الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
- هذه الحياة التي يحياها الناس والأشياء، وللدّين فيها منهجه الأعم والأشمل الذي استقاه من معين النبوّة، والرسالات الإلهيّة!
- وحياة آتية لا ريب فيها، وللدّين فيها معرفته التي تلقاها عن وحي النبوّة، والرسالات الإلهيّة!
8 - أعظم شهادة:
وقد قضى خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم أربعين سنة من عمره في مكة قبل أن يبعث -كما سيأتي- فكان بين أهلها، يعاملهم في أمور الحياة ليل نهار (1)، وهي الحياة اليوميّة، وما تنطوي عليه من أخذ وعطاء .. ومن شأنها أن تكشف عن أخلاق المرء، فيتبيّن للناس فسادها وصلاحها، وهي عيشة طويل طريقها، كثيرة منعطفاتها، وعرة مسالكها، تعترضها وهدات مما قد يصدر عن المرء من خيانة، وإخفار عهد، وأكل مال بالباطل، وعقبات في الخديعة والخيانة، وتطفيف الكيل، وبخس الحقوق، وإخلاف الوعد .. وقد اجتاز الرسول صلى الله عليه وسلم هذه السبل الشائكة الوعرة، وخلص منها سالماً نقيًّا، لم يصبه شيء مما يصيب عامة الناس، حتى دعوه (الأمين)!
ومع كل هذا خالفه المخالفون أشدّ الخلاف في دعوته، ولم يتركوا سبيلاً إلى ذلك إلا سلكوه، فقاطعوه وعاندوه، وصدّوا عن سبيله، ورموه بالحجارة، وأرادوا قتله، وكادوا له كيدهم!
ولكن لم يجرؤ أحد منهم أن يقول شيئاً في أخلاقه، ولا أن يرميه
(1) الرسالة المحمديّة: 114 وما بعدها بتصرف.
بالخيانة، أو ينسب إليه الكذب في القول، أو إخلاف الوعد، أو إخفار الذمة، أو نقض العهد!
وإن من ادّعى النبوّة وقال: إن الله يوحي إليه، فكأنه ادّعى العصمة والبراءة من جميع المفاسد، ومساوئ الأعمال!
ألم يكن يكفي قريشاً في ردّهم على الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذكروا أمورًا عمل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم بغير الحق، وأن يشهدوا عليه بأنه أخلفهم وعداً، أو خانهم في أموالهم، أو كذب في شيء مما قاله لهم؟!
إن قريشاً أنفقوا أموالهم، وبذلوا نفوسهم في عداوة الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم، وضحّوا بفلذات أكبادهم في قتاله، حتى قُتل وجُرح منهم كثيرون، لكنهم لم يستطيعوا أن يصموه بشيء في عظيم أخلاقه .. وكانت أحوال الرسول صلى الله عليه وسلم وشؤونه ظاهرة لجميع الناس، معلومة لهم، استوى في ذلك أحبابه وأعداؤه، ولم يَخْفَ عليهم شيء من أمره!
روى ابن جرير عن السدي (1):
(لمَّا كان يوم بدر، قال الأخنس بن شريق لبني زهرة: يا بني زهرة، إِن محمداً ابن أختكم، فأنتم أحق من كفّ عنه، فإِنه إِن كان نبيًّا لِمَ تقاتلونه اليوم؟ وإِن كان كاذباً كنتم أحقّ من كفّ عن ابن أخته، قِفوا هنا حتى ألْقى أبا الحكم، فإِن غَلَب محمد صلى الله عليه وسلم رجعتم سالمين، وإِن غُلِبَ فإِن قومكم لا يصنعون بكم شيئاً، فيومئذ سُمّي الأخنس، وكان اسمه أبي، فالتقى الأخنس وأبو جهل، فخلا الأخنس بأبي جهل، فقال: يا أبا الحكم، أخبرني
(1) تفسير الطبري: 7: 182.
عن محمد، أصادق هو أم كاذب؟ فإِنه ليس هاهنا من قريش أحد غيري وغيرك يسمع كلامنا! فقال أبو جهل: ويحك، والله! إِن محمداً لصادق، وما كذب محمد قط، ولكن إِذا ذهب بنو قصي باللواء والحجابة والسقاية والنبوّة، فماذا يكون لسائر قريش؟) فذلك قوله:{فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33)} [الأنعام]!
إنهم لم يكونوا يشكّون في صدق محمد صلى الله عليه وسلم، فلقد عرفوه صادقاً أميناً، ولم يعلموا عنه كذبة واحدة في حياته الطويلة بينهم قبل الرسالة .. كذلك لم تكن الطبقة التي تتزعّم المعارضة للدعوة تشك في صدق رسالته، وفي أن هذا القرآن ليس من كلام البشر، ولا يملك البشر أن يأتوا بمثله .. ولكنهم كانوا يرفضون إظهار التصديق، ويرفضون الدخول في (الدّين القيّم)!
ويروي الشيخان وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما قال (1): لمَّا نزلت: {وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ (214)} [الشعراء]! صعد النبي صلى الله عليه وسلم على الصفا فجعل ينادي: "يا بني فهر، يا بني عدي" لبطون قريش، حتى اجتمعوا، فجعل الرجل إِذا لم يستطع أن يَخرُج، أرسل رسولاً لينظر ما هو، فجاء أبو لهب وقريش، فقال:"أرأيتكم لو أخبرتكم أن خيلاً بالوادي تُريد أن تُغير عليكم، أكنتم مُصَدِّقِيَّ؟! "
قالوا: نعم، ما جرّبنا عليك إِلا صدقاً، قال: "فإِني نذير لكم بين يدي
(1) البخاري: 65 - التفسير (4770)، وانظر (1394، 3525، 3526، 4801، 4971، 4972، 4973)، ومسلم (208)، وأحمد: 1: 281، 307، والترمذي (3363)، والنسائي: عمل اليوم والليلة (982، 983)، والطبري: التفسير: 19: 120، 121، وابن منده: الإيمان (949، 450، 451)، والبيهقي: الدلائل: 2: 181، 182، والبغوي (3742)، ومعالم التنزيل: 3: 400، 401، وابن حبان (6850).
عذاب شديد"! فقال أبو لهب: تباً لك سائر اليوم، ألهذا جمعتنا؟ فنزلت:{تَبَّتْ يَدَا أَبِي لَهَبٍ وَتَبَّ (1) مَا أَغْنَى عَنْهُ مَالُهُ وَمَا كَسَبَ (2)} [المسد]!
ولمَّا أرسلَ الرسول صلى الله عليه وسلم كتاب الدعوة إلى هرقل عظيم الروم، دعا هرقل أبا سفيان ليسأله عن هذه الدعوة وصاحبها، وقد كان أبو سفيان يومئذ على العداوة للإسلام ورسوله .. وهنا كانت إجابة عدوّ لو استطاع أن يقتل الرسول صلى الله عليه وسلم، ويمحو اسمه، ويخفض من شأنه .. ثم هو يُدعى إلى مجلس صاحب سلطان ليشهد عنده في عدوّه، ودعا هرقل بترجمانه، فقال فيما يرويه الشيخان وغيرهما عن ابن عباس رضي الله عنهما، من حديث طويل: أيّكم أقرب نسباً بهذا الرجل الذي يزعم أنه نبيّ؟ فقال أبو سفيان: فقلت: أنا أقربهم نسباً! فقال: أَدْنُوه منّي، وقرّبوا أصحابه، فاجعلوهم عند ظهره! ثم قال لترجمانه: قل لهم: إِنّي سائل هذا الرجل، فإِن كذبني فكذّبوه! فوالله! لولا الحياء من أن يأثِروا عليّ كذباً لكذَبْتُ عنه! ثم كان أوّل مَا سألني عنه أن قال: كيف نسبه فيكم؟ قلت: هو فينا ذو نسب! قال: فهل قال هذا القول منكم أحدٌ قطّ قبله؟ قلت: لا! قال: فهل كان من آبائه من مَلِك؟ قلت: لا! قال: فأشراف الناس يتّبعونه أم ضُعفاؤهم؟ قلت: بل ضعفاؤُهم! قال: أيزيدون أم يَنْقُصون؟ قلت: بل يزيدون! قال: فهل يرتَدُّ أحدٌ منهم سخطةً لدينه بعد أن يدخل فيه؟ قلت: لا! قال: فهل كنتم تتّهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ قلت: لا! قال: فهل يَغْدر؟ قلت: لا، ونحن منه في مُدَّةٍ لا ندري ما هو فاعل فيها، قال: ولم تمْكِنِّي كلمةٌ أُدْخِلُ فيها شيئاً غير هذه الكلمة! قال: فهل قاتلتموه؟ قلت: نعم! قال: فكيف كان قتالكم إياه؟ قلت: الحرب بيننا وبينه سجال، ينال منّا وننال منه! قال: ماذا يأمركم؟ قلت: يقول: اعبدوا الله وحده ولا تشركوا به
شيئاً، واتركوا ما يقول آباؤكم، ويأمرنا بالصلاة والصدق والعفاف والصلة! فقال للترجمان: قل له: سألتك عن نسبه، فذكرت أنه فيكم ذو نسب، فكذلك الرسل تُبعث في نسب قومها! وسألتك: هل قال أحد منكم هذا القول؟ فذكرت أن لا، فقلت: لو قال أحد هذا القول قبله لقلت: رجل يأتي بقول قيل قبله! وسألتك: هل كان من آبائه من ملك؟ فذكرت أن لا، قلت: فلو كان من آبائه من ملك. قلت: رجلٌ يطلب مُلك أبيه! وسألتك: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فذكرت أن لا؛ فقد أعرف أنه لم يكن ليذر الكذب على الناس ويكذب على الله! وسألتك: أشراف الناس اتّبعوه أم ضُعفاؤهم؟ فذكرت أن ضعفاءهم اتّبعوه، وهم أتباع الرسل! وسألتك: أيزيدون أم ينقصون؟ فذكرت أنهم يزيدون، وكذلك أمر الإِيمان حتى يتمّ! وسألتك: أيرتدّ أحدٌ سَخْطَةً لدينه بعد أن يدخل فيه، فذكرت أن لا، وكذلك الإِيمان حين تخالط بشاشتُه القلوب! وسألتك: هل يغدر؟ فذكرت أن لا، وكذلك الرسل لا تغدر! وسألتك: بما يأمُركم؟ فذكرت أنه يأمركم أن تعبدوا الله ولا تُشركوا به شيئاً، وينهاكم عن عبادة الأوثان، ويأمركم بالصلاة والصدق والعفاف! فإِن كان ما تقول حقًّا، فسيملك موضع قَدَمَيَّ هاتين، وقد كنت أعلم أنه خارج، لم أكُن أظُنُّ أنه منكم! فلو أنّي أعلم أنّي أخْلُصُ إِليه لَتجشَّمْتُ لقاءه، ولو كنت عنده لغسَلْتُ عن قَدَمه (1)!
(1) البخاري: 1 - بدء الوحي (7) وانظر (51، 2681، 2804، 2941، 2978، 3174، 4553 ، 5980، 6260، 7196، 7541)، والأدب المفرد (1109)، وخلق أفعال العباد (63، 64)، ومسلم (1773)، وأحمد: 1: 262 - 263، وانظر: الترمذي (2717)، وابن منده: الإيمان (143)، والبيهقي:"الدلائل": 4: 381 - 383.
فهل تجدون شهادة أعظم من هذه الشهادة؟
إن الموقف حرج، وإن السائل ملك ذو شوكة وقوّة، يسأل رجلاً ملأ الضِّغن صدره عن أمر الرسول صلى الله عليه وسلم، فَلا يقول فيه إلا الصدق والحق!
وإن هرقل لم يستطع أن يقف حيال هذه الشهادة صامتاً فقال ما قال!
وأي شهادة أصدق من هذه الشهادة!
إن تاريخ الرسل عليهم صلوات الله وتسليماته لم يسجّل مثل هذه الشهادة عن غير محمد خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم!
ثم إن الذين آمنوا كانوا من أمّة عريقة في الحرية، ذات عقول ناضجة وفطنة، ولهم حماسة وحميّة، لم تَلن قناتهم لحكومة قاهرة، ولا ذلّلت أنَفَتهم دولة قويّة منذ فجر التاريخ، وكَانت لهم تجارة واسعة النطاق، تصدر فيها وترد سلعهم وأمتعتهم بين بلاد وبلاد، وكانت مملكة فارس، وبلاد الشام، ومصر، وآسيا الصغرى، مضربهم ومورد تجارتهم، ولاحتكاكهم بالأمم المتمدنة، ولقائهم الرجال من مختلف الأمم، تفتّقت آراؤهم، واتسعت عقولهم، وازدادت تجاربهم، يدل على ذلك ما أثر عنهم من الأحكام، وما وصل إلينا من صفحات التاريخ من الأخبار، وكان من هؤلاء مَن قاد الجيوش وانتصر بها، فعدّ من أعظم الفاتحين!
وكان منهم من ساس البلاد، وحكم الناس، فأحسن الإحسان كله في سياسته وحكمه، حتى عُدَّ من أعدل الولاة، وأحكم الحكّام سياسة وتدبيراً!
وهل يسوغ في منطق العقل أن من أوتي مثل هذا العقل الراجح، والمواهب العظيمة، والرأي الحصيف، يخفى عليه شيء من أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أو ينخدع به؟