الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
إعجاب الناس بالبناء، وهم يطوفون به في أطوار الحياة، ودورات الفلك، ويتمنّون لو أن هذه اللبنة جاءت بحقيقتها وصورتها، لتوضع في موضعها، ليتكامل حُسن البناء، ويتم الإعجاب به .. وجاءت اللبنة بحقيقتها الجامعة لكل ما في لبنات البناء من طبيعة وحقيقة، فكانت درّة البناء الفريدة، وكانت الرسالة الخالدة لخاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم!
5 - أعظم دوافع التطوّر:
وفي حديث آخر عن أبي هريرة وغيره: "إِنما بُعثتُ لأتمّم مكارم الأخلاق" وفي رواية: "صالح الأخلاق"(1)!
وفي هذا الحديث يبيّن الرسول صلى الله عليه وسلم ما قدّمه إخوانه أنبياء الله ورسله للحياة من إصلاح وتقدّم، يقوم على القيم الروحيّة، والفضائل الخلقيّة، ومبيّناً
(1) أحمد: 2: 381 عن أبي هريرة، صحيح، وإسناده قوي، رجاله رجال الصحيح، غير محمد ابن عجلان، فقد روى له مسلم متابعة، وهو قوي الحديث، وابن سعد: 1: 192، والبزار: كشف الأستار (2740)، والطحاوي: شرح مشكل الآثار (4432)، والخرائطي: مكارم الأخلاق: 2، والبيهقي: 10: 191 - 192، والشعب (7978) من طرق عن سعيد بن منصور بهذا الإسناد، وفي رواية البزار "مكارم الأخلاق"، والبخاري: الأدب المفرد (273)، والتاريخ الكبير: 7: 188، وابن أبي الدنيا: مكارم الأخلاق (13)، والحاكم: 2: 613 بلفظ "صالح الأخلاق" وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه، ووافقه الذهبي، والقضاعي: مسند الشهاب (1165)، وابن عبد البر: التمهيد: 24: 333 - 334 من طرف، ومالك بلاغا: 2: 904، وانظر: ابن أبي الدنيا عن معاذ (14)، والبزار (1973)، والطبراني: الكبير: 20: 120، وعن جابر: الطبراني (6891)، والبيهقي: الشعب (7979)، وابن أبي شيبة عن زيد بن أسلم مرسلاً: 11: 500 - 501.
وانظر: التمهيد: 24: 332، وفضل الله الصمد: 1: 371.
مكانته منهم في رسالته الخاتمة، مكمّلاً ما أسّسوا، وما أقاموا من حضارات إنسانيّة رفيعة الشأن!
ويبيّن -أيضاً- أن بناء الحضارة الذي أقامته النبوّة بكلمات الله ووحيه ليس بناءً ماديًّا كأبنية الناس في حضاراتهم الماديّة، ولكنه بناء روحاني يقوم على دعائم الأخلاق والفضائل، ومحاسن الشيم والشمائل التي شيّدوا بها بناء الحضارة الفكريّة والاجتماعيّة!
وقد أبان الحديث عن عمل النبوة باعتبارها الحقيقة العظمى المسيطرة على التفكير في إقامة صرح البناء الحضاري، بإسهام كل نبيّ وكل رسول في إرساء هذا البناء حتى جاء خاتم النبيّين صلى الله عليه وسلم، وكمّله برسالته الخاتمة الخالدة!
وهذا المعنى الذي أبان عنه الحديث هو إجمال لمعنى الحديث الأول، وفيه بيان المعاني والحقائق التي أقيم بناء الحضارة الإنسانيّة من لبناتها!
والنبوّة في عمومها حرية أن تكون بمنزلة من التاريخ البشريّ ترفعها فوق كل منزلة من منازل حقائق الحياة وفضائلها .. ورسالاتُ الله تعالى إلى الناس لإخراجهم من ظلمات الضلالات إلى نور الهداية جديرة أن تكون بموضع من مسيرة الإنسانية، يسمو بها إلى أرفع مكان في ذروة تاريخ الحياة!
بيد أن التاريخ البشري لم ينصف النبوّة -وهي أعظم مراتب الحضارة الفكرية- ولم يعط الرسالات الإلهيّة حقها من التقدير، وهي أجل صور الحياة في العلم والمعرفة، بل هي أبلغ وأقوى وأثبت وأعظم دوافع التطوّر الاجتماعي في حياة الإنسانيّة!