمرو ذكوان بن أمية بن عبد شمس بن عبد مناف القرشي الأموي، وأمه أروى بنت كُرَيز بن ربيعة بن حبيب بن عبد شمس أم عثمان بن عفان، فالوليد أخو عثمان لأمه، يُكنى أبا وهب، أسلم يوم فتح مكة هو وأخوه خالد بن عقبة.
قال أبو عمر: أظنه لما أسلم كان قد ناهز الاحتلام.
قال ابن ماكولا: رأى الوليد رسول الله عليه السلام وهو طفلٌ صغير.
وكان من رجال قريش ظرفًا وحلمًا وشجاعة وأدبًا، وكان من الشعراء المطبوعين، كان الأصمعي وأبو عبيدة والكلبي وغيرهم يقولون: كان الوليد شريب خمر وكان شاعرًا كريمًا، وكان عثمان رضي الله عنه ولَّاه الكوفة بعد سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه، ولما قُتل عثمان اعتزل الفتنة، وقيل: شهد صفين مع معاوية، وقيل: لم يشهدها ولكنه كان يحرِّض معاوية بكتبه وشعره، وأقام في الرِّقة إلى أن تُوفي بها والله أعلم.
قوله: "وقد صلى بأهل الكوفة أربعًا" أراد أنه صلى صلاة الصبح أربع ركعات وقال: "أزيدكم"، وفي رواية مسلم:"قد صلى الصبح ركعتين، وقال: أزيدكم؟ " قال أبو عمر: وخبر صلاته بهم سكران. وقوله: "أزيدكم بعد أن صلى الصبح أربعًا" مشهور مِن رواية الثقات مِنْ أهل الحديث.
(1)"سنن أبي داود"(4/ 163 رقم 4480).
(2)
"سنن ابن ماجه"(2/ 858 رقم 2571).
قوله: "فشهد عليه حُمران" وهو حُمران بن أبان مولى عثمان بن عفان من التابعين الثقات.
قوله: "يقيئها" مِنْ قاء يقيء قيئًا إذا استفرغ.
قوله: "ولِّ حارّها مَن تولى قارّها" قال الأصمعي: يعني ولِّ شديدها مَنْ تولى هَيِّنها. قاله أبو داود في "سننه".
وقال المنذري: "ولِّ حارّها" بتشديد اللام، هذا مثل من أمثال العرب معناه: ولِّ العقوبة والضرب مَنْ تولّيه العمل والنفع، وقال الخطابي: القارّ: البارد.
وقال ابن الأثير: جعل الحرَّ كنايةً عن الشرّ والشدة، والبرد كنايةً عن الخير والهَيْن، والقارّ فاعل من القُرِّ وهو البرد، أراد: ولِّ شرها مَن تولى خيرها.
قلت: "ولِّ" أمر مِنْ ولي يولي تولية، والضمير في حارّها وقارها يرجع إلى القضية المعهودة، و"الحارّ" منصوب بقوله:"ولِّ" و"القارّ" منصوب بقوله: "تولى".
ويستفاد منه:
إقامة الفضلاء الحدود بأنفسهم؛ لأنها من أفضل القربات، ويُختار لها أهل الفضل والعدل إذا أمكنوا؛ لئلا يتعدوا ذلك.
وفيه: جواز استنابة الحكام فيما قلدوه لاسيما بحضرة المقلد، وقيل: إنما خص عثمان عليًّا رضي الله عنهما بحدِّه، لكونه أقرب إليه من غيره إذْ يجمعهما عبد مناف، علي بن أبي طالب من بني هاشم بن عبد مناف، والوليد بن عقبة من بني عبد شمس ابن عبد مناف.
وفيه أن أصل الحدّ هو أربعون، وما وراءها تعزير، قاله الخطابي، وسيجيء الكلام فيه مستقصى.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أن الحد الذي يجب على شارب الخمر هو أربعون، واحتجوا في ذلك بهذه الآثار.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشافعي وأحمد وإسحاق وأهل الظاهر، فإنهم قالوا: حد السكران أربعون سوطًا.
وقال ابن حزم: وهو قول أبي بكر وعمر وعثمان وعلي والحسن بن علي وعبد الله ابن جعفر رضي الله عنهم، وبه يقول الشافعي وأبو سليمان وأصحابنا، وبه نأخذ.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فادعوا فساد هذا الحديث، وأنكروا أن يكون علي رضي الله عنه قال من ذلك شيئًا؛ لأنه قد روي عنه ما يخالف ذلك ويدفعه، وهو ما حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا عبد العزيز بن مسلم، عن مطرف، عن عُمير بن سعيد النخعي، قال: قال علي رضي الله عنه: "مَنْ شرب الخمر فجلدناه فمات وَدَيْنَاه؛ لأنه شيء صنعناه".
حدثنا فهد قال: ثنا محمد بن سعيد بن الأصبهاني قال: أنا شريك، عن أبي حُصين، عن عُمير بن سعيد، عن علي رضي الله عنه قال:"ما حدَدْتُ أحدًا فمات فيه فوجدت في نفسي شيئًا إلا الخمر، فإن رسول الله عليه السلام لم يَسُن فيه شيئًا".
فهذا علي رضي الله عنه يُخبر أن رسول الله عليه السلام لم يكن يسن في شرب الخمر حدًّا.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم الطائفة الذين قالوا: لم يكن يستوفي حد شارب الخمر في زمن النبي عليه السلام شيء. يقول علي رضي الله عنه في حديث عمير بن سعيد الذي رواه البخاري وغيره: وذلك أن رسول الله عليه السلام لم يسنه. وذهب الحسن البصري والشعبي وأبو حنيفة ومالكٌ وأبو يوسف ومحمد وأحمد في رواية، على أن حدَّ السكران ثمانون سوطًا على ما يجيء بيانه إن شاء الله تعالى، وروي ذلك عن علي بن أبي طالب وخالد بن الوليد ومعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنهم.
قوله: "فادعوا" أي ادعى هؤلاء الآخرون فسادَ حديث عبد الله الداناج الذي احتجت به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه، بيان ذلك أنهم قالوا: لا نسلم صدور هذا القول من علي رضي الله عنه، فإن عندنا دلائل تدل على أن عليًّا لم يقل
ذلك، وأن الذي روي عنه يخالف ذلك، منها ما روي عنه أنه قال:"لأنه شيء صنعناه" أي لأن الحد في الخمر شيء نحن صنعناه، ولم يَسُن فيه النبي عليه السلام شيئًا.
أخرجه بإسناد صحيح، عن سليمان بن شعيب الكيساني عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن عبد العزيز بن مسلم القسملي المروزي، عن مطرف بن طريف الحارثي، عن عمير بن سعيد النخعي، عن علي رضي الله عنه.
وأخرجه ابن ماجه (1): عن عبد الله بن محمَّد الزهري، عن سفيان بن عيينة، عن مطرف، عن عمير بن سعيد قال: قال علي رضي الله عنه: "كنتُ أدِي من أقمت عليه الحد إلا شارب الخمر؛ فإن رسول الله عليه السلام لم يَسُن فيه شيئًا، إنما هو شيء جعلناه نحن".
وقد صرَّح بذلك المعنى في الحديث الذي أخرجه أيضًا بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن شريك بن عبد الله النخعي، عن أبي حصين -بفتح الحاء وكسر الصاد المهملتين- عثمان ابن عاصم الأسدي الكوفي، عن عمير بن سعيد النخعي الصُّهباني الكوفي، عن علي رضي الله عنه.
وأخرجه البخاري (2): ثنا عبد الله بن عبد الوهاب، نا خالد بن الحارث، نا سفيان، نا أبو حصين، سمعت عمير بن سعيد النخعي، سمعت علي بن أبي طالب قال:"ما كنت لأقيم حدًّا على أحد فيموت فأجد في نفسي، إلا صاحب الخمر، فإنه لو مات وَدَيْتُه، وذلك أن رسول الله عليه السلام لم يَسُنَّه".
وأخرجه مسلم (3): ثنا محمَّد بن منهال الضرير، قال: ثنا يزيد بن زريع، قال: ثنا سفيان الثوري. . . . إلى آخره نحوه.
(1)"سنن ابن ماجه"(2/ 858 رقم 2569).
(2)
"صحيح البخاري"(6/ 2488 رقم 6396).
(3)
"صحيح مسلم"(3/ 1332 رقم 1707).
وأخرجه أبو داود (1) وابن ماجه أيضًا (2).
فهذا علي رضي الله عنه أخبر أن النبي عليه السلام لم يسن في الخمر شيئًا من الحد المقدر، ولذلك قال:"وَدَيْنَاه" وإنما قال ذلك احتياطًا حيث وضع شيئًا لم يسنه رسول الله عليه السلام، ومعناه أدينا ديته من وَدَى يَدِي ديةً، أصلها ودية على ما عرف.
ويستفاد من هذين الحديثين أحكام:
الأول: أن مَن مات فيه من الضرب لأجل السكر تجب الدية على قاتله؛ لقول علي رضي الله عنه: "وديناه"، وإليه ذهب الشافعي وقال: وجوب الدية لأجل الإحداث على الأربعين على وجه التعزيز.
قلت: لم يفهم من هذا أن الأربعين كان الحد حتى تجب الدية في الإحداث عليها، بل الحديث يدل على أن حد الخمر لم يكن مؤقتا في زمن النبي عليه السلام.
فإن قيل: روي عن أبي سعيد، عن النبي عليه السلام:"أنه ضرب في الخمر أربعين".
قلت: فسّر هذا ما رواه أنس رضي الله عنه: "أنه عليه السلام أتي برجل قد شرب الخمر، فجلده بجريدتين نحو أربعين".
أخرجه البخاري (3) ومسلم (4).
فهذا يبيِّن أنه كان ثمانين، على أن الطبري ادعى أن حد الخمر ثمانون، وأَوَّلَ ضربه عليه السلام أربعين بإن المضروب كان عبدًا، أو أنه ضربه كذلك بسوطين، فإذا كان كذلك يكون الثمانون هو جميع الحد، فلا يجب حينئذٍ شيء على أحد إذا مات المحدود من الضرب، وعن هذا قال أصحابنا أن مَن مات مِن ضرب حدٍّ وجب عليه، أنه لا دية فيه على الإِمام ولا على بيت المال، ولكن اختلفوا فيمن مات
(1)"سنن أبي داود"(4/ 165 رقم 4486).
(2)
"سنن ابن ماجه"(2/ 858 رقم 2569).
(3)
"صحيح البخاري"(6/ 2488 رقم 6397).
(4)
"صحيح مسلم"(3/ 1330 رقم 1706).
من التعزير، فقال الشافعي: عقله على عاقلة الإِمام وعليه الكفارة، وقيل على بيت المال، وجمهور العلماء أنه لا شيء عليه، وقال المنذري: وإذا ضرب الإِمام شارب الخمر أربعين فمات لا يضمنه، ومَن جلده ثمانين ومات ضمن نصف الدية، وإن جلده واحدًا وأربعين ضمن نصف الدية، وقيل: يضمن جزءًا من أحد وأربعين جزءًا من الدية.
قلت: هذا على ما ذهبوا إليه من أن حد السكر كان مقدرًا بأربعين في زمن النبي عليه السلام وأما على ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية فلا يتمشى ذلك؛ لأنهم قالوا: إن حد السكر لم يكن موقتا في زمنه عليه السلام، وإنما ثبت ذلك واستقر على الثمانين في زمن الصحابة، فصار حدًّا من حدود الله، فلا يجب شيء على أحد إذا مات المحدود.
وأما قول علي رضي الله عنه: "وديناه" فقد ذكرنا أنه قال ذلك احتياطًا حيث وضع شيئًا لم يسنَّه عليه السلام.
الثاني: فيه أن وجوب الحد يتعلق بنفس الشرب في الخمر ولا يشترط فيه السكر بخلاف غير الخمر فإنه لا يُحد فيه إلا بالسكر.
الثالث: أن حد السكر لم يكن موقتًا في زمن النبي عليه السلام على ما ذكرناه.
ص: ثم الرواية عن علي رضي الله عنه في حد شارب الخمر فعلى خلاف ما في الحديث الأول أيضًا من اختياره للأربعين على الثمانين:
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا أبو نعيم قال: ثنا سفيان، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه قال:"أتي علي رضي الله عنه بالنجاشي قد شرب الخمر في رمضان فضربه ثمانين، ثم أمر به إلى السجن، ثم أخرجه من الغد وضربه عشرين، ثم قال: إنما جلدتك هذه العشرين لإفطارك في رمضان وجرأتك على الله".
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر، ثنا سفيان، عن أبي مصعب، عن أبيه "أن رجلًا شرب الخمر في رمضان ثم ذكر نحوه".
ش: هذا من الدلائل الدالة على أن عليًّا رضي الله عنه لم يقل ما روي عنه في حديث الداناج، وأن الذي روي عنه خلاف ما روي في حديث الداناج.
وأخرجه من طريقين:
الأول: إسناده صحيح، عن علي بن شيبة، عن أبي نعيم الفضل بن دُكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه أبي مروان الأسلمي المدني، وثقه ابن حبان وأحمد بن عبد الله، ولا يُعرف اسمه.
وأخرجه البيهقي (1): من حديث الثوري، عن عطاء بن أبي مروان، عن أبيه قال:"أتي علي رضي الله عنه بالنجاشي قد شرب خمرًا في رمضان فأفطر فضربه ثمانين، ثم أخرجه من الغد فضربه عشرين، وقال: إنما ضربتك هذه العشرين لجرأتك على الله وإفطارك [في شهر رمضان] (2) ".
الثاني: أيضًا صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سفيان الثوري، عن أبي مصعب هو عطاء بن أبي مروان المذكور، عن أبيه أبي مروان. . . . إلى آخره.
و"النجاشي" بفتح النون هو على صورة النسبة، شاعرٌ اسمه قيس بن عمرو بن مالك، كذا ذكره الرشاطي.
ص: حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد الليثي، أن ابن شهاب حدثه، أن حميد بن عبد الرحمن بن عوف حدثه، أن رجلًا من كلب يُقال له: ابن وَبْرة أخبره: "أن أبا بكر الصديق رضي الله عنه كان يجلد في الشراب أربعين، وكان عمر رضي الله عنه يجلد فيها أربعين. قال: فبعثني خالد بن الوليد إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنهما فقدمت عليه، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنَّ خالدًا بعثني إليك، قال: فيم؟ قلت: إن الناس قد تجافوا العقوبة وانهمكوا في
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(8/ 321 رقم 17324).
(2)
ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "سنن البيهقي".
الخمر فما ترى في ذلك؟ فقال عمر رضي الله عنه لمن حوله: ما ترون؟ فقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: نرى يا أمير المؤمنين ثمانين جلدة، فقبل عمر رضي الله عنه ذلك".
فكان خالد رضي الله عنه أول مَن جلد ثمانين، ثم جلد عمر بن الخطاب رضي الله عنه ناسًا بعده.
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا أسامة بن زيد الليثي. . . . فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال:"أتيت عمر بن الخطاب فوجدت عنده عليًّا وطلحة والزبير وعبد الرحمن بن عوف رضي الله عنهم، وهم متكئون في المسجد. . . . فذكر مثل ما في حديث يونس، غير أنه زاد في كلام علي رضي الله عنه أنه قال: "إذا سكر هذى، وإذا هذى افترى، وعلى المفتري ثمانون وتابعه أصحابه. . . ." ثم ذكر الحديث.
أفلا ترى أن عليًّا رضي الله عنه لما سئل عن ذلك ضرب أمثال الحدود كيف هي، ثم استخرج منها حدًّا برأيه فجعله لحد المفتري، ولو كان عنده شيء مؤقت عن النبي عليه السلام لأغناه عن ذلك، ولو كان عند أصحابه أيضًا في ذلك عن رسول الله عليه السلام شيء، إذًا لأنكروا عليه أخذ ذلك من جهة الاستنباط وضرب الأمثال، فدل ما ذكرنا منه ومنهم أنه لم يكن عندهم في ذلك عن رسول الله عليه السلام شيء، فكيف يجوز أن يقبل بعد هذا عن علي رضي الله عنه مما يخالف هذا؟! ".
ش: هذا أيضًا من الدلائل الدالة على ما ذكرنا.
وأخرجه من طريقين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن محمَّد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن بن عوف، عن أبي وبر وهو رجل من كلب.
ووَبْرة بفتح الواو وسكون الباء.
وأخرجه عبد الله بن وهب في "مسنده".
الثاني: عن علي بن شيبة، عن روح بن عبادة، عن أسامة بن زيد الليثي. . . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث أسامة بن زيد، عن الزهري، عن حميد بن عبد الرحمن، عن أبي وَبْرة الكلبي قال:"أرسلني خالد بن الوليد رضي الله عنه إلى عمر رضي الله عنه، فأتيته ومعه عثمان وعبد الرحمن بن عوف وعلي وطلحة والزبير رضي الله عنهم وهم معه متكئون في المسجد فقلت: إن خالدًا أرسلني إليك وهو يقرأ عليك السلام ويقول: إن الناس قد انهمكوا في الخمر وتجافوا العقوبة فيه، فقال عمر: هم هؤلاء عندك فسلهم، فقال علي رضي الله عنه: تراه إذا سكر هذى وإذا هذى افترى وعلى المفتري ثمانون، فقال عمر رضي الله عنه: أبلغ صاحبك ما قال، قال: فجلد ثمانين، وجلد عمر ثمانين، قال: وكان عمر رضي الله عنه إذا أتي بالرجل الضعيف الذي كانت منه الزلة ضربه أربعين، قال: وجلد عثمان أيضًا ثمانين وأربعين".
قوله: قال: "فبعثني خالد بن الوليد" القائل هو ابن وَبَرة الكلبي.
قوله: "فيم؟ " أي في أي شيء بعثك؟
قوله: "تجافوا العقوبة" أي أبعدوها عن أنفسهم، وأصله من الجفاء -بالجيم- وهو التبعد.
قوله: "وانهمكوا" من الانهماك، وهو التمادي في الشيء واللجاج فيه.
قوله: "وهم متكئون في المسجد" المتكئ في العربية كل من استوى قاعدًا على وطآء متمكنًا، والعامة لا تعرف المتكئ إلا مَنْ مال في قعوده معتمدًا على أحد شقيه، والياء فيه بدل من الواو، وأصله من الوكاء وهو ما يشد به الكيس وغيره، كأنه أوكأ مقعدته وشدها بالقعود على الوطآء الذي تحته.
قوله: "هذى" من الهذيان وهو اختلاط الكلام، يقال: هَذَى في منطقه يَهْذِي وَيهْذُو هَذْوًا وهَذَيَانًا.
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(8/ 320 رقم 17317).
قوله: "افترى" أي كذب، يقال: فَرَى يَفْرِي فَرْيًا، وافْتَرى يَفْتَرِي افتراء، إذا كذب، وهو افتعال منه.
قوله: "أفلا ترى. . . ." إلى آخره، توضيح لما قاله فيما قيل من أن عليًّا رضي الله عنه لم يكن عنده شيء مؤقت في حد الخمر.
قوله: "إذا" أي حينئذ.
ص: حدثنا فهد قال: ثنا محمد بن سعيد، قال: ثنا محمد بن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي رضي الله عنه قال: "شرب نفر من أهل الشام الخمر، وعليهم يؤمئذ يزيد بن أبي سفيان، وقالوا: هي حلال، وتأولوا:{لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا. . . .} الآية (1).
فكتب فيهم إلى عمر رضي الله عنه، فكتب عمر: أن ابعث بهم إليَّ قبل أن يفسدوا مَنْ قِبلك، فلما قدموا على عمر رضي الله عنه استشار فيهم الناس، فقالوا: يا أمير المؤمنين، نرى أنهم قد كذبوا على الله عز وجل وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، فاضرب أعناقهم، وعلي رضي الله عنه ساكت، فقال: ما تقول يا أبا الحسن فيهم؟ قال: أرى فيهم أن تستتيبهم، فإن تابوا ضربتهم ثمانين لشربهم الخمر، وإن لم يتوبوا ضربت أعناقهم، فإنهم قد كذبوا على الله وشرعوا في دينهم ما لم يأذن به الله، فاستتابهم فتابوا، فضربهم ثمانين ثمانين".
ففي هذا الحديث أن عليًّا رضي الله عنه لما سأله عمر رضي الله عنه عن حدهم أجابه أنه ثمانون، ولم يقل له: إن شئت جعلته أربعين وإن شئت جعلته ثمانين، فهذا ينفي ما في حديث الداناج مما ذكر فيه عن علي عن النبي عليه السلام في الأربعين، ومن اختياره هو بعد ذلك.
ش: هذا أيضًا من الدلائل الدالة على فساد ما رواه الداناج في حديثه من تعيين الأربعين في حد الخمر، وإسناده إلى النبي عليه السلام.
(1) سورة المائدة، آية:[93].
وأخرجه بإسناد صحيح، عن فهد بن سليمان، عن محمَّد بن سعيد بن الأصبهاني شيخ البخاري، عن محمَّد بن فضيل بن غزوان الضبي الكوفي، عن عطاء بن السائب بن مالك الكوفي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي الكوفي، عن علي رضي الله عنه.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا ابن فضيل، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن، عن علي رضي الله عنه قال:"شرب قوم من أهل الشام الخمر وعليهم يزيد بن أبي سفيان، وقالوا: هي لنا حلال، وتأولوا هذه الآية: {لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا} (2) فكتب فيهم إلى عمر رضي الله عنه، فكتب أن ابعث بهم إليَّ. . . ." إلى آخره نحوه سواء.
ص: وقد روي أن السوط الذي ضُرِبَ به الوليد كان له طرفان، فكانت الضربة ضربتين.
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا الخصيب بن ناصح، قال: ثنا سفيان، عن عمرو بن دينار، عن محمد بن علي:"أن عليًّا رضي الله عنه جلد الوليد أربعين بسوط له طرفان".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: ثنا ابن لهيعة، قال: حدثني أبو الأسود، عن عروة:"أن عليًّا رضي الله عنه جلد الوليد -بسوط له ذنبان- أربعين جلدة في الخمر في زمن عثمان رضي الله عنه".
ففي هذا الحديث أن عليًّا رضي الله عنه ضربه ثمانين؛ لأن كل سوط من تلك الأسواط سوطان، فاستحال أيضًا أن يكون علي رضي الله عنه يقول: إن الأربعين أحب إليَّ من الثمانين، ثم هو يجلد ثمانين، فهذا أيضًا دليل على فساد حديث الداناج.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 503 رقم 28409).
(2)
سورة المائدة، آية:[93].
ش: هذا أيضًا من الدلائل الدالة على فساد حديث الداناج؛ لأنه من المحال أن يقول علي رضي الله عنه: "إن الأربعين أحب إلى" ثم يجلد هو ثمانين.
وأخرجه من طريقين:
الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن الخصيب بن ناصح الحارثي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار المكي الأثرم، عن محمَّد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم المعروف بالباقر، وهذا إسناد منقطع؛ لأن محمَّد بن علي هذا لم يدرك علي بن أبي طالب.
وأخرجه البيهقي (1): من حديث ابن عيينة، عن عمرو بن دينار، عن محمَّد ابن علي:"أن عليًّا جلد رجلًا في الخمر أربعين جلدة بسوط له طرفان" ثم قال البيهقي: وكأنه أراد صار أربعين بالطرفين، فقد روينا في الحديث الموصول أنه أمر بجلده أربعين.
قلت: إذا جلد بسوط له طرفان أربعين، صار الكل ثمانين لا محالة، وتأويل البيهقي بعيد جدًّا مخالف لمقتضى اللفظ.
قال القاضي عياض: المعروف من مذهب علي: الجلد في الخمر ثمانين، ومنه قوله:"في قليل الخمر وكثيرها ثمانون جلدة"، وروي عنه أنه جلد المعروف بالنجاشي ثمانين، وقد مرَّ ذكره.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم -شيخ البخاري- عن عبد الله بن لهيعة، عن أبي الأسود محمَّد بن عبد الرحمن بن نوفل المدني يتيم عروة، عن عروة بن الزبير بن العوام، عن علي رضي الله عنه.
وهذا موصول، وفيه ابن لهيعة فيه مقال.
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(8/ 321 رقم 17325).
ص: وقد روى آخرون عن علي رضي الله عنه خلاف ذلك كله:
حدثنا فهد، قال: ثنا حسان بن عبد الله (ح)
وحدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا عبد الغفار بن داود وعثمان بن صالح، قالوا: ثنا ابن لهيعة، عن خالد بن يزيد، عن سعيد بن أبي هلال، عن نُبيه بن وهب، عن محمَّد بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهما، عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه، عن النبي عليه السلام:"أنه جلد رجلًا في الخمر ثمانين". غير أن صالحًا قال في حديثه: "جلد رجلًا من بني الحارث بن الخزرج".
وهذا أيضًا فاسد عندنا، لا يثبت عن علي رضي الله عنه؛ لما قد روينا عنه متقدمًا من قوله:"إن رسول الله عليه السلام مات ولم يَسُن في الخمر حدًّا". وأنهم جعلوه بعده بالتمثيل الذي قد ذكرناه عنه في هذا الباب، ولا يجوز عندنا -والله أعلم- على علي رضي الله عنه أن يكون يحتاج في استخراج حد الخمر من ذلك، وعنده فيه عن النبي عليه السلام ما في هذا الحديث.
ش: أي قد روى قوم آخرون عن علي بن أبي طالب خلاف ما روي فيما تقدم من الروايات كلها.
وأخرجه من طريقين:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن حسان بن عبد الله الواسطي نزيل مصر وشيخ البخاري، عن عبد الله بن لهيعة، عن خالد بن يزيد المصري الإسكندراني، عن سعيد بن أبي هلال المصري مولى عروة بن شُيَيم، عن نُبيه بن وهب بن عثمان القرشي العبدري الحجبي، عن محمَّد بن علي المعروف بابن الحنفية، عن أبيه علي بن أبي طالب رضي الله عنه.
الثاني: عن صالح بن عبد الرحمن، عن عبد الغفار بن داود بن مهران الحراني شيخ البخاري، وعن عثمان بن صالح بن صفوان المصري شيخ البخاري أيضًا، كلاهما عن عبد الله بن لهيعة. . . . إلى آخره.
قوله: "وهذا أيضًا فاسد" أي وهذا الحديث أيضًا فاسد لم يثبت عن علي رضي الله عنه، وبيّن وجه فساده بقوله:"لما قد روينا عنه"، أي عن علي "متقدمًا من قوله. . . ." إلى آخره، والباقي ظاهر.
ص: وقد جاءت الآثار متواترة أن رسول الله عليه السلام لم يكن يقص في حد الشارب إلى عدد من الضرب معلوم، حتى لقد بيَّن في بعض ما روي عنه في ذلك مثل ما رويناه عن علي رضي الله عنه أن رسول الله عليه السلام مات ولم يَسُن فيه حدًّا، فمما روي في ذلك:
ما حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أنا أسامة بن زيد الليثي، عن ابن شهاب حدثه، عن عبد الرحمن بن أزهر قال:"كأني أنظر إلى رسول الله عليه السلام وهو في الرحال يلتمس رحل خالد بن الوليد رضي الله عنه يوم حنين، فبينما هو كذلك أتي برجل قد شرب الخمر، فقال للناس: اضربوه، فمنهم من ضربه بالنعال ومنهم مَن ضربه بالعصي ومنهم من ضربه الميتَخَة -يريد الجريدة الرطبة- ثم أخذ رسول الله عليه السلام ترابًا من الأرض فرمى به في وجهه".
حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا روح بن عبادة، قال: ثنا أسامة بن زيد، قال: حدثني ابن شهاب، قال: حدثني عبد الرحمن بن أزهر الزهري قال: "رأيت رسول الله عليه السلام يوم حُنين يتخلل الناس، يسأل عن منزل خالد بن الوليد رضي الله عنه، فأتي بسكران، فأمر مَن كان عنده فضربوه بما كان في أيديهم، ثم حثى عليه التراب، ثم أتي أبو بكر رضي الله عنه بسكران، فتوخى الذي قد كان من ضربهم عند رسول الله عليه السلام، فضربه أربعين، ثم أتي عمر بن الخطاب رضي الله عنه بسكران، فضربه أربعين".
أفلا ترى أن أبا بكر رضي الله عنه إنما كان ضرب بعد النبي عليه السلام أربعين على التحري منه لضرب النبي عليه السلام الذي كان؛ لأن النبي عليه السلام لم يكن أوقفهم في ذلك على شيء بعينه.
ش: أي قد جاءت الأحاديث متكاثرة، أنه عليه السلام لم يكن يقصد في حد شارب الخمر إلى عدد معين في الضرب، وأشار بهذه الأحاديث إلى معنيين: أحدهما هذا، والآخر أن هذه تعضد ما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أنه قال:"مات رسول الله عليه السلام ولم يَسُنّ فيه حدًّا".
وأخرج حديث عبد الرحمن بن أزهر من طريقين صحيحين:
الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن أسامة بن زيد الليثي، عن محمد بن مسلم بن شهاب الزهري، عن عبد الرحمن بن أزهر الزهري القرشي عم عبد الرحمن بن عوف.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا سليمان بن داود المهري ابن أخي رشدين بن سعد قال: أنا ابن وهب. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن علي بن شيبة، عن روح بن عبادة. . . . إلى آخره.
وأخرجه الدارقطني في "سننه"(2): عن القاضي الحسين بن إسماعيل، عن يعقوب الدورقي، عن صفوان بن عيسى، عن أسامة، عن الزهري، عن عبد الرحمن ابن أزهر قال:"رأيت رسول الله عليه السلام يوم حنين وهو يتخلل الناس. . . ." إلى آخره نحوه.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(3) وفي كتابه "الخلافيات": عن أحمد بن محمَّد الأصبهاني، عن الدارقطني. . . . إلى آخره.
قوله: "بالميتَخَة" بكسر الميم، وسكون الياء آخر الحروف، وفتح التاء المثناة من فوق، والخاء المعجمة، قال ابن الأثير: هكذا جاء في رواية بتقديم الياء على التاء وهي الدرة أو العصا أو الجريدة، وقيل: هي بكسر الميم، وتشديد التاء المثناة من فوق، وسكون الياء آخر الحروف.
(1)"سنن أبي داود"(4/ 165 رقم 4487).
(2)
"سنن الدارقطني"(3/ 157 رقم 223).
(3)
"سنن البيهقي الكبرى"(8/ 320 رقم 17317).
وجاء فتح الميم أيضًا، مع تشديد التاء المثناة من فوق قبل الياء.
وجاء كسر الميم، مع سكون التاء المثناة من فوق قبل الياء.
قال الأزهري: وهذه كلها أسماء لجرائد النخل وأصل العرجون، وقيل: هي اسم للعصا، وقيل: القضيب الدقيق اللين، وقيل: كل ما ضرب به من جريد أو عصًا ودرة وغير ذلك، وأصلها فيما قيل من متَخَ الله رقبته بالسهم: إذا ضربه، وقيل: من تَيَّخَهُ العذاب، وطَيَّخَهُ إذا ألح عليه، فأبدلت التاء من الطاء.
قوله: "فتوخى" من توخيت الشيء أتوخاه توخِّيًا، إذا قصدت إليه وتعمدت فعله، وتحريت فيه.
ص: حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، قال: ثنا شعبة، عن أبي التياح، عن أبي الودَّاك، عن أبي سعيد قال:"لا أشرب نبيذ الجرِّ بعد أن أتي رسول الله عليه السلام بنشوان، فقال: يا رسول الله، ما شربت الخمر، إنما شربت نبيذ تمر وزبيب في وباء، فأمر به النبي عليه السلام فبهز بالأيدي وخفق بالنعال".
ش: إسناده صحيح، وأبو التياح -بفتح التاء المثناة من فوق، وتشديد الياء آخر الحروف- واسمه يزيد بن حميد الضبعي، روى له الجماعة.
وأبو الودَّاك -بفتح الواو، وتشديد الدال، وفي آخره كاف- اسمه جبر بن نوف الهمداني الكوفي، وثقه يحيى، وعن النسائي: صالح. روى له مسلم ومن الأربعة غير النسائي.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث شعبة، عن أبي التياح، عن أبي الودَّاك. . . . إلى آخره نحوه، وفي آخره:"قال: ونهى عن الزبيب والتمر وعن الدباء".
قوله: "نبيذ الجر" وفي رواية: "نبيذ الجرار" الجرّ: بفتح الجيم وتشديد الراء، والجرار: جمع جرة، وهي الإناء المعروف من الفخار، وإنما قال ذلك لأن مراده
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(8/ 317 رقم 17301).
الجرار المدهونة، وهي أسرع في الشدة والتخمير، ومنه ما جاء في حديث آخر:"أنه نهى عن نبيذ الجر".
قوله: "بنشوان" أي بسكران، وهو من الانتشاء وهو أول السكر ومقدماته، وقيل: هو السكر نفسه، ورجل نشوان بيِّن النشوة.
قوله: "في دباء" الدباء القرع، واحدها دباءة، كانوا ينتبذبون فيها فتسرع الشدة في الشراب.
قوله: "فبهز" من البهز وهو الدفع العنيف، ومادته باء موحدة، وهاء، وزاي معجمة.
قوله: "وخُفق بالنعال" على صيغة المجهول، وكذلك "بُهز" مجهول، وكل ضرب بشيء عريض فهو خفق، يقال: خفق الأرض بنعله، وخفقه بالسيف يخفق إذا ضربه ضربة خفيفة، ومنه المخفقة وهي الدرة التي يضرب بها، والمخفق السيف العريض.
ص: حدثنا نصر بن مرزوق، قال: ثنا سعيد بن أبي مريم، قال: أنا نافع ابن يزيد، قال: حدثني ابن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم حدثه، عن أبي سلمة ابن عبد الرحمن، عن أبي هريرة رضي الله عنه:"أن رسول الله عليه السلام أتي بشارب، فقال: اضربوه، فمنهم من ضربه بيده وبثوبه وبنعله".
حدثنا يونس، قال: أنا أنس بن عياض، عن يزيد بن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن رسول الله عليه السلام مثله.
ش: هذان طريقان صحيحان:
الأول: عن نصر بن مرزوق، عن سعيد بن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن نافع بن يزيد الكلاعي المصري، روى له الجماعة سوى الترمذي، البخاري مستشهدًا.
عن يزيد بن عبد الله بن أسامة بن الهاد الليثي المصري، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة عبد الله بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا قتيبة بن سعيد، قال: ثنا أبو ضمرة، عن يزيد بن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة:"أن رسول الله عليه السلام أتي برجل قد شرب، فقال: اضربوه، فقال أبو هريرة: فمنا الضارب بيده، والضارب بنعله، والضارب بثوبه. فلما انصرف قال بعض القوم: أخزاك الله، فقال رسول الله عليه السلام: لا تقولوا، هكذا، لا تعينوا عليه الشيطان".
الثاني: عن يونس بن عبد الأعلى. . . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (2): ثنا علي بن عبد الله بن جعفر، ثنا أنس بن عياض، ثنا ابن الهاد، عن محمَّد بن إبراهيم، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة قال:"أتي النبي عليه السلام بسكران، فأمر بضربه، فمنا مَنْ يضربه بيده، ومنا من يضربه بنعله، ومنا مَن يضربه بثوبه، فلما انصرف، قال رجل: ما له أخزاه الله، فقال رسول الله عليه السلام: لا تكونوا عَون الشيطان على أخيكم".
ص: حدثنا فهد، قال: أنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا محمَّد بن بشر، قال: ثنا محمَّد بن عمرو، قال: ثنا أبو سلمة ومحمد بن إبراهيم والزهري، عن عبد الرحمن بن أزهر قال:"أتي رسول الله عليه السلام بشارب يوم حنين، فقال رسول الله عليه السلام للناس: قوموا إليه، فقام الناس فضربوه بنعالهم".
ش: إسناده صحيح.
واسم أبي بكر عبد الله، وأبو سلمة عبد الله بن عبد الرحمن بن عوف، والزهري محمد بن مسلم.
(1)"سنن أبي داود"(4/ 162 رقم 4477).
(2)
"صحيح البخاري"(6/ 2489 رقم 6399).
والحديث أخرجه أبو بكر بن أبي شيبة في "مصنفه"(1).
ص: حدثنا محمَّد بن خزيمة، قال: ثنا المعلى بن أسد، قال: ثنا وهيب، عن أيوب، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث قال:"أتي بالنعيمان إلى النبي عليه السلام وهو سكران، فشق على النبي عليه السلام مشقة شديدة، قال: فأمر مَن كان في البيت أن يضربوه، قال: فضربوه بالنعال والجريد، قال عقبة: كنت فيمن ضربه".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا سليمان بن حرب، قال: ثنا وهيب. . . . فذكر بإسناده مثله، غير أنه قال: بالنعيمان أو بابن النعيمان.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا عفان، قال: ثنا وهيب. . . . فذكر بإسناده مثله.
ش: هذه طرق صحاح.
الأول: عن محمَّد بن خزيمة بن راشد، عن المعلى بن أسد العمي البصري شيخ البخاري، عن وهيب بن خالد البصري، عن أيوب السختياني، عن عبد الله بن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث بن عامر المكي الصحابي رضي الله عنه.
وأخرجه أحمد في "مسنده"(2): ثنا عبد الصمد، ثنا أيوب، عن ابن أبي مليكة، عن عقبة بن الحارث قال:"أتي رسول الله عليه السلام بالنعيمان قد شرب الخمر، فأمر رسول الله عليه السلام مَن في البيت فضربوه بالأيدي والجريد والنعال، فكنت فيمن ضربه".
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سليمان بن حرب شيخ البخاري، عن وهيب بن خالد، عن أيوب. . . . إلى آخره.
وأخرجه البخاري (3): عن سليمان بن حرب. . . . إلى آخره نحوه.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 503 رقم 28410).
(2)
"مسند أحمد"(4/ 7 رقم 16195).
(3)
"صحيح البخاري"(6/ 2488 رقم 6393).
الثالث: عن إبراهيم بن مرزوق، عن عفان بن مسلم الصفار، عن وهيب ابن خالد، عن أيوب. . . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقي في "سننه"(1) من حديث وهيب، عن أيوب. . . . إلى آخره نحوه.
قوله: "بالنعيمان" بضم النون وفتح العين وسكون الياء آخر الحروف وبعد الألف نون، هو النعيمان بن عمرو بن رفاعة بن الحارث بن سواد بن غنم بن مالك بن النجار، شهد العقبة وبدرًا والمشاهد بعدها، وكان كثير المزاح يضحك النبي عليه السلام من مزاحه، وكان يشرب الخمر.
ص: فدل ما ذكرنا أن رسول الله عليه السلام لم يوقفهم في حد الخمر على ضرب معلوم كما أوقفهم في حد الزنا في حق غير المحصن وفي حد القذف.
ش: أي فدل ما ذكرنا من الأحاديث أنه عليه السلام لم يوقف الصحابة في حد الخمر على عدد معين من الضرب كما أوقفهم على عدد معين في حد الزنا في حق غير المحصن وهو مائة جلدة، وفي حد القذف وهو ثمانون جلدة، فصارت هذه حجة على مَن يدعي التعيين في حق شارب الخمر في زمن النبي عليه السلام.
ص: فإن قال قائل: فقد روي عن أبي سعيد الخدري: "أن رسول الله عليه السلام ضرب في الخمر بنعلين أربعين، فجعل عمر رضي الله عنه بكل نعل سوطًا".
قيل له: صدقت قد حدثنا بذلك محمَّد بن بحر بن مطر، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا المسعودي، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي أو أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله عليه السلام وعمر رضي الله عنه مثل ذلك.
فليس في هذا الحديث أيضًا ما يدل أن رسول الله عليه السلام قصد بذلك الضرب إلى ثمانين، قد يجوز أن يكون قصد إلى ضرب غير معلوم، فضرب الناس فكان
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(8/ 317 رقم 17297).
ضربهم في جملته ثمانين فتوخى عمر رضي الله عنه ذلك لما أراد أن يوقف الناس في ذلك على شيء معلوم، فجعل مكان كل نعل سوطًا.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قلتم: إن الأحاديث المذكورة كلها قد دلت على أنه عليه السلام لم يوقف الصحابة في حد الخمر على عدد معين من الضرب كما أوقفهم في حد الزنا في حق غير المحصن وفي حد القذف، فهذا أبو سعيد قد روى عن النبي عليه السلام أنه ضرب في الخمر بنعلين أربعين أربعين، ثم جعل عمر رضي الله عنه بكل نعل سوطًا، فصارت الجملة ثمانين، فهذا يدل على التوقيف.
وأجاب عن ذلك بقوله: فليس في هذا الحديث. . . . إلى آخره، وهو ظاهر.
وأخرج حديث أبي سعيد عن محمَّد بن بحر البغدادي، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المسعودي الكوفي، وثقه ابن المديني وغيره، عن زيد بن الحواري البصري قاضي هراة، المعروف يزيد العمي فيه مقال، عن أبي الصديق بكر بن عمرو البصري الناجي -بالنون والجيم- نسبة إلى بني ناجية بن سامة بن لؤي، وهي قبيلة كبيرة.
قوله: "أو أبي نضرة" شك من الراوي، وهو بالنون والضاد المعجمة، واسمه المنذر بن مالك العوقي البصري.
وأخرجه الترمذي (1): ثنا سفيان بن وكيع، قال: ثنا أبي، عن مسعر، عن زيد العمي، عن أبي الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري:"أن رسول الله عليه السلام ضرب الحد بنعلين أربعين. قال مسعر: أظنه في الخمر".
قال الترمذي: حديث أبي سعيد حديث حسن.
ص: والدليل على ذلك أيضًا أن عبد الله بن محمَّد بن خُشَيْش حدثنا، قال: ثنا مسلم بن إبراهيم، قال: ثنا هشام، عن قتادة، عن أنس رضي الله عنه: "أن النبي عليه السلام جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين، فلما وُلي عمر رضي الله عنه دعا
(1)"جامع الترمذي"(4/ 47 رقم 1442).
الناس، قال: ما ترون في حد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف: أراه أن تجعله كأخف الحدود، وتجعل فيه ثمانين".
فلو كان عمر رضي الله عنه قد عَلِم أن ما في حديث أبي سعيد الذي ذكرناه توقيفًا من رسول الله عليه السلام الناس على حد الخمر أنه ثمانون، إذًا لما احتاج في ذلك إلى شورى، ولكنه إنما شاور ليستنبطوا وقتًا معلومًا في ذلك لا يتجاوزوه إلى ما هو أكثر منه ولا ينقصوه إلى أقل منه.
ش: أي الدليل على ما ذكرنا من أن عمر رضي الله عنه توخى ذلك لما أراد أن يوقف الناس في ذلك على شيء معلوم: ما رواه أنس رضي الله عنه.
أخرجه بإسناد صحيح، عن عبد الله بن محمَّد بن خُشيش -بالمعجمات وضم الأول- عن مسلم بن إبراهيم القصاب الأزدي شيخ البخاري وأبي داود، عن هشام الدستوائي. . . . إلى آخره.
وأخرجه مسلم (1): ثنا محمد بن مثنى، قال: ثنا معاذ بن هشام، قال: حدثني أبي، عن قتادة، عن أنس بن مالك:"أن نبي الله صلى الله عليه وسلم جلد في الخمر بالجريد والنعال، ثم جلد أبو بكر رضي الله عنه أربعين، فلما كان عمر رضي الله عنه ودنا الناس في الريف والقرى قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: أرى أن تجعلها كأخف الحدود، قال: فجلد عمر ثمانين".
وثنا أبو بكر بن أبي شيبة، ثنا وكيع، عن هشام، عن قتادة، عن أنس:"أن النبي عليه السلام كان يضرب الناس في الخمر بالنعال والجريد أربعين. . . ." ثم ذكر نحو الأول، ولم يذكر الريف والقرى.
وأخرجه البخاري (2) وليس فيه قضية عمر فقال: ثنا مسلم، ثنا هشام،
(1)"صحيح مسلم"(3/ 1331 رقم 1706).
(2)
"صحيح البخاري"(6/ 2488 رقم 6394).
عن قتادة، عن أنس قال:"جلد النبي عليه السلام في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر أربعين".
قوله: "أراه أن تجعله" أي أرى أن تجعل حد الخمر كأخف الحدود وهو الثمانون كحد القذف، ثم الذي أشار به على عمر بن الخطاب هو عبد الرحمن بن عوف أحد العشرة المبشرة كما وقع هاهنا وفي "صحيح مسلم"، ووقع في "الموطأ" وغيره أن الذي أشار على عمر بالثمانين علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلا أنه من رواية ثور بن زيد الديلي، عن عمر رضي الله عنه، وثور بن زيد لم يدرك عمر، فهو منقطع.
قوله: "من الرِّيف" بكسر الراء المهملة بعدها ياء آخر الحروف ساكنة، ثم فاء، وهو كل أرض فيها نخل وزرع، وقيل: هو ما قارب الماء من أرض العرب ومن غيرها، وقيل: الريف أرض فيها زرع وخِصب، وقيل: هو الخِصب والسعة في المأكل والمشرب.
ص: وقد حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة (ح).
وحدثنا فهد، قال: ثنا موسى بن داود، قال: ثنا همام، قالا جميعًا: عن قتادة، عن أنس بن مالك:"أن النبي عليه السلام أتي برجل شرب الخمر، فأمر به فضُرب بجريدتين نحوًا من أربعين، ثم صنع أبو بكر رضي الله عنه مثل ذلك، فلما كان عمر رضي الله عنه استشار النَّاس، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: يا أمير المؤمنين أخفّ الحدود ثمانون، ففعل ذلك فيه".
ش: هذان طريقان آخران صحيحان:
الأول: عن سليمان بن شعيب الكيساني، عن عبد الرحمن بن زياد الرصاصي الثقفي، عن شعبة، عن قتادة، عن أنس.
وأخرجه الترمذي (1): ثنا محمَّد بن بشار، قال: ثنا محمَّد بن جعفر، قال: ثنا شعبة، قال: سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، عن النبي عليه السلام:"أنه أتي برجل قد شرب الخمر، فضربه بجريدتين نحو الأربعين، وفعله أبو بكر رضي الله عنه، فلما كان عمر رضي الله عنه استشار الناس، فقال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: كأخف الحدود ثمانين، فأمر به عمر رضي الله عنه".
قال أبو عيسى: حديث أنس حديث صحيح.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن موسى بن داود الضبي قاضي طرسوس الثقة، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن أنس.
أخرجه البيهقي (2): من حديث همام، عن أنس، عن النبي عليه السلام وفيه:"فأمر قريبًا من عشرين رجلًا، فجلده كل واحد جلدتين بالجريد والنعال"، ثم قال: سمعه بهز من همام.
وأخرجه أبو داود (3): ثنا مسدد، قال: ثنا يحيى، عن هشام، عن قتادة، عن أنس:"أن النبي عليه السلام جلد في الخمر بالجريد والنعال، وجلد أبو بكر رضي الله عنه أربعين، فلما ولي عمر رضي الله عنه دعا الناس فقال لهم: إن الناس قد دنوا من القرى والريف، فما ترون في حد الخمر؟ فقال له عبد الرحمن بن عوف: نرى أن تجعله كأخف الحدود، فجلد فيه ثمانين".
قال أبو داود: رواه ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن النبي عليه السلام:"أنه جلد بالجريد والنعال أربعين".
ورواه شعبة عن قتادة، عن أنس، عن النبي عليه السلام قال:"ضرب بجريدتين نحو أربعين".
(1)"جامع الترمذي"(4/ 48 رقم 1443).
(2)
"سنن البيهقي الكبرى"(8/ 319 رقم 17313).
(3)
"سنن أبي داود"(4/ 163 رقم 4479).
ص: فثبت بما ذكرنا: أن التوقيف في حد الخمر على جلد معلوم إنما كان زمن عمر رضي الله عنه، وأن ما وقفوا عليه من ذلك كان ثمانين، ولم يخالفهم في ذلك أحد منهم، فلا ينبغي لأحد منهم أن يدع ذلك ويقول بخلافه؛ لأن إجماع أصحاب رسول الله عليه السلام حجة إذ كانوا برآء من الوهم والزلل، وهو كنقلهم الحديث البريء من الوهم والزلل، فلما كان فعلهم الذي نقلوه جميعًا حجة ولا يجوز لأحد خلافه، فكذلك رأيهم الذي رأوه حجة لا يجوز لأحد خلافه.
ش: أي فثبت بما ذكرنا من الأحاديث: أن التوقيف في حد الخمر على عدد معين لم يكن في زمن النبي عليه السلام، وإنما كان في زمن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.
ومن الدليل القاطع على صحة هذا: ما رواه أبو داود (1) عن ابن عباس رضي الله عنهما: "أن رسول الله عليه السلام لم يَقِتْ في الخمر حدًّا".
قوله: "لم يَقِتْ" أي لم يوقت، يقال: وقت يَقِت، ومنه قوله تعالى:{إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا} (2) قاله الخطابي، وقال غيره: لم يَقِتْ رسول الله عليه السلام أي: لم يقدره ولم يحدده بعدد مخصوص، والتوقيت والتأقيت: أن يجعل للشيء وقت يختص به، وهو بيان مقدار المدة، يقال: وَقَّتَ الشيء يُوقِّته وَوَقَتَه يَقِتُه إذا بيَّن حده، ثم اتُّسع فيه فأطلق على المكان، فقيل للموضع: ميقات.
قوله: "أن يدع ذلك" أي أن يترك، من الوَدْع: وهو الترك.
قوله: "برآء" جمع بريء، والمراد من الوهم الغلط: من وَهِمَ في الحِسَاب -بالكسر- إذا غلط.
ص: وقد حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عامر العقدي، قال: ثنا سليمان ابن بلال، عن ربيعة، عن السائب بن يزيد: "أن عمر رضي الله عنه صلى على جنازة،
(1)"سنن أبي داود"(2/ 568 رقم 4476).
(2)
سورة النساء، آية:[103].
فلما انصرف أخذ بيد ابن له ثم أقبل على الناس فقال: يا أيها الناس إني وجدت من هذا ريح الشراب، فإني سائل عنه، فإن كان سكر جلدناه، قال السائب: فرأيت عمر رضي الله عنه جلد ابنه بعد ذلك الحد ثمانين".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: ثنا السائب. . . . فذكر مثله.
وهذا بحضرة أصحاب رسول الله عليه السلام أيضًا في التوقيف على حد الخمر أنه ثمانون، فلم ينكره عليه منهم مُنكِر، فدل ذلك على متابعتهم له.
ش: ذكر حديث السائب هذا تأييدًا لصحة ما قاله من أن التوقيف في حد الخمر على عدد معين إنما كان في زمن عمر رضي الله عنه بإجماع الصحابة على ذلك، حيث لم ينكروا على عمر حين وضع الثمانين على ابنه وقت استشارته إياهم.
وأخرجه من طريقين صحيحين:
الأول: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عامر عبد الملك بن عمرو العقدي، عن سليمان بن بلال القرشي التيمي، عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن الرأي المدني، عن السائب بن يزيد بن سعيد بن ثمامة الكندي أو الأسدي أو الليثي أو الهذلي الصحابي رضي الله عنه.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، عن شعيب بن أبي حمزة، عن محمَّد بن مسلم الزهري، عن السائب.
وأخرجه مالك في "موطإه"(1): عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد أنه أخبره:"أن عمر بن الخطاب خرج عليهم فقال: إني وجدت من فلان ريح شراب، فزعم أنه شرب الطلاء، وأنا سائل عما شرب، فإن كان يُسكر جلدته الحد، فجلده عمر الحد تامًّا".
(1)"موطأ مالك"(2/ 842 رقم 1532).
وأخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث ابن عيينة، عن الزهري، سمع السائب بن يزيد، سمعت عمر رضي الله عنه يقول: ذكر لي أن عبيد الله بن عمر وأصحابًا له شربوا شرابا وأنا سائل عنه، فإن كان يُسكر حددتهم.
قال سفيان، عن معمر، عن الزهري، عن السائب:"فرأيته يحدهم".
قوله: "أخذ بيد ابنٍ له" هو عبيد الله بن عمر بن الخطاب.
قوله: "بعد ذلك الحد" الحدَّ منصوب بقوله: جلد ابنه.
وقوله: "ثمانين" عطف بيان عن الحد.
ص: وقد روي عن رسول الله عليه السلام أيضًا -في التوقيف على حد الخمر أنه ثمانون- حديثٌ إن كان ثابتًا، وهو ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، قال: ثنا هشام بن يوسف، عن عبد الرحمن بن صخر الإفريقي، عن جميل بن كريب، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد اللهَ بن عمرو، أن النبي عليه السلام قال:"من شرب بَسْقة خمر فاجلدوه ثمانين".
فهذا الذي وجدنا فيه التوقيف من رسول الله عليه السلام في حد الخمر هو ثمانون، فإن كان ذلك ثابتًا فقد ثبتت به الثمانون، وإن لم يكن ثابتًا فقد ثبت عن أصحاب رسول الله عليه السلام ما قد تقدم ذِكرنا له في هذا الباب من إجماعهم على الثمانين ومن استنباطهم إياها من أخف الحدود، فذلك من إجماعهم بعد ما كان خلافه، كإجماعهم على المنع من بيع أمهات الأولاد، وتكبيرات الجنائز، وقد كان خلافه، فكما لا ينبغي خلافهم في ترك بيع أمهات الأولاد، فكذلك لا ينبغي خلافهم في توقيفهم الثمانين في حد الخمر.
فهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد بن الحسن رحمهم الله.
ش: قوله: "حديث" مرفوع. بقوله: "روي"، وإنما قال:"إن كان ثابتًا"؛ لأنه حديث منكر، وما ثبت في الصحاح خلافه.
(1)"سنن البيهقي"(8/ 312 رقم 17274).
وأخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن إسحاق بن أبي إسرائيل واسم أبي إسرائيل إبراهيم بن كامجرا المروزي وهو شيخ أبي يعلى الموصلي والبخاري في غير "الصحيح" وأبي داود، وثقه يحيى بن معين.
يروي عن هشام بن يوسف الصنعاني قاضي صنعاء، قال أبو حاتم: ثقة متقن.
عن عبد الرحمن بن صخر الإفريقي لم أقف على من تعرض إليه بشيء (1) عن جميل بن كريب المعافري من أهل أفريقية قال ابن يونس: كان من أهل الدين والفضل.
عن عبد الله بن يزيد المعافري أبي عبد الرحمن الحبلي المصري روى له الجماعة، البخاري في غير "الصحيح"، عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنهما.
وأخرجه ابن يونس في "تاريخه" في ترجمة جميل بن كريب: ثنا أسامة بن علي الرازي، ثنا أحمد بن خالد بن زيد بن خالويه، ثنا إسحاق بن أبي إسرائيل، ثنا هشام بن يوسف، ثنا عبد الرحمن بن صخر الإفريقي، عن جميل بن كريب، عن عبد الله بن يزيد، عن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله عليه السلام: "من شرب بزقة من خمر فاجلدوه ثمانين".
قوله: "بزقة" أي بصقة، وفي رواية الطحاوي: بَسْقَةً بالسين، والكل بمعنى واحد، والزاي بدلًا من السين والسين من الصاد.
(1) ذكر الحافظ ابن حجر في ترجمة جميل بن جرير من "اللسان"(2/ 341) عن ابن حزم أنه قال في كتاب "الإيصال": هو موضوع لا شك فيه، إسناده ظلمات بعضها فوق بعض، ولا يدرى من عبد الرحمن بن صخر، ولا من جميل بن جرير، ولا من عبد الله بن يزيد، ولا من رواه عن إسحاق بن أبي إسرائيل.
قال الحافظ: تصحف على ابن حزم ابن عمرو فصبره ابن عمر، ثم تحرف عليه والد جميل وهو كريب. . . . إلخ.
ويستفاد من هذا: وجوب الحد في مطلق الشرب من الخمر سواء كان قليلًا أو كثيرًا.
وروى البيهقي (1): من حديث الوليد بن مسلم، عن ابن لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها، أن رسول الله عليه السلام قال:"اجلدوا في قليل الخمر وكثيره، فإن أولها وآخرها حرام".
قوله: "كإجماعهم" أي كإجماع الصحابة على المنع من بيع أمهات الأولاد، فإنها كانت تباع في زمن النبي عليه السلام.
قيل: فيه نظر؛ لأن المنقول عن ابن عباس وعلي بن أبي طالب وعبد الله بن مسعود وزيد بن ثابت رضي الله عنهم جواز بيع أمهات الأولاد.
قلت: يجوز أن يكون ذلك في أول خلافة أبي بكر، وفي خلافة أبي بكر إلى صدر خلافة عمر رضي الله عنه.
والدليل على ذلك ما رواه أبو داود (2) عن جابر قال: "بعنا أمهات الأولاد على عهد رسول الله عليه السلام وأبي بكر، فلما كان عمر رضي الله عنه نهانا، فانتهينا".
وقال البيهقي: يشبه أن يكون عمر رضي الله عنه بلغه عن النبي عليه السلام أنه حكم بعتقهن نصًّا، فاجتمع هو وغيره على عتقهن، فالأولى بنا متابعتهم مع الاستدلال بالسنة.
قوله: "وتكبيرات الجنائز" أي وكإجماعهم على تكبيرات الجنائز أنها أربع بعد أن كانت سبعًا وخمسًا وأربعًا وثلاثًا، ومنع ابن حزم القول بالإجماع على ذلك فقال: كيف يكون إجماعًا على الأربع وقد كبَّر علي رضي الله عنه خمسًا.
روى عبد الرزاق (3): عن معمر، عن حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم النخعي:"أن عليًّا رضي الله عنه كبَّر على جنازة خمسًا".
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(8/ 313 رقم 17277).
(2)
"سنن أبي داود"(4/ 27 رقم 3954).
(3)
"مصنف عبد الرزاق"(3/ 481 رقم 6400، 6402).
وكذلك: "كبَّر عبد الله بن عباس على الجنازة ثلاثًا، وكذلك أنس بن مالك كبَّر ثلاثًا".
روى حماد بن [سلمة](1)، عن شيبة بن أيمن:"أن أنس بن مالك صلى على جنازة فكبَّر ثلاثًا".
وكذلك: "عبد الله بن مسعود صلى على جنازة وكبَّر خمسًا".
وأخرج ابن حزم (2) ذلك من حديث زر بن حبيش قال: "رأيت ابن مسعود صلى على جنازة من بلعدان فخذ من بني أسد، فكبَّر عليه خمسًا". ثم قال ابن حزم: أفٍّ لكل إجماع يخرج عنه علي بن أبي طالب وعبد الله بن عباس وأنس بن مالك وعبد الله بن مسعود رضي الله عنهم.
قلت: روى عبد الرزاق (3): عن سفيان الثوري، عن عامر بن شقيق، عن أبي وائل قال:"جمع عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس فاستشارهم في التكبير على الجنازة، فقالوا: كبَّر النبي عليه السلام سبعًا وخمسًا وأربعًا، فجمعهم عمر رضي الله عنه على أربع تكبيرات كأطول الصلاة".
فهذا إجماع فلا يجوز خلافه، والله تعالى أعلم بالصواب.
(1) في "الأصل، ك": "سليمان"، وهو تحريف، والمثبت من "المحلى":(5/ 127).
(2)
"المحلى"(5/ 127).
(3)
"مصنف عبد الرزاق"(3/ 479) رقم 6395 وزاد في آخره بعد قوله: "أطول صلاة" قال: يعني الظهر.