الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
ص: باب: الرجل يزني بجارية امرأته
.
ش: أي: هذا باب في بيان حكم الرجل يزني بجارية امرأته.
ص: حدثنا يزيد بن سنان، قال: ثنا بكر بن بكار، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن جون بن قتادة، عن سلمة بن المحبق:"أن رجلًا زنى بجارية امرأته فقال النبي عليه السلام: إن كان استكرهها فهي حرة، وعليه مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه مثلها".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا القاسم بن سلام بن مسكين، قال: حدثني أبي، قال: سألت الحسن عن الرجل يقع بجارية امرأته؟ قال: حدثني قبيصة بن حريث الأنصاري، عن سلمة بن المحبق، عن النبي عليه السلام، فذكر مثله، وزاد:"ولم يقم عليه حدا".
ش: الأول: عن يزيد بن سنان القزاز، عن بكر بن بكار القيسي البصري، وثقه أبو عاصم النبيل، وقال ابن معين: ليس بشيء، وقال ابن حبان: ثقة، ربما يخطئ، عن شعبة بن الحجاج، عن قتادة، عن الحسن البصري، عن جون بن قتادة بن الأعور التميمي، يعد في البصريين، قيل: له صحبة، وقيل: لا صحبة له ولا رؤية، وقال أحمد: لا يعرف، عن سلمة بن المحبق الصحابي بضم الميم، وفتح الحاء المهملة، وتشديد الباء المكسورة، وقيل بفتحها، والأول أصح.
وأخرجه الطبراني (1): ثنا عبدان بن أحمد: ثنا نصر بن علي: ثنا بكر بن بكار. . . . إلى آخره نحوه.
وقال النسائي: لا يصح هذا الحديث.
وقال ابن المنذر: لا يثبت خبر سلمة بن المحبق.
(1)"المعجم الكبير"(7/ 45 رقم 6335).
وقال الخطابي: هذا حديث منكر، وفيه أمور تخالف الأصول منها: إيجاب المثل في الحيوان، واستجلاب الملك بالزنى، وإسقاط الحد عن البدن، وإيجاب العقوبة في المال، وهذه كلها أمور منكرة لا تخرج على مذهب أحد من الفقهاء، وخليق لأن يكون منسوخا إن كان له أصل في الرواية.
الثاني: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن القاسم بن سلام، عن أبيه سلام بن مسكين الأزدي البصري، عن الحسن البصري، عن قبيصة بن حريث البصري، عن سلمة بن المحبق.
وأخرجه أبو داود (1): ثنا أحمد بن صالح، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أنا معمر، عن قتادة، عن الحسن، عن قبيصة بن حريث، عن سلمة بن المحبق:"أن رسول الله عليه السلام قضى في رجل وقع على جارية امرأته: إن كان استكرهها فهي حرة وعليه لسيدتها مثلها، وإن كانت طاوعته فهي له وعليه لسيدتها مثلها".
قال أبو داود: رواه يونس بن عبيد وعمرو بن دينار ومنصور بن زاذان وسلام، عن الحسن هذا الحديث بمعناه، لم يذكر يونس ومنصور: قبيصة.
ثنا (2) علي بن الحسين الدرهمي، قال: ثنا عبد الأعلى، عن سعيد، عن قتادة، عن الحسن، عن سلمة بن المحبق، عن النبي عليه السلام نحوه، إلا أنه قال:"وإن كانت طاوعته فهي ومثلها من ماله لسيدتها".
وأخرجه النسائي (3): عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق. . . . بإسناده نحوه.
وعن (4) محمد بن عبد الله بن بزيع، عن يزيد بن زريع، عن شعبة، عن قتادة، عن الحسن، عن سلمة به، ولم يذكر قبيصة.
(1)"سنن أبي داود"(4/ 158 رقم 4460).
(2)
"سنن أبي داود"(4/ 158 رقم 4461).
(3)
"المجتبى"(6/ 124 رقم 3363).
(4)
"المجتبى"(6/ 125 رقم 3364).
وعن (1) يعقوب بن إبراهيم، عن ابن علية، عن يونس، عن الحسن، عن سلمة نحوه.
وعن (2) هناد بن السري، عن عبد السلام بن حرب الملائي، عن هشام، عن الحسن، عن سلمة به مختصرًا، وقال: لا تصح هذه الأحاديث.
وأخرجه ابن ماجه (3): عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عبد السلام بن حرب، عن هشام بن حسام، عن الحسن، عن سلمة به.
وقال البيهقي: وقبيصة بن حريث غير معروف.
وروينا عن أبي داود أنه قال: سمعت أحمد بن حنبل يقول: الذي رواه عن سلمة بن المحبق شيخ لا يعرف، لا يحدث عنه غير الحسن -يعني قبيصة بن حريث- وقال البخاري في "تاريخه": قبيصة بن حريث سمع سلمة بن المحبق، في حديثه نظر.
ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى هذا وقالوا: هذا هو الحكم فيمن زنى بجارية امرأته على ما في حديث سلمة هذا.
ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبي وعامر بن مطر وقبيصة والحسن؛ فإنهم قالوا: الحكم فيمن زنى بجارية امرأته على ما في حديث سلمة بن المحبق.
ص: وقالوا: قد عمل بذلك عبد الله بن مسعود بعد رسول الله عليه السلام وذكروا في ذلك ما حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن منصور، عن عقبة بن جيان:"أن رجلًا أتى عبد الله فقال: إني زنيت، فقال: كيف صنعت؟ فقال: وقعت على جارية امرأتي، فقال عبد اللهَ: الله أكبر، إن كنت استكرهتها فأعتقها، وإن كانت طاوعتك فأعتق وعليك مثلها".
(1)"السنن الكبرى" للنسائي (4/ 297 رقم 7231).
(2)
"السنن الكبرى"(4/ 297 رقم 7230).
(3)
"سنن ابن ماجه"(2/ 853 رقم 2552).
ش: أي قال هؤلاء القوم: قد عمل بما قلنا: عبد الله بن مسعود بعد النبي عليه السلام.
أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن عقبة بن جيان بالجيم، كذا ذكره ابن أبي حاتم في باب الجيم.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن يحيى بن سعيد القطان، عن سفيان، عن الشيباني، عن الشعبي، عن عامر بن مطر، عن عبد الله:"في الرجل يقع على جارية امرأته، قال: إن استكرهها فهي حرة وعليه مثلها لسيدتها، وإن كانت طاوعته فهي له، وعليه مثلها لسيدتها".
ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: بل نرى عليه الرجم إن كان محصنًا، والجلد إن كان غير محصن، وكان ما ذهبوا إليه في ذلك من الآثار المروية عن النبي عليه السلام ما قد حدثنا فهد، قال: ثنا أبو بكر بن أبي شيبة، قال: ثنا هشيم بن بشير، عن أبي بشر، عن حبيب بن سالم:"أن رجلًا وقع بجارية امرأته، فأتت امرأته النعمان بن بشير رضي الله عنه فأخبرته، فقال: أما إن عندي من ذلك خبرًا ثابتًا أحدثه عن النبي عليه السلام: إن كنت أذنتِ له جلدته مائة، وإن كنت لم تأذني له رجمته".
حدثنا أحمد بن داود، قال: ثنا أبو عمر الحوضي، قال: ثنا همام، قال:"سئل قتادة، عن رجل وطئ جارية امرأته، فحدثنا عن حبيب بن يساف، عن حبيب بن سالم أنها رفعت إلى النعمان بن بشير فقال: لأقضين فيها بقضاء رسول الله عليه السلام: إن كانت أحلتها له جلدته مائة، وإن لم تكن أحلتها له رجمته".
ففي هذا الحديث خلاف ما في الحديث الأول؛ لأن فيه أنها إن لم تكن أذنت له رُجم.
فأما قوله: "وإن كنت أذنت له جلدته مائة" فتلك المائة عندنا تعزير، كأنه درأ عنه الحد بوطئه بالشبهة وعزره بركوبه ما لا يحل له".
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 517 رقم 28550).
ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: جماهير الفقهاء من التابعين ومَن بعدهم منهم: ابن عيينة، ومالك، والشافعي، وأحمد، وأصحابهم؛ فإنهم قالوا: الحكم المذكور في حديث سلمة بن المحبق منسوخ، ولكن يحكم على الرجل بالرجم إن كان محصنًا، والجلد إن كان غير محصن، وروي نحو ذلك عن عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب رضي الله عنهما.
قوله: "وكان ما ذهبوا إليه" إشارة إلى بيان ما احتج به أهل هذه المقالة من الآثار، وهو حديث النعمان بن بشير، وأخرجه من طريقين:
الأول: عن فهد بن سليمان، عن أبي بكر عبد الله بن أبي شيبة شيخ الشيخين وأبي داود وابن ماجه، عن هشيم بن بشير، عن أبي بشر جعفر بن إياس اليشكري روى له الجماعة، عن حبيب بن سالم الأنصاري مولى النعمان بن بشير وكاتبه روى له الجماعة، عن النعمان بن بشير.
وأخرجه الترمذي (1): عن علي بن حُجر، عن هشيم، عن أبي بشر، عن حبيب ابن سالم، عن النعمان بن بشير، مثله.
وأخرجه أيضًا (2): عن علي بن حُجر، عن هشيم، عن سعيد بن أبي عروبة وأيوب بن مسكين، عن قتادة، عن حبيب بن سالم قال:"رفع إلى النعمان بن بشير رجل وقع على جارية امرأته قال: لأقضين فيها بقضاء رسول الله عليه السلام؛ لئن كانت أحلتها له لأجلدنه مائة، وإن لم تكن أحلتها له رجمته".
وأخرجه النسائي (3): عن يعقوب بن ماهان، عن هشيم، [عن أبي بشر](4)، عن حبيب بن سالم، عن النعمان. . . . إلى آخره نحوه.
(1)"جامع الترمذي"(4/ 54 رقم 1452).
(2)
"جامع الترمذي"(4/ 54 رقم 1451).
(3)
"السنن الكبرى"(4/ 296 رقم 7226).
(4)
ليست في "الأصل، ك"، والمثبت من "السنن الكبرى".
وأخرجه ابن ماجه (1): عن حميد بن مسعدة، عن خالد بن الحارث، عن سعيد، عن قتادة، عن حبيب قال:"أتي النعمان. . . ." إلى آخره نحوه.
وأخرجه أبو داود (2) من وجه آخر: ثنا موسى بن إسماعيل، قال: ثنا أبان، قال: ثنا قتادة، عن خالد بن عرفطة، عن حبيب بن سالم:"أن رجلًا يقال له: عبد الرحمن بن حنين وقع على جارية امرأته، فرفع إلى النعمان بن بشير وهو أمير على الكوفة، فقال: لأقضين فيك بقضية رسول الله عليه السلام، إن كانت أحلتها لك جلدتك مائة، وإن لم تكن أحلتها لك رجمتك بالحجارة، فوجدوها أحلتها له، فجلده مائة".
قال قتادة: كتبت إلى حبيب بن سالم، فكتب إليَّ بهذا.
ثنا (3) محمد بن بشار، قال: ثنا محمد بن جعفر، عن شعبة، عن أبي بشر، عن خالد بن عرفطة، عن حبيب بن سالم، عن النعمان بن بشير، عن النبي عليه السلام:"في الرجل يأتي جارية امرأته، قال: إذا كانت أحلتها له جلد مائة، وإن لم تكن أحلتها له رجمته".
الثاني: عن أحمد بن داود المكي، عن أبي عمر حفص عمر الحوضي شيخ البخاري وأبي داود، عن همام بن يحيى، عن قتادة، عن حبيب بن يساف -بالياء آخر الحروف، والسين المهملة، وفي آخره فاء- قال ابن أبي حاتم: مجهول.
عن حبيب بن سالم. . . . إلى آخره.
وأخرجه البيهقى في "سننه"(4): من حديث الحوضي، ثنا همام، قال: "سئل قتادة عن رجل وطئ جارية امرأته فحدثنا عن حبيب بن يساف، عن حبيب بن
(1)"سنن ابن ماجه"(2/ 853 رقم 2551).
(2)
"سنن أبي داود"(2/ 563 رقم 4458).
(3)
"سنن أبي داود"(2/ 563 رقم 4459).
(4)
"سنن البيهقي الكبرى"(8/ 239 رقم 16847).
سالم أنها رفعت إلى النعمان، فقال: لأقضين فيها بقضاء رسول الله عليه السلام، إن كانت أحلتها له جلدته وإلا رجمته".
وقال الترمذي: حديث النعمان في إسناده اضطراب، سمعت محمدا يقول: لم يسمع قتادة من حبيب بن سالم هذا الحديث، إنما رواه عن خالد بن عرفطة، عن حبيب بن سالم، عن النعمان أنه قال: كتبت إلى حبيب بن سالم، وأبو بشر لم يسمع من حبيب بن سالم هذا أيضًا، إنما رواه عن خالد بن عرفطة.
وقال الخطابي: الحديث غير متصل وليس العمل عليه.
وقال النسائي: أحاديث النعمان هذه مضطربة.
وقال الترمذي: سألت محمدًا عن هذا الحديث فقال: أنا أتقي هذا الحديث.
قلت: الطريق الثاني للطحاوي متصل؛ ولكن فيه حبيب بن يساف وقد ذكرنا عن أبي حاتم الرازي أنه مجهول. وطريق أبي داود أيضًا متصل ولكن فيه خالد بن عرفطة. قال أبو حاتم الرازي: مجهول.
قوله: "فتلك المرأة" عندنا تقرير، أشار بهذا الكلام إلى أن المرأة إذا أذنت لزوجها فوطئ جاريتها لا يجب عليه الحد لتمكن الشبهة في الوطء المحظور الذي لا يكاد يعذر بجهله أحد نشأ في الإسلام، ثم إنه زيد في عدد التعزير حتى بلغ به عدد حد الزاني البكر ردعًا له وتنكيلًا.
ص: فإن قال قائل: أفيجوز التعزير بمائة؟
قيل له: نعم، قد عزر رسول الله عليه السلام بمائة في حديث قد ذكرناه عنه في رجل قتل عبده متعمدًا في باب: حد البكر في هذا الكتاب.
ش: تقرير السؤال أن يقال: هل يجوز التعزير بمائة التي هي منتهى الحد، وينبغي أن يكون التعزير أدنى عددًا من الحد؟
والجواب عنه أن يقال: إن الإمام إذا رأى مصلحة في زيادة العدد في التعزير لزيادة التنكيل والردع في المعزَّر جاز له ذلك، ألا ترى أن رسول الله عليه السلام قد عزر
ذلك الرجل الذي قتل عبده عمدًا بمائة، كما جاء في حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده:"أن رجلًا قتل عبده عمدًا، فجلده النبي عليه السلام مائةً، ونفاه سنةً، ومحى اسمه من المسلمين وأمره أن يعتق رقبةً".
فهذا بالاتفاق بين الخصوم لم يكن حدًّا له لا ينبغي تركه، وإنما كان لزيادة التنكيل لأجل الدعارة، وقد مرَّ الحديث والكلام فيه في باب: حد البكر.
فإن قيل: روى البخاري (1): عن عبد الله بن يوسف، عن الليث، عن يزيد ابن أبي حبيب، عن بكير بن عبد الله، عن سليمان بن يسار، عن عبد الرحمن، عن عبد الله بن أبي بردة، عن أبي موسى قال:"كان رسول الله عليه السلام يقول: لا يجلد فوق عشر جلدات إلا في حد من حدود الله"، فكيف يجوز التعزير بمائة أو ما فوق العشر؟!
قلت: هذا معناه في حق من يرتدع بالردع، ويؤثر فيه أدنى الزجر، كأشراف الناس وأشراف أشرافهم، وأما السفلة وأسقاط الناس فلا يؤثر فيهم عشر جلدات ولا عشرون، فيعزرهم الإمام بحسب ما يراه، ألا ترى إلى ما روي عن سعيد بن المسيب والزهري، قالا:"إن عمر رضي الله عنه ضرب رجلًا -دون المائة- وجد مع امرأة بعد العتمة"(2)، وروى سفيان بن عيينة، عن جامع، عن شقيق قال:"كان لرجل على أم سلمة أم المؤمنين حق، فكتب إليها فحرَّج عليها، فأمر عمر رضي الله عنه بأن يجلد ثلاثين سوطًا"(2).
وعن هذا قال أصحابنا: التعزير على أربع مراتب: تعزير الأشراف: وهم الدهاقين والقواد، وتعزير أشراف الأشراف: وهم الفقهاء والعلوية، وتعزير الأوساط: وهم السوقة، وتعزير الأحساء: وهم السِّفلة.
فتعزير أشراف الأشراف بالإعلام المجرد، وهو أن يبعث القاضي أمينه فيقول له: بلغني أنك تفعل كذا وكذا.
(1)"صحيح البخاري"(6/ 2512 رقم 6456).
(2)
انظر "المحلى"(11/ 403).
وتعزير الأشراف: الإعلام والجر إلى باب القاضي والخطاب بالمواجهة.
وتعزير الأوساط: الإعلام والجر والحبس.
وتعزير السفلة: الإعلام والجر والضرب والحبس؛ لأن المقصود من التعزير: الزجر، وأحوال الناس في الانزجار على هذه المراتب (1).
وفي هذا الباب خلاف بين العلماء:
فمذهب الطحاوي رحمه الله: أن التعزير ليس له مقدار محدود، ويجوز للإمام أن يبلغ به ما رآه وإن تجاوز به الحدود.
وهو مذهب مالك وأبي ثور واحد أقوال أبي يوسف.
وقالت طائفة: التعزير مائة جلدة فأقل.
وقالت طائفة: أكثر التعزير مائة جلدة إلا جلدة.
وقالت طائفة: أكثره تسعة وتسعون سوطًا فأقل. وهو أحد أقوال أبي يوسف.
وقالت طائفة: أكثره خمسة وتسعون سوطًا فأقل. وهو قول ابن أبي ليلى، وأحد أقوال أبي يوسف.
وقالت طائفة: أكثره ثلاثون سوطًا.
وقالت طائفة: أكثره عشرون سوطًا.
وقالت طائفة: لا يتجاوز بالتعزير تسعة. وهو قول بعض أصحاب الشافعي.
وقالت طائفة: أكثره عشرة أسواط فأقل، لا يجوز أن يتجاوز به أكثر من ذلك. وهو قول الليث بن سعد والشافعي وأصحاب الظاهر.
ص: فهذا الذي ذكره النعمان عندنا ناسخ لما رواه سلمة بن المحبق؛ وذلك أن الحكم كان في أول الإسلام يوجب عقوبات بأفعال في أموال، ويوجب عقوبات في الأبدان باستهلاك أموال. من ذلك ما قد ذكرناه في باب: تحريم الصدقة على
(1) انظر "بدائع الصنائع"(5/ 534).
بني هاشم في قول رسول الله عليه السلام في مانع الزكاة: "إنا آخذوها منه وشطر ماله؛ عقوبة لما قد صنع".
ش: أي هذا الحكم الذي ذكره النعمان بن بشير فيمن زنى بجارية امرأته ناسخ لحديث سلمة بن المحبق، وبيَّن وجه النسخ بقوله:"وذلك أن الحكم. . . ." إلى آخره. وهو ظاهر.
ثم استشهد على كون العقوبة بأخذ الأموال وبالنكال في الأبدان لأجل استهلاك الأموال في ابتداء الإسلام بأحكام منها: ما كان في مانع الزكاة، وهو أنه كان تؤخذ منه الزكاة ويؤخذ معها شطر ماله عقوبةً له لما صنع، وقد مرَّ هذا مستوفى في باب: تحريم الصدقة على بني هاشم.
ص: ومن ذلك ما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا نعيم، عن أبي ثور، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة -أحسبه- عن أبي هريرة رضي الله عنه:"أن النبي عليه السلام قال: في ضالة الإبل المكتومة: غرامتها ومثلها معها".
ش: أي ومن كون العقوبة بأخذ الأموال في ابتداء الإسلام ما حدثنا إبراهيم ابن أبي داود البرلسي، عن نعيم بن حماد المروزي، عن محمد بن ثور الصنعاني العابد، عن معمر بن راشد، عن عمرو بن مسلم الجَنَدِي -بفتح الجيم والنون- عن عكرمة مولى ابن عباس، عن أبي هريرة رضي الله عنه.
وهذا إسناد صحيح.
وأخرجه أبو داود (1): عن مخلد بن خالد، عن عبد الرزاق، عن معمر، عن عمرو بن مسلم، عن عكرمة -أحسبه- عن أبي هريرة نحوه.
قوله: "في ضالة الإبل" الضالة هي الضائعة من كل ما يقتنى من الحيوان وغيره، وتجمع على ضوال، والمراد بها هاهنا الإبل؛ لأنها أضيفت إليها، والإضافة للتخصيص.
(1)"سنن أبي داود"(2/ 139 رقم 1718).
قوله: "غرامتها ومثلها معها" والأصل أن لا يجب على متلف الشيء أكثر من مثله، ولكن كان هذا في صدر الإسلام، وكان يقع بعض العقوبات في الأموال ثم نسخ، وقد قيل: يحتمل أن يكون هذا على سبيل التوعد لينتهي فاعل ذلك عنه.
ص: حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني عمرو بن الحارث وهشام بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص:"أن رجلًا من مزينة أتى إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في حريسة الجبل؟ فقال: هي ومثلها والنكال، ليس في شيء من الماشية قطع إلا ما أواه المراح وبلغ ثمنه ثمن المجن ففيه قطع اليد، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال، فقال: يا رسول الله، كيف ترى في الثمر المعلق؟ قال: هو ومثله معه والنكال، وليس في شيء من الثمر المعلق قطعٌ إلا ما أواه الجرين، فما أخذ من الجرين فبلغ ثمنه ثمن المجن ففيه القطع، وما لم يبلغ ثمن المجن ففيه غرامة مثليه وجلدات نكال".
ش: هذا مما كان في ابتداء الإسلام ثم نسخ.
وأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث بن يعقوب الأنصاري المصري وهشام بن سعد القرشي المدني، كلاهما عن عمرو بن شعيب، عن أبيه شعيب بن محمد، وسماعه عن جده عبد الله بن عمرو صحيح، قاله البخاري وأبو داود.
والحديث أخرجه البيهقي في "سننه"(1) وفي كتابه "الخلافيات": أنا أبو عبد الرحمن محمد بن الحسن السلمي من أصل كتابه، قال: ثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، نا محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، نا ابن وهب، نا عمرو ابن الحارث وهشام بن سعد، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو بن العاص:"أن رجلًا من مزينة. . . ." إلى آخره نحوه.
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(8/ 278 رقم 17063).
وأخرجه النسائي (1): عن الحارث بن مسكين قراءة عليه وهو يسمع، عن عبد الله بن وهب، عن عمرو بن الحارث، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن عبد الله بن عمرو قال:"إن رجلًا من مزينة أتى رسول الله عليه السلام. . . ." إلى آخره نحوه سواء.
قوله: "في حريسة الجبل" الحريسة فعيلة بمعنى مفعولة، والمعنى هل فيما تحرس بالجبل إذا سرق قطع، ويقال للشاة التي يدركها الليل قبل أن تصل إلى مراحها: حريسة، فقال عليه السلام:"هي ومثلها" يعني: لا يجب قطع؛ لأنه ليس بحرز، وإنما تجب هي ومثلها عقوبة على سارقها وزيادة تنكيل.
قوله: "إلا فيما أواه المراح" أي ضمه، والمُرَاح -بضم الميم- الموضع الذي تروح إليه الماشية، أي تأوي إليه ليلًا، وأما المَرَاح -بالفتح- فهو الموضع الذي يروح إليه القوم أو يروحون منه، كالمغْدَى للموضع الذي يُغدى منه.
قوله: "ويلغ ثمن المجن" بكسر الميم، وهو الترس؛ سمي به لأنه يواري حامله أي يستره، والميم فيه زائدة، وسيأتي الكلام في بيان ثمن المجن كم هو؟ مع الخلاف فيه.
قوله: "إلا ما أواه الجرين" أي ضمه الجرين -وهو بفتح الجيم- موضع تجفيف التمر وهو له كالبيدر للحنطة، ويجمع على جُرُن بضمتين.
ويستفاد منه أحكام:
الأول: فيه اشتراط الحرز لوجوب القطع في السرقة، وهو مذهب الجمهور منهم: سفيان الثوري وأبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق؛ فإنهم قالوا: لا يقطع إلا فيما أخرج من حرز.
وقالت طائفة: عليه القطع سواء سرق من حرز أو غيره، وإليه ذهبت الظاهرية.
(1)"المجتبى"(8/ 85 رقم 4959).
ويتفرع على هذا الخلاف هل يجب القطع على المختلس أم لا؟
فعند أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وإسحاق: لا قطع على المختلس، وهو قول إبراهيم النخعي، وقال علي بن رباح وعطاء وإياس بن معاوية: عليه القطع.
الثاني: فيه أن الماشية لا يقطع فيها إلا إذا سرقها من مراحها؛ فإن مراحها حرزها.
الثالث: فيه اشتراط بلوغ قيمة المسروق إلى ثمن المجن في القطع، وقد اختلفوا فيه، فقال أصحابنا: إنه مقدر بعشرة دراهم، فلا قطع في أقل من ذلك. وقال مالك وابن أبي ليلى: بخمسة دراهم. وقال الشافعي: بربع دينار. وسيجيء الكلام فيه مستقصى في كتاب السرقة، إن شاء الله تعالى.
الرابع: في أن الثمر لا قطع فيه إلا إذا سرق بعد أن أواه الجرين؛ لأن الجرين حرز له.
فهذه أربعة أحكام يعمل بها عند الأئمة، وبقيت فيه أربعة أحكام أخرى وهي منسوخة لا يعمل بها:
الأول: في وجوب الغرامة بالمثلين في حريسة الجبل.
الثاني: وجوب الغرامة بالمثلين أيضًا فيما أواه المراح ولم يبلغ ثمن المجن.
والثالث: وجوب الغرامة كذلك بالمثلين في الثمر المعلق.
والرابع: وجوب الغرامة كذلك إذا أواه الجرين ولم يبلغ ثمن المجن.
فهذه أربعة أحكام كانت في ابتداء الإسلام، فانتسخت بتحريم الربا، فعاد الأمر إلى أن لا يؤخذ ممن أخذ شيئًا إلا مثل ما أخذ.
فإن قيل: كيف تدعي النسخ فيها وقد حكم بها عمر بن الخطاب رضي الله عنه بحضرة الصحابة رضي الله عنهم فلم ينكر عليه منهم أحد؟ وذلك أن قاسم بن أصبغ روى عن مطرف بن قيس، عن يحيى بن بكير، عن مالك بن أنس، عن هشام بن عروة بن الزبير، عن أبيه، عن يحيى بن عبد الرحمن بن حاطب: "أن رقيقًا لحاطب سرقوا
ناقة للمزني -رجل من مزينة- فانتحروها، فرفع ذلك إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فأمر عمر لكثير بن الصلت أن يقطع أيديهم، قال عمر رضي الله عنه: إني أراك تجيعهم، والله لأغرمنك غرمًا يشق عليك، ثم قال للمزني: كم ثمن ناقتك؟ قال: أربعمائة درهم، قال عمر رضي الله عنه: أعطه ثمانمائة درهم" (1).
وكذلك حكم عثمان رضي الله عنه بتضعيف الغرامة، روى عبد الرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن أبان بن عثمان أن أباه عثمان رضي الله عنه أغرم في ناقة محرم أهلكها رجل، فأغرمه الثلث زيادة على ثمنها.
وقال الزهري: ما أصيب من أموال الناس ومواشيهم (2) فإنه يزاد الثلث لهذا في العمد؛ فهذا الزهري أيضًا عمل بعد الصحابة رضي الله عنهم.
قلت: هذا محمول منهم على السياسة زيادة في الزجر والعقوبة.
ص: فكانت العقوبات جارية في هذه الآثار على ما ذكر فيها حتى نسخ ذلك بتحريم الربا، فعاد الأمر إلى أن لا يؤخذ ممن أخذ شيئًا إلا مثل ما أخذ، وأن العقويات لا تجب في الأموال بانتهاك الحرم التي هي غير الأموال، فحديث سلمة عندنا كان في الوقت الأول، فكان الحكم على من زنى بجارية امرأته مستكرهًا لها أن تعتق عليه عقوبة له في فعله ويغرم مثلها لامرأته، وإن كانت طاوعته ألزمها جارية زانية، وألزم مكانها جارية طاهرة ولم تعتق هي لطواعيتها إياه، وفرق في ذلك بين ما إذا كانت مطاوعة له وبين ما إذا كانت مستكرهة.
ثم نسخ ذلك فردت الأمور إلى أن لا يعاقب أحد بانتهاك حرمة لم يأخذ فيها مالًا بأن يغرم مالًا ووجبت عليه العقوبة التي أوجب الله على سائر الزناة، فثبت بما ذكرنا ما روى النعمان، ونَسْخ ما روى سلمة بن المحبق رضي الله عنه.
(1) انظر "المحلى"(11/ 324 - 325).
(2)
زاد في "المحلى"(11/ 325): "في الشهر الحرام".
ش: أشار بهذه الآثار إلى الأحاديث التي رواها أبو هريرة وعبد الله بن عمرو ابن العاص رضي الله عنهم وإلى الحديث الذي ذكره في باب: تحريم الصدقة على بني هاشم.
قوله: "بانتهاك الحرم" بضم الحاء وفتح الراء جمع حرمة.
قوله: "مستكرِهًا" بكسر الراء.
قوله: "عقوبة له" أي لأجل العقوبة.
قوله: "ألزمها" الضمير المنصوب فيه يرجع إلى قوله: "لامرأته".
قوله: "جارية طاهرة" أي عفيفة من الزنا.
قوله: "ولم تعتق هي" أي الجارية التي زنى بها الزوج.
"لأجل طواعيتها إياه" أي الزوج.
قوله: "بأن يغرم مالًا" يتعلق بقوله: "أن لا يعاقب أحد".
ص: وأما ما ذكروا من فعل عبد الله بن مسعود رضي الله عنه ومذهبه في ذلك إلى مثل ما روى سلمة رضي الله عنه فقد خالفه فيه غيره من أصحاب رسول الله عليه السلام.
حدثنا صالح بن عبد الرحمن، قال: ثنا يوسف بن عدي، قال: ثنا أبو الأحوص، عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي قال:"كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه يقول: لا أوتى برجل وقع على جارية امرأته إلا رجمته".
حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا ابن أبي مريم، قال: أنا ابن أبي الزناد، قال: حدثني أبي، عن محمد بن حمزة بن عمرو الأسلمي، عن أبيه: "أن عمر رضي الله عنه بعثه مصدقًا على سعد بن هذيم، فأتى حمزة بمالٍ ليصدقه، فإذا رجل يقول لامرأته: أد صدقه مال مولاك، وإذا المرأة تقول له: بل أنت فأد صدقة مال ابنك، فسأل حمزة عن أمرهما وقولهما؟ فأخبر أن ذلك الرجل زوج تلك المرأة، وأنه وقع على جارية لها فولدت ولدًا فأعتقته امرأته، قالوا: فهذا المال لابنه من جاريتها، فقال حمزة: لأرجمنك بأحجارك، فقيل له: أصلحك الله، إن أمره قد
رُفع إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه فجلده عمر مائة ولم ير عليه الرجم، فأخذ حمزة بالرجل كفيلًا حتى يقدم على عمر رضي الله عنه فيسأله عما ذكر من جلد عمر رضي الله عنه إياه ولم يرَ عليه رجمًا، فصدقهم عمر بذلك من قولهم وقال: إنما درأ عنه الرجم عذره بالجهالة".
فهذا حمزة بن عمرو صاحب رسول الله عليه الصلاة والسلام قد رأى [أن على](1) من زنى بجارية امرأته الرجم ولم ينكر عليه عمر رضي الله عنه ما كان رأى من ذلك حين كفل الرجل حتى يجيئه أمر عمر رضي الله عنه في إقامة الحد عليه، فقد وافق ذلك أيضًا ما روي عن علي رضي الله عنه وما رواه النعمان عن النبي عليه السلام.
ثم جاء في حديث حمزة أيضًا من جلد عمر ذلك الرجل مائة تعزيرًا بحضرة أصحاب رسول الله عليه السلام فقد دل ذلك على ما روى النعمان عن النبي عليه السلام من جلد الزاني بجارية امرأته مائة أنه أراد بذلك التعزير أيضًا فقد وافق كل ما في حديث حمزة رضي الله عنه هذا ما روي عن النعمان عن النبي عليه السلام.
وأما عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فكان على الحكم الأول الذي رواه سلمة بن المحبق، ولم يعلم ما نسخه مما رواه النعمان رضي الله عنه، وعلم ذلك عمر وعلي وحمزة بن عمرو رضي الله عنه فقالوا به.
ش: هذا جواب عما احتج به أهل المقالة الأولى فيما ذهبوا إليه مما روي عن عبد الله بن مسعود أنه قد ذهب في ذلك إلى نحو ما روي عن سلمة بن المحبق رضي الله عنه، بيانه أن يقال: إن عبد الله وإن كان قد جاء عنه ما ذكرتم ولكنه قد خالفه فيه غيره من الصحابة رضي الله عنهم وهم: علي بن أبي طالب وعمر بن الخطاب وحمزة بن عمرو الأسلمي؛ فإنهم وقفوا على الناسخ مما رواه النعمان وغيره وعملوا به، ولم يقف عبد الله عليه، وثبت على الحكم الأول وهو ما رواه سلمة بن المحبق.
(1) في "الأصل، ك": "على أن"، والمثبت من "ش".
أما ما روي عن علي رضي الله عنه فأخرجه بإسناد صحيح، عن صالح بن عبد الرحمن ابن عمرو بن الحارث، عن يوسف بن عدي بن زريق شيخ البخاري، عن أبي الأحوص سلام بن سليم الحنفي، عن عطاء بن السائب بن مالك الكوفي، عن أبي عبد الرحمن عبد الله بن حبيب السلمي.
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن علي بن مسهر، عن الشيباني، عن عكرمة قال:"جاءت امرأة إلى علي رضي الله عنه فقالت: إن زوجي وقع على وليدتي، قال: إن تكوني صادقة رجمناه، وإن تكوني كاذبة جلدناك".
فإن قيل: قد روي عن علي رضي الله عنه أنه قد أسقط الحد في مثل هذا.
فقال ابن أبي شيبة (2): ثنا وكيع، عن سفيان، عن مغيرة، عن الهيثم بن بدر، عن حرقوص، عن علي رضي الله عنه:"أن رجلًا وقع على جارية امرأته، فدرأ عنه الحد".
قلت: الهيثم بن بدر تكلموا فيه، وحرقوص مجهول لا يدرى من هو، قاله الذهبي.
وأما ما روي عن عمر وحمزة رضي الله عنهما فأخرجه بإسناد حسن، عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري شيخ البخاري، عن عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه أبي الزناد -بالنون- عبد الله بن ذكوان، عن محمد بن حمزة الأسلمي الحجازي، عن أبيه حمزة بن عمرو بن عويمر الأسلمي الصحابي رضي الله عنه.
وأخرجه البخاري (3) تعليقًا.
قوله: "ثم جاء في حديث حمزة أيضًا من جلد عمر رضي الله عنه ذلك الرجل مائة تعزيرًا" ذكر هذا تنبيها على أن جلد عمر ذلك الرجل مائة جلدة لم يكن حدًّا وإنما
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 515 رقم 28535).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 517 رقم 28547).
(3)
"صحيح البخاري"(6/ 2548).
كان تعزيرًا، كما هو في حديث النعمان بن بشير رضي الله عنه حيث قال في حديثه:"إن كانت أحلتها له جلدته مائة". وذلك لأنه ادعى جهالة فعذره عمر رضي الله عنه وعزَّره مائة.
كما جاء في رواية أخرى أخرجها البيهقي (1): من حديث معمر، عن سماك ابن الفضل، عن عبد الرحمن بن البيلماني:"أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رفع إليه رجل وقع على جارية امرأته، فجلده مائة ولم يرجمه".
فهذا وإن كان منقطعًا فإنه محمول على ما ذكرناها، وعن هذا قال أصحابنا فيمن وقع على جارية امرأته وظن أنها تحل له فإنه لا يحد ولكنه يعزر، أما سقوط الحد فللشبهة حتى يجب للعلم بالحرمة لانتفاء الشبهة، وأما التعزير فلأنه ارتكب أمرًا محرمًا، وكذا لا يحد إذا أحلت المرأة إياها له لما ذكرناه، وإليه أشار الطحاوي بقوله:"فكذلك نقول: من زنى بجارية امرأته. . . ." إلى آخره على ما يجيء الآن إن شاء الله.
ص: وقد أنكر علي رضي الله عنه على عبد الله بن مسعود رضي الله عنه في هذا قضاءه بما قد نسخ:
حدثنا أحمد بن الحسن، قال: ثنا علي بن عاصم، عن خالد الحذاء، عن محمد ابن سيرين، قال: "ذكروا لعلي رضي الله عنه شأن الرجل الذي أتى ابن مسعود وامرأته وقد وقع على جارية امرأته، فلم ير عليه حدًّا، فقال علي رضي الله عنه: لو أتاني صاحب ابن أم عبد لرضخت رأسه بالحجارة، لم يدر ابن أم عبد ما حدث بعده.
فأخبر علي رضي الله عنه أن ابن مسعود تعلق في ذلك بأمر قد كان ثم نسخ بعده فلم يعلم ابن مسعود بذلك.
ش: ذكر هذا تأييدًا لما قاله من أن عبد الله بن مسعود قد تعلق في الحكم المذكور بما نسخ من ذلك، حيث خفي عليه الناسخ، ولهذا أنكر عليه
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(8/ 241 رقم 16860).
علي بن أبي طالب حين حكم بالمنسوخ حيث قال علي رضي الله عنه: لم يدر ابن أم عبد ما حدث بعده.
أراد أنه لم يدر الناسخ ولم يقف عليه، وأم عبد هي أم عبد الله بن مسعود.
وأخرجه برجال ثقات: عن أحمد بن الحسن بن القاسم، عن علي بن عاصم ابن صهيب الواسطي، عن خالد الحذاء، عن محمد بن سيرين.
وأخرجه البيهقي (1): من حديث الثوري، عن خالد، عن ابن سيرين:"أن عليًّا رضي الله عنه قال: إن ابن أم عبد لا يدري ما حدث بعده، لو أتيت به لرجمته".
وأخرج ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): عن ابن فضيل، عن مغيرة، عن إبراهيم، قال:"أتى رجل ابن مسعود فقال: إني وقعت على جارية امرأتي، فقال: قد ستر الله عليك فاستتر، فبلغ ذلك عليًّا رضي الله عنه فقال: لو أتاني الذي أتى ابن أم عبد لرضخت رأسه بالحجارة".
ص: وقد خالف علقمة في ذلك عبد الله بن مسعود أيضًا، ومال إلى قول من خالفه على أنه أعلم أصحابه به.
حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا وهب، عن شعبة، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة:"أنه سئل عن رجل أتى جارية امرأته فقال: ما أبالي إياها أتيت أو جارية امرأة عوسجة".
فهذا علقمة وهو أجل أصحاب عبد الله رضي الله عنه وأعلمهم قد ترك قول عبد الله في ذلك مع جلالة عبد الله عنده، وصار إلى غيره، وذلك عندنا لثبوت نسخ ما كان ذهب إليه عبد الله في ذلك عنده.
ش: أي قد خالف علقمة بن قيس النخعي في الحكم المذكور عبد الله بن مسعود، وذهب إلى قول من خالف عبد الله، والحال أن علقمة أعلم أصحاب
(1)"سنن البيهقي الكبرى"(8/ 240 رقم 16855).
(2)
"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 517 رقم 28546).
عبد الله بعبد الله وأجلهم، فلو لم يثبت عنده نسخ ما كان ذهب إليه عبد الله لما خالف قوله مع جلالة قدر عبد الله عنده.
وأخرجه بإسناد صحيح، عن إبراهيم بن مرزوق، عن وهب بن جرير، عن شعبة، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، عن علقمة.
وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): عن وكيع، عن الأعمش، عن إبراهيم، قال: قال علقمة: "ما أبالي وقعت على جارية امرأتي أو جارية عوسجة رجل من الحي".
ص: فكذلك نقول: من زنى بجارية امرأته حدَّ، إلا أن يدعي شبهة، مثل أن يقول: ظننت أنها تحل لي، أو تكون المرأة أحلتها له، فَيُدْرَأ عنه الحد ويعزر، ويجب عليه العقر، وهذا قول أبي حنيفة وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.
ش: أي كما قال علقمة نقول بأن الزاني بجارية امرأته لا يجب عليه إلا الحد، إلا إذا ادعى شبهة الحِلّ، أو تكون امرأته قد أحلتها له، فإنه حينئذ يجب عليه التعزير دون الحد، ويجب عليه العقر أيضًا وهو مهر المثل، والله أعلم بالصواب.
(1)"مصنف ابن أبي شيبة"(5/ 516 رقم 28541).