الرئيسية
أقسام المكتبة
المؤلفين
القرآن
البحث 📚
مقدمة
ما أحوجنا أن نبصر مكانة السيرة النبويّة .. وأنها تسع الحياة كلها، وأعظم تراث إنساني فريد، وفتح فكري جديد، على مدى التاريخ .. وما يجب أن ندرسه .. ونفقه في معالمها خيَريْ الدنيا والآخرة!
وما أحوجنا أن نبصر خصائص الرسالة والرسول صلى الله عليه وسلم .. ومصادر تلك الخصائص، ومناهج المؤلفين قديماً وحديثاً .. والمنهج الأمثل في الدراسة .. وأنه واسع الآفاق، متنوّع المعالم، غزير العوالم .. تسابقت الأقلام في حلبته، تنافست الأفكار في ديباجته!
وقد عشت أكثر من نصف قرن في تلك الرحاب .. وقمت بتدريس السيرة في الجامعة سنين؛ مما جعلني بعون الله وتوفيقه أكتب بعد طول مراجعة للمصادر الأصليّة، وفق أصول التحديث روايةً ودرايةً!
وسجل التاريخ منذ فجر الرسالة صيحات من هنا وهناك، تشكّل في إطارها سيل منهمر من الحقد الأعمى على خاتم النبين محمد صلى الله عليه وسلم، تحيطه جهالة جهلاء، وفوضى عمياء، وأصبحت تلك المفتريات غريزة موروثة، وخاصّة طبيعية، تقوم على المؤثرات التي خلفتها تلك الحرب الضروس في القديم والحديث سواء!
1 - السيرة ومكانتها:
وإذا كانت السيرة في اللغة بمعنى الطريقة والسنة، فإنها يراد بها التعرّف على حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، منذ ظهور الإرهاصات التي مهّدت
لرسالته (1)، وما سبق مولده من سمات تلقي أضواء رحمانية على طريقة الدعوة المحمديّة، ومولد الرسول صلى الله عليه وسلم، ونشأته، حتى مبعثه .. وما جاء بعد ذلك من دعوة الناس إلى (الدّين القيّم) .. وما لقي في سبيل نشر هذا الذين من معارضة، وما جرى بينه صلى الله عليه وسلم وبين من عارضوه من صراع بالبيان والسنان، وذكر من استجاب له صلى الله عليه وسلم، حتى علت راية الحق، وأضاءت شعلة الإيمان!
إنها نور وهّاج، أفضى إلى ظلمات الجهل والوثنيّة، فانجابت كما ينجاب الغمام، وهدى من الله عز وجل أرسله إلى الإنسانيّة الضالّة، فانتشلها من ضياع، وانتاشها من هلاك، وأنقذها مما كانت تتخبّط فيه من دياجير الظلام، وعقابيل الضلال!
إن الله عز وجل خلق محمداً صلى الله عليه وسلم بشراً سويًّا، ولكنه فوق سائر البشر، وآثاره التي حملتها الأجيال من بعده فوق القُدَر، ونحن معشر المتبعين كان فينا شرف هذا الاتباع إنما ندرك بالتصوير أمثالنا، ومن خواطرنا ومنازع نفوسنا نتعرف نفوس غيرنا، ونحكم على أحوالهم، وإن حاولنا أن ندرك من هو أعلى منا فإنه يجب أن يكون علوه على مَرأى أنظارنا، وفي مطالع آفاقنا، وعندئذ نحاول، وقد نصل .. ولكن الحديث عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، في علو لا نصل إليه، وفي سماك لا نراه، وليس منّا من يقاربه حتى نتمثّله ونتخيّله، فأنّى لأمثالنا أن يكتب في شأنه، وأن يعلو إلى قدره؟!
إن ذلك لأمر فوق المنال، ويعلو على مدارك الخيال!
(1) انظر مقدمة كتابنا: الجامع الصحيح للسيرة النبوّية: 8 وما بعدها، مكتبة المنار الإسلاميّة، ومؤسسة الريّان، ط أولى 1415 هـ - 1994 م.
من أجل هذا نضرع إلى الله -جلّ شأنه- أن يشملنا بغفرانه، إن تسامينا محاولين الوصول إلى الحديث عن حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، فالمعذرة قائمة، والقصور ثابت، ولا يكلف الله نفساً إلا وسعها!
وهنا نحسّ النور يغمر حياتنا، ونشعر بالضوء المنير يكفّ أبصارنا، فأنّى ندرك، وأنّى نرى، وقد صرنا كذي رمد غمره ضوء الشمس، أو ما هو أعلى، فأصابته الحيرة، ولا هادي له يخرجه منها، إلا أن يكون الهُدى من الله، والعون والرشاد، والتوفيق والسداد!
ومن ثم نسأل الله عز وجل أن يهدينا لتصوير حياة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو لتقريبها ما دام التصوير فوق الطاقة، والقاصر معذور، والله تبارك وتعالى عفوّ غفور!
ومعلوم أن وجوه عظمة الرسول صلى الله عليه وسلم قد تعدّدت، بحيث يعجز المحصي عن الإحصاء، والمستقري عن الاستقراء!
وإذا نفدت الطاقة كان الإقرار بالعجز، وبأن الله عز وجل قد صانه وحفظه، وتولاه بعنايته، ورعاه برعايته، حتى كان وحيداً بين الغلمان بما كلأه الله به وحماه، وصبيًّا فريدًا بين الصبيان، والشابّ الأمين البعيد عن رجس الجاهليّة بين الشباب، فكل شيء في حياته الأولى كان من الخوارق التي علت عن الأسباب والمسبّبات، فلم تكن أثر تربية موجهة، ولا أثر بيئة حاملة، ولا أثر شرف رفيع وإن كان محقّقاً؛ ولكنه كان صنع الله، تمثّلت فيه المعجزة بشخصه وكونه ووجوده، ففيه البشريّة، وفيه المعجزة الإلهيّة!
وصدق الله العظيم: {اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ} [الأنعام: 124]!
والرسالة أمر هائل خطير (1)، أمر كونيّ تتّصل فيه الإرادة الأزليّة الأبديّة بحركة عبد مصطفى، ويتّصل فيه الملأ الأعلى بعالم الإنسان المحدود، وتتصل فيه السماء بالأرض، والدنيا بالآخرة، ويتمثّل فيه الحق الكليّ في قلب بشر، وفي واقع حياة، وفي حركة تاريخ، وتتجرّد فيه كينونة بشريّة من حظ ذاتها لتخلص لله، لا خلوص النيّة والعمل وكفى؛ ولكن خلوص المحلّ الذي يملؤه هذا الأمر الخطير، فذات الرسول صلى الله عليه وسلم تصبح موصولة بهذا الحق ومصدره صلة مباشرة كاملة، وهي لا تتّصل هذه الصلة إلا أن تكون من ناحية عنصرها الذاتي صالحة للتلقّي المباشر بلا عوائق ولا سدود، ولا قيود ولا حدود!
وهنا نبصر النبوة أمراً عظيماً حقًّا، ونتصوّر مجرّد تصوّر لحظة التلقّي عظيمة حقًّا (2)!
هذا الوحي .. هذا الاتصال العجيب .. هذا الاتصال المعجز الذي لا يملك إلا الله أن يجعله واقعاً يتحقق .. ولا يعرف إلا الله كيف يقع ويتحقّق؟!
تُرى، أيّة طبيعة هذه التي تتلقّى ذلك الاتصال العلويّ الكريم؟!
أيّ جوهر من جواهر الأرواح ذلك الذي يتّصل بهذا الوحي، ويختلط بذلك العنصر ويتّسق مع طبيعته وفحواه؟!
إنه إنسان ذو حدود وقيود، وتلك حقيقة .. ولكنها تتراءى هنالك بعيداً بعيداً على أفق عال، ومرتقى صاعد، لا تكاد المدارك تتملاّه!
روح هذا النبيّ .. روح هذا الإنسان الكريم .. تُرى، كيف كانت تحسّ بهذه الصلة؟! وهذا التلقّي؟! كيف كانت تتفتّح؟!
(1) في ظلال القرآن: 3: 1202 بتصرف.
(2)
المرجع السابق: 5: 3171 بتصرف.