المَكتَبَةُ الشَّامِلَةُ السُّنِّيَّةُ

الرئيسية

أقسام المكتبة

المؤلفين

القرآن

البحث 📚

‌ص: باب: المكاتب متى يعتق - نخب الأفكار في تنقيح مباني الأخبار في شرح معاني الآثار - جـ ١٥

[بدر الدين العيني]

فهرس الكتاب

- ‌ص: بابُ: الرجل يحلف لا يكِّلم الرجل شهرًا كم عدد ذلك الشهر من الأيام

- ‌ص: بابُ: الرجل يُوجب على نفسه أن يصلي في مكان فيصلي في غيره

- ‌ص: بابُ: الرجل يوجب على نفسه المشي إلى بيت الله الحرام

- ‌ص: بابُ: الرجل ينذر وهو مشرك نذرًا ثم يُسلم

- ‌ص: كتاب العتاق

- ‌ص: باب: العبد يكون بين الرجلين فيعتقه أحدهما

- ‌ص: باب: الرجل يملك ذا رحم محرَّم منه هل يعتق عليه أم لا

- ‌ص: باب: المكاتب متى يعتق

- ‌ص: باب: الأَمة يطأها مولاها، ثم يموت وقد جاءت بولد في حياته هل يكون ابنه وتكون له أُمّ ولدٍ أَمْ لا

- ‌ص: كتاب الرهن

- ‌ص: باب: ركوب الرهن واستعماله وشرب لبنه

- ‌ص: باب: الرهن يهلك في يد المرتهن كيف حكمه

- ‌ص: كتاب الشفعة

- ‌ص: باب: الشفعة بالجوار

- ‌ص: كتاب الجنايات

- ‌ص: باب: ما يجب في قتل العمد وجرح العمد

- ‌ص: باب: الرجل يَقتل الرجل كيف يُقتَل

- ‌ص: باب: شبه العمد الذي لا قود فيه، ما هو

- ‌ص: باب: شبه العمد هل يكون فيما دون النفس كما يكون في النفس

- ‌ص: باب: الرجل يقول عند موته: إن مُت ففلان قتلني

- ‌ص: باب: المؤمن يقتل الكافر متعمدًا

- ‌ص: باب: القسامة هل تكون على ساكني الدار الموجود فيها القتيل أو مالكها

- ‌ص: باب: القسامة كيف هى

- ‌ص: باب: ما أصاب البهائم في الليل والنهار

- ‌ص: باب: غرة الجنين المحكوم بها فيه. لمن هي

- ‌ص: كتاب الحدود

- ‌ص: باب: حد البكر في الزنا

- ‌ص: باب: حد الزاني المحصن

- ‌ص: باب: الاعتراف بالزنا الذي يجب به الحد

- ‌ص: باب: الرجل يزني بجارية امرأته

- ‌ص: باب: من تزوج امرأة أبيه أو ذات محرم منه فدخل بها

- ‌ص: باب: حد الخمر

- ‌ص: باب: من سكر أربع مرات ما حده

- ‌ص: باب: المقدار الذي يقطع فيه السارق

الفصل: ‌ص: باب: المكاتب متى يعتق

‌ص: باب: المكاتب متى يعتق

؟

ش: أي هذا باب في بيان حكم المكاتب متى يعتق؟.

المكاتَب -بفتح التاء: هو الرق الذي يلتزم بالمال إما حالًا، وإما مُنَجَّمًا ليعتق عند وفائه.

والمكاتب: بكسر التاء هو المولى.

والكتابة: تحرير مملوك يدًا في الحال، ورقبة بعد أخذ المال.

ص: حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام قال:"يؤدي المكاتب بحصة ما أدى دية حُرٍّ وما بقي دية عبد".

حدثنا روح بن الفرج، قال: ثنا يحيى بن عبد الله بن بكير، قال: ثنا حماد بن زيد، عن يونس، عن عكرمة، عن النبي عليه السلام، مثله، ولم يذكر ابن عباس.

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يحيى بن يحيى النيسابوري، قال: ثنا وكيع، عن علي بن المبارك، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:"قضى رسول الله عليه السلام في مكاتبٍ قُتِلَ بدية الحر بقدر ما عتق منه".

قال ابن عباس: "ويقام على المكاتب حَدُّ المملوك".

حدثنا محمد بن خزيمة، قال: ثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، قال: حدثنا الحجاج الصوّاف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال رسول الله عليه السلام: "يُؤَدَّى المكاتب بقدر ما أدى دية الحُرِّ وبقدر ما رق منه دية العبد".

ش: هذه أربع طرق صحاح غير أن الثاني مرسل.

ص: 112

فكالأول: أخرجه الترمذي (1): نا هارون بن عبد الله البزاز، قال: ثنا يزيد ابن هارون، قال: أنا حماد بن سلمة، عن أيوب، عن عكرمة، عن ابن عباس، عن النبي عليه السلام قال:"إذا أصاب المكاتب حدًّا أو ميراثًا ورث بحساب ما عتق منه". وقال النبي عليه السلام: "يُودَّى المكاتب بحصة ما أدى دية حُرٍّ وما بقي دية عبد".

وقال: حديث حسن.

وكالثاني: أخرجه أبو داود معلقًا (2) وقال: وأرسله حماد بن زيد وإسماعيل، عن أيوب، عن عكرمة، عن النبي عليه السلام.

وكالثالث: أخرجه النسائي (3): أنا القاسم بن زكرياء بن دينار، نا سعيد بن عمرو، ثنا حماد بن زيد، عن أيوب، عن عكرمة.

وعن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس:"أن مكاتبًا قُتل على عهد رسول الله، فأمر أن يُوَدَّى بما أدى: ديّة الحُر، وما لا: دية المملوك".

وكالرابع: أخرجه أبو داود (4): ثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: ثنا يعلى بن عُبَيْد، ثنا الحجاج الصوّاف، عن يحيى بن أبي كثير، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال:"قضى رسول الله عليه السلام في المكاتب يُقتل: يَوَدَّى ما أدى من مكاتبته: ديّة الحُر، وما بقي: ديّة المملوك".

وأخرج الحاكم (5) هذا الحديث من وجهين، وقال فيهما: صحيح على شرط البخاري.

(1)"جامع الترمذي"(3/ 560 رقم 1259).

(2)

"سنن أبي داود"(2/ 603 رقم 4582).

(3)

"المجتبى"(8/ 46 رقم 4812).

(4)

"سنن أبي داود"(4/ 193 رقم 4581).

(5)

"مستدرك الحاكم"(2/ 237 رقم 2684 - 2865).

ص: 113

ثم رواه (1) من وجه ثالث، وقال: صحيح الإسناد.

فإذ قيل: لما أخرج البيهقي هذا الحديث في "سننه"(2) وبيّن الاختلاف فيه قال: هذا المذهب إنما يُروى عن علي رضي الله عنه وفي ثبوته عن النبي عليه السلام نظر.

قلت: رواه جماعة مرفوعًا وهو زيادة فلا تضرهم رواية من وقف، ولهذا حسّنه الترمذي وصحّحه الحاكم، وقال ابن حزم: خبر علي وابن عباس رضي الله عنهم في غاية الصحة، وليت شعري من أين وقع أن العدل إذا أسند الخبر وأوقفه آخر -أو أرسله- أن ذلك علة في الحديث، هذا لا يوجبه نص ولا نظر ولا معقول (3).

قوله: "يُوَدى المكاتب" على صيغة المجهول من وديتُ القتيل أَدِيه ديةً إذا أعطيت ديته، وأصل دِية وِدْية، كعِدة أصلها وَعْدٌ، حذفت الواو منهما تبعًا للفعل المضارع، وعوضت عنها الهاء، والأمر من هذا: دِ، دَيا، دُوا، كقِ قِيًا قوا، أصله: أود، كما أن أصل قِ: أوق حذفت الواو تبعًا للفعل، فصار "أد"، فاستغني عن الهمزة، فطرحت، فبقي "د" على وزن "ع" لأن المحذوف "فاء" الفعل، و"لامه"، أما الفاء فَلِمَا ذكرنا، وأما اللام فلأن آخر الأمر مجزوم، والجزم في النواقص بحذف اللام، فافهم.

قوله: "بحصة ما أدى" أي بقدر حصة ما أدّى من مال الكتابة.

قوله: "دية الحُر" بنصب الدية على الإطلاق.

(1)"مستدرك الحاكم"(2/ 238 رقم 2866).

(2)

"السنن الكبرى"(10/ 326 رقم 21446).

(3)

ليس الأمر على إطلاقه كما هو معلوم في علم أصول الحديث، والخلاف في هذه المسألة مشهور بين المحققين من المحدثين، والفقهاء والأصوليين.

والراجح عند المحققين من المحدثين المتقدمين ومن تبعهم أن الترجيح يكون بحسب القرائن المحتفة بالرواية فيرجح المرفوع إذا كان راويه أحفظ وأتقن ممن وقفه، أو أكثر عددا، وبالعكس.

ص: 114

قوله: "وما بقي: دية عبد" أي يَوُدَّى المكاتب بحصة ما بقي من مال الكتابة دية عبدٍ".

قوله: "في مكاتب قُتِلَ" على صيغة المجهول.

ويستفاد منه أحكام:

الأول: احتجت به طائفة على أن المكاتب يعتق بقدر ما أدى، على ما يجيء بيانه عن قريب إن شاء الله تعالى.

الثاني: احتجت به طائفة على أن المكاتب إذا جَنى عليه أحد، فإنه يؤاخذ بحكم الحرية لما عتق منه بمقدار ما أدى وبحكم الرِّقِّية فيما بقي منه من الرِّقِّية، وإليه ذهبت الظاهرية.

وقال ابن حزم في "المحلي"(1): المكاتب عبد ما لم يؤد شيئًا، فإذا أدى من كتابته شيئًا شرع فيه العتق والحرية بقدر ما أدّى، وبقي سائره مملوكًا، وكان لما أعتق منه حكم الحرية في الحدِّ والمواريث و [الديات وغير ذلك، وكان لما بقى منه حكم العبيد في الديات والمواريث](2) وغير ذلك وهكذا أبدًا حتى يتم عتقه بتمام أدائه.

ثم استدل على هذا بالحديث المذكور.

وقالت طائفة: المكاتب حُرٌّ ساعة العقد بالكتابة.

قال ابن حزم (3): روي هذا عن ابن عباس ولم نجد له إسنادًا إليه.

قلت: فعلى هذا القول إذا جني عليه يؤاخذ الجاني بحكم الحرية مطلقًا.

وقالت طائفة: إذا أدى نصف كتابته فهو غريم، وهو قول شريح، ورُوي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه نحوه.

(1)"المحلى"(9/ 227).

(2)

سقط من "الأصل" ولعله انتقال نظر من المؤلف: والمثبت من "المحلى".

(3)

"المحلى"(9/ 229، 230).

ص: 115

وقالت طائفة: إذا أدى الثلث فهو غريم، رُوي ذلك عن عبد الله بن مسعود.

وقالت طائفة: إذا أدّى الربع فهو غريم، رُوي ذلك عن إبراهيم النخعي.

وقالت طائفة: إذا أدّى ثلاثة أرباع الكتابة فهو غريم، رُوي ذلك عن عطاء بن أبي رباح، رواه عبد الرزاق، عن ابن جريج عنه.

وقالت طائفة: إذا أدى ثمنه فهو غريم، رُوي ذلك عن قتادة عن الحسن، عن ابن مسعود، ورواه شعبة، عن المغيرة، عن إبراهيم النخعي.

وقالت طائفة: إذا بقي عليه خمس أواقٍ -أو خمس ذَوْدٍ أو خمسة أوسق- فهو غريم، رُوي ذلك عن ابن عباس.

وقال أصحابنا الحنفية: إذا جنى على المكاتب أحد، فإن كان خطأ فالأرش له والأرش أرش العبد.

وإذا كان عمدًا فالمسألة على ثلاثة أوجه:

* في وجه يجب القصاص في قولهم.

* في وجه لا يجب في قولهم.

* وفي وجه اختلفوا فيه.

أما الأول: فهو أن يقتله رجلٌ عمدًا ولم يترك وفاء، فللمولى أن يقتل القاتل؛ لأنه إذا لم يترك وفاء فقد مات عاجزًا، فمات عبدًا، والعبد إذا قتل عمدًا يجب القصاص على قاتله إن كان عبدًا بالإجماع، وإن كان حرًّا عندنا كذلك هنا.

وأما الثاني: فهو أن يُقتل عمدًا ويترك وفاء، ويترك ورثة أحرار سوى المولى فلا يجب القصاص لاستيفاء وليَّ القصاص، لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم أنه يموت حرًّا أو عبدًا.

وأما الوجه الثالث: فهو أن يُقتل عمدًا ويترك الوفاء، ولا وارث له سوى المولى.

ص: 116

فعلى قول أبي حنيفة وأبي يوسف يجب القصاص للمولى؛ لأنه لا استيفاء هاهنا.

وقال محمد: لا يجب.

الثالث: أن المكاتب يُقام عليه حَدُّ المملوك؛ لقول ابن عباس: "ويقام على المكاتب حدُّ المملوك".

قال أصحابنا: يؤخذ المكاتب بأسباب الحدود الخالصة وغيرها نحو الزنا والسرقة والشرب والسكر والقذف؛ لا القن؛ لأن القن يؤخذ بها، فالمكاتب أولى، ولا يقطع في سرقته من مولاه؛ لأنه عبده، وكذا لا يقطع في سرقة من آل مولاه ولا من امرأة مولاه، ولا من كل ذي رحم محرم من مولاه، ولو سرق منه أجنبي يقطع بخصومته؛ لأن المكاتب أحق بمكاسبه ومنافعه فكانت له الخصومة كالحرِّ، فيقطع بخصومته (1).

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فذهب قوم إلى أن المكاتب يعتق بقدر ما أدى، ويكون حكمه فيه حكم الحُرِّ، ويكون حكمه فيما لم يؤدِّ حكم العبد، واحتجوا في ذلك بهذا الحديث.

ش: أراد بالقوم هؤلاء: الشعبي، وعكرمة، والحكم بن عتيبة، وإبراهيم النخعي، وشريحًا، وعطاء بن أبي رباح، وأحمد بن حنبل في قول، وداود وجماعة الظاهرية، وقد مَرَّ الكلام فيه مستوفى.

ص: وخالفهم في ذلك آخرون، فقالوا: لا يعتق إلا بأداء جميع المكاتبة.

ش: أي خالف القوم المذكورين جماعة آخرون، وأراد بهم: الزهري، والثوري، والأوزاعي، وقتادة، وعروة بن الزبير، وسليمان بن يسار، وسعيد بن المسيب، وابن أبي ليلى، وابن شبرمة، وأبا حنيفة، وأبا يوسف، ومحمدًا، ومالكًا، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبا ثور، فإنهم قالوا: المكاتب عبد ما بقي عليه درهم.

(1) انظر "بدائع الصنائع"(3/ 621).

ص: 117

وروي ذلك عن عمر بن الخطاب، وعثمان بن عفان، وجابر بن عبد الله، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عمر، وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنهم.

ص: واحتجوا في ذلك بما حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الخطاب بن عثمان، قال: ثنا إسماعيل بن عياش، عن سليمان بن سُليم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، أن رسول الله عليه السلام قال:"المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من كتابته درهم".

ش: أي احتج هؤلاء الآخرون فيما ذهبوا إليه بحديث عبد الله بن عمرو بن العاص.

أخرجه عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن خطاب بن عثمان الفوزي الحمصي شيخ البخاري، عن إسماعيل بن عياش بن سليم الشامي الحمصي، عن سليمان بن سليم الكناني الحمصي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده.

وأخرجه أبو داود (1): عن هارون بن عبد الله، عن أبي بدر شجاع بن الوليد، حدثني أبو عتبة إسماعيل بن عياش، وحدثني سليمان بن سُلَيْم، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده. . . . إلى آخره نحوه.

فإن قيل: ما حال هذا الحديث وبما يحكم فيه؟

قلت: أما خطاب فهو من رجال الصحيح، وأما إسماعيل بن عياش فقد قال ابن معين: ثقة فيما يروي عن الشاميين، وقال البخاري: إذا حدث عن أهل بلده فصحيح، وإذا حدث عن غيرهم ففيه نظر.

وهو يروي عن سليمان بن سليم وهو شامي من أهل بلده ووثقه يحيى وأبو حاتم، وأما عمرو بن شعيب فهو في نفسه ثقة بلا خلاف، وأما أبوه شعيب بن محمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص فإنه وثقه ابن

(1)"سنن أبي داود"(4/ 20 رقم 3926).

ص: 118

حبان وغيره، وجده هو عبد الله بن عمرو؛ لأن الضمير في جده عائدٌ إلى شعيب، وشعيب ثبت سماعه من عبد الله بن عمرو، قال البخاري وأبو داود وغير واحدٍ: إنه سمع من جده عبد الله بن عمرو، فحينئذٍ يكون حديث عمرو بن شعيب، عن أبيه، عن جده، صحيحًا متصلًا.

وبهذا يُردُّ على ابن حزم أن حديث عمرو بن شعيب صحيفة، ومما يؤيد هذا الحديث ويعضده ما روي عن عبد الله بن عمر، عن رسول الله عليه السلام:"المكاتب عبد ما بقي عليه درهم" رواه عبد الباقي بن قانع، عن موسى بن زكرياء، عن عباس بن محمد، عن أحمد بن يونس، عن هُشيم، عن جعفر بن إياس، عن نافع عنه به (1).

فهذا وإن كان قد ضعّفه بعضُهم بعبد الباقي، فإنه يصلح للمتابعة والاستشهاد.

ص: قال أبو جعفر رحمه الله: فكانت هذه الآثار قد اختلف فيها عن رسول الله عليه السلام، فنظرنا فيما روي عن أصحابه من ذلك فإذا علي بن شيبة قد حدثنا، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: ثنا سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قتادة، عن مَعْبد الجهني، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال:"المكاتب عبد ما بقي عليه درهم".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن عبد الرحمن بن عبد الله، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن جابر بن سمرة، عن عمر رضي الله عنه قال:"إذا أدى المكاتب النصف فهو غريم".

حدثنا ابن أبي داود، قال: ثنا الوهبي، قال: ثنا المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن جابر بن سمرة، عن عمر بن الخطاب أنه قال:"يا أيها الناس، إنكم تكاتبون مكاتبين، فأيهم أدى النصف فلا رَدٌّ عليه في الرق".

فهذا خلاف ما رويناه قبله عن عمر رضي الله عنه.

(1)"المحلى"(9/ 231).

ص: 119

حدثنا يونس، قال: ثنا ابن وهب، قال: ثنا ابن أبي ذئب، عن عمران بن بَشِير، عن سالم سبلان أنه قال لعائشة رضي الله عنها زوج النبي عليه السلام:"ما أراك ألا تستحي مني؟ فقالت: مالك؟! فقال: كاتبت، قالت: إنك عبد ما بقي عليك شيء".

حدثنا أبو بشر الرقي، حدثنا أبو معاوية وشجاع بن الوليد، عن عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار، قال:"استأذنت على عائشة، فقالت: كم بقيَ عليك من كتابتك؟ قلتُ: عشرُ أواقٍ. فقالت: ادخُل، فإنك عبد ما بقيَ عليك شيء".

حدثنا حسين بن نصر، قال: سمعت يزيد بن هارون، قال: أنا عمرو بن ميمون. . . . فذكر بإسناده مثله.

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله: "إذا أدى المكاتب ثلثًا أو رُبعًا فهو غريم".

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان، عن المغيرة، عن إبراهيم، قال: قال عبد الله رضي الله عنه: "إذا أدى المكاتب قيمة رقبته فهو غريم".

حدثنا ابن مرزوق، قال: ثنا أبو عاصم، عن سفيان، عن جابر، عن الشعبي، قال: كان عبد الله وشريح يقولان في المكاتب: "إذا أدى الثلث فهو غريم".

حدثنا يونس، قال: أخبرنا عبد الله بن نافع، عن أبي مَعْشر -وهو السندي- عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، أن أم سلمة رضي الله عنها قالت:"المكاتب عبدٌ ما بقي عليه من كتابته شيء".

حدثنا يونس، قال: أنا ابن وهب، قال: أخبرني أسامة بن زيد، ومالك، عن نافع، عن ابن عمر رضي الله عنه قال:"المكاتب عبد ما بقي عليه من كتابته شيء".

ص: 120

حدثنا علي بن شيبة، قال: ثنا يزيد بن هارون، قال: أنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان زيد بن ثابت رضي الله عنه يقول: "المكاتب عبدٌ ما بقيَ عليه شيء من مكاتبته".

وكان جابر بن عبد الله يقول: "شروطهم جائزة فيما بينهم".

ش: أراد أن أحاديث هذا الباب لما اختلفت وتعارضت ظاهرًا؛ وذلك لأن حديث عبد الله بن عمرو يخالف حديث ابن عباس في المعنى والحكم، ولم يتم الاستدلال بها للخصوم، وجب الرجوع في ذلك إلى ما جاء في هذا الباب من الصحابة، فإن ما جاء منهم على وجه يرجع ما ذهب إليه أحد الخصوم، وقد روي في ذلك عن عمر بن الخطاب وعائشة وعبد الله بن مسعود وأم سلمة وعبد الله بن عمرو وزيد بن ثابت رضي الله عنهم، ما يرجح ما ذهب إليه أهل المقالة الثانية، ويرجح حديث عبد الله بن عمرو على حديث ابن عباس.

أما ما رُوِيَ عن عمر بن الخطاب فأخرجه بإسناد صحيح من ثلاث طرق:

الأول: عن علي بن شيبة. . . . إلى آخره.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث ابن أبي عروبة، عن قتادة، عن مَعْبد الجهني، عن عمر بن الخطاب قال:"المكاتب عبدٌ ما بقي عليه درهم".

والثاني: عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن سفيان الثوري، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود، عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن جابر بن سمرة، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

وأخرجه عبد الرزاق (2): عن معمر، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود،

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(10/ 325 رقم 21438).

(2)

"مصنف عبد الرزاق"(8/ 345 رقم 15482).

ص: 121

عن القاسم بن عبد الرحمن بن عبد الله بن مسعود، عن جابر بن سمرة، عن عمر بن الخطاب قال:"إذا أدى المكاتب الشطر فهو غريم".

الثالث: عن إبراهيم بن أبي داود البرلسي، عن أحمد بن خالد الوهبي الكندي، عن عبد الرحمن بن عبد الله بن عتبة بن عبد الله بن مسعود المَسْعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن جابر بن سمرة، عن عمر بن الخطاب.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(1): من حديث الثوري، عن عبد الرحمن المسعودي، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن جابر بن سمرة، عن عمر رضي الله عنه قال:"إذا أدى المكاتب النصف لم يُسْتَرَقّ".

وقال البيهقي: القاسم لم يثبت سماعه من جابر، وإن صحّ فكأنه أرادَ قُربَ عتقه، فليمهل حتى يكتسب ما بقيَ، ولا يُردُّ عبدًا بالعجز عن الباقي.

وأما ما رُوي عن عائشة رضي الله عنها فأخرجه من ثلاث طرق صحاح:

الأول: عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن وهب، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ذئب المدني، عن عمران بن بشير بن محرر، عن سالم بن عبد الله النصري -بالنون، والصاد المهملة- الملقب سَبَلان -بفتح السين المهملة والباء الموحدة.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(2): من حديث ابن وهب، أخبرني سعيد بن سليم، سمعت سالمًا سَبَلان يذكر:"أنه كان يكري عائشة في الحج والعمرة، قال: فكاتبت، ثم جئت فوقفت بالباب، فاستأذنت استئذانًا لم أكن استئذنه، فأنكرتْ ذلك وقالت: يا بني، مالك لا تدخل؟! قلت: يا أم المؤمنين كاتبت. قالت: فادخل عليّ ما كان عليك درهم، فإنك لن تزال مملوكًا ما كان عليك من كتابتك درهم".

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(10/ 325 رقم 21439).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(10/ 324 رقم 21435).

ص: 122

الثاني: عن أبي بشر عبد الملك بن مروان الرقي، عن أبي معاوية الضرير محمد بن خازم، وشجاع بن الوليد السكوني، كلاهما عن عمرو بن ميمون بن مهران الجزري، عن سليمان بن يسار مولى ميمونة زوج النبي عليه السلام.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(1) من حديث عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار، عن عائشة، قال:"استأذنت عليها، فقالت: مَن هذا؟ فقلت: سليمان. قالت: كم بقي عليك من مكاتبتك؟ قلت: عشرة أواقٍ. قالت: ادخل فإنك عبدٌ ما بقي عليك درهم".

الثالث: عن حسين بن نصر بن المعارك، عن يزيد بن هارون، عن عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار، نحوه.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(2): عن حفص بن غياث، عن عمرو بن ميمون، عن سليمان بن يسار. . . . إلى آخره نحوه.

وأما ما روي عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه فأخرجه من ثلاث طرق:

الأول: منقطع لأن إبراهيم لم يلق عبد الله.

أخرجه عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، عن الثوري، عن منصور بن المعتمر، عن إبراهيم النخعي، قال: قال عبد الله بن مسعود.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(3): عن حفص بن غياث، عن الأعمش، عن إبراهيم النخعي، عن ابن مسعود:"إذا أدّى المكاتب ثلث كتابته فهو غريم".

الثاني: أيضًا مثل ما قبله عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون الواسطي، عن سفيان الثوري، عن المغيرة بن مِقسم الضبِّي، عن إبراهيم. . . . إلى آخره.

(1)"سنن البيهقي الكبرى"(10/ 324 رقم 21435).

(2)

"مصنف ابن أبي شيبة"(4/ 317 رقم 20567).

(3)

"مصنف ابن أبي شيبة"(4/ 317 رقم 20575).

ص: 123

الثالث: أيضًا منقطع؛ لأن الشعبي لم يسمع من عبد الله رضي الله عنه ، وأيضًا معلول بجابر الجعفي.

أخرجه عن إبراهيم بن مرزوق، عن أبي عاصم النبيل الضحاك بن مخلد شيخ البخاري، عن سفيان، عن جابر الجعفي، عن عامر الشعبي. . . . إلى آخره.

وأخرجه ابن أبي شيبة في "مصنفه"(1): ثنا حفص بن غياث عن الأعمش، عن إبراهيم.

وعن أشعث عن الشعبيّ، قالا: قال عبد الله: "إذا أدى المكاتب ثلث مكاتبته فهو غريم".

وأخرجه ابن حزم (2): من طريق سفيان بن عُيينة، عن إسماعيل بن أبي خالد، قال: قال لي الشعبي: قول شريح مثل قول ابن مسعود: "إذا أدّى المكاتب قيمته فهو غريم من الغرماء".

قال ابن حزم: هذا إسناد جيد، لأن الشعبيّ صحب شريحًا، وشريح صحب ابن مسعود رضي الله عنه.

وأما ما روي عن أم سلمة رضي الله عنها فأخرجه عن يونس بن عبد الأعلى، عن عبد الله بن نافع الصائغ المدني، عن أبي معشر نجيح بن عبد الرحمن السِنْدي المدني، عن سعيد بن أبي سعيد كيْسان المقبري. . . . إلى آخره.

وأخرجه ابن حزم، وقال (3): أبو معشر السندي ضعيف.

قلت: ضعفه جماعة، ولكن عن أحمد: أنه كان صدوقًا. وقال أبو زرعة: صدوق في الحديث وليس بالقوي. واحتجت به الأربعة.

(1) المرجع السابق.

(2)

"المحلى"(9/ 230).

(3)

"المحلى"(9/ 229).

ص: 124

وأما ما رُوِيَ عن عبد الله بن عمر فأخرجه بإسناد صحيح وأخرجه مالك في "موطأه"(1).

وأما ما رُوِيَ عن زيد بن ثابت فأخرجه عن علي بن شيبة، عن يزيد بن هارون، عن سفيان الثوري، عن عبد الله بن أبي نجيح يسار المكي، عن مجاهد.

وأخرجه البيهقي في "سننه"(2): من حديث ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: كان زيد يقول: "المكاتب عبد ما بقيَ عليه شيءٌ من مكاتبته، وكان جابر يقول (2): شروطهم جائزة بينهم".

فإن قيل: إذا كانت الآثار عن الصحابة مختلفة أيضًا مثل الأحاديث عن النبي عليه السلام في هذا الباب، لم يترجح لأحد الفريقين استدلالًا بما استدلوا به على ما استدل به الفريق الآخر.

قلت: بل ظهر رجحان ما ذهب إليه الفريق الثاني لما يشهد وجه النظر والقياس لهم، وقد أشار إلى بيان ذلك بقوله:

ص: فلما كانوا قد اختلفوا في ذلك كما ذكرنا، وكلهم قد أجمع أن المكاتب لا يعتق بعقد المكاتبة، وإنما يعتق بحال ثانية؛ فقال بعضهم: تلك الحال أداء جميع المكاتبة.

وقال بعضهم: هي أداء بعض المكاتبة.

وقال بعضهم: يُعتق منه بقدر ما أدى من المكاتبة.

ثبت أن حكم ذلك قد خرج من حكم المعتق على مال؛ لأن المعتق على مال يعتق بالقول قبل أن يؤدي شيئًا، والمكاتب ليس كذلك؛ لإجماعهم على ما ذكرنا.

(1)"الموطأ"(2/ 787 رقم 1486).

(2)

"سنن البيهقي الكبرى"(10/ 324 رقم 21431).

ص: 125

فلما ثبت أن المكاتب لا يستحق العتاق بعقد الكتابة، وإنما يستحق بحالة ثانية، نظرنا في ذلك وفي سائر الأشياء التي لا تجبُ بالعقود؛ وإنما تجب في حال آخر بعدها كيف حالها؟

فرأينا الرجل يبيع العبد بألف درهم، فلا يجب للمشتري قبض العبد بنفس العقد حتى يؤدي جميع الثمن، ولا يكون له قبض بعض العبد بأدائه بعض الثمن، وكذلك الأشياء التي هي محبوسة بغيرها مثل: الرهن المحبوس بالدين، وكلٌّ قد أجمع أن الراهن لو قضى المرتهن بعض الدين فأراد أن يأخذ الرهن أو بعضه بقدر ما أدّى من الديْن لم يكن له ذلك إلا بأدائه جميع الدين، فكان هذا حكم الأشياء التي تملك بأشياء إذا وجب احتباسها، فإنما تحبس حتى يؤخذ جميعُ ما جُعل بدلًا منها.

فلما خرج المكاتب من أن يكون في حكم المعتق على المال الذي يعتق بالعقد لا بحال ثانية، وثبت أنه في حكم من يحبس لأداء شيء، ثبت أن حكمه في المكاتبة وفي احتباس المولى إياه كحكم المبيع في احتباس البائع إياه، فكما كان المشتري غير قادر على أخذه إلا بعد أداء جميع الثمن، كان كذلك المكاتب أيضًا غير قادر على أخذ رقبته من ملك المولى إلا بأداء جميع المكاتبة.

فثبت بما ذكرنا قول الذين قالوا: لا يعتق من المكاتب شيء إلا بأداء جميع المكاتبة.

وهو قول أبي حنيفة، وأبي يوسف ومحمد رحمهم الله.

ش: أي فلما كانت الصحابة وبعدهم التابعون ومَنْ بعدهم من الأئمة قد اختلفوا في حكم المكاتب متى يعتق كما مر ذكره فيما مضى.

قوله: "وكلهم" أي وكل من ذكرنا من هؤلاء قد أجمع أن المكاتب لا يعتق بنفس عقد المكاتبة وإنما يعتق بحالةٍ ثانيةٍ، فاختلفوا في هذه الحالة؛ فقال بعضهم وهم: الزهري والأوزاعي والثوري وسعيد بن المسيب

ص: 126

وقتادة وابن أبي ليلى وابن شبرمة، وأبو حنيفة وأبو يوسف، ومحمد، ومالك، والشافعي، وأحمد، وإسحاق، وأبو ثور، فإنهم قالوا: تلك الحال: أداء جميع المكاتبة، يعني لا يعتق إلا بأداء جميع بدل الكتابة، وهو عبدٌ ما بقي عليه درهم.

وقال بعضهم وهم: شريح، والنخعي، والحسن البصري، وعطاء بن أبي رباح: هي أي تلك الحال، وهي حالة العتق أداء بعض المكاتبة، أي أداء بعض ما وقع عليه الكتابة.

فقال الشعبي وشريح: هي أداء النصف.

وقال النخعي: هي أداء الثلث. وعنه: أداء الربع.

وقال عطاء: هي أداء ثلاثة أرباع المكاتبة.

وقال الحسن: هي أداء الثُمن، ورواه عن ابن مسعود رضي الله عنه أيضًا.

وقال بعضهم وهم عكرمة، والحكم بن عتيبة والظاهرية: يُعتق منه -أي من المكاتب- بقدر ما أدى من المكاتبة.

ورُوِيَ ذلك أيضًا عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه.

قوله: "ثبت أن حكم ذلك" جواب "لَمَّا" أي حكم عقد الكتابة، وباقي الكلام ظاهر.

ص: 127