الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: الأَمة يطأها مولاها، ثم يموت وقد جاءت بولد في حياته هل يكون ابنه وتكون له أُمّ ولدٍ أَمْ لا
؟
ش: أي هذا باب في بيان حكم الأَمة التي قد كان مولاها يطأها ثم مات المولى، والحال أن الأَمة قد كانت جاءت بولد قبل موت مولاها، هل يكون ذلك الولد ابنًا للمولى أم لا؟ وهل تكون تلك الأَمة أم ولدٍ أم لا؟
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: "كان عتبة بن أبي وقاص عَهِد إلى أخيه سعد بن أبي وقاص أن ابن وليدة زمعة مِنِّي فاقبضه إليك، فلما كان عام الفتح أخذه سعد، وقال: ابن أخي، وقد كان عَهِدَ إليَّ فيه. وقال: عبد بن زمعة: أخي وابن وليدة أبي، ولد على فراشه. فقال رسول الله عليه السلام: هو لك يا عبد بن زمعة. وقال رسول الله عليه السلام: الولد للفراش وللعاهر الحجرُ، ثم قال رسول الله عليه السلام لِسَوْدة بنت زمعة: احتجبي منه. لِمَا رأى به من شبهه بعتبة. قالت: فما رآها حتى لقي الله.
ش: ذكر الطحاوي: هذا الحديث بغير هذا الإسناد باب الرجل ينفي ولد امرأته حين يولد هل يلاعن أم لا، ولكنه مقتصرًا على قوله:"الولد للفراش، وللعاهر الحجر".
وأخرجه مالك في "موطأه"(1).
وكذلك أخرجه الجماعة (1) غير الترمذي، وقد ذكرناه هناك.
وعتبة بن أبي وقاص هو أخو سعد بن أبي وقاص لأبيه، شهد أُحُدًا مع المشركين ومات بعد ذلك كافرًا، وزمعة بن قيس هو والد سودة بنت زمعة زوج النبي عليه السلام-وهو بفتح الزاي والميم، والمحدثون يسكنون الميم- وكانت الإماء في الجاهلية
(1) تقدم تخريجه.
يبغين، وكان مواليهن يأتونهن في خلال ذلك، فإذا أتت إحداهن بولدٍ فربما يدعيه السيد، وربما يدعيه الزاني، فإن مات السيد، ولم يكن ادّعاه ولا أنكره، فادعاه ورثته لحق به إلا أنه يشارك مستلحقه في ميراثه، إلا أن يستلحقه قبل القسمة، وإن كان السيد أنكره لم يُلحق به بحال، وكان لزمعة بن قيس أَمة باغية وهو يُلِمُّ بها، فظهر بها حمل كان يظن أنه من عتبة بن أبي وقاص -وهلك كافرًا- فعهد إلى أخيه سعد قبل موته، فقال: استلحق الحمل الذي بأَمَة زمعة، فلما استلحقه سعدٌ رضي الله عنه خاصمه عبد بن زمعة، فقال سعد: هو ابن أخي يشير إلى ما كانوا عليه في الجاهلية، وقال عبد بن زمعة:"بل هو أخي، ولد على فراش أبي" يشير إلى ما استقر عليه الحكم في الإسلام. فقضى رسول الله عليه السلام لعبد بن زمعة؛ إبطالًا لحكم الجاهلية.
فإن قيل: إذا كان الولد استقر لزمعة بن قيس صار أخًا لسودة بنت زمعة، فلما قال لسودة بنت زمعة احتجبي منه؟!.
قلت: هذا قد أشكل قديمًا على العلماء؛ فذهب أكثر القائلين بأن الحرام لا يحرِّم الحلال، وأن الزنا لا تأثير له في التحريم، وهو قول عبد الملك بن الماجشون إلَاّ أن قوله ذلك كان منه على وجه التنزه، وأن للرجل أن يمنع امرأته من رؤية أخيها، هذا قول الشافعي.
وقال طائفة: كان ذلك منه لقطع الذريعة بعد حكمه بالظاهر، فكأنه حكم بحكمين: حكم ظاهر وهو الولد للفراش، وحكم باطن وهو الاحتجاب من أجل الشبه، كأنه قال: ليس بأخ لك يا سودة إلَاّ في حكم الله تعالى، فأمرها بالاحتجاب منه.
ومن هذا أخذ أبو حنيفة والثوري والأوزاعي وأحمد أن وطأ الزنا محرم وموجب للحكم، وأنه يجري مجرى الوطأ الحلال في التحريم منه، وحملوا أمره عليه السلام لسودة بالاحتجاب على الوجوب، وهو أحد قولي مالك، وفي قوله
الآخر: الأمر هاهنا للاستحباب، وهو قول الشافعي وأبي ثور؛ لأنهم يقولون: إن وطأ الزنا لا يحرم شيئًا ولا يوجب حكمًا. والحديث حجة عليهم.
قوله: "هو لك يا عبد بن زمعة" معناه: هو لك بيدك عليه، لا إنك تملكه، ولكن يمنع بيدك عليه كل من سواك منه، كما قال في اللقطة:"وهي لك بيدك عليها، يدفع غيرك عنها حتى يجيء صاحبها" ليس على إنه ملك له.
قوله: "الولد للفراش" أي لصاحب الفراش.
"وللعاهر الحجر" أي للزاني الحجر.
قيل: معناه أن الحجر يرجم به الزاني المحصن، وقيل: معناه: أن الزاني له الخَيْبة، ولا حظّ له في الولد؛ لأن العرب تجعل هذا مثلًا في الخَيْبة كما يقال: له التراب، إذا أرادوا: له الخَيْبة، وقد مرّ الكلام فيه مستوفىً في باب الرجل ينفي ولد امرأته.
ص: فدهب قوم إلى أن الأَمة إذا وطأها مولاها فقد لزمه كل ولد تجيء به بعد ذلك، ادعاه أو لم يدعه، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث؛ لأن رسول الله عليه السلام قال:"هو لك يا عبد بن زمعة، ثم قال: الولد للفراش وللعاهر الحجر" فألحقه رسول الله عليه السلام بزمعة لا لدعوة ابنه؛ لأن دعوة الابن للنسب لغيره من أبيه غير مقبولة، ولكن لأن أُمّه كانت فراشًا لزمعة بوطئه إياها.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الزهري، والشافعي، ومالكًا، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور وداود، فإنهم قالوا: إذا وطئ الرجل أَمَته، لزمه كل ولدٍ تجيء به بعد ذلك، ادَّعاه أو لم يدعه.
وقال أبو عمر: قال مالك: إذا أقر بوطئها صارت فراشًا، وإن لم يدع استبراءً لَحِقَ به وَلدُها، وإن ادّعى استبراءً حَلف وبريء من ولدها.
وقال ابن حزم: قال مالك: يلحق به ولد الأَمَه بوطئه إياها، إلا أن يدعي استبراءً، ثم لم يطأها.
ص: واحتجوا في ذلك أيضًا بما، حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدثه، عن ابن شهاب، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"ما بال رجال يطؤون ولائدهم ثم يعزلونهن؟! لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد ألمَّ بها إلا قد ألحقت ولدها، فاعزلوا أو تركوا".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا أبو اليمان، قال: أنا شعيب، عن الزهري، قال: حدثني سالم بن عبد الله، أن عبد الله بن عمر، قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول:. . . . فذكر مثله.
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، أن مالكًا حدّثه، عن نافع، عن صفية بنت أبي عُبيد، أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"ما بال رجالٍ يطأون ولائدهم يدعونهن يخرجن؟! لا تأتيني وليدة يعترف سيدها أن قد ألّم بها إلا ألحقت به ولدها، فأرسلوهن بعدُ أو أمسكوهن".
حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: حدثني أسامة بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، قال:"من وطىء أَمة ثم ضيعها فأرسلها تخرج، ثم ولدت، فالولد منه والضيعة عليه".
قال نافع: فهذا قضاء عمر بن الخطاب، وقول ابن عمر رضي الله عنهما.
ش: أي احتج هؤلاء القوم أيضًا فيما ذهبوا إليه بآثار رويت عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه وابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
أخرجها من أربع طرق صحاح رجالها كلهم رجال الصحيح ما خلا إبراهيم ابن أبي داود البرلسي.
وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري، وأبو اليمان الحكم بن نافع شيخ البخاري، وشعيب هو ابن أبي حمزة.
وأخرجه عبد الرزَّاق (1): عن معمر وابن جريج، كلاهما عن الزهري، عن سالم بن عبد الله بن عمر، عن أبيه، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"بلغني أن رجالًا منكم يعزلون: فإذا حملت الجارية، قال: ليس مني، والله لا أوتى برجل منكم فعل ذلك إلا ألحقتُ به الولد، فمن شاء فليعزل، ومن شاء لا يعزل".
وأخرج عبد الرزَّاق (2) أيضًا: عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن صفية بنت أبي عُبيد، أن عمر بن الخطاب قال:"من كان منكم يطأ جارية فليحصنها، فإن أحدكم لا يقر بإصابته جاريته، إلا ألحقت به الولد".
وأخرجه البيهقي (3): من طريق ربيع المؤذن، عن الشافعي، عن مالك، عن نافع، عن صفية بنت أبي عُبيد. . . . إلى آخره.
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، وقالوا: ما جاءت به هذه الأمة من ولدٍ فلا يلزم مولاها إلا أن يقرّ به، وإن مات قبل أن يُقرّ به لم يلزمه.
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم النخعي والثوري وأبا حنيفة وأبا يوسف ومحمدًا وأحمد في رواية، فإنهم قالوا: إذا أتت الأمة بولدٍ من مولاها فاعترف به المولى ثبت نسبه، وإن لم يعترف لا يثبت، حتى إذا مات قبل الاعتراف لا يثبت نسبه منه لأنه لا فراش لها بخلاف الحُرة، ولو وطئها في دبرها لا يلزم عندهم، خلافًا لمالك وأحمد والشافعي في وجه ضعيف.
ص: وكان من الحجة لهم في الحديث الأول أن رسول الله عليه السلام إنما قال لعبد بن زمعة: هو لك يا عبد. ولم يقل: هو أخوك. فقد يجوز أن يكون أراد بقوله: "هو لك" أي: هو مملوك لك بحق ما لَكَ عليه من اليد، ولم يحكم في نسبه بشيء، والدليل على ذلك أن رسول الله عليه السلام قد أمر سودة بنت زمعة
(1)"مصنف عبد الرزاق"(7/ 132 رقم 12522).
(2)
"مصنف عبد الرزاق"(7/ 132 رقم 12521).
(3)
"سنن البيهقي الكبرى"(7/ 413 رقم 15151).
بالحجاب منه، فلو كان النبي عليه السلام قد جعله ابن زمعة إذًا لَمَا حجب بنت زمعة منه؛ لأنه عليه السلام لم يكن يأمر بقطع الأرحام؛ بل كان يأمر بصلتها، ومن صلتها التزاور، فكيف يجوز أن يأمرها بالحجاب منه وقد جعله أخاها؟! هذا لا يجوز عليه، وكيف يجوز ذلك عليه وهو يأمر عائشة رضي الله عنها أن تأذن لعمها من الرضاعة عليها، ثم يحجب سودة ممن قد جعله أخًا لها وابن أبيها؟!
لكن وجه ذلك عندنا والله أعلم: أنه لم يكن حكم فيه بشيء غير اليد التي جعله بها لعبدٍ، ولسائر ورثة زمعة، دون سَعْد.
ش: أي وكان من الحجة والبرهان لأهل المقالة الثانية في الحديث الأول -وهو حديث عائشة رضي الله عنها، وأراد بها الجواب عنه- الذي احتجت به أهل المقالة الأولى لما ذهبوا إليه، وبيانه: هو قوله: "إنما قال لعبد بن زمعة. . . ." إلى آخره. وهو ظاهر.
وبه قيل: إن في قوله: "إنما قيل لعبد بن زمعة هو لك يا عبد ولم يقل: هو أخوك" نظر.
لأن أبا داود (1) روى هذا الحديث: عن سعيد بن منصور ومسدد، قالا: ثنا سفيان، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة رضي الله عنها قالت:"اختصم سعد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة إلى رسول الله عليه السلام في ابن أَمة زمعة، فقال سعد: أوصاني أخي عتبة إذا قدمتَ مكة أن أنظر إلى ابن أمة زمعة فأقبضه، فإنه ابنه، وقال ابن زمعة: أخي، ابن أَمة أبي، ولد على فراش أبي، فرأى رسول الله عليه السلام شبهًا بيَّنًا بعتبة، فقال: الولد للفراش، واحتجبي منه يا سودة".
وزاد مسدد في حديثه: "فقال: هو أخوك يا عبد".
والجواب عن ذلك عن الصحيح ما رواه سعيد بن منصور، والزيادة التي زادها مسدد ما نعلم أحدًا تابعه عليها، نعم قد روي:"هو لك يا عبد" كما مرّ
(1)"سنن أبي داود"(2/ 282 رقم 2273).
في الحديث في أول الباب، ولا يدل ذلك على أنه أثبت النسب؛ لأنه يجوز أن يضاف، فيقال: هو له، وقد قال عبد الله بن رواحة لليهود حين خرص عليهم تمر خيبر:"إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي"(1) ولم يُرد به الملك، والخصم ادعى أنه لم يرد إضافته إليه في الحقيقة على هذا الوجه؛ لأن قوله:"هو لك" إضافة نسبة على الحقيقة، فليس حمله على إثبات النسب بأولى من حمله على إثبات اليد، ولئن سلمنا أن ما زاده مسدد صحيح، ووافقه على ذلك غيره، ولكنه يُراد به أخوك في الدين، وأنه ليس بعبد؛ لإقراره بأنه حر، ويحتمل أن يكون أصل الحديث:"هو لك" فظن الراوي أن معناه: أخوه في النسب، فحمله على المعنى عنده، والخبر الذي يرويه عبد الله بن الزبير صرّح بأنه عليه السلام قال:"فإنه ليس لك بأخ" على ما نذكره عن قريب، وهذا صريح لا احتمال فيه، فوجب حمل خبر الزهري -الذي مضى ذكره- على المعنى الذي ذكرناه.
قوله: "فلو كان النبي عليه السلام قد جعله ابن زمعة. . . ." إلى آخره.
قيل: فيه نظر لأن احتجاب الأخت عن أخيها ليس مبطل لأخوته لها؛ لأنه ليس بفرض على المرأة رؤية أخيها لها، إنما الفرض عليها صلة رحمه، ولم يأمرها عليه السلام قط بأن لا تصله.
والجواب عن ذلك: أن هذا كلام صادر من غير تروّي، وذلك أنّا ما ادعينا أن احتجاب الأخت عن أخيها مبطل لأخوته لها، وإنما قلنا: إنه لو كان ابن زمعة لما كان عليه السلام أمر سودة بالاحتجاب عنه، فَأَمْره إياها بذلك يدل على أنه ليس بأخ لها، وإلا لا يكون للنهي فائدة، وكلام النبي عليه السلام مصون من اللغو.
وقوله: "لأنه ليس بفرض على المرأة رؤية أخيها لها" كلام ساقط لأنه ليس له دخل في المبحث؛ بل يمكن أن يدّعى فرضية رؤية أحد الأخوين للآخر إذا وجد
(1) أخرجه مالك في "موطإه"(2/ 703 رقم 1387)، وأحمد في "مسنده"(3/ 367 رقم 14996).
القصد إليها من أحدهما وامتنع الآخر أشد الامتناع؛ لأن في ذلك يكون قطعًا محضًا لصلة الرحم، وهو حرام، وترك الحرام فرض، وصلة الرحم وإن كانت تحصل بدون الرؤية، ولكن لا تقع على ما ينبغي إلا بالتزاور، والتزاور لا يكون إلا بالرؤية، فافهم.
ص: فإن قيل: فما معنى قوله الذي وصله بهذا: "الولد للفراش وللعاهر الحجر".
قيل له: ذلك على التعليم منه لِسَعْد رضي الله عنه أي أنت تدعي لأخيك، وأخوك لم يكن له فراش، وإنما يثبت النسب منه لو كان له فراش، فإذا لم يكن له فراش فهو عاهر، وللعاهر الحجر.
ش: تقرير السؤال أن يقال: لما وقع التنازع في ابن وليدة زمعة بين سَعْد بن أبي وقاص وعبد بن زمعة، ولم يحكم النبي عليه السلام فيه بشيء غير اليد التي جعلها لعبد ولسائر ورثة زمعة، ما كان فائدة قوله عليه السلام:"الولد للفراش وللعاهر الحجر" متصلًا بقوله: "هو لك يا عبد بن زمعة".
وأجاب عن ذلك بقوله: "قيل له ذلك. . . ." إلى آخره، وهو ظاهر.
ص: وقد ثَبَّت هذا المعنى وكشفه: ما حدثنا علي بن عبد الرحمن بن المغيرة، قال: ثنا محمد بن قدامة، قال: ثنا جرير بن عبد الحميد، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير، عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال:"كانت لزمعة جارية يطأها، وكان يظنُّ برجل آخر أنه يقع عليها، فمات زمعة وهي حبلى، فولدت غلامًا كان يشبه الرجل الذي كان يظن بها، فذكرته سودة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أما الميراث فله، وأما أنت فاحتجبي منه، فإنه ليس لك بأخٍ".
ففي هذا الحديث أن زمعة كان يطأ تلك الأَمَة، وأن رسول الله عليه السلام قال لسودة:"ليس هو لك باخٍ" يعني ابن الموطوءة، فدلَّ هذا أن رسول الله عليه السلام لم يكن قضى في نسبه على زمعة بشيء، وأن وطئ زمعة لم يكن عنده بموجب أن ما جاءت به تلك الموطوءة من ولدٍ، منه.
ش: أراد بهذا المعنى هو الذي ذكره من قوله: "لكن" وجه ذلك عندنا والله أعلم. . . . إلى آخره.
وقوله: "ما حدثنا" فاعل لقوله: "بيّن" و"كشفه" وفيه تنازع العاملين.
وإسناد الحديث صحيح.
وأخرجه النسائي (1): أنا إسحاق بن إبراهيم، أنا جرير، عن منصور، عن مجاهد، عن يوسف بن الزبير مولىً لهم، عن عبد الله بن الزبير رضي الله عنه قال: "كانت لزمعة جارية يطؤها، وكان يظن بآخر يقع عليها، فجاءت بولدٍ شبه الذي كانت تَظُن به، فمات زمعة وهي حبلى، فذكرت ذلك سودة لرسول الله عليه السلام (2).
فقال رسول الله عليه السلام: "الولد للفراش، واحتجبي منه يا سودة، فليس لك بأخ".
قوله: "كان لزمعة جارية يطؤها" وفي رواية النسائي على ما ذكرنا: "يتطؤها"، وهو بمعنى "يطؤها" أيضا، وأصله يوطئها؛ لأنه من باب الافتعال، تقول: أوتطأ يوتطئ فقلبت الواو تاء وأدغمت التاء في الطاء فصار يتطئ.
قوله: "وكان يظن برجل أخر" أي: وكان زمعة يتهمها برجل أنه يطؤها.
ص: فإن قال قائل: قضى هذا الحديث أن رسول الله عليه السلام قال: "أما الميراث فله" فهذا يدل على قضائه بنسبه، قيل له: ما يدلك على ذلك على أنه ما ذكرت؟ لأن عبد بن زمعة قد كان ادعاه وزعم أنه ابن أبيه، وأن عائشة رضي الله عنها قد أخبرت في حديثها الذي ذكرناه عنها في أول هذا الباب: أن عبدا قال لرسول الله عليه السلام حين نازعه سعد بن أبي وقاص: "أخي وابن وليدة أبي؛ ولد على فراش أبي".
فقد يجوز أن تكون سودة قالت مثل ذلك، وهما وارثان معه، فكانا بذلك مقرين له بوجوب الميراث مما ترك زمعة.
(1)"المجتبى"(6/ 180 رقم 3485).
(2)
طمس في "الأصل" بمقدار نصف ورقة، والمثبت من "ك".
فجاز ذلك عليهما في المال الذي يكون لهما لو لم يقرا بما أقر به من ذلك، ولم يجب بذلك ثبوت نسب يجب به حكم فيخلى بينه وبين النظر إلى سودة.
ش: تقرير السؤال أن يقال: إنكم قلتم لم يثبت نسب ابن وليدة زمعة؛ لأن النسب إنما يثبت إذا كان فراش، ففي حديث عبد الله بن الزبير المذكور ما يدل على ثبوت نسبه منه؛ لأنه عليه السلام قال:"أما الميراث فله".
فهذا يدل على أنه عليه السلام قضى بنسبه منه بأنه لا توارث بين الأجنبيين.
وتقرير السؤال أن يقال: إن عبد بن زمعة ادعى نسب هذا -ذلك الابن- وزعم أنه ابن أبيه، فصح إقراره في حق الميراث وشاركه فيه ولم يثبت النسب؛ لأن فيه حمل النسب على غيره، فلم يلزم من ثبوت الميراث بهذه الطريقة ثبوت النسب، وكذلك سودة يجوز أن تكون قالت مثل ما قال عبد، والحال أنهما وارثان معه؛ فكانا بذلك مقرين له بوجوب الميراث من تركة زمعة، فصح ذلك بطريق صحة إقرارهم، ولم يلزم من ذلك ثبوت النسب على ما ذكرنا، وهو معنى قوله:"فجاز ذلك عليهما في المال. . . . إلى آخره".
قوله: "ولم يجب بذلك" أي: بما ادعى عبد وسودة ومشاركته إياهما في الميراث بثبوت نسب يجب به الحكم يقتضي جواز نظره إلى سودة، فلذلك قال عليه السلام لسودة:"احتجبي منه".
ص: فإن قال قائل: إنما كان أمرها بالحجاب منه لما كان رأى من شبهه بعتبة كما في حديث عائشة رضي الله عنها.
قيل له: هذا لا يجوز أن يكون كذلك؛ لأن وجود الشبه لا يجب به ثبوت النسب، ولا يجب بعدمه انتفاء النسب، ألا يرى أن الرجل الذي قال لرسول الله عليه السلام:"إن امرأتي ولدت غلاما أسود" فقال له رسول الله عليه السلام: "هل لك من إبل؟ " فقال: نعم. فقال: "ما ألوانها؟ " فذكر كلاما، قال: "فهل فيها
من أورق؟ " قال: إن فيها لورقا، قال: "مما ترى ذلك جاءها؟ " قال: من عرق نزعه، فقال رسول الله عليه السلام: "ولعل هذا عرق نزعها".
وقد ذكرنا هذا بإسناده في باب اللعان، فلم يرخص له رسول الله عليه السلام في نفيه لبعد شبهه منه، ولا منعه من إدخاله على بناته وحرمه، بل ضرب له مثلا أعلمه أن الشبه لا يوجب ثبوت الأنساب، وأن عدمه لا يجب به انتفاء الأنساب، فكذلك ابن وليدة زمعة، لو كان وطئ زمعة لأمه يوجب ثبوت نسبه منه، إذ لما كان لبعد شبهه منه معنى، ولو كان نسبه منه ثابتا لدخل على بناته كما يدخل عليهن غيره من بنيه.
ش: تقرير السؤال أن يقال: أمر النبي عليه السلام بالاحتجاب منه إنما كان لشبهه بعتبة بن أبي وقاص كما ذكر ذلك في حديث عائشة رضي الله عنها المذكور في أول الباب، ولم يلزم من ذلك نفي نسبه من زمعة.
وتقرير الجواب أن يقال: أن الشبه لا يُبنى عليه حكم، فلا يثبت النسب بوجوده ولا يُنْفى بعدمه، ثم أوضح الطحاوي ذلك بقوله:"ألا ترى أن الرجل الذي قال لرسول الله عليه السلام. . . ." إلى آخره.
بيانه: أنه عليه السلام لما قال له الرجل: "إن امرأتي ولدت غلامًا أسود" لم يحكم بنفي نسبه منه، لعدم الشبه بينه وبينه، فدل ذلك على أن الشبه وعدمه لا يُبْنى عليهما حكم. والباقي ظاهر.
ص: وأما ما احتجوا به عن عمر وابن عمر رضي الله عنهما في ذلك مما قد رويناه عنهما، فإنه قد خالفهما في ذلك عبد الله بن عباس وزيد بن ثابت رضي الله عنهم.
حدثنا إبراهيم بن مرزوق، قال: ثنا عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا شعبة، عن عمارة بن أبي حفصة، عن عكرمة، عن ابن عباس رضي الله عنهما قال:"كان ابن عباس يأتي جارية له، فحملت، فقال: ليس مني؛ إني أتيتها إتيانًا لا أُريد به الولد".
حدثنا عيسى بن إبراهيم الغافقي قال: ثنا سفيان، وعن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد:"أن أباه كان يعزل عن جارية فارسيَّة، فحملت بحمل، فأنكره، وقال: إني لم أكن أريد ولدك، وإنما أستطيب نفسك، فجلدها وأعتقها، وأعتق الولد".
حدثنا فهد، قال: ثنا أبو نعيم، قال: ثنا سفيان، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت رضي الله عنه مثله، غير أنه لم يقل:"فأعتقها وأعتق ولدها".
حدثنا سليمان بن شعيب، قال: ثنا عبد الرحمن بن زياد، قال: ثنا شعبة، قال: ثنا قتادة، عن سعيد بن المسيب قال:"ولدت جاريةٌ لزيد بن ثابت رضي الله عنه، فقال: إنه ليس مني، وإني كنت أعزل عنها".
فهذا زيد بن ثابت وعبد الله بن عباس رضي الله عنهما قد خالفا عمر وابن عمر رضي الله عنهما في ذلك، فقد تكافأت أقوالهم ووجب النظر لنستخرج من القولين قولًا صحيحًا، فرأينا الرجل إذا أقر بأن هذا ولده من زوجته، ثم نفاه بعد ذلك لم ينتف، وكذلك لو ادعى أن حملها منه، ثم جاءت بولد من ذلك الحمل لم يكن له أن ينفيه بلعان ولا بغيره؛ لأن نسبه قد ثبت منه، فهذا حكم ما قد وقعت عليه الدعوة. مما ليس لمدعيه أن ينفيه.
ورأيناه لو أقر أنه وطئ امرأته ثم جاءت بولدٍ فنفاه، لكان الحكم في ذلك أن يُلاعَن بينهما، ويخرج الولد عن نسب الزوج ويُلْحق بأمّه، فلم يكن إقراره بوطء امرأته يجب به ثبوت نسب ما تلد منه. ولم يكن في حكم ما قد لزمه مما ليس له نفيه.
فلما كان هكذا حكم الزوجات كان حكم الإماء أَحْرى أن يكون كذلك، فإن أقر رجلٌ بولد أمته أنه منه، أو أقر وهي حامل أن ما في بطنها منه لزمه ولم يُنتف منه بعد ذلك أبدًا، وإن أقر أنه قد وطئها لم يكن ذلك في حكم إقراره بولدها أنه منه، بل يكون بخلاف ذلك، فيكون له أنه ينفيه، ويكون حكمه وإن أقر بوطأ أمته منه كحكمه لو لم يكن أقر بوطئها، قياسًا على ما وصفنا من الحرائر.
وهذا كله قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: أشار بهذا الجواب عما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه من أثر عمر بن الخطاب وابنه عبد الله بن عمر رضي الله عنهما.
وبيانه أن يقال: نعم هذا الذي ذكرتم قد رُوِيَ عن عمر وابنه عبد الله، ولكن قد رُوِيَ أيضًا عن عبد الله بن عباس وزيد بن ثابت رضي الله عنهم ما يخالف ما رُوِيَ عنهما -على ما نبينه الآن إن شاء الله- فإذا كان الأمر كذلك قد تساوت أقوالهم، وهو معنى، قوله:"فقد تكافت أقوالهم" فإذا تساوت أقوالهم ولم يبق فيما رُوِيَ عنهم حجة لأحد الفريقين، لأن أحد الفريقين، إذا احتج على الآخر بما رُوِيَ عن بعضهم يحتج الآخر عليه بما رُوِيَ عن الآخرين، وجب عند ذلك الرجوع إلى النظر والقياس الصحيح ليُستخرج من القولين قولٌ صحيح على ما هو القاعدة وبَيَّن ذلك بقوله:"فرأينا الرجل. . . . إلى آخره".
أما ما رُوِيَ عن ابن عباس فأخرجه بإسناد صحيح عن إبراهيم بن مرزوق، عن عبد الصمد بن عبد الوارث العنبري البصري، عن شعبة بن الحجاج، عن عمارة بن أبي حفصة ثابت الأزدي البصري، عن عكرمة، عن ابن عباس.
وأخرجه عبد الرزاق (1): عن محمد بن عمر، عن عمرو بن دينار:"أن ابن عباس وقع على جارية له وكان يعزلها فولدت فانتفى من ولدها".
وأما ما روي عن زيد بن ثابت رضي الله عنه فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:
الأول: عن عيسى بن إبراهيم الغافقي المصري شيخ أبي داود والنسائي، عن سفيان بن عُيينة، عن أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن خارجة بن زيد.
(1)"مصنف عبد الرزاق"(7/ 135 رقم 12534).
وأخرجه ابن حزم في "المحلى"(1): من طريق محمد بن عبيد الله بن يزيد المقرئ، نا سفيان بن عُيينة، عن أبي الزناد، عن خارجة بن زيد بن ثابت. . . . إلى آخره نحوه.
الثاني: عن فهد بن سليمان، عن أبي نعيم الفضل بن دكين شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن أبي الزناد عبد الله بن ذكوان، عن خارجة بن زيد، عن زيد بن ثابت.
وأخرجه عبد الرزاق (2): عن سفيان، عن ابن ذكوان، عن خارجة بن زيد ابن ثابت، قال:"كان زيد بن ثابت يقع على جارية له وكان يعزل عنها، فلما ولدت انتفى من ولدها، وضربها مائة، ثم أعتق الغلام".
الثالث: عن سليمان بن شعيب بن سليمان الكيساني صاحب محمد بن الحسن الشيباني، عن عبد الرحمن بن زياد الثقفي الرصاصي، عن شعبة، عن قتادة، عن سعيد بن المسيب رضي الله عنه. . . . إلى آخره.
(1)"المحلى"(10/ 322).
(2)
"مصنف عبد الرزاق"(7/ 135 رقم 12532).